موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
إن الموت في صلب الفكر واللاهوت المسيحي ليس نهايةً للمسيرة الإيمانية بقدر ما هو عبورٌ حيٌّ وولادة حقيقية في أحضان الأبدية، حيث تُعتبر الشهادة أسمى درجات التعبير عن المحبة والتكريس الكامل لله. لقد أرسى الكتاب المقدس دعوته الصريحة لكل مؤمن لسلوك طريق القداسة المتدرجة نحو الكمال، والتي تبدأ بالتوبة ونقاوة السيرة وتتدرج حتى تصل إلى أوجها. فالرسول بطرس يؤكد في رسالته الأولى ضرورة الاقتداء بالقدوس في كل سيرة وأسلوب حياة، مشدداً على التدرج الروحي بالقول: (بل نظير القدوس الذي دعاكم، كونوا أنتم أيضاً قديسين في كل سيرة. لأنه مكتوب: كونوا قديسين لأني أنا قدوس)، كما يتابع القديس بولس الرسول في رسالته إلى العبرانيين ليحث المؤمنين على السعي الحثيث على الجهاد نحو القداسة التي بدونها لن يرى أحدٌ الرب. يبلغ هذا السعي الروحي والمخاض المتدرج أوج كماله الأبدي وحصاده الأعظم حين يمتزج الإيمان المحض بالتضحية الكلية بالذات، لينال المؤمن معمودية الدم تلك المعمودية الفائقة التي تُطهر النفس من كل ضعف بشري، وتنقل صاحبها مباشرة من مضايق هذا العالم الفاني إلى اتساع الملكوت الإلهي، ليلبس إكليل المجد الخالد ويستقر في أحضان الأبرار بوصفه قديساً وشفيعاً مقرباً أمام العرش الملوكي.
وهذا الطريق النوراني المتدرج في الصبر والجهاد، المحفوف بالآلام والانتصارات الروحية، هو ذاته النهج الإيماني والأخلاقي الذي خطه آباء الكنيسة الأوائل عبر العصور، وصنعوا به تاريخاً حياً متصاعد الخطوات لا يُذوى ولا يُمحى. لقد واجه الأبرار عبر التاريخ صنوفاً من التضييق والاضطهاد متدرجين في مراتب الثبات والشهادة، لكنهم ظلوا ينظرون إلى ما وراء المنظور، متمسكين بالرجاء الذي لا يخزى، وهو ما وثقه القديس بولس الرسول في رسالته إلى العبرانيين في الإصحاح الحادي عشر بكلماته العميقة المحفورة في سفر الإيمان:
(وآخرون قد عذبوا بتوتير الأعضاء والضرب ولم يقبلوا النجاة ليحصلوا على قيامة افضل وآخرون قد ذاقوا الهزء والسياط والقيود أيضا والسجن رجموا، نشروا امتحنوا ماتوا بحد السيف ساحوا في جلود الغنم والمعز معوزين، مضايقين، مجهودين ولم يكن العالم مستحقا لهم تائهين في البراري والجبال والمغاور وكهوف الأرض فهولاء كلهم المشهود لهم بالإيمان لم ينالوا الموعد لان الله قد سبق فنظر لنا شيئا افضل لكي لا يكملوا بمعزل عنا. فنحن أيضًا، إذ يُحْدِقُ بنا مثلُ هذه السَّحابَةِ من الشُّهُودِ، فلْنُلْقِ عنَّا كُلَّ ثِقَلٍ والخطيئةَ المحيطَةَ بسهولةٍ بنا، ولْنُسَابِقْ بالصَّبْرِ في الجِهادِ الَّذي أمامَنَا، ناظِرِين إلى رئيسِ الإيمانِ ومكمِّلِهِ يسوع).
وفي الامتداد الحي لهذه السحابة المباركة من الشهود والأبرار، يأتي تجسيد هذه البطولة الروحية والوطنية المتدرجة في تاريخنا المعاصر، حيث إن أبناء قرية حمود الذين خضبوا بدمائهم الطاهرة تراب هذا الوطن ساروا على نهج أباء الكنيسة الاوائل ونالوا الشهادتين شهادة الايمان وشهادة الوطن. لقد واجه هؤلاء الأطهار لحظة الاختيار بالإيمان الصلب الذي لا يتزعزع، فغرسوا أقدامهم في أرضهم الأبية وامتزجت طهارة إيمانهم بصدق انتمائهم الوطني حين بذلوا نفوسهم في بيت من بيوت الله، رافضين المساومة على وجودهم أو التنازل عن رسالتهم في المحبة والسلام. إن ارتقاءهم في بيوت العبادة لم يكن مجرد حادثة غدر عابرة، بل كان إشهاراً علنياً في ثبات الكنيسة الحية المتجذرة في هذا الشرق، وتأكيداً على أن الدماء الزكية التي تُسفك على تراب الوطن تزيد التربة قداسةً وتزيد المجتمع تماسكاً وعزيمة.
ولأن المسيحيين هم أبناء الرجاء وأبناء القيامة، وبصنيعهم الإيماني والوطني الفذ لم يترك شهداء حمود لأهاليهم ووطنهم مجرد ذكرى حزينة أو حسرة على الفراق، بل تحولوا في الوجدان الإيماني والكنسي إلى مشاعل نور وقديسين شفعاء في السماء يُطلب دعاؤهم وتستلهم منهم الأجيال معاني الصمود. إنهم يقفون اليوم مع سحابة الشهود، يتكللون بالأكاليل النورانية، ويشهدون من علياء مجدهم على أن المحبة أقوى من الموت، وأن ظلام الكراهية مهما اشتد يتهاوى أمام ضياء الإيمان والمواطنة الراسخة. إن سيرتهم العطرة ستظل نداءً دائماً ينبض بالحياة، يدعو كل مؤمن ومواطن إلى إلقاء ثقل الخوف والتردد، والمسابقة بالصبر في الجهاد اليومي دفاعاً عن الحق وحفاظاً على الإيمان وصوناً لكرامة الوطن وترابه المجيد.