موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
الأحد السادس عشر من الزمن العادي (أ)
المقدمة
هل للأبناء رجاء؟ وفي مَن؟
على ضوء نصّين من كلا العهدين، سنتعمق في هذا المقال لنناقش موضوع «رجاء الأبناء»، باحثين عن إجابات في ضوء كلمة الله.
ففي النص الأول من العهد القديم، في سفر الحكمة (12: 13-19)، يدعونا الحكيم إلى اتخاذ خطوات لعبور باب الرجاء بوصفنا أبناء شعب الله. ويقدّم لنا المرحلة الأولى للتعرّف إلى حقيقة الله العادل والشفوق، المتّسم بالغفران، الذي يمنح أبناءه الرجاء بسخاء.
وبالتوازي مع هذا النص، نصغي إلى تعليم يسوع بحسب متّى (13: 24-43)، الذي يدعونا إلى تتبّع ثلاث مراحل من خلال أمثاله. فمن خلال هذه الأمثال الثلاثة، يفتح أمامنا باب الملكوت القريب منا، عبر مرحلة الأصغرية، ثم مرحلة النمو، وأخيرًا مرحلة الانتظار والتروّي.
ويهدف هذا المقال إلى التمسك بالملكوت من خلال الرجاء الكامن في أعماقنا، بوصفنا أبناءً للرب.
1. باب الرجاء (حك 12: 13-19)
يوجه كاتب سفر الحكمة، في هذا المقطع، العديد من التساؤلات البلاغية ليؤكد قدرة الرب وعظمته، وأنه لا مثيل له، ولا يُقارن بأي من آلهة الشعوب الوثنية في عصره، ولا يوجد من ينافسه، متسائلًا: «مَنِ الَّذي يَقول: ماذا صَنَعتَ؟ أَو مَنِ الَّذي يَعتَرِضُ على حُكمِكَ؟ ومَنِ الَّذي يُحاكِمُكَ لأنَّكَ أَهلَكتَ الأُمَمَ الَّتي خَلَقتَها؟ أَو مَنِ الَّذي يأتي لِيَشهَدَ علَيكَ بِأنَّكَ تُدافعُ عن ناسٍ ظالِمين؟» (حك 12: 12).
وفي الوقت ذاته، يوجّهنا الحكيم، كمؤمنين، إلى عنصر لاهوتي جوهري، وهو قوة الرب إلهنا، التي تُعدّ مبدأً إلهيًا يشير إلى عدالته، بقوله: «إِذ لَيسَ سِواكَ إِلهٌ يَعتَني بجَميعِ النَّاس حَتَّى تُرِيَه أنّكَ لا تَحكُمُ حُكمَ الظُّلْم. ولَيسَ لِمَلِكٍ أَو سُلْطانٍ أَن يُجابِهَكَ في أَمرِ الَّذينَ عاقَبتَهم. وبما أنّكَ عادِلٌ فأَنتَ تَسوسُ بِالعَدْلِ جَميعَ النَّاس، وتَحسِبُ الحُكمَ على مَن لا يَستوجِبُ العِقابَ أَمرًا مُنافيًا لِقُدرَتِكَ. لأَنَّ قُوَّتَكَ هي مَبدَأُ عَدلِكَ، وبما أنّكَ تَسودُ الجَميع فأَنتَ تُشفِقُ على جَميعِ النَّاس. تَعرِضُ قوَّتَكَ لِلَّذينَ لا يؤمِنونَ بِكَمالِ قُدرَتِكَ، وتُخزي جَسارةَ الَّذينَ يَعرِفونَها. أَمَّا أَنتَ، فإِنَّكَ تَسودُ بِقُوَّتِكَ، فتَحكُمُ بِالرِّفق، وتَسوسُنا بكثيرٍ من المُراعاة، لأَنَّ في يَدِكَ القُدرَةَ على العَمَلِ مَتى شِئتَ» (حك 12: 13-18).
إن السمات التي يصف بها الحكيم إله بني إسرائيل تتلخص في: العدل، والشفقة، والقدرة، والقوة، وأخيرًا الرفق بكل إنسان دون تمييز. وهذه السمات هي الصفات التي رافق الله بها شعبه، سواء في أوقات أمانتهم أو في أوقات خيانتهم بعبادة آلهة أخرى، وفي أثناء حفظهم وصاياه أو انحرافهم عنها.
وهذا يؤكد أن أمانة الله لشعبه هي التي تميّزه عن سائر الآلهة، ولذلك لا منافس له، بسبب هذه القدرة الخلّاقة التي لا تدين ولا تحكم بالظلم، بل هي صفات الإله الآب الذي ينظر إلى شعبه على أنهم أبناؤه. ويختتم الحكيم هذا النص بالإشادة بالأعمال الإلهية الفريدة، لأن أعمال الله تعكس صفاته، وتعلّمنا اليوم، نحن شعبه، المحبة التي هي مصدر جميع هذه السمات.
أما السمة اللاهوتية التي يفاجئنا بها الحكيم، والتي تشكل الباب الأول لرجائنا، فهي غفران الرب إلهنا؛ فهو لا يعاقبنا بحسب خطايانا، بل يمنحنا رجاءً جديدًا من خلال نعمته السخية، أي نعمة التوبة، قائلًا: «بِأَعمالِكَ هذه علَّمتَ شَعبَكَ أَنَّ البارَّ يَجبُ علَيه أَن يكونَ مُحِبًّا لِلنَّاس، وجَعَلتَ لأَبنائكَ رَجاءً حَسَنًا، لأنَّكَ تَمنَحُ التَّوبَةَ عنِ الخَطايا» (حك 12: 19).
إذًا، يُكلِّل هذا المقطع الحكمي رجاءنا، نحن أبناء الله، بأنه، بالرغم من ضعفنا، يفتح لنا بابًا جديدًا هو باب الرجاء بالتوبة، فنصير أبناءً كما يليق بالله، إلهًا وآبًا معًا. وهذا الفكر الجديد، الذي كشفه الكاتب، سيتأكد على لسان يسوع الابن، من خلال استمراره في تعليمنا بالأمثال، التي يفسر لنا بها رجاءنا نحن الأبناء في الملكوت، لنحيا حياة الآب والابن معًا.
2. باب الملكوت (مت 13: 24-43)
نتابع في هذا المقال الجزء الآخر من الخطبة الثالثة ليسوع، بحسب الإنجيلي متّى، والتي أشرنا إليها في المقال السابق من خلال الإصحاح الثالث عشر. فبعد أن تعرفنا إلى التوبة بوصفها بابًا لرجائنا كأبناء الله، يكشف لنا يسوع مراحل جديدة، من خلال ثلاثة أمثال، يعلّمنا بها جوهر الرجاء في الملكوت.
في هذا المقطع، يقدّم يسوع تعليمًا جديدًا للتلاميذ وللجموع معًا، ولنا أيضًا. فلا يزال يسوع المعلّم جالسًا بيننا نحن البشر، يتفوّه بأسرار الملكوت من خلال مجموعة من الأمثال: أولها مثل الزؤان (مت 13: 24-30)، ثم مثل حبّة الخردل (مت 13: 31-32)، ثم مثل الخميرة (مت 13: 33). ويختتم الإنجيلي هذا المقطع (مت 13: 36-43)، كما فعل في المقطع السابق، بتفسير المثل الأول، استجابةً لطلب تلاميذه.
ويبدع متّى الإنجيلي في تكرار العبارة التي يستهل بها يسوع كل مثل: «مثل ملكوت السماوات» (مت 13: 24، 31، 33).
ويهدف هذا التكرار إلى إعلان أن يسوع يرغب في الكشف عمّا هو خفي عن الإنسان، وإزالة ستار الغموض عن العالم الإلهي، الذي يعلنه تدريجيًا في تعليمه، حتى يصبح واضحًا لسامعيه، سواء كانوا من التلاميذ أم من الجموع، وكذلك لنا اليوم.
فيسوع هو إنسان الملكوت، الذي أتى من حضن الآب ليكشف لنا أسرار العالم الإلهي، ويسعى جاهدًا إلى أن يحملنا إليه. فهو لا يكتفي بحمل الملكوت في شخصه، بل يدعونا إلى أن نحيا هذا الملكوت منذ الآن، فنصير، رجالًا ونساءً، شهودًا له على الأرض.
ويبرز متّى أيضًا بُعدًا لاهوتيًا مهمًا، إذ يقدّم يسوع بوصفه المعلّم الذي يتمّم نبوات العهد القديم، مستشهدًا بالمزمور الثامن والسبعين: «هذا كلُّه قاله يسوع للجموع بالأمثال، ولم يقل لهم شيئًا من دون مثل، ليتم ما قيل على لسان النبي: "أتكلم بالأمثال، وأعلن ما كان خفيًا منذ إنشاء العالم"» (مت 13: 34-35).
ومن خلال هذه الأمثال، يفتح يسوع أمامنا أبوابًا جديدة للرجاء، لأنه يكشف لنا أسرارًا تنتمي إلى العالم الإلهي.
واللافت أن هذه الأمثال تنطلق من واقع بسيط جدًا، من حياة الزراعة والبيت، مستخدمة عناصر يعرفها الجميع: القمح والزؤان، وحبة الخردل، والخميرة. وهكذا يفاجئنا الإنجيلي بأن تعليم يسوع السامي عن الملكوت يرتبط بأبسط عناصر الخليقة التي أوجدها الله منذ البدء.
فالقمح والزؤان ينموان في الأرض، وحبة الخردل تُدفن في الأرض، والخميرة تذوب في الدقيق. وجميعها تمر بمراحل أساسية تكشف لنا تدريجيًا سرّ الملكوت، كما سنرى في الفقرات التالية.
1.2 مرحلة الأصغرية (مت 13: 24-43)
إن أبواب الرجاء التي يشير إليها يسوع من خلال أمثاله تحمل سمةً جوهرية، هي الأصغرية. فمن خلال الأمثال الثلاثة: حبوب القمح والزؤان، وحبة الخردل، والخميرة، يلفت يسوع انتباهنا إلى أمور تبدو صغيرة، وقد لا تُرى بالعين المجردة، كما في مثل الخميرة: «مَثَلُ مَلَكوتِ السَّمَوات كَمَثَلِ خَميرَةٍ أَخَذَتها امرأَةٌ، فجَعَلَتها في ثَلاثةِ مَكاييلَ مِنَ الدَّقيق حتَّى اختَمَرَت كُلُّها» (مت 13: 33).
فالخميرة، عندما تختلط بالدقيق، لا يمكن تمييزها، إذ تذوب فيه وتختفي تمامًا، لكن قوتها تظهر في العجين كله، فتجعله يختمر.
وكذلك حبة الخردل، التي يقول عنها الإنجيلي: «هيَ أَصغَرُ البُزورِ كُلِّها، فإِذا نَمَت كانَت أَكبَرَ البُقول، بل صارَت شَجَرَةً حتَّى إِنَّ طُيورَ السَّماءِ تَأتي فتُعَشِّشُ في أَغصانِها» (مت 13: 32). ويبرز هنا التناقض الجميل بين عبارتي «أصغر البزور» و«صارت شجرة»، ليكشف أن ما يبدو صغيرًا يحمل في داخله إمكانية عظيمة للنمو.
أما في مثل القمح والزؤان، فنجد أصغريةً مزدوجة؛ إذ إن حبوب القمح والزؤان تتشابه في بدايتها، ولا يمكن التمييز بينها إلا بعد أن تنمو. وهنا يحذرنا يسوع قائلًا: «مَثَلُ مَلَكوتِ السَّمَوات كَمَثَلِ رَجُلٍ زَرَعَ زَرعًا طَيِّبًا في حَقلِه. وبَينما النَّاسُ نائمون، جاءَ عَدوُّهُ فزَرَعَ زُؤانًا بَينَ القَمحِ وانصَرَف» (مت 13: 24-25).
فالزرع الطيب يمثل عمل الله، بينما الزؤان يمثل عمل العدو. ومن هنا يدعونا يسوع إلى اليقظة، حتى لا ننخدع بما يبدو متشابهًا في البداية. فهناك من ينتمي إلى الملكوت، ويجاهد في تواضعه، واضعًا ثقته في صلاح الرب. وفي المقابل، هناك من يظن أنه يحقق مكاسبه بذكائه، بينما لا يزرع سوى الزؤان في حياة الآخرين، فيفسد حياته قبل أن يفسد حياة غيره.
إن كل واحد منا يحمل في قلبه بذورًا صغيرة. فإذا كانت هذه البذور صالحة، ونمّت بنعمة الله، أثمرت خيرًا وصلاحًا. أما إذا سمحنا للشر أن يجد مكانًا فيها، فإنها تتحول إلى زؤان يفسد حياتنا بإرادتنا. وهذا كله يؤكد أن الأصغرية ليست أمرًا تافهًا أو بلا قيمة، بل إن كل ما هو صغير يحمل في داخله حياةً وقوةً كامنة.
لذلك، لا ينبغي أن نخاف من صغرنا أمام الله أو أمام ذواتنا أو أمام الآخرين. فمن دون ذوبان حبيبات الخميرة في الدقيق، لا يختمر العجين، ومن دون دفن البذرة الصغيرة في الأرض، لا تنمو الشجرة. وهنا يبرز السؤال: ما علاقة الأصغرية بالملكوت؟
إن مرحلة الأصغرية هي الخطوة الأولى في مسيرة كل من يسعى إلى الملكوت، وهي الباب الذي يعبر منه المؤمن تدريجيًا نحو رجائه الحقيقي. فمن خلال قبولنا لصغرنا، يبدأ الله عمله فينا، ويقودنا شيئًا فشيئًا إلى ملكوته.
2.2 مرحلة النمو (مت 13: 26، 30-33)
يلي باب الأصغرية بابٌ آخر، هو باب النمو. وهذه المرحلة في غاية الأهمية، ويتضح ذلك من خلال تأكيد يسوع في الأمثال الثلاثة، إذ يقول: «فلَمَّا نَما النَّبتُ وأَخرَجَ سُنبُلَه، ظَهَرَ معه الزُّؤان... فدَعوهما يَنبُتانِ معًا إلى يوم الحصاد» (راجع مت 13: 26، 30).
وهنا تتجلّى حكمة رب الحقل، الذي يوجّه خدمه ألّا يقتلعوا الزؤان، بل يتركوا القمح والزؤان ينموان معًا حتى يحين وقت الحصاد.
ثم يقول في المثل الثاني: «مَثَلُ مَلَكوتِ السَّمَوات كَمَثَلِ حَبَّةِ خَردَل أَخذَها رَجُلٌ فزرعَها في حَقلِه. هي أَصغَرُ البُزورِ كُلِّها، فإِذا نَمَت كانَت أَكبَرَ البُقول» (مت 13: 31-32).
إن استعمال يسوع أداة الشرط «إذا» يدل على أن بعض البذور قد لا تنمو لأنها فاقدة للحياة. أما إذا نمت، فإن أصغر البذور تتحول إلى أكبر البقول، بل إلى شجرة عظيمة.
وهنا تظهر مرحلة النمو بوصفها عملًا إلهيًا خفيًا، لا يُرى بالعين، لكنه يعمل في داخل الإنسان. إنها قوة داخلية تتفجر من أصغر البذور، فتجعلها تنمو تدريجيًا، حتى تصبح شجرةً تأوي إليها طيور السماء.
ويقول يسوع أيضًا في مثل الخميرة: «مَثَلُ مَلَكوتِ السَّمَوات كَمَثَلِ خَميرَةٍ أَخَذَتها امرأَةٌ، فجَعَلَتها في ثَلاثةِ مَكاييلَ مِنَ الدَّقيق حتَّى اختَمَرَت كُلُّها» (مت 13: 33).
إن استعمال يسوع لكلمة «حتى» يشير إلى عملية النمو التدريجية التي تقوم بها كمية قليلة من الخميرة داخل كمية كبيرة من الدقيق.
فمن دون تلك الحبيبات الصغيرة، لا تتم عملية التخمير، مهما بلغت كمية الدقيق.
وهكذا، تأتي مرحلة النمو بعد مرحلة الأصغرية، ولا يمكن الاستغناء عن أي منهما في مسيرة المؤمن نحو الملكوت.
فالملكوت يبدأ من أصغر البذور، ثم ينمو تدريجيًا بعمل نعمة الله في داخلنا، حتى تتفجر البذور الصالحة التي زرعها الرب في قلوبنا، وتظهر ثمارها في حياتنا.
3.2 مرحلة الانتظار (مت 13: 30-33)
بعد أن فتح يسوع أمامنا آفاقًا جديدة لفهم الملكوت، من خلال مرحلتي الأصغرية والنمو، يدعونا إلى المرحلة الثالثة، وهي مرحلة الانتظار.
وهذه المرحلة لا تقل أهمية عن المرحلتين السابقتين، لأن المراحل الثلاث معًا تُعدّ المؤمن للدخول في حياة الملكوت.
وتتجلى مرحلة الانتظار أولًا في قرار رب الحقل، عندما قال لخدمه: «دَعوهما يَنبُتانِ معًا إلى يوم الحصاد. فإذا جاء وقت الحصاد قلت للحصّادين: اجمعوا الزؤان أولًا، واربطوه حزمًا ليُحرَق، وأما القمح فاجمعوه إلى أهرائي» (مت 13: 30).
إنها حكمة رب الحقل، الذي يفضّل الانتظار حتى لا يُقتلع القمح مع الزؤان.
وهكذا يدعونا يسوع إلى أن نتحلّى بالصبر تجاه ذواتنا أيضًا، عندما نكتشف في حياتنا بذورًا زرعها عدو الخير. ففي مثل هذه المواقف، نحن بحاجة إلى التروّي والصلاة، منتظرين أن يكشف الرب ما هو صالح وما هو فاسد، حتى لا نهدم الخير الذي زرعه الله فينا.
ثم يلفت يسوع نظرنا إلى حبّة الخردل، التي تحتاج أيضًا إلى الانتظار حتى تبلغ نموها الكامل: «هي أَصغَرُ البُزورِ كُلِّها، فإِذا نَمَت كانَت أَكبَرَ البُقول» (مت 13: 32).
فالانتظار هو أفضل معلّم، لأنه يحرّر الإنسان من التسرّع والقلق، ويجعله يثق بأن الرب، الذي منح البذرة، هو أيضًا القادر على رعايتها حتى تبلغ اكتمالها.
فالصبر هو علامة المؤمن الذي يحيا الملكوت، من دون أن يحاول استعجال ثماره.
وأخيرًا، يوجّه يسوع أنظارنا إلى المرأة في مثل الخميرة، بعدما سبق أن تحدّث عن الرجل في أمثاله الزراعية، فيقول: «مَثَلُ مَلَكوتِ السَّمَوات كَمَثَلِ خَميرَةٍ أَخَذَتها امرأَةٌ، فجَعَلَتها في ثَلاثةِ مَكاييلَ مِنَ الدَّقيق حتَّى اختَمَرَت كُلُّها» (مت 13: 33).
فالانتظار بروح السكينة والهدوء هو مرحلة أساسية للتمتع بالأعمال الإلهية في حياتنا.
إذ إن الملكوت ينمو في داخلنا يومًا بعد يوم، بكلمة الرب وحضوره الحي، حتى يكتمل عمل نعمته فينا.
الخلاصة
بحثنا في هذا المقال موضوع «رجاء الأبناء»، منطلقين من تساؤلين: هل للأبناء رجاء؟ وفي مَن؟
وتدرجنا في مناقشة هذا الموضوع على ضوء كاتب سفر الحكمة (12: 13-19)، الذي دعانا إلى التعرّف إلى حقيقة الرب إلهنا، من خلال اتخاذ خطوات عملية لعبور باب الرجاء نحو الله، الذي لا منافس له، بوصفه الآب العادل والشفوق، الذي يتميز بغفرانه لأبنائه، إذ يمنحهم نعمة التوبة.
وانطلاقًا من كلمات الحكيم، تابعنا تأملنا في تعليم يسوع بحسب متّى (13: 24-43)، من خلال الأمثال الثلاثة. فاكتشفنا أن يسوع، إنسان الملكوت، يعلّمنا ليحملنا إلى الملكوت، القريب منا، بل الكائن في داخلنا.
ورأينا أن هذه المسيرة تمر بثلاث مراحل أساسية:
الأولى، مرحلة الأصغرية، حيث إن الصِّغر هو سمة البذور وحبيبات الخميرة. وتليها مرحلة النمو، التي تجعل كل ما هو صغير وخفي في باطن الأرض أو الدقيق ينفجر بطاقة الحياة التي يحملها في داخله. وأخيرًا، مرحلة الانتظار، التي يدعونا فيها يسوع إلى التروّي والصبر، حتى يبلغ هذا النمو نضجه الكامل، فنختبر الملكوت الحقيقي.
ويختتم يسوع تعليمه بالمثل بهذه الكلمات:
«والصِّدِّيقونَ يُشِعُّونَ حِينَئذٍ كالشَّمْسِ في مَلَكوتِ أَبيهِم. فمَن كانَ له أُذُنانِ فَلْيَسْمَعْ» (مت 13: 43).
فكل من يسير في هذه المراحل الثلاث، التي علّمنا إياها يسوع، مؤكدًا ما أعلنه الحكيم، يصير حقًا ابنًا للرجاء، ويكتشف أن الله الآب هو مصدر ومنبع رجاء كل مؤمن.
دمتم حاملين رجاء الأبناء، يومًا بعد يوم.