موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر السبت، ١٤ مارس / آذار ٢٠٢٦

حين يغلق الباب بعمل الايمان

بقلم :
الأب داني قريو السالسي - لبنان
حين يغلق الباب بعمل الايمان

حين يغلق الباب بعمل الايمان

 

عندما نقرأ رواية شفاء المخلّع في الإنجيل (مر 2، 1-12)، غالبًا ما تتجه أنظارنا مباشرة إلى النهاية: إلى ذلك الرجل الذي يقوم ويحمل سريره ويمشي أمام الجميع. غير أن التوقف قليلًا عند تفاصيل القصة يكشف لنا عمقًا روحيًا أكبر بكثير من مجرد شفاء جسدي.

 

المشهد يبدأ ببيتٍ مكتظ بالناس، حيث كان يسوع يعلّم. في الخارج رجلٌ مخلّع، عاجز عن السير، لا يستطيع الوصول إلى يسوع بقوّته الخاصة. ولولا أربعة أصدقاء حملوه على أكتافهم لما اقترب أصلًا من ذلك البيت. حاولوا الدخول من الباب، لكن الزحام كان شديدًا، وكل واحد من الموجودين في الداخل كان لديه سبب وجيه ليبقى في مكانه. ومع ذلك، كان لهذا الرجل الحق أيضًا في أن يصل إلى يسوع.

 

وهنا يمكننا أن نرى في هذا المشهد اربعة مجموعات من الناس، تشبه كثيرًا ما يحدث في حياتنا الكنسية اليوم.

 

هناك أولًا مجموعة داخل البيت، أي القريبة من يسوع، لكنها بدل أن تفرح بوصول المتعبين، تنشغل بالتذمر والحكم. فهؤلاء كانوا الكتبة الذين اعترضوا في قلوبهم عندما قال يسوع للمخلّع: «يا بُنَيَّ، غُفِرَت لكَ خَطاياك». إنهم قريبون من يسوع جسديًا، لكن قلوبهم بعيدة جداً، غير منفتحة على عمل رحمته.

 

وهناك أيضًا مجموعة عند الباب: أناس يقفون بدافع الفضول، يريدون أن يروا ويسمعوا، لكنهم دون أن يشعروا يعيقون الطريق أمام الآخرين. فهم ليسوا أعداء، لكنهم يشغلون المدخل، فيصبح الباب الذي يفترض أن يكون طريقًا للعبور عائقًا أمام من يحتاج فعلاً أن يصل إلى يسوع.

 

أما المجموعة الثالثة فهي في الخارج: أناس متعبون، مجروحون، لهم حاجات حقيقية، وربما يحملون في قلوبهم إيمانًا صادقًا. لكنهم كثيرًا ما يشعرون أنهم غير قادرين على الدخول، لأن البعض يتصرف وكأنه وحده صاحب البيت أو الحارس على باب الكنيسة.

 

أما المجموعة الرابعة في الخارج: لكن قريبة من المحتاجين، هم المبادرون، المبشرون، المتطوعون...  الذين لا تعيقهم الظروف ويكسرون القواعد ولا يخافون من المغامرة، هم أصدقاء المخلع، الذين لديهم مشاعر السامري الصالح، مشاعر كل مسيحي صادق، يسرعون ويبكترون طرقاً لايصال المحتاجين إلى يسوع.

 

هذه هي  جرأة الإيمان. لم يستسلم الأصدقاء للعقبات، ولم يقولوا إن الطريق مغلق. صعدوا إلى السطح، وفتحوا فتحة في السقف، ثم أنزلوا المخلّع من هناك أمام يسوع. قد يبدو المشهد للوهلة الأولى وكأنه نوع من الفوضى أو التخريب، لكن الإنجيل لا يذكره عبثًا. فالمقصود ليس رواية حادثة غريبة، بل الكشف عن إيمانٍ جريء وخلاّق، إيمان لا يرضى بأن تبقى المعاناة خارج باب الرحمة.

 

وهنا يقول الإنجيل عبارة لافتة: «فلَمَّا رأَى يسوعُ إِيمانَهم، قالَ لِلمُقعَد: «يا بُنَيَّ، غُفِرَت لكَ خَطاياك». لم يقل الإنجيل: عندما رأى يسوع مرض الرجل، أو عندما سمع صلاته. بل قال: عندما "رأى إيمانهم". إيمان هؤلاء الأصدقاء الذين لم يقبلوا أن يتركوا صاحبهم أسير عجزه. لقد صاروا الجسر الذي أوصله إلى يسوع.

 

في هذا التفصيل يكمن سرّ كبير: أحيانًا لا يصل الإنسان إلى الله بقوّته الخاصة، بل بإيمان الآخرين الذين يحملونه بالصلاة والمحبة والاهتمام. كم من إنسان اليوم مقعدٌ داخليًا: في الرجاء، في الإيمان، في القدرة على النهوض من خطيئته أو ألمه. وكم يحتاج إلى أصدقاء يحملونه، لا بالكلام فقط فقط، بل عملياً يحركون رجليهم وايديهم وجيوبهم أيضاً إن استدعى الأمر.

 

لكن المفاجأة الحقيقية في القصة هي طريقة تدخل يسوع. فالكل كان يتوقع كلمة شفاء فوري: “قم وامشِ”. غير أن يسوع قال أولًا: «يا بُنَيَّ، غُفِرَت لكَ خَطاياك»

 

كأن يسوع يريد أن يكشف أن جرح الإنسان الأعمق ليس دائمًا في جسده، بل في قلبه. أحيانًا تتعثر حياتنا لأننا فقدنا الثقة بأن الله قادر حقًا على أن يغفر ويجدّد حياتنا.

 

الغفران هو أول معجزة. هو الشفاء الداخلي الذي يعيد للإنسان كرامته ويحرره من ثقله الداخلي. لذلك، قبل أن يردّ يسوع للمخلّع القدرة على المشي، أعاد إليه القدرة على الحياة.

 

أما الشفاء الجسدي الذي حدث لاحقًا ـ عندما قال له يسوع: «قم، احمل سريرك وامشِ» ـ فكان علامة مرئية للحاضرين، وخاصة للكتبة والفريسيين الذين شككوا في سلطان يسوع على مغفرة الخطايا. أراد يسوع أن يبيّن أن ابن الإنسان له السلطان على الأرض أن يغفر الخطايا.

 

وهكذا، في كل مرة يركع فيها الإنسان في سرّ الاعتراف طالبًا المغفرة، ويقوم بعد الحَلّة، يتجدد هذا الإنجيل من جديد. فالإنسان يدخل مثقلًا، وكأنه مخلّع من الداخل، ثم ينهض وقد أعاده الله إلى الطريق.

 

إنجيل المخلّع يذكّرنا أيضًا برسالة الكنيسة اليوم. فليس المطلوب فقط أن ننتظر من يأتي إلى الباب، بل أحيانًا أن نبحث عن طرق جديدة، جريئة وخلاّقة، لنحمل المتعبين والبعيدين إلى لقاء المسيح. فالناس أثمن من الجدران، وخلاص الإنسان أهم من كل الترتيبات المريحة.

 

ربما نسأل أنفسنا اليوم:

هل أنا ذلك المخلّع الذي يحتاج أن يحمله الآخرون إلى يسوع؟

أم أنا أحد الأصدقاء الأربعة الذين يحملون المتعبين بالصلاة والمحبة؟

في الحقيقة، كلنا في لحظات مختلفة من حياتنا نكون الاثنين معًا: نحمِل، ونُحمَل.

 

لكن الأكيد أن يسوع، عندما يرى إيمانًا صادقًا، لا يترك أحدًا ممددًا على سريره، بل يقول له دائمًا: قم… وامشِ