موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر الخميس، ٢٦ فبراير / شباط ٢٠٢٦

أحد شفاء النازفة: ضعف الإنسان وقوة الله

بقلم :
الأب داني قريو السالسي - لبنان
أحد شفاء النازفة: ضعف الإنسان وقوة الله

أحد شفاء النازفة: ضعف الإنسان وقوة الله

 

تقودنا الكنيسة في الأحد الثالث من زمن الصوم الكبير، لنتأمل في يسوع الذي «كان يجول يصنع خيرًا» (را. أع 10، 38). لم يكن حضوره حياديًا، ولا عبوره عابرًا؛ كان حيثما ذهب يزرع شفاءً، ويوقظ رجاءً، ويعيد للإنسان كرامته.

 

يخبرنا الإنجيل (لو 8، 40-56) أنّ يسوع كان في طريقه ليشفي ابنة يايروس ذات الاثنتي عشرة سنة. النية واضحة، والطلب صريح وملحّ، والوقت ضاغط. لكن على الطريق حدث ما لم يكن في الحسبان، حدث ما يبدو وكأنه “تعطيل، تأخير”. غير أن تأخيرات الله ليست عبثًا؛ ففي الطريق إلى معجزة، يصنع يسوع معجزة أخرى. قبل أن يصل إلى بيت يايروس، أعطى الشفاء لامرأة نازفة منذ اثنتي عشرة سنة.

 

كان يسوع يعرف أين يذهب، لكنه أيضًا كان يعرف مَن يمرّ بقربه. هو ليس أسير جدول أعمال، وبرامج مغلقة، بل ربّ اللحظة والإنسان. كان في طريقه إلى فتاة تحتضر، لكنه توقف من أجل امرأة تنازع ببطء منذ سنوات. الله لا يختار بين آلامنا؛ كل ألم يهمّه، وكل أنين يصله.

 

الإنجيل يقول إنها « قد عانَت كثيرًا مِن أَطِبَّاءَ كَثيرين، وأَنفَقَت كُلَّ ما عِندَها فلَم تَستَفِدْ شَيئًا، بل صارت مِن سَيِّئٍ إِلى أَسوَأ » (مر 5، 26). خسرت مالها، وخسرت صحتها، وخسرت سنوات من حياتها.

 

لكن مأساتها لم تكن جسدية فقط:

 

· دينيًا: بحسب الشريعة، كانت نجسة ما دامت تنزف دمًا (را. لا 15). أي محرومة من الصلاة الجماعية، من الهيكل، من العلاقة الظاهرة مع الله. كأنها مقطوعة عن السماء.

 

· اجتماعيًا: من يلمسها يتنجّس. أي أنها مبعدة عن الناس، عن العائلة، عن الحياة الطبيعية. كأنها مقطوعة عن المجتمع.

 

· شخصيًا: جسد يتألم، يتوجع، يئن ويفنى ببطء. نفسية مثقلة بالخجل واليأس. كأنها مقطوعة عن ذاتها.

 

انقطاع ثلاثي: عن الله، عن الناس، عن الذات.

 

كم من إنسان يعيش اليوم هذا النوع من النزيف الداخلي؟ قد لا يكون دمًا ظاهرًا، بل نزيف ثقة، نزيف كرامة، نزيف أمل ورجاء.

 

رغم كل هذا، لم تتحوّل إلى امرأة مرارة، لم تأخذ دور الضحية، لم تتذمر وتلعن وتقل: “الحياة ظلمتني، والله تخلى عني، والناس رفضوني”.


كان في داخلها رجاء صغير، لكنه حيّ. سمعت عن يسوع. وقررت أن تغامر مرة أخيرة. ليس عند طبيب، بل عند معطي الحياة.

 

هنا تمرّ اللحظة الحاسمة: بالرغم من العائق الديني - فهي بحسب الشريعة لا يحق لها أن تلمسه - تغامر. تتحدى الخوف، وتكسر القيود، وتتقدم وسط الجموع.

 

لم تقل: “ممنوع”. قالت: “إن لمستُ ولو هدب ثوبه شُفيت.

 

هذا هو الإيمان: مبادرة جريئة، مغامرة مقدسة.

 

الجموع كانت تزاحمه. كثيرون كانوا يلمسونه (جسديًا). لكن يسوع توقف وقال: «من لمسني؟»
 

استغرب التلاميذ: «أنت ترى الجمع يزحمك وتقول من لمسني؟»

 

نعم، هناك فرق بين زحام ولمسة.
 

بين اقتراب فضولي واقتراب مؤمن.
 

بين من يريد صورة، ومن يريد خلاصًا.

 

لو أردنا أن نستخدم لغة عصرنا، يمكننا القول: كثيرون كانوا يريدون “صورة سلفي” مع يسوع، شهرة، انتماء ظاهري، حدث يُروى.
 

أما هي، فلم تبحث عن Trend. لم ترَ فيه مؤثرًا مشهورًا، بل رأت فيه الله.
 

لم تبحث عن صورة تُنشر، بل عن حياة تُستعاد.
 

لم تكن تريد أن ترتبط باسمه كخبر، بل أن تلتصق بقلبه كخلاص. وهكذا أصبحت Brand أصبحت لمستها ماركة مسجلة، حتى اليوم نتحدث عنها. لأنها لمَست،  لمسة إيمان، لذلك خرجت منه قوة.

 

قال لها: «يا ٱبْنَتِي، إِيْمَانُكِ خَلَّصَكِ! إِذْهَبِي بِسَلام!». دعَاها “يا ابنة”. أعاد لها هويتها المفقودة. لم يشفِ جسدها فقط، بل أعاد إدماجها في العلاقة: مع الله، مع الناس، مع ذاتها.

 

 

في قلب كل واحد منا قوة إيمان، لكنها تبقى كامنة إن لم تتصل بينبوعها.

لا يمكن أن نعيش الإيمان بعيدًا عن معطي الإيمان، يسوع المسيح.

ولا يمكن أن نفهم الحب إن لم نختبر الحب الإلهي.

المعجزة حدثت عندما التقى ضعفها بقوته.

هي قدّمت نزفها “موتها“، وهو أعطاها حياة.

هي قدّمت جرأتها، وهو أعطاها خلاصًا.

وهنا سؤال الصوم لكل واحد منا:

هل أكتفي بأن أكون في “زحام الكنيسة”، أم أقترب بلمسة إيمان؟

هل أعيش علاقة سطحية مع المسيح، أم أجرؤ أن ألمسه بجرحي، بخوفي، بنزفي الداخلي؟

ربما أنفقت الكثير من الجهد في محاولات فاشلة.

ربما ساءت الأمور بدل أن تتحسن.

ربما تشعر أنك مقطوع عن الله، عن الناس، أو حتى عن نفسك.

لكن إن مرّ يسوع اليوم في طريقك، فاعلم أنه لا يمر عبثًا.

هو ما زال يجول يصنع خيرًا.

قد يكون في طريقه إلى “معجزة أخرى”، لكنه لن يتجاهل إيمانك إن اقتربت منه.

 

فلنطلب في هذا الزمن المبارك:
 

يا رب، أعطنا شجاعة النازفة،

علّمنا أن لا نبقى أسرى الماضي،

أن لا نبحث عن صورة معك، بل عن لقاء حقيقي بك،

أن نلمسك بإيمان حيّ، فننال منك القوة التي تغيّر حياتنا.

لأنك أنت معطي الحياة، ومنك وحدك يأتي الشفاء. آمين.