موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر الأربعاء، ٢١ أكتوبر / تشرين الأول ٢٠٢٦

حين يعبث الذكاء الاصطناعي بذاكرتنا

د. لبنى حنا عماري

د. لبنى حنا عماري

د. لبنى حنا عماري :

 

هل يمكن أن نفقد القدرة على التمييز بين ما حدث وما نتذكّر أنه حدث؟

 

لم تعد خطورة الذكاء الاصطناعي مقتصرة على صورة مزيفة أو تسجيل صوتي يصعب كشفه. فالسؤال الأعمق هو ما إذا كانت هذه التقنيات قادرة على التأثير في الطريقة التي نتذكر بها أحداثًا شهدناها فعلًا. ماذا يحدث حين نشاهد واقعة، ثم نقرأ ملخصًا مولدًا آليًا يغيّر تفاصيلها؟ وهل نستطيع لاحقًا التمييز بين ما رأيناه وما أخبرتنا الآلة بأنه حدث؟

 

الذاكرة البشرية ليست تسجيلًا حرفيًا للماضي؛ إنها عملية يعيد العقل من خلالها بناء تفاصيل التجربة كلما استرجعها. ولهذا يمكن للمعلومات اللاحقة أن تؤثر في التذكر، حتى عندما يكون الإنسان واثقًا من روايته. الجديد في عصر الذكاء الاصطناعي ليس اكتشاف قابلية الذاكرة للتأثر، بل ظهور أدوات تستطيع إنتاج روايات مقنعة ومخصصة بسرعة، وتقديمها في هيئة ملخصات وصور ومقاطع تبدو متماسكة وموثوقة.

 

في سبتمبر 2026، نشر الباحثون Mattea Sim وYael Eiger وTadayoshi Kohno بحثًا أوليًا بعنوان " التلاعب بالذاكرة البشرية المدعوم بالذكاء الاصطناعي". اختبروا فيه ما إذا كانت الملخصات المضللة التي يولدها الذكاء الاصطناعي تؤثر في تذكّر حدث شاهده المشاركون في مقطع عن حادث مروري. وأظهرت التجربة أن من قرؤوا ملخصًا مضللًا كانوا أقل قدرة على تذكّر الحدث بدقة مقارنة بمن قرؤوا ملخصًا صحيحًا. وما يجعل النتيجة مهمة أن التضليل لم يكن بالضرورة حملة متعمدة؛ فقد تكفي أخطاء أو تفاصيل محذوفة في ملخص آلي لتؤثر في استعادة الحدث. ومع ذلك، يبقى هذا البحث أوليًا، ولا ينبغي التعامل معه بوصفه حكمًا نهائيًا على جميع استخدامات الذكاء الاصطناعي.

 

وفي دراسة منشورة في سبتمبر 2026 في مجلة Computers in Human Behavior، بحثت ماريا سوتو-سانفيل وجينا جونهان فو في كيفية تلقي الجمهور روايات تاريخية تُعرض عبر شخصيات أعيد إحياؤها بتقنية التزييف العميق، مقارنة بالنصوص المكتوبة. وجدت الدراسة اختلافات في التذكر وتقييم الصدق بين الوسيطين؛ إذ تراجعت الذاكرة والحكم بالصدق للمقاطع المزيفة بوتيرة أسرع من النصوص. وهذه نتيجة تدعو إلى الحذر من افتراض أن واقعية الصورة وحدها تجعلها أكثر إقناعًا أو أكثر رسوخًا في الذاكرة. وهذا يؤكد أن تذكّر الحدث يتأثر بما يصل إلى الإنسان بعد وقوعه، وبالطريقة التي يُطلب منه بها استرجاعه ويربك الإدراك ويضعف الثقة بالأخبار والمؤسسات.

 

تتجاوز المخاطر ذاكرة الفرد إلى الذاكرة العامة. فقد ينتشر مقطع مزيف عن حدث وطني، أو تسجيل منسوب إلى شخصية عامة، ثم يعاد تداوله حتى يصبح مألوفًا. وقد يختلط لدى بعض الناس ما شاهدوه أول مرة بما قرؤوه في شرح لاحق. وفي الإعلام والمحاكم والتعليم، قد تكون النتيجة نزاعًا حول الأدلة ومصدر المعلومات، لا مجرد اختلاف عابر في الرأي.

 

في الأردن، لا تكفي الدعوة إلى اكتشاف الصور المزيفة؛ بل نحتاج إلى ثقافة تحقق رقمية تبدأ من السؤال عن المصدر الأصلي، وتاريخ النشر، والسياق، ووجود مصادر مستقلة تؤكد الواقعة. ويمكن للمؤسسات التعليمية والإعلامية أن تعلّم الجمهور التمييز بين الدليل والتفسير، وعلى المنصات توضيح المحتوى الاصطناعي قدر الإمكان. أما المستخدم، فعليه الاحتفاظ بالمصادر وعدم اعتبار الألفة أو الثقة الشخصية برهانًا على صحة المعلومة.

 

لا تثبت أبحاث 2026 أن الذكاء الاصطناعي سيجعل البشر عاجزين عن التمييز بين الواقع والذكرى، لكنها تقدم أسبابًا جدية لدراسة هذا الاحتمال والتعامل معه بمسؤولية. فالمشكلة ليست أن الآلة تستطيع اختلاق رواية فحسب، بل أن روايتها قد تتداخل مع روايتنا عن أنفسنا. وفي زمن يسهل فيه تصنيع الأدلة، تصبح حماية الذاكرة مسؤولية مشتركة بين الباحثين والإعلام والمدارس والمنصات والأفراد؛ لأن الحقيقة لا تُقاس بمدى إقناع القصة، بل بقدرتنا على التحقق من الدليل الذي يسندها قبل أن تتحول إلى يقين جماعي.

 

(جريدة الرأي)