موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر الخميس، ٦ أغسطس / آب ٢٠٢٦

تَجَلّي يسوع كما رواه مَتَّى الإنجِيلي

بقلم :
الأب لويس حزبون - فلسطين
تَجَلّي يسوع كما رواه مَتَّى الإنجِيلي (متى 17: 1-9)

تَجَلّي يسوع كما رواه مَتَّى الإنجِيلي (متى 17: 1-9)


النَّص الإنْجيلي (متى 17: 1-9)

 

1 وبَعدَ سِتَّةِ أَيَّام مَضى يسوعُ بِبُطرسَ ويَعقوبَ وأَخيه يوحَنَّا، فانفَردَ بِهِم على جَبَلٍ عالٍ، 2-وتَجلَّى بِمَرأًى مِنهُم، فأَشَعَّ وَجهُه كالشَّمس، وتَلألأَت ثِيابُه كالنُّور. 3 وإِذا موسى وإِيلِيَّا قد تَراءَيا لَهم يُكلِّمانِه. 4 فخاطَبَ بُطرُسُ يسوعَ قال: ((يا ربّ، حَسَنٌ أَن نكونَ ههُنا. فإِن شِئتَ، نَصَبْتُ ههُنا ثَلاثَ خِيَم: واحِدَةً لكَ وواحِدَةً لِموسى وواحِدَةً لإِيليَّا)). 5 وبَينَما هُوَ يَتَكَلَّم إِذا غَمامٌ نَيِّرٌ قد ظلَّلهُم، وإِذا صَوتٌ مِنَ الغَمامِ يقول: ((هذا هَو ابنيَ الحَبيبُ الَّذي عَنهُ رَضيت، فلَهُ اسمَعوا)). 6 فلَمَّا سَمِعَ التَّلاميذ ذلك، سَقَطوا على وُجوهِهِم، وقدِ استَولى علَيهِم خَوفٌ شديد. 7 فدنا يسوعُ ولمَسَهم وقالَ لَهم: ((قوموا، لا تَخافوا)). 8 فَرفَعوا أَنظارَهم، فلَم يَرَوا إِلاَّ يسوعَ وحدَه. 9 وبَينما هم نازلونَ مِنَ الجَبَل، أَوصاهُم يسوعُ قال: ((لا تُخبِروا أَحداً بِهذِه الرُّؤيا إلى أَن يَقومَ ابنُ الإِنسانِ مِن بَينِ الأَموات)).

 

 

مُقَدِّمَة

 

يُسَلِّطُ إِنْجِيلُ مَتَّى الأَضْوَاءَ عَلَى شَخْصِيَّةِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ وَرِسَالَتِهِ الإِلَهِيَّةِ الْخَلَاصِيَّةِ مِنْ خِلَالِ مَشْهَدِ التَّجَلِّي (مَتَّى 17: 1-9)، الَّذِي يُعَدُّ مِنْ أَعْظَمِ الإِعْلَانَاتِ الإِنْجِيلِيَّةِ عَنْ هُوِيَّتِهِ الإِلَهِيَّةِ. فَلَمْ يَكُنِ التَّجَلِّي حَدَثًا مَعْزُولًا، بَلْ جَاءَ بَعْدَ أَوَّلِ إِعْلَانٍ صَرِيحٍ لِيَسُوعَ عَنْ آلَامِهِ وَمَوْتِهِ وَقِيَامَتِهِ، حِينَ "بَدَأَ يُظْهِرُ لِتَلَامِيذِهِ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَذْهَبَ إِلَى أُورُشَلِيمَ، وَيُعَانِيَ آلامًا شَدِيدَةً مِنَ الشُّيُوخِ وَعُظَمَاءِ الْكَهَنَةِ وَالْكَتَبَةِ، وَيُقْتَلَ، وَفِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ يَقُومَ" (مَتَّى 16: 21).

 

وَلَمَّا عَجَزَ التَّلَامِيذُ عَنْ فَهْمِ سَبَبِ اخْتِيَارِ مُعَلِّمِهِمْ طَرِيقَ الصَّلِيبِ، أَرَادَ اللهُ أَنْ يُثَبِّتَ إِيمَانَهُمْ، فَكَشَفَ لَهُمْ شَيْئًا مِنْ مَجْدِ ابْنِهِ عَلَى الْجَبَلِ، حَتَّى لَا يَتَزَعْزَعُوا عِنْدَ رُؤْيَةِ مَشْهَدِ آلامِهِ وَصَلْبِهِ. وَيُؤَكِّدُ الْقِدِّيسُ لَاوُنُ الْكَبِيرُ أَنَّ الْمَسِيحَ تَجَلَّى أَمَامَ تَلَامِيذِهِ "لِئَلَّا تُحْدِثَ مَهَانَةُ الصَّلِيبِ اضْطِرَابًا فِي إِيمَانِهِمْ، وَلِيُظْهِرَ أَنَّ آلامَهُ الطَّوْعِيَّةَ تَقُودُ إِلَى مَجْدِ الْقِيَامَةِ" (PL 54: 310-311).

 

وَفِي وَسَطِ السَّحَابَةِ النَّيِّرَةِ، أَعْلَنَ الآبُ هُوِيَّةَ يَسُوعَ الْحَقِيقِيَّةَ قَائِلًا: "هٰذَا هُوَ ابْنِي الْحَبِيبُ الَّذِي عَنْهُ رَضِيتُ، فَلَهُ اسْمَعُوا" (مَتَّى 17: 5). وَتُعَدُّ هٰذِهِ الْكَلِمَاتُ ذُرْوَةَ مَشْهَدِ التَّجَلِّي، إِذْ لَا يَكْتَفِي الآبُ بِالإِعْلَانِ عَنْ بُنُوَّةِ الْمَسِيحِ، بَلْ يَدْعُو التَّلَامِيذَ إِلَى الطَّاعَةِ الْكَامِلَةِ لِتَعْلِيمِهِ. وَيُعَلِّقُ الْقِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الْفَمِ بِقَوْلِهِ: "إِنَّ الآبَ لَمْ يَقُلْ: انْظُرُوا إِلَيْهِ فَحَسْبُ، بَلْ: اسْمَعُوا لَهُ، لِأَنَّ طَرِيقَ الْخَلَاصِ هُوَ الإِصْغَاءُ لِكَلِمَةِ الْمَسِيحِ وَاتِّبَاعُهَا" (PG 58: 549).

 

وَيُظْهِرُ مَشْهَدُ التَّجَلِّي أَنَّ مَجْدَ الْمَسِيحِ وَآلامَهُ لَيْسَا حَقِيقَتَيْنِ مُتَعَارِضَتَيْنِ، بَلْ وَجْهَانِ لِسِرِّ الْخَلَاصِ الْوَاحِدِ. فَالطَّرِيقُ إِلَى الْقِيَامَةِ يَمُرُّ حَتْمًا بِالصَّلِيبِ، وَالْمَجْدُ الإِلَهِيُّ يَنْكَشِفُ فِي كَمَالِ الْمَحَبَّةِ الْبَاذِلَةِ. وَيُؤَكِّدُ الْقِدِّيسُ كِيرِلُّس الإِسْكَنْدَرِيُّ أَنَّ الْمَسِيحَ "كَشَفَ لِتَلَامِيذِهِ مَجْدَهُ قَبْلَ الآلامِ، لِكَيْ يَعْلَمُوا أَنَّ الَّذِي سَيُصْلَبُ هُوَ رَبُّ الْمَجْدِ، وَأَنَّ آلامَهُ لَيْسَتْ عَنْ عَجْزٍ، بَلْ عَنْ مَحَبَّةٍ وَتَدْبِيرٍ خَلَاصِيٍّ" (PG 72: 908-909).

 

لِذٰلِكَ، فَإِنَّ جَبَلَ التَّجَلِّي وَجَبَلَ الْجُلْجُلَةِ لَا يَنْفَصِلَانِ فِي اللاَّهُوتِ الإِنْجِيلِيِّ؛ فَالأَوَّلُ يُعْلِنُ مَجْدَ الابْنِ، وَالثَّانِي يُظْهِرُ عُمْقَ مَحَبَّتِهِ الْفِدَائِيَّةِ. وَقَدْ لَخَّصَ الْقِدِّيسُ أوغسطينوس هٰذِهِ الْحَقِيقَةَ بِقَوْلِهِ: "اِنْزِلْ مَعَ الْمَسِيحِ مِنَ الْجَبَلِ، فَإِنَّكَ لَنْ تَبْلُغَ الْمَجْدَ إِلَّا إِذَا سِرْتَ مَعَهُ فِي طَرِيقِ الصَّلِيبِ" (PL 38: 492). مِنْ هُنَا تَكْمُنُ أَهَمِّيَّةُ دِرَاسَةِ نَصِّ التَّجَلِّي، إِذْ يَقُودُنَا إِلَى فَهْمٍ أَعْمَقَ لِسِرِّ شَخْصِ الْمَسِيحِ وَرِسَالَتِهِ، وَيُبَيِّنُ أَنَّ الْمَجْدَ الإِلَهِيَّ لَا يَنْفَصِلُ عَنِ الْفِدَاءِ، وَأَنَّ دَعْوَةَ التِّلْمِيذِ هِيَ أَنْ يُصْغِيَ إِلَى الْمَسِيحِ، وَيَتْبَعَهُ بِالإِيمَانِ وَالرَّجَاءِ فِي مَسِيرَةِ الصَّلِيبِ، وَاثِقًا بِأَنَّ نِهَايَتَهَا هِيَ الْقِيَامَةُ وَالْمَجْدُ.

 

 

أَوَّلًا: وَقَائِعُ النَّصِّ الإِنْجِيلِيِّ (مَتَّى 17: 1-9)

 

1.  "وَبَعْدَ سِتَّةِ أَيَّامٍ مَضَى يَسُوعُ بِبُطْرُسَ وَيَعْقُوبَ وَأَخِيهِ يُوحَنَّا، فَانْفَرَدَ بِهِمْ عَلَى جَبَلٍ عَالٍ".

 

تَرْتَبِطُ عِبَارَةُ "بَعْدَ سِتَّةِ أَيَّامٍ" مُبَاشَرَةً بِإِعْلَانِ يَسُوعَ الأَوَّلِ عَنْ آلَامِهِ وَمَوْتِهِ وَقِيَامَتِهِ (مَتَّى 16: 21)، وَبِوَعْدِهِ لِلتَّلَامِيذِ: "الحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ مِنَ الْقِيَامِ هَهُنَا مَنْ لَا يَذُوقُونَ الْمَوْتَ حَتَّى يَرَوُا ابْنَ الإِنْسَانِ آتِيًا فِي مَلَكُوتِهِ" (مَتَّى 16: 28). وَبِهٰذَا يَظْهَرُ أَنَّ حَادِثَةَ التَّجَلِّي تَأْتِي كَتَحْقِيقٍ أَوَّلِيٍّ لِهٰذَا الْوَعْدِ، إِذْ كَشَفَ الْمَسِيحُ لِثَلَاثَةٍ مِنْ تَلَامِيذِهِ مَجْدَهُ الْمَلَكُوتِيَّ قَبْلَ آلامِهِ. وَقَدْ رَأَى عَدَدٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ أَنَّ ذِكْرَ السِّتَّةِ أَيَّامٍ لَيْسَ مُجَرَّدَ تَحْدِيدٍ زَمَنِيٍّ، بَلْ يَحْمِلُ أَيْضًا بُعْدًا رَمْزِيًّا. فَقَدْ يُلَمِّحُ إِلَى عِيدِ الْمَظَالِّ (סֻכּוֹת Sukkôt)، أَحَدِ أَعْيَادِ الْحَجِّ الثَّلَاثَةِ فِي الْعَهْدِ الْقَدِيمِ، إِلَى جَانِبِ عِيدِ الْفِصْحِ وَعِيدِ الْأَسَابِيعِ (خروج 23: 14-17؛ 34: 22-23؛ تثنية 16: 13-16). وَيَبْدَأُ هٰذَا الْعِيدُ فِي الْيَوْمِ الْخَامِسَ عَشَرَ مِنْ شَهْرِ تِشْرِي، بَعْدَ خَمْسَةِ أَيَّامٍ مِنْ عِيدِ الْكَفَّارَةِ (יוֹם כִּפּוּר، Yom Kippur)، وَيَسْتَمِرُّ سَبْعَةَ أَيَّامٍ، يَتْلُوهَا يَوْمٌ ثَامِنٌ مُقَدَّسٌ لِلِاجْتِمَاعِ وَالْعِبَادَةِ (لاويين 23: 33-36). وَقَدْ رَبَطَ بَعْضُ الْبَاحِثِينَ بَيْنَ التَّجَلِّي وَرُمُوزِ هٰذَا الْعِيدِ، لِمَا يَحْتَوِيهِ مِنْ مَوَاضِيعِ حُضُورِ اللهِ وَمَجْدِهِ وَالسَّحَابَةِ النَّيِّرَةِ. وَمِنْ جِهَةٍ رَمْزِيَّةٍ أُخْرَى، يَحْمِلُ الرَّقْمُ سِتَّةٌ دَلَالَةَ الْعَالَمِ الْحَاضِرِ وَالْخَلِيقَةِ الْمَنْظُورَةِ، لِأَنَّ اللهَ خَلَقَ الإِنْسَانَ فِي الْيَوْمِ السَّادِسِ (تكوين 1: 26-31)، بَيْنَمَا يُشِيرُ الْيَوْمُ السَّابِعُ إِلَى الْكَمَالِ وَالرَّاحَةِ الإِلَهِيَّةِ (تكوين 2: 2-3). وَعَلَيْهِ، فَإِنَّ التَّجَلِّي يُظْهِرُ الإِنْسَانَ وَهُوَ يَبْلُغُ كَمَالَهُ فِي الْمَسِيحِ، الَّذِي يُعِيدُ لِلْخَلِيقَةِ مَجْدَهَا الأَصْلِيَّ. وَيَرَى الْعَلَّامَةُ أوريجانوس أَنَّ الأَيَّامَ السِّتَّةَ تَحْمِلُ مَعْنًى رُوحِيًّا، إِذْ يَقُولُ: "إِنَّ مَنْ يُرِيدُ أَنْ يَصْعَدَ مَعَ الْمَسِيحِ إِلَى الْجَبَلِ الْعَالِي، وَيَتَمَتَّعَ بِرُؤْيَةِ مَجْدِهِ، عَلَيْهِ أَوَّلًا أَنْ يَتَجَاوَزَ الأُمُورَ الزَّائِلَةَ، وَيُحَرِّرَ قَلْبَهُ مِنْ مَحَبَّةِ الْعَالَمِ وَشَهَوَاتِهِ، حَتَّى يَصِيرَ مُسْتَحِقًّا لِمُعَايَنَةِ الْمَجْدِ الإِلَهِيِّ" (PG 13: 1043-1044). أَمَّا الْإِنْجِيلِيُّ لُوقَا فَيَذْكُرُ أَنَّ التَّجَلِّي حَدَثَ "بَعْدَ نَحْوِ ثَمَانِيَةِ أَيَّامٍ" (لوقا 9: 28). وَلَا يَتَعَارَضُ ذٰلِكَ مَعَ رِوَايَةِ مَتَّى، إِذْ يُرَجَّحُ أَنَّ لُوقَا يَعُدُّ يَوْمَيِ الْبِدَايَةِ وَالنِّهَايَةِ، أَوْ أَنَّهُ يَقْصِدُ الدَّلَالَةَ اللاَّهُوتِيَّةَ لِلرَّقْمِ ثَمَانِيَةٍ، الَّذِي يُشِيرُ فِي التَّقْلِيدِ الْمَسِيحِيِّ إِلَى الْخَلِيقَةِ الْجَدِيدَةِ وَالْقِيَامَةِ وَالْحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ. وَيُعَلِّقُ الْقِدِّيسُ أَمْبْرُوسِيُوس قَائِلًا: "إِنَّ الْيَوْمَ الثَّامِنَ هُوَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ، وَفِيهِ يَبْدَأُ الزَّمَنُ الْجَدِيدُ الَّذِي لَا يَعْرِفُ نِهَايَةً" (PL 15: 1718).

 

أَمَّا عِبَارَةُ "بِبُطْرُسَ وَيَعْقُوبَ وَأَخِيهِ يُوحَنَّا"، فَتُشِيرُ إِلَى الدَّائِرَةِ الدَّاخِلِيَّةِ مِنْ تَلَامِيذِ يَسُوعَ، وَهُمْ نَفْسُهُمُ الَّذِينَ شَهِدُوا إِقَامَةَ ابْنَةِ يَائِيرُسَ (مرقس 5: 37)، وَشَهِدُوا صَلَاةَ يَسُوعَ وَجِهَادَهُ فِي بُسْتَانِ جَثْسَيْمَانِي (مرقس 14: 33). وَبِحَسَبِ الشَّرِيعَةِ الْمُوسَوِيَّةِ، كَانَتْ شَهَادَةُ ثَلَاثَةِ شُهُودٍ كَافِيَةً لِإِثْبَاتِ الْحَقِّ (تثنية 17: 6)، لِذٰلِكَ أَرَادَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ لِلتَّجَلِّي شُهُودٌ مُعْتَمَدُونَ يَنْقُلُونَ هٰذَا الْحَدَثَ لِلْكَنِيسَةِ. وَاللَّافِتُ أَنَّ يَسُوعَ اخْتَارَ هٰؤُلَاءِ الثَّلَاثَةَ عَلَى الرَّغْمِ مِنْ ضَعْفِهِمُ الْبَشَرِيِّ؛ فَبُطْرُسُ سَيُنْكِرُهُ، وَيَعْقُوبُ وَيُوحَنَّا سَيَطْلُبَانِ أَعْلَى الْمَرَاتِبِ فِي الْمَلَكُوتِ (متى 20: 20-23). وَفِي ذٰلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الشَّهَادَةَ هِيَ نِعْمَةٌ إِلَهِيَّةٌ تَسْبِقُ اسْتِحْقَاقَ الإِنْسَانِ. وَيُؤَكِّدُ الْبَابَا فَرَنْسِيسُ: "إِنَّ الشَّهَادَةَ هِيَ عَطِيَّةٌ لَمْ نَسْتَحِقَّهَا، وَنَحْنُ نَشْعُرُ أَنَّنَا غَيْرُ جَدِيرِينَ بِهَا، لَكِنَّ اللهَ يَخْتَارُنَا بِرَحْمَتِه" (عظة الأحد الثاني من الصوم، 8 آذار 2020). وَيُقَدِّمُ الْقِدِّيسُ هِلَارِيُّوسُ أُسْقُفُ بُواتِيِيه تَفْسِيرًا رُوحِيًّا لِاخْتِيَارِ الرُّسُلِ الثَّلَاثَةِ، فَيَقُولُ: "إِنَّ بُطْرُسَ يُمَثِّلُ الإِيمَانَ الثَّابِتَ، وَيَعْقُوبَ يُمَثِّلُ الْجِهَادَ وَالأَمَانَةَ، وَيُوحَنَّا يُمَثِّلُ الْمَحَبَّةَ الْكَامِلَةَ. وَمَنْ جَمَعَ هٰذِهِ الْفَضَائِلَ فِي حَيَاتِهِ، يَسْتَطِيعُ أَنْ يَرْتَقِيَ مَعَ الْمَسِيحِ إِلَى جَبَلِ التَّجَلِّي، وَيُعَايِنَ مَجْدَهُ" (PL 9: 1018-1019). وَتَبْقَى هٰذِهِ الدَّعْوَةُ مُوَجَّهَةً إِلَى الْمُؤْمِنِينَ فِي كُلِّ زَمَانٍ؛ فَاللهُ يَدْعُو الْيَوْمَ أَيْضًا مَنْ يَقْتَرِبُونَ مِنْهُ بِالإِيمَانِ وَالْمَحَبَّةِ وَالْأَمَانَةِ، لِيَكُونُوا شُهُودًا لِمَجْدِ الْمَسِيحِ فِي الْعَالَمِ، وَلِيُعْلِنُوا أَنَّ طَرِيقَ الصَّلِيبِ هُوَ عَيْنُهُ الطَّرِيقُ الَّذِي يَقُودُ إِلَى مَجْدِ الْقِيَامَةِ.

 

أَمَّا عِبَارَةُ "فَانْفَرَدَ بِهِمْ" فَتُشِيرُ إِلَى أَنَّ يَسُوعَ أَبْعَدَ بُطْرُسَ وَيَعْقُوبَ وَيُوحَنَّا عَنْ بَقِيَّةِ التَّلَامِيذِ، لِيُدْخِلَهُمْ فِي خِبْرَةٍ فَرِيدَةٍ مِنَ اللِّقَاءِ بِاللهِ. وَيُفَسِّرُ الإِنْجِيلِيُّ لُوقَا سَبَبَ هٰذَا الِانْفِرَادِ قَائِلًا: "صَعِدَ إِلَى الْجَبَلِ لِيُصَلِّي" (لوقا 9: 28). فَالصَّلَاةُ هِيَ الإِطَارُ الَّذِي تَمَّ فِيهِ التَّجَلِّي، وَفِيهَا انْكَشَفَ مَجْدُ الاِبْنِ وَتَجَدَّدَتْ قُوَّةُ التَّلَامِيذِ لِمُوَاجَهَةِ سِرِّ الصَّلِيبِ الْمُقْبِلِ. وَيُعَلِّقُ الْقِدِّيسُ أَمْبْرُوسِيُوس قَائِلًا: "لَمْ يَتَجَلَّ الْمَسِيحُ إِلَّا وَهُوَ يُصَلِّي، لِيُعَلِّمَنَا أَنَّ مَنْ يُرِيدُ أَنْ يُعَايِنَ مَجْدَ اللهِ، عَلَيْهِ أَنْ يَدْخُلَ أَوَّلًا فِي شَرِكَةِ الصَّلَاةِ "(PL 15: 1716). وَكَانَ يَسُوعُ، وَهُوَ يَسِيرُ نَحْوَ أُورُشَلِيمَ وَالصَّلِيبِ، يَسْتَمِدُّ فِي الصَّلَاةِ قُوَّةَ إِتْمَامِ إِرَادَةِ الآبِ، وَيُهَيِّئُ تَلَامِيذَهُ لِقَبُولِ سِرِّ آلَامِهِ. وَمِنْ هُنَا يَتَحَوَّلُ الِانْفِرَادُ إِلَى دَعْوَةٍ دَائِمَةٍ لِكُلِّ مُؤْمِنٍ، أَنْ يَبْتَعِدَ عَنْ ضَجِيجِ الْعَالَمِ لِيُصْغِيَ إِلَى صَوْتِ اللهِ فِي عُمْقِ الْقَلْبِ. وَيُذَكِّرُنَا النَّبِيُّ هُوشَعُ بِهٰذِهِ الدَّعْوَةِ الإِلَهِيَّةِ: "هَا أَنَا أُغْرِيهَا وَأَذْهَبُ بِهَا إِلَى الْبَرِّيَّةِ، وَأُخَاطِبُ قَلْبَهَا" (هوشع 2: 16). فَهَلْ نَقْبَلُ نَحْنُ أَيْضًا دَعْوَةَ الْمَسِيحِ إِلَى الِاخْتِلَاءِ، لِنُصْغِيَ إِلَى كَلِمَتِهِ وَنَتَجَدَّدَ بِلِقَائِهِ؟

 

أَمَّا عِبَارَةُ "عَلَى جَبَلٍ عَالٍ"، فَلَا تُقَصَدُ بِهَا الإِشَارَةُ إِلَى جَبَلٍ مُعَيَّنٍ، بَلْ إِلَى الْبُعْدِ اللاَّهُوتِيِّ لِلْجَبَلِ فِي الإِنْجِيلِ. فَالْجَبَلُ عِنْدَ مَتَّى هُوَ مَكَانُ اللِّقَاءِ بَيْنَ اللهِ وَالإِنْسَانِ، وَمَوْضِعُ الْوَحْيِ وَالصَّلَاةِ وَإِعْلَانِ الْمَلَكُوتِ. فَعَلَى جَبَلِ التَّجْرِبَةِ انْتَصَرَ الْمَسِيحُ عَلَى الشَّيْطَانِ (متى 4: 8)، وَعَلَى جَبَلِ التَّطْوِيبَاتِ أَعْلَنَ دُسْتُورَ الْمَلَكُوتِ (متى 5-7)، وَعَلَى الْجَبَلِ صَلَّى مُنْفَرِدًا (متى 14: 23)، وَعَلَيْهِ أَجْرَى عَدَدًا مِنَ الْمُعْجِزَاتِ (متى 15: 29-31)، وَعَلَى جَبَلِ التَّجَلِّي كَشَفَ مَجْدَهُ لِتَلَامِيذِهِ (متى 17: 1-9)، وَأَخِيرًا عَلَى الْجَبَلِ فِي الْجَلِيلِ أَعْطَاهُمُ الْإِرْسَالِيَّةَ الْعُظْمَى (متى 28: 16-20). وَبِهٰذَا يُصْبِحُ الْجَبَلُ فِي لَاهُوتِ مَتَّى رَمْزًا لِتَدَخُّلِ اللهِ الْخَلَاصِيِّ فِي التَّارِيخِ. وَلَمْ يُسَمِّ الإِنْجِيلُ اسْمَ هٰذَا الْجَبَلِ، فَقَدْ ذَهَبَ بَعْضُ الْبَاحِثِينَ الْمُعَاصِرِينَ إِلَى أَنَّهُ جَبَلُ حَرْمُونَ، لِقُرْبِهِ مِنْ قَيْصَرِيَّةِ فِيلُبُّسَ، حَيْثُ جَرَتِ الأَحْدَاثُ السَّابِقَةُ لِلتَّجَلِّي (متى 16: 13)، وَيَرْتَفِعُ أَكْثَرَ مِنْ 2800 مِتْرٍ عَنْ سَطْحِ الْبَحْرِ. أَمَّا التَّقْلِيدُ الْكَنَسِيُّ، مُنْذُ الْقَرْنِ الرَّابِعِ، فَيُحَدِّدُ جَبَلَ طَابُورَ، الَّذِي يَبْلُغُ ارْتِفَاعُهُ نَحْوَ 575 مِتْرًا فِي سَهْلِ يَزْرَعِيل، مَوْضِعًا لِلتَّجَلِّي، وَقَدْ شُيِّدَتْ عَلَى قِمَّتِهِ كَنِيسَةٌ تُخَلِّدُ هٰذَا الْحَدَثَ الْمُقَدَّسَ.

 

إِلَّا أَنَّ الأَهَمَّ مِنَ التَّحْدِيدِ الْجُغْرَافِيِّ هُوَ الْمَعْنَى اللاَّهُوتِيُّ. فَالْجَبَلُ فِي الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ هُوَ مَكَانُ اقْتِرَابِ الإِنْسَانِ مِنَ اللهِ، وَحَيْثُ يَكْشِفُ اللهُ عَنْ ذَاتِهِ وَيُعْلِنُ مَشِيئَتَهُ. فَعَلَى جَبَلِ سِينَاءَ أَعْطَى الرَّبُّ مُوسَى الشَّرِيعَةَ (خروج 24: 12-18)، وَعَلَى جَبَلِ حُورِيبَ ظَهَرَ لإِيلِيَّا فِي نَسِيمٍ لَطِيفٍ (1ملوك 19: 8-18)، وَتَنَبَّأَ أَشَعْيَاءُ بِأَنَّ "جَبَلَ بَيْتِ الرَّبِّ يُوَطَّدُ فِي رَأْسِ الْجِبَالِ... وَتَجْرِي إِلَيْهِ جَمِيعُ الأُمَمِ" (أشعيا 2: 2-3)، وَأَعْلَنَ الْمَزْمُورُ الْمَلَكِيُّ: "أَنَا مَسَحْتُ مَلِكِي عَلَى صِهْيَوْنَ جَبَلِي الْمُقَدَّسِ" (مزمور 2: 6). وَمِنْ ثَمَّ، فَإِنَّ جَبَلَ التَّجَلِّي يُجَسِّدُ ذُرْوَةَ هٰذِهِ الإِعْلَانَاتِ، حَيْثُ يَنْكَشِفُ الْمَسِيحُ بِنُورِ أُلُوهِيَّتِهِ. وَيُؤَكِّدُ الْبَابَا فَرَنْسِيسُ أَنَّ "الْجَبَلَ هُوَ رَمْزُ الْقُرْبِ مِنَ اللهِ، وَمَكَانُ الِارْتِفَاعِ عَنْ أُمُورِ الْحَيَاةِ الْيَوْمِيَّةِ، لِنَنْفَتِحَ عَلَى فَهْمٍ أَعْمَقَ لِسِرِّ الْمَسِيحِ، الَّذِي سَيَتَأَلَّمُ وَيَمُوتُ وَيَقُومُ" (عظة الأحد الثاني من الصوم، 8 آذار 2020). وَيُقَدِّمُ الْقِدِّيسُ أَفْرَامُ السُّرْيَانِيُّ تَفْسِيرًا رُوحِيًّا جَمِيلًا، فَيَقُولُ: "أَصْبَحَ الْجَبَلُ رَمْزًا لِلْكَنِيسَةِ؛ فَعَلَى قِمَّتِهِ جَمَعَ الْمَسِيحُ مُوسَى وَإِيلِيَّا، وَأَظْهَرَ أَنَّهُ رَبُّ الْعَهْدَيْنِ، الْقَدِيمِ وَالْجَدِيدِ، وَأَنَّ جَمِيعَ الأَسْرَارِ تَلْتَقِي فِي شَخْصِهِ" (Commentary on the Diatessaron 17, 16). وَلِذٰلِكَ، فَإِنَّ الصُّعُودَ إِلَى الْجَبَلِ لَيْسَ مُجَرَّدَ انْتِقَالٍ جُغْرَافِيٍّ، بَلْ هُوَ مَسِيرَةٌ رُوحِيَّةٌ نَحْوَ اللهِ. فَكُلُّ مُؤْمِنٍ مَدْعُوٌّ أَنْ يَتَرُكَ ضَجِيجَ الْعَالَمِ، وَيَصْعَدَ بِالصَّلَاةِ وَالصَّمْتِ وَالتَّأَمُّلِ، لِيَلْتَقِيَ بِالْمَسِيحِ، وَيَكْشِفَ لَهُ هُوِيَّتَهُ الإِلَهِيَّةَ، وَيُصْغِيَ إِلَى كَلِمَتِهِ الَّتِي تُنِيرُ طَرِيقَهُ وَتُهَيِّئُهُ لِحَمْلِ الصَّلِيبِ، وَاثِقًا بِأَنَّ طَرِيقَ الآلامِ يَقُودُ دَائِمًا إِلَى مَجْدِ الْقِيَامَةِ.

 

2. "وَتَجَلَّى بِمَرْأًى مِنْهُمْ، فَأَشَعَّ وَجْهُهُ كَالشَّمْسِ، وَتَلَأْلَأَتْ ثِيَابُهُ كَالنُّورِ"

 

تُشِيرُ عِبَارَةُ "تَجَلَّى"، وَفِي الأَصْلِ الْيُونَانِيِّ μετεμορφώθη ، إِلَى تَغَيُّرِ الْهَيْئَةِ أَوِ الصُّورَةِ الظَّاهِرَةِ. وَالْفِعْلُ صِيغَةُ مَاضٍ مَبْنِيٍّ لِلْمَجْهُولِ مِنْ μεταμορφόω، وَمَعْنَاهُ: "يُغَيِّرُ الْهَيْئَةَ" أَوْ "يَتَحَوَّلُ فِي الصُّورَةِ". وَيَرِدُ الْفِعْلُ نَفْسُهُ فِي الْعَهْدِ الْجَدِيدِ لِلدَّلَالَةِ عَلَى التَّحَوُّلِ الرُّوحِيِّ الَّذِي تُحْدِثُهُ النِّعْمَةُ فِي الْمُؤْمِنِ: "تَغَيَّرُوا بِتَجَدُّدِ عُقُولِكُمْ" (رومة 12: 2)، وَعَلَى تَحَوُّلِ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى صُورَةِ الرَّبِّ "مِنْ مَجْدٍ إِلَى مَجْدٍ" (2 قورنتس 3: 18). أَمَّا فِي حَدَثِ التَّجَلِّي، فَلَا يَعْنِي الْفِعْلُ أَنَّ يَسُوعَ تَغَيَّرَ فِي جَوْهَرِهِ، أَوْ أَنَّهُ اتَّخَذَ طَبِيعَةً لَمْ تَكُنْ لَهُ مِنْ قَبْلُ؛ بَلْ يَعْنِي أَنَّ مَجْدَهُ الإِلَهِيَّ الْمَسْتَتِرَ فِي نَاسُوتِهِ ظَهَرَ لِلتَّلَامِيذِ بِقَدْرِ مَا اسْتَطَاعُوا أَنْ يَحْتَمِلُوا. فَالْمَسِيحُ لَمْ يَصِرْ فِي التَّجَلِّي ابْنَ اللهِ، بَلْ كَشَفَ لِلتَّلَامِيذِ أَنَّهُ الابْنُ الأَزَلِيُّ الْمُتَجَسِّدُ. وَيَقُولُ الْقِدِّيسُ يُوحَنَّا الدِّمَشْقِيُّ إِنَّ الْمَسِيحَ لَمْ يَكْتَسِبْ فِي التَّجَلِّي مَا لَمْ يَكُنْ لَهُ، بَلْ أَظْهَرَ لِتَلَامِيذِهِ مَا كَانَ عَلَيْهِ، فَفَتَحَ أَعْيُنَهُمْ لِيُعَايِنُوا، بِحَسَبِ قُدْرَتِهِمْ، بَهَاءَ أُلُوهِيَّتِهِ (PG 96: 564-565).

 

وَقَدِ انْكَشَفَ هٰذَا الْمَجْدُ فِي وَجْهِ يَسُوعَ وَثِيَابِهِ: "فَأَشَعَّ وَجْهُهُ كَالشَّمْسِ، وَتَلَأْلَأَتْ ثِيَابُهُ كَالنُّورِ". فَلَمْ يَأْتِ النُّورُ مِنْ خَارِجِهِ، كَمَا حَدَثَ لِمُوسَى بَعْدَ لِقَائِهِ بِاللهِ، حِينَ أَضَاءَ وَجْهُهُ بِنُورٍ مُنْعَكِسٍ (خروج 34: 29-35)، بَلْ أَشَعَّ مِنْ شَخْصِ الْمَسِيحِ نَفْسِهِ، لِأَنَّهُ هُوَ "نُورُ الْعَالَمِ" (يوحنا 8: 12). فَنُورُ مُوسَى كَانَ نُورًا مُكْتَسَبًا، أَمَّا نُورُ الْمَسِيحِ فَهُوَ إِعْلَانٌ عَنْ مَجْدِهِ الذَّاتِيِّ وَهُوِيَّتِهِ الإِلَهِيَّةِ. وَيُعَلِّقُ الْقِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الْفَمِ عَلَى قَوْلِ الإِنْجِيلِ: "أَشَعَّ وَجْهُهُ كَالشَّمْسِ"، مُبَيِّنًا أَنَّ الْمَسِيحَ أَظْهَرَ لِتَلَامِيذِهِ قَدْرًا مِنَ الْمَجْدِ الَّذِي سَيَظْهَرُ بِهِ عِنْدَ مَجِيئِهِ، لِيُقَوِّيَهُمْ أَمَامَ عَثْرَةِ الصَّلِيبِ، وَلِيُعَلِّمَهُمْ أَنَّ مَنْ سَيَرَوْنَهُ مُهَانًا وَمَصْلُوبًا هُوَ نَفْسُهُ رَبُّ الْمَجْدِ (PG 58: 550-551). وَيَتَّفِقُ هٰذَا الْمَشْهَدُ مَعَ الرُّؤْيَا الَّتِي شَاهَدَهَا يُوحَنَّا الرَّسُولُ لِلْمَسِيحِ الْقَائِمِ وَالْمُمَجَّدِ: "وَرَأْسُهُ وَشَعْرُهُ أَبْيَضَانِ كَالصُّوفِ الأَبْيَضِ، كَالثَّلْجِ، وَعَيْنَاهُ كَلَهِيبِ النَّارِ... وَوَجْهُهُ كَالشَّمْسِ تُضِيءُ فِي أَبْهَى شُرُوقِهَا" (رؤيا 1: 14-16). فَالتَّجَلِّي كَانَ اسْتِبَاقًا لِمَجْدِ الْقِيَامَةِ، وَكَشْفًا مُؤَقَّتًا عَنِ الْمَجْدِ الَّذِي يَمْلِكُهُ الْمَسِيحُ فِي وَحْدَةِ شَخْصِهِ الإِلَهِيِّ وَالإِنْسَانِيِّ. وَهٰذَا مَا يُعَبِّرُ عَنْهُ الإِنْجِيلِيُّ يُوحَنَّا فِي مُقَدِّمَةِ إِنْجِيلِهِ: "وَالْكَلِمَةُ صَارَ بَشَرًا، فَسَكَنَ بَيْنَنَا، وَقَدْ رَأَيْنَا مَجْدَهُ، مَجْدًا مِنْ لَدُنِ الآبِ لِابْنٍ وَحِيدٍ" (يوحنا 1: 14). فَاللهُ لَا يَكْشِفُ عَنْ مَجْدِهِ هُنَا مِنْ خِلَالِ ظَوَاهِرِ الطَّبِيعَةِ فَحَسْبُ، بَلْ فِي شَخْصِ ابْنِهِ الْمُتَجَسِّدِ؛ إِذْ أَصْبَحَ وَجْهُ يَسُوعَ الْبَشَرِيُّ مَوْضِعَ إِشْرَاقِ الْمَجْدِ الإِلَهِيِّ. وَهُوَ مَا يُعَبِّرُ عَنْهُ بُولُسُ الرَّسُولُ بِقَوْلِهِ إِنَّ اللهَ أَشْرَقَ فِي قُلُوبِنَا "لِتُشْرِقَ مَعْرِفَةُ مَجْدِ اللهِ فِي وَجْهِ الْمَسِيحِ" (2 قورنتس 4: 6).

 

أَمَّا لُوقَا الإِنْجِيلِيُّ، فَلَا يَسْتَعْمِلُ الْفِعْلَ μεταμορφόω، بَلْ يَقُولُ: "وَفِيمَا هُوَ يُصَلِّي، تَغَيَّرَ مَنْظَرُ وَجْهِهِ"، وَفِي الْيُونَانِيَّةِ: τὸ εἶδος τοῦ προσώπου αὐτοῦ ἕτερον، أَيْ: "صَارَ مَنْظَرُ وَجْهِهِ مُخْتَلِفًا" (لوقا 9: 29). وَيَرْبِطُ لُوقَا هٰذَا التَّغَيُّرَ بِصَلَاةِ يَسُوعَ، مُظْهِرًا أَنَّ التَّجَلِّي جَرَى فِي إِطَارِ شَرِكَتِهِ الْحَمِيمَةِ مَعَ الآبِ. أَمَّا الْقَوْلُ إِنَّ لُوقَا تَجَنَّبَ لَفْظَ "التَّجَلِّي" خَوْفًا مِنْ أَنْ يَفْهَمَهُ الْقُرَّاءُ الْيُونَانِيُّونَ عَلَى ضَوْءِ أَسَاطِيرِ تَحَوُّلِ الآلِهَةِ، فَهُوَ تَفْسِيرٌ مُحْتَمَلٌ عِنْدَ بَعْضِ الْبَاحِثِينَ، وَلٰكِنَّهُ لَا يَقُومُ عَلَى دَلِيلٍ صَرِيحٍ فِي النَّصِّ؛ لِذٰلِكَ يَبْقَى اخْتِلَافُ التَّعْبِيرِ بَيْنَ الإِنْجِيلِيِّينِ جُزْءًا مِنْ خُصُوصِيَّةِ كُلِّ رِوَايَةٍ اللاَّهُوتِيَّةِ وَالأَدَبِيَّةِ. وَالتَّجَلِّي، بِهٰذَا الْمَعْنَى، لَيْسَ الْقِيَامَةَ نَفْسَهَا، بَلْ هُوَ اسْتِبَاقٌ نَبَوِيٌّ لَهَا، وَعَرْبُونٌ لِلْمَجْدِ الَّذِي سَيَظْهَرُ بَعْدَ اجْتِيَازِ الصَّلِيبِ. وَلِذٰلِكَ أَوْصَى يَسُوعُ التَّلَامِيذَ أَلَّا يُخْبِرُوا أَحَدًا بِالرُّؤْيَا "حَتَّى يَقُومَ ابْنُ الإِنْسَانِ مِنْ بَيْنِ الأَمْوَاتِ" (متى 17: 9). فَلَا يُمْكِنُ فَهْمُ مَجْدِ التَّجَلِّي فَهْمًا صَحِيحًا إِلَّا فِي ضَوْءِ سِرِّ الْمَوْتِ وَالْقِيَامَةِ.

 

أَمَّا عِبَارَةُ "بِمَرْأًى مِنْهُمْ"، وَفِي الْيُونَانِيَّةِ ἔμπροσθεν αὐτῶν، فَمَعْنَاهَا "أَمَامَهُمْ" أَوْ "بِحَضْرَتِهِمْ". وَهِيَ تُؤَكِّدُ أَنَّ التَّجَلِّي لَمْ يَكُنْ خَيَالًا ذَاتِيًّا أَوْ حَالَةً نَفْسِيَّةً عَابِرَةً، بَلْ إِعْلَانًا إِلَهِيًّا مُنِحَ لِلتَّلَامِيذِ لِيَكُونُوا شُهُودًا لَهُ. فَقَدْ رَأَوْا يَسُوعَ كَمَا لَمْ يَرَوْهُ مِنْ قَبْلُ، وَانْكَشَفَ أَمَامَ أَبْصَارِهِمْ شَيْءٌ مِنْ سِرِّ هُوِيَّتِهِ الإِلَهِيَّةِ. وَيَقُولُ الْعَلَّامَةُ أوريجانوس إِنَّ الْمَسِيحَ وَاحِدٌ لَا يَتَغَيَّرُ، إِلَّا أَنَّ النَّاسَ لَا يُعَايِنُونَهُ جَمِيعًا بِالصُّورَةِ نَفْسِهَا؛ فَمَنْ يَبْقَ فِي أَسْفَلِ الْجَبَلِ يَعْرِفُهُ بِقَدْرِ اسْتِعْدَادِهِ، أَمَّا مَنْ يَصْعَدْ مَعَهُ إِلَى جَبَلِ الْمَعْرِفَةِ وَالْحِكْمَةِ، فَيُؤَهَّلْ لِمُعَايَنَةِ مَجْدِهِ وَفَهْمِ أَسْرَارِهِ عَلَى نَحْوٍ أَعْمَقَ (PG 13: 1044-1048).  وَلِذٰلِكَ لَا يَبْقَى التَّجَلِّي حَدَثًا يَخُصُّ بُطْرُسَ وَيَعْقُوبَ وَيُوحَنَّا فَحَسْبُ، بَلْ يَصِيرُ دَعْوَةً لِكُلِّ مُؤْمِنٍ إِلَى أَنْ يَطْلُبَ وَجْهَ الْمَسِيحِ، وَأَنْ يَسْمَحَ لِنُورِهِ بِأَنْ يَدْخُلَ إِلَى حَيَاتِهِ وَيُحَوِّلَهَا. فَالرَّبُّ يُرِيدُ أَنْ يَكْشِفَ لَنَا عَنْ مَجْدِهِ، لٰكِنَّ مُعَايَنَةَ هٰذَا الْمَجْدِ تَتَطَلَّبُ إِيمَانًا وَصَلَاةً وَنَقَاوَةَ قَلْبٍ. فَهَلْ نَبْحَثُ عَنْ حُضُورِهِ بِإِيمَانٍ وَتَقْوَى؟ وَهَلْ نَسْمَحُ لِنُورِ وَجْهِهِ أَنْ يُجَدِّدَ فِكْرَنَا وَقَلْبَنَا وَسُلُوكَنَا؟

 

أَمَّا عِبَارَةُ "فَأَشَعَّ وَجْهُهُ"، وَفِي الأَصْلِ الْيُونَانِيِّ: ἔλαμψεν τὸ πρόσωπον αὐτοῦ ، أَيْ: "أَضَاءَ وَجْهُهُ" أَوْ "أَشْرَقَ وَجْهُهُ"، فَتُشِيرُ إِلَى التَّحَوُّلِ الْمَنْظُورِ الَّذِي ظَهَرَ فِي وَجْهِ يَسُوعَ أَمَامَ التَّلَامِيذِ. فَفِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ، بَزَغَ مِنْ وَجْهِهِ شَيْءٌ مِنْ مَجْدِهِ الأَزَلِيِّ، وَانْكَشَفَ لِلرُّسُلِ مَا كَانَ مُسْتَتِرًا تَحْتَ حِجَابِ نَاسُوتِهِ. فَلَمْ يَكُنِ النُّورُ مُنْعَكِسًا عَلَى يَسُوعَ مِنْ مَصْدَرٍ خَارِجِيٍّ، بَلْ كَانَ يَنْبَعُ مِنْ شَخْصِهِ؛ لأَنَّهُ الْكَلِمَةُ الْمُتَجَسِّدُ الَّذِي "فِيهِ كَانَتِ الْحَيَاةُ، وَالْحَيَاةُ نُورُ النَّاسِ، وَالنُّورُ يُشْرِقُ فِي الظُّلُمَاتِ" (يوحنّا 1: 4-5). إِنَّ فِي أَعْمَاقِ شَخْصِ يَسُوعَ نُورًا إِلَهِيًّا أَزَلِيًّا، وَقَدْ سَمَحَ فِي التَّجَلِّي لِهٰذَا النُّورِ بِأَنْ يَشِعَّ إِلَى الْخَارِجِ، فَيُنِيرَ وَجْهَهُ وَثِيَابَهُ وَكُلَّ مَا حَوْلَهُ. وَيُوَضِّحُ الْقِدِّيسُ إيرونيموس أَنَّ الْمَسِيحَ لَمْ يَفْقِدْ فِي التَّجَلِّي حَقِيقَةَ جَسَدِهِ، وَلَمْ يَتَخَلَّ عَنْ هَيْئَتِهِ الإِنْسَانِيَّةِ، بَلْ أَظْهَرَ فِيهَا سُمُوَّ مَجْدِهِ؛ أَيْ إِنَّهُ رَفَعَ الْحِجَابَ عَنْ بَهَاءِ أُلُوهِيَّتِهِ مِنْ دُونِ أَنْ يَنْزِعَ عَنْهُ طَبِيعَتَهُ الْبَشَرِيَّةَ. فَالتَّجَلِّي لَيْسَ تَبَدُّلًا فِي جَوْهَرِ الْمَسِيحِ، بَلْ إِظْهَارٌ لِمَا كَانَ حَاضِرًا فِيهِ وَمُسْتَتِرًا عَنِ الأَعْيُنِ. وَيُذَكِّرُنَا إِشْرَاقُ وَجْهِ يَسُوعَ بِمُوسَى النَّبِيِّ بَعْدَ لِقَائِهِ بِاللهِ عَلَى جَبَلِ سِينَاءَ، كَمَا وَرَدَ فِي سِفْرِ الْخُرُوجِ: "وَلَمَّا نَزَلَ مُوسَى مِنْ جَبَلِ سِينَاءَ، وَلَوْحَا الشَّهَادَةِ فِي يَدِهِ عِنْدَ نُزُولِهِ مِنَ الْجَبَلِ، لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ أَنَّ بَشَرَةَ وَجْهِهِ قَدْ صَارَتْ مُشِعَّةً مِنْ مُخَاطَبَةِ الرَّبِّ لَهُ" (خروج 34: 29). غَيْرَ أَنَّ الْفَرْقَ بَيْنَ مُوسَى وَالْمَسِيحِ جَوْهَرِيٌّ؛ فَوَجْهُ مُوسَى أَشَعَّ بِنُورٍ مُكْتَسَبٍ وَمُنْعَكِسٍ، لأَنَّهُ وَقَفَ أَمَامَ اللهِ وَخَاطَبَهُ، أَمَّا وَجْهُ يَسُوعَ فَقَدْ أَشَعَّ بِنُورٍ يَنْبَعُ مِنْ ذَاتِهِ. مُوسَى هُوَ الْخَادِمُ الأَمِينُ فِي بَيْتِ اللهِ، أَمَّا الْمَسِيحُ فَهُوَ الابْنُ الْمُقَامُ عَلَى بَيْتِهِ (عبرانيين 3: 5-6). وَإِذَا كَانَ مُوسَى قَدْ عَكَسَ مَجْدَ اللهِ، فَإِنَّ يَسُوعَ هُوَ "ضِيَاءُ مَجْدِهِ وَصُورَةُ جَوْهَرِهِ" (عبرانيين 1: 3). وَبِهٰذَا يَظْهَرُ يَسُوعُ فِي إِنْجِيلِ مَتَّى مُوسَى الْجَدِيدَ، بَلْ مَنْ هُوَ أَعْظَمُ مِنْ مُوسَى، لأَنَّهُ الابْنُ الْوَحِيدُ الَّذِي يُعْلِنُ الآبَ.

 

أَمَّا عِبَارَةُ "كَالشَّمْسِ"، فَتَدُلُّ عَلَى شِدَّةِ الْبَهَاءِ الَّذِي لَا تَسْتَطِيعُ اللُّغَةُ الْبَشَرِيَّةُ أَنْ تَصِفَهُ إِلَّا بِأَشَدِّ مَا تَرَاهُ الْعَيْنُ إِشْرَاقًا. وَتَرْتَبِطُ صُورَةُ الشَّمْسِ بِالنُّورِ وَالْمَجْدِ وَالْحَيَاةِ وَالْحُضُورِ الإِلَهِيِّ؛ فَالْمَسِيحُ هُوَ "شَمْسُ الْبِرِّ" الَّتِي تُشْرِقُ وَفِي أَجْنِحَتِهَا الشِّفَاءُ (ملاخي 3: 20 بحسب ترقيم بعض الترجمات؛ 4: 2 بحسب الترقيم العبري). وَيَرَى الْعَلَّامَةُ أوريجانوس أَنَّ وَجْهَ يَسُوعَ يُضِيءُ كَالشَّمْسِ لِمَنْ صَارُوا "أَبْنَاءَ النُّورِ"، فَخَلَعُوا أَعْمَالَ الظُّلْمَةِ وَلَبِسُوا أَسْلِحَةَ النُّورِ" (رومة 13: 12). فَالْمَسِيحُ لَا يُشْرِقُ عَلَيْهِمْ كَشَمْسٍ مَادِّيَّةٍ، بَلْ بِوَصْفِهِ شَمْسَ الْبِرِّ الَّتِي تُنِيرُ الْعَقْلَ وَتُطَهِّرُ الْقَلْبَ وَتَقُودُ الإِنْسَانَ إِلَى مَعْرِفَةِ اللهِ. وَعِنْدَ أوريجانوس، تَصِيرُ مُعَايَنَةُ هٰذَا النُّورِ عَطِيَّةً لِمَنْ يَصْعَدُونَ مَعَ الْمَسِيحِ إِلَى جَبَلِ الْمَعْرِفَةِ الرُّوحِيَّةِ. وَلَا تَعْنِي صُورَةُ الشَّمْسِ أَنَّ مَجْدَ الْمَسِيحِ مَجْدٌ مَادِّيٌّ أَوْ حِسِّيٌّ، بَلْ إِنَّ الشَّمْسَ هِيَ أَقْرَبُ صُورَةٍ مَنْظُورَةٍ يَسْتَعْمِلُهَا الإِنْجِيلُ لِلتَّعْبِيرِ عَنْ بَهَاءٍ يَفُوقُ الْوَصْفَ. وَهُوَ الْبَهَاءُ الَّذِي سَيُعْلَنُ فِي مَجْدِ الْقِيَامَةِ وَفِي مَجِيءِ ابْنِ الإِنْسَانِ، حِينَ "يُضِيءُ الأَبْرَارُ كَالشَّمْسِ فِي مَلَكُوتِ أَبِيهِمْ" (متى 13: 43).

 

أَمَّا عِبَارَةُ "وَتَلَأْلَأَتْ ثِيَابُهُ كَالنُّورِ"، فَيَرِدُ نَصُّهَا الْيُونَانِيُّ : τὰ δὲ ἱμάτια αὐτοῦ ἐγένετο λευκὰ ὡς τὸ φῶς، أَيْ: "وَصَارَتْ ثِيَابُهُ بَيْضَاءَ كَالنُّورِ". وَهِيَ تُشِيرُ إِلَى أَنَّ التَّجَلِّي لَمْ يَظْهَرْ فِي وَجْهِ يَسُوعَ فَحَسْبُ، بَلِ امْتَدَّ إِلَى ثِيَابِهِ أَيْضًا، حَتَّى صَارَتْ كُلُّ هَيْئَتِهِ مُحَاطَةً بِالنُّورِ. وَيَصِفُ مَرْقُسُ ثِيَابَ يَسُوعَ بِأَنَّهَا "صَارَتْ نَاصِعَةَ الْبَيَاضِ، حَتَّى لَا يَسْتَطِيعَ قَصَّارٌ فِي الأَرْضِ أَنْ يُبَيِّضَ مِثْلَ ذٰلِكَ" (مرقس 9: 3)، فَيُؤَكِّدُ أَنَّ هٰذَا الْبَيَاضَ لَيْسَ نَتِيجَةَ عَمَلٍ بَشَرِيٍّ، بَلْ هُوَ عَلامَةُ حُضُورٍ سَمَاوِيٍّ وَمَجْدٍ إِلَهِيٍّ. وَتُعَدُّ الثِّيَابُ الْبَيْضَاءُ الْمُشِعَّةُ مِنْ عَلامَاتِ الْمَجْدِ السَّمَاوِيِّ فِي الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ. فَيَصِفُ دَانِيالُ "الْقَدِيمَ الأَيَّامِ" قَائِلًا: "كَانَ لِبَاسُهُ أَبْيَضَ كَالثَّلْجِ" (دانيال 7: 9)، وَيَعِدُ سِفْرُ الرُّؤْيَا الْغَالِبَ قَائِلًا: "الْغَالِبُ سَيَلْبَسُ هٰكَذَا ثِيَابًا بَيْضًا، وَلَنْ أَمْحُوَ اسْمَهُ مِنْ سِفْرِ الْحَيَاةِ" (رؤيا 3: 5). فَاللِّبَاسُ الأَبْيَضُ يَرْمُزُ إِلَى النَّقَاوَةِ وَالنَّصْرِ وَالْقِيَامَةِ وَالِاشْتِرَاكِ فِي الْمَجْدِ السَّمَاوِيِّ. وَمِنْ هٰذَا الرَّمْزِ الْكِتَابِيِّ اسْتَمَدَّ التَّقْلِيدُ الْمَسِيحِيُّ دَلَالَةَ ثَوْبِ الْمَعْمُودِيَّةِ الأَبْيَضِ، الَّذِي يُعْلِنُ أَنَّ الْمُعَمَّدَ قَدْ لَبِسَ الْمَسِيحَ وَدَخَلَ فِي حَيَاةٍ جَدِيدَةٍ (غلاطية 3: 27). كَمَا تَحْمِلُ الثِّيَابُ اللِّيتُورْجِيَّةُ الْبَيْضَاءُ دَلَالَةً فِصْحِيَّةً، لأَنَّهَا تُذَكِّرُ بِنُورِ الْقِيَامَةِ وَبِالدَّعْوَةِ إِلَى النَّقَاوَةِ وَالْفَرَحِ وَالِاشْتِرَاكِ فِي مَجْدِ الْمَسِيحِ. وَفِي الْمُقَابِلِ، تَكْشِفُ الْخَطِيئَةُ عُرْيَ الإِنْسَانِ الرُّوحِيَّ، لأَنَّهَا تُفْقِدُهُ لِبَاسَ النِّعْمَةِ وَتَمْلَؤُهُ خَجَلًا وَخَوْفًا. فَبَعْدَ خَطِيئَةِ آدَمَ وَحَوَّاءَ "انْفَتَحَتْ أَعْيُنُهُمَا، فَعَرَفَا أَنَّهُمَا عُرْيَانَانِ، فَخَاطَا مِنْ وَرَقِ التِّينِ وَصَنَعَا لَهُمَا مَآزِرَ" (تكوين 3: 7). أَمَّا الْمَسِيحُ، فَيَسْتُرُ عُرْيَ الإِنْسَانِ وَيُعِيدُ إِلَيْهِ لِبَاسَ الْمَجْدِ، وَلِذٰلِكَ يَدْعُو سِفْرُ الرُّؤْيَا الْمُؤْمِنَ إِلَى أَنْ يَشْتَرِيَ مِنَ الْمَسِيحِ «ثِيَابًا بَيْضًا لِيَلْبَسَهَا، فَلَا تَظْهَرَ سَوْأَةُ عُرْيِهِ" (رؤيا 3: 18).

 

أَمَّا عِبَارَةُ "كَالنُّورِ"، فَتُعْلِنُ أَنَّ مَجْدَ الْمَسِيحِ فِي التَّجَلِّي يَتَجَاوَزُ النُّورَ الْحِسِّيَّ الْعَادِيَّ. وَقَدْ شَدَّدَ الْقِدِّيسُ غِرِيغُورِيُوسُ بَالَامَاس، أُسْقُفُ تَسَالُونِيكِي، فِي لَاهُوتِهِ عَنِ التَّجَلِّي، عَلَى أَنَّ الرُّسُلَ لَمْ يُعَايِنُوا نُورًا مَخْلُوقًا أَوْ ضَوْءًا طَبِيعِيًّا، بَلْ عَايَنُوا، بِحَسَبِ قُدْرَتِهِمْ، إِشْرَاقَ الْمَجْدِ الإِلَهِيِّ غَيْرِ الْمَخْلُوقِ. فَالْمَسِيحُ لَمْ يَكْتَسِبْ فِي التَّجَلِّي نُورًا جَدِيدًا، بَلْ أَظْهَرَ لِتَلَامِيذِهِ النُّورَ الَّذِي كَانَ مُسْتَتِرًا تَحْتَ جَسَدِهِ، وَفَتَحَ أَعْيُنَهُمْ لِيَرَوْهُ بِقَدْرِ مَا يَسْتَطِيعُونَ. وَعَلَيْهِ، فَإِنَّ إِشْرَاقَ وَجْهِ يَسُوعَ وَبَيَاضَ ثِيَابِهِ لَا يُمَثِّلَانِ زِينَةً خَارِجِيَّةً، بَلْ يُعْلِنَانِ حَقِيقَةَ شَخْصِهِ: إِنَّهُ الابْنُ الْمُتَجَسِّدُ، وَنُورُ الْعَالَمِ، وَشَمْسُ الْبِرِّ، وَمَصْدَرُ النُّورِ الَّذِي يُجَدِّدُ الإِنْسَانَ. وَكَمَا أَضَاءَ وَجْهُ الْمَسِيحِ عَلَى الْجَبَلِ، يُرِيدُ أَنْ يُضِيءَ أَيْضًا فِي قُلُوبِنَا، فَنَصِيرَ نَحْنُ أَيْضًا "نُورًا فِي الرَّبِّ"، وَنَسْلُكَ "سُلُوكَ أَبْنَاءِ النُّورِ" (أفسس 5: 8).

 

3. " وَإِذَا مُوسَى وَإِيلِيَّا قَدْ تَرَاءَيَا لَهُمْ يُكَلِّمَانِهِ"

 

تُشِيرُ عِبَارَةُ "مُوسَى وَإِيلِيَّا" إِلَى شَاهِدَيْنِ مِنْ أَعْظَمِ شُهُودِ الْعَهْدِ الْقَدِيمِ؛ فَمُوسَى يُمَثِّلُ الشَّرِيعَةَ، وَإِيلِيَّا يُمَثِّلُ الأَنْبِيَاءَ. وَبِظُهُورِهِمَا إِلَى جَانِب يَسُوعَ، تَشْهَدُ الشَّرِيعَةُ وَالأَنْبِيَاءُ أَنَّ الْمَسِيحَ هُوَ غَايَةُ تَارِيخِ الْخَلَاصِ وَتَمَامُهُ؛ فَهُوَ لَمْ يَأْتِ لِيَنْقُضَ الشَّرِيعَةَ وَالأَنْبِيَاءَ، بَلْ لِيُكَمِّلَهُمَا (مَتَّى 5: 17). وَكَانَ إِيلِيَّا، بِحَسَبِ النُّبُوءَةِ، مُنْتَظَرًا أَنْ يَأْتِيَ قَبْلَ يَوْمِ الرَّبِّ: "هاءَنَذا أُرسِلُ إِلَيكُم إِيلِيَّا النَّبِيَّ قَبلَ أَن يَأتيَ يَومُ الرَّبِّ العَظيمُ الرَّهيب" (ملاخي 3: 23 بحسب الترقيم الكاثوليكي؛ 4: 5 بحسب بعض الترجمات). وَقَدْ رَبَطَ يَسُوعُ هٰذَا الِانْتِظَارَ بِرِسَالَةِ يُوحَنَّا الْمَعْمَدَانِ، الَّذِي جَاءَ بِرُوحِ إِيلِيَّا وَقُوَّتِهِ لِيُهَيِّئَ طَرِيقَ الْمَسِيحِ (مَتَّى 11: 14؛ 17: 10-13؛ لوقا 1: 17). وَيَجْمَعُ بَيْنَ مُوسَى وَإِيلِيَّا أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا الْتَقَى بِاللهِ عَلَى جَبَلٍ؛ فَمُوسَى تَلَقَّى الشَّرِيعَةَ عَلَى جَبَلِ سِينَاءَ، وَأَشَعَّ وَجْهُهُ بَعْدَ مُخَاطَبَتِهِ الرَّبَّ (خروج 24: 12-18؛ 34: 29-35)، وَإِيلِيَّا الْتَقَى بِاللهِ عَلَى جَبَلِ حُورِيبَ فِي صَوْتِ نَسِيمٍ لَطِيفٍ (1 ملوك 19: 8-13). أَمَّا فِي التَّجَلِّي، فَهُمَا لَا يَتَلَقَّيَانِ وَحْيًا جَدِيدًا، بَلْ يَقِفَانِ أَمَامَ يَسُوعَ الَّذِي فِيهِ يَبْلُغُ الْوَحْيُ كَمَالَهُ. وَهُنَاكَ أَيْضًا تَشَابُهٌ بَيْنَ مُوسَى وَإِيلِيَّا فِي غُمُوضِ نِهَايَةِ حَيَاتِهِمَا الأَرْضِيَّةِ. فَعَنْ مُوسَى يَقُولُ سِفْرُ تَثْنِيَةِ الِاشْتِرَاعِ إِنَّ الرَّبَّ دَفَنَهُ، وَإِنَّهُ "لَمْ يَعْرِفْ أَحَدٌ قَبْرَهُ إِلَى هٰذَا الْيَوْمِ" (تثنية 34: 5-6)، أَمَّا إِيلِيَّا فَقَدْ "صَعِدَ فِي الْعَاصِفَةِ نَحْوَ السَّمَاءِ" (2 ملوك 2: 11). وَلٰكِنْ لَا يَعْنِي هٰذَا أَنَّ الْكِتَابَ الْمُقَدَّسَ يُعَلِّمُ صَرَاحَةً أَنَّ مُوسَى أُصْعِدَ إِلَى السَّمَاءِ عَلَى مِثَالِ إِيلِيَّا؛ فَهٰذِهِ الْفِكْرَةُ ظَهَرَتْ فِي بَعْضِ التَّقَالِيدِ الْيَهُودِيَّةِ اللَّاحِقَةِ، أَمَّا النَّصُّ الْكِتَابِيُّ فَيُؤَكِّدُ مَوْتَهُ وَدَفْنَهُ السِّرِّيَّ.

 

أَمَّا عِبَارَةُ "تَرَاءَيَا لَهُمْ"، فَتَدُلُّ عَلَى أَنَّ ظُهُورَ مُوسَى وَإِيلِيَّا كَانَ إِعْلَانًا سَمَاوِيًّا مَنَحَهُ اللهُ لِلتَّلَامِيذِ. وَيُضِيفُ لُوقَا أَنَّهُمَا "ظَهَرَا فِي الْمَجْدِ" (لوقا 9: 31)، أَيْ إِنَّهُمَا ظَهَرَا فِي حَالَةٍ تُنَاسِبُ الْحُضُورَ الإِلَهِيَّ. غَيْرَ أَنَّ مَجْدَهُمَا يَبْقَى مَجْدًا مُشْتَرَكًا وَمَمْنُوحًا، أَمَّا مَجْدُ يَسُوعَ فَهُوَ مَجْدُ الابْنِ الْوَحِيدِ الَّذِي يَشِعُّ مِنْ شَخْصِهِ. وَفِي هٰذَا الْمَشْهَدِ، يَظْهَرُ مُوسَى وَإِيلِيَّا شَاهِدَيْنِ لِصِحَّةِ طَرِيقِ يَسُوعَ وَرِسَالَتِهِ، وَلَا سِيَّمَا طَرِيقِ آلامِهِ وَمَوْتِهِ وَقِيَامَتِهِ. فَهُمَا لَا يُنَافِسَانِهِ وَلَا يَقِفَانِ مَعَهُ عَلَى قَدَمِ الْمُسَاوَاةِ، بَلْ يَشْهَدَانِ لَهُ، ثُمَّ يَخْتَفِيَانِ لِيَبْقَى يَسُوعُ وَحْدَهُ (مَتَّى 17: 8). وَبِذٰلِكَ يَعْلَنُ التَّجَلِّي أَنَّ الشَّرِيعَةَ وَالأَنْبِيَاءَ يَجِدَانِ تَفْسِيرَهُمَا وَكَمَالَهُمَا فِي شَخْصِ الْمَسِيحِ.

 

أَمَّا عِبَارَةُ "يُكَلِّمَانِهِ"، فَلَا يَذْكُرُ مَتَّى مَوْضُوعَ الْحَدِيثِ، لٰكِنَّ لُوقَا يُوَضِّحُ أَنَّهُمَا كَانَا يَتَحَدَّثَانِ عَنْ "رَحِيلِهِ الَّذِي سَيُتِمُّهُ فِي أُورُشَلِيمَ" (لوقا 9: 31). وَالْكَلِمَةُ الْيُونَانِيَّةُ الْمُسْتَعْمَلَةُ هِيَ ἔξοδος أَيْ: "الْخُرُوجُ" أَوْ "الرَّحِيلُ". وَهِيَ كَلِمَةٌ غَنِيَّةٌ بِالدَّلَالَاتِ الْخَلَاصِيَّةِ؛ فَهِيَ تُذَكِّرُ بِخُرُوجِ شَعْبِ إِسْرَائِيلَ مِنْ عُبُودِيَّةِ مِصْرَ بِقِيَادَةِ مُوسَى، وَتُعْلِنُ فِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ أَنَّ يَسُوعَ سَيُتِمُّ فِي أُورُشَلِيمَ خُرُوجًا جَدِيدًا، يَعْبُرُ فِيهِ بِالْبَشَرِيَّةِ مِنْ عُبُودِيَّةِ الْخَطِيئَةِ وَالْمَوْتِ إِلَى حُرِّيَّةِ الْحَيَاةِ وَالْقِيَامَةِ. وَلِذٰلِكَ لَا يَقْتَصِرُ "رَحِيلُ" يَسُوعَ عَلَى مَوْتِهِ، بَلْ يَشْمَلُ سِرَّ آلامِهِ وَصَلْبِهِ وَقِيَامَتِهِ وَدُخُولِهِ فِي الْمَجْدِ. فَالْمَوْتُ لَيْسَ النِّهَايَةَ، بَلْ هُوَ عُبُورٌ فِصْحِيٌّ إِلَى الْحَيَاةِ. وَهٰكَذَا يَرْتَبِطُ الْمَجْدُ الظَّاهِرُ عَلَى جَبَلِ التَّجَلِّي بِالآلامِ الَّتِي سَيَحْتَمِلُهَا الْمَسِيحُ فِي أُورُشَلِيمَ؛ فَالصَّلِيبُ لَيْسَ نَقِيضَ الْمَجْدِ، بَلْ هُوَ الطَّرِيقُ إِلَيْهِ. وَلَا يَعْنِي ذٰلِكَ أَنَّ مَوْتَ يَسُوعَ هُوَ الْمَوْضُوعُ الْوَحِيدُ فِي رِسَالَتِهِ، أَوْ أَنَّ تَعْلِيمَهُ وَمُعْجِزَاتِهِ لَا أَهَمِّيَّةَ لَهَا؛ بَلْ إِنَّ سِرَّ مَوْتِهِ وَقِيَامَتِهِ هُوَ الذِّرْوَةُ الَّتِي تَجِدُ فِيهَا أَقْوَالُهُ وَأَعْمَالُهُ كَمَالَ مَعْنَاهَا. فَتَعْلِيمُهُ يُعْلِنُ الْمَلَكُوتَ، وَمُعْجِزَاتُهُ تُظْهِرُ قُوَّتَهُ الْخَلَاصِيَّةَ، أَمَّا صَلِيبُهُ وَقِيَامَتُهُ فَيُتِمَّانِ هٰذَا الْخَلَاصَ. وَقَدْ كَانَتْ ذَبَائِحُ الْعَهْدِ الْقَدِيمِ تُهَيِّئُ لِذَبِيحَةِ الْمَسِيحِ، وَكَانَ الأَنْبِيَاءُ يَشْهَدُونَ لِلآلامِ الَّتِي سَيَحْتَمِلُهَا وَلِلْمَجْدِ الَّذِي سَيَتْبَعُهَا. وَهٰذَا مَا يُؤَكِّدُهُ بُطْرُسُ الرَّسُولُ قَائِلًا: "وَبَحَثُوا عَنِ الْوَقْتِ وَالأَحْوَالِ الَّتِي أَشَارَ إِلَيْهَا رُوحُ الْمَسِيحِ الَّذِي فِيهِمْ، حِينَ شَهِدَ مِنْ ذِي قَبْلُ بِمَا أُعِدَّ لِلْمَسِيحِ مِنَ الآلامِ وَمَا يَتْبَعُهَا مِنَ الْمَجْدِ" (1 بطرس 1: 11). وَيُعَلِّقُ الْقِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الْفَمِ عَلَى ظُهُورِ مُوسَى وَإِيلِيَّا بِأَنَّ يَسُوعَ أَحْضَرَ مُمَثِّلَيِ الشَّرِيعَةِ وَالأَنْبِيَاءِ لِيُظْهِرَ أَنَّهُ لَيْسَ مُخَالِفًا لَهُمَا، بَلْ هُوَ رَبُّهُمَا وَمُتَمِّمُهُمَا، وَلِيُثَبِّتَ تَلَامِيذَهُ فِي الإِيمَانِ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرَوْا مَذَلَّةَ الصَّلِيبِ (Homiliae in Matthaeum 56). وَمِنْ هُنَا، يَدْعُونَا هٰذَا الْمَشْهَدُ إِلَى قِرَاءَةِ الْعَهْدِ الْقَدِيمِ فِي ضَوْءِ الْمَسِيحِ، وَإِلَى فَهْمِ الصَّلِيبِ لَا عَلَى أَنَّهُ هَزِيمَةٌ، بَلْ عَلَى أَنَّهُ "خُرُوجٌ" خَلَاصِيٌّ وَعُبُورٌ إِلَى الْمَجْدِ. فَحَيْثُ يَكُونُ الْمَسِيحُ، تَلْتَقِي الشَّرِيعَةُ وَالأَنْبِيَاءُ، وَيَتَّحِدُ الصَّلِيبُ بِالْقِيَامَةِ، وَتَبْلُغُ خُطَّةُ اللهِ الْخَلَاصِيَّةُ كَمَالَهَا.

 

4. "فَخَاطَبَ بُطْرُسُ يَسُوعَ قَالَ: يا رَبُّ، حَسَنٌ أَنْ نَكُونَ هَهُنَا. فَإِنْ شِئْتَ، نَصَبْتُ هَهُنَا ثَلَاثَ خِيَامٍ: وَاحِدَةً لَكَ، وَوَاحِدَةً لِمُوسَى، وَوَاحِدَةً لإِيلِيَّا"

 

تُشِيرُ عِبَارَةُ "فَخَاطَبَ بُطْرُسُ يَسُوعَ" إِلَى مُبَادَرَةِ بُطْرُسَ الْمَعْهُودَةِ فِي الْكَلَامِ وَالتَّعْبِيرِ عَمَّا يَدُورُ فِي نَفْسِهِ. فَهُوَ الَّذِي بَادَرَ قَبْلًا إِلَى الإِعْلَانِ عَنْ إِيمَانِهِ بِيَسُوعَ قَائِلًا: "أَنْتَ الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ الْحَيِّ" (متى 16: 16)، وَهُوَ نَفْسُهُ الَّذِي اعْتَرَضَ عَلَى حَدِيثِ يَسُوعَ عَنْ آلامِهِ (متى 16: 22). وَفِي مَشْهَدِ التَّجَلِّي، يَتَكَلَّمُ بُطْرُسُ مَرَّةً أُخْرَى بِعَفَوِيَّةٍ، مُحَاوِلًا أَنْ يُطِيلَ أَمَدَ اللِّقَاءِ وَأَنْ يَمْنَعَ انْتِهَاءَ هٰذِهِ اللَّحْظَةِ الْمَمْلُوءَةِ مَجْدًا. وَيُوَضِّحُ لُوقَا أَنَّ بُطْرُسَ تَكَلَّمَ "حِينَ هَمَّا بِالِانْصِرَافِ عَنْهُ"، فَقَالَ لِيَسُوعَ: "يا مُعَلِّمُ، حَسَنٌ أَنْ نَكُونَ هَهُنَا، فَلَوْ نَصَبْنَا ثَلَاثَ خِيَامٍ، وَاحِدَةً لَكَ، وَوَاحِدَةً لِمُوسَى، وَوَاحِدَةً لإِيلِيَّا" (لوقا 9: 33). وَيُضِيفُ الإِنْجِيلِيُّ أَنَّ بُطْرُسَ "لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ مَا يَقُولُ"، مِمَّا يُبَيِّنُ أَنَّ كَلَامَهُ نَبَعَ مِنَ الدَّهْشَةِ وَالْخَوْفِ وَالْفَرَحِ، لَا مِنْ فَهْمٍ كَامِلٍ لِمَعْنَى الْحَدَثِ.

 

أَمَّا عِبَارَةُ "حَسَنٌ أَنْ نَكُونَ هَهُنَا"، فَتُعَبِّرُ عَنْ فَرَحِ بُطْرُسَ بِالْحُضُورِ فِي ذٰلِكَ الْمَكَانِ الْمَمْلُوءِ نُورًا وَسَلَامًا. فَقَدْ أَرَادَ أَنْ يَبْقَى عَلَى الْجَبَلِ، بَعِيدًا عَنِ الْجُمُوعِ وَالصِّرَاعَاتِ وَالآلامِ الَّتِي أَنْبَأَ يَسُوعُ عَنْهَا. وَرُبَّمَا رَأَى فِي نَصْبِ الْخِيَامِ تَعْبِيرًا عَنِ الضِّيَافَةِ وَالتَّكْرِيمِ، عَلَى مِثَالِ إِبْرَاهِيمَ الَّذِي اسْتَقْبَلَ ضُيُوفَهُ بِحَفَاوَةٍ (تكوين 18: 1-8). غَيْرَ أَنَّ كَلَامَ بُطْرُسَ يَكْشِفُ أَيْضًا عَنْ سُوءِ فَهْمٍ لِسِرِّ الْمَسِيحِ. فَقَدْ أَرَادَ الْمَجْدَ مِنْ دُونِ الصَّلِيبِ، وَأَرَادَ الثَّبَاتَ فِي لَحْظَةِ التَّجَلِّي مِنْ دُونِ النُّزُولِ إِلَى سَاحَةِ الْخِدْمَةِ وَالآلامِ. وَهُوَ مَا فَعَلَهُ قَبْلًا حِينَ حَاوَلَ أَنْ يَثْنِيَ يَسُوعَ عَنْ طَرِيقِ أُورُشَلِيمَ وَالصَّلِيبِ (متى 16: 22-23). فَبُطْرُسُ لَمْ يَكُنْ قَدْ أَدْرَكَ بَعْدُ أَنَّ طَرِيقَ الْمَجْدِ يَمُرُّ عَبْرَ بَذْلِ الذَّاتِ وَحَمْلِ الصَّلِيبِ. وَيَرَى الْعَلَّامَةُ أوريجانوس أَنَّ بُطْرُسَ أَرَادَ بَقَاءَ الْمَسِيحِ عَلَى الْجَبَلِ، لِكَيْ لَا يَنْزِلَ إِلَى أُورُشَلِيمَ وَيَتَعَرَّضَ لِلآلامِ وَالْمَوْتِ. فَقَدْ تَصَوَّرَ أَنَّ الْجَبَلَ مَكَانٌ آمِنٌ، بَعِيدٌ عَنِ الْمُضْطَهِدِينَ، وَلٰكِنَّهُ لَمْ يَفْهَمْ أَنَّ يَسُوعَ لَمْ يَأْتِ لِيَخْتَبِئَ مِنَ الصَّلِيبِ، بَلْ لِيَتَقَدَّمَ نَحْوَهُ بِحُرِّيَّةٍ طَاعَةً لِلآبِ وَخَلَاصًا لِلْعَالَمِ. وَيُعَلِّقُ الْقِدِّيسُ أوغسطينوس عَلَى رَغْبَةِ بُطْرُسَ فِي الْبَقَاءِ عَلَى الْجَبَلِ قَائِلًا بِمَا مَعْنَاهُ: لَمْ يَفْهَمْ بُطْرُسُ بَعْدُ أَنَّ الْمَجْدَ مَحْفُوظٌ لَهُ بَعْدَ إِتْمَامِ الْجِهَادِ؛ أَمَّا الآن فَعَلَيْهِ أَنْ يَنْزِلَ إِلَى الأَرْضِ لِيَخْدِمَ وَيَتْعَبَ وَيَحْمِلَ الصَّلِيبَ. فَالْمَسِيحُ، وَهُوَ الْحَيَاةُ، يَنْزِلُ لِيُقْبِلَ الْمَوْتَ؛ وَهُوَ خُبْزُ الْحَيَاةِ، يَنْزِلُ لِيَجُوعَ؛ وَهُوَ الطَّرِيقُ، يَنْزِلُ لِيَتْعَبَ فِي الطَّرِيقِ؛ وَهُوَ يَنْبُوعُ الْحَيَاةِ، يَنْزِلُ لِيَعْطَشَ. فَلَا يَجُوزُ لِلتِّلْمِيذِ أَنْ يَطْلُبَ الرَّاحَةَ قَبْلَ إِتْمَامِ الرِّسَالَةِ (PL 38: 492).

 

أَمَّا عِبَارَةُ "نَصَبْتُ"، وَفِي الأَصْلِ الْيُونَانِيِّ ποιήσω، فَمَعْنَاهَا الْحَرْفِيُّ: "أَصْنَعُ" أَوْ "أُقِيمُ". وَالْمَقْصُودُ صُنْعُ مَظَالَّ أَوْ خِيَامٍ بَسِيطَةٍ مِنْ أَغْصَانِ الأَشْجَارِ، تُسْتَعْمَلُ لِلرَّاحَةِ وَالِاسْتِظْلَالِ. وَقَدْ صَنَعَ يَعْقُوبُ مَظَالَّ لِمَوَاشِيهِ (تكوين 33: 17)، كَمَا صَنَعَ يُونَانُ لِنَفْسِهِ مِظَلَّةً لِيَسْتَظِلَّ بِهَا مِنَ الْحَرِّ (يونان 4: 5). وَتُظْهِرُ مُبَادَرَةُ بُطْرُسَ أَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يُثَبِّتَ مَا لَا يُمْكِنُ تَثْبِيتُهُ، وَأَنْ يُوَقِّفَ الزَّمَنَ عِنْدَ لَحْظَةِ الْمَجْدِ. فَهُوَ يَشْتَاقُ إِلَى الأَبَدِيَّةِ، لٰكِنَّهُ يَرْغَبُ فِي دُخُولِهَا قَبْلَ عُبُورِ الصَّلِيبِ. وَفِي هٰذَا يَتَجَلَّى التَّوَتُّرُ الَّذِي يَعِيشُهُ الْمُؤْمِنُ بَيْنَ الرَّغْبَةِ فِي الْبَقَاءِ فِي حَضْرَةِ اللهِ وَالدَّعْوَةِ إِلَى النُّزُولِ وَخِدْمَةِ الإِخْوَةِ.

 

أَمَّا عِبَارَةُ "ثَلَاثَ خِيَامٍ"، فَلَا تَدُلُّ عَلَى الآبِ وَالابْنِ وَالرُّوحِ الْقُدُسِ؛ لأَنَّ بُطْرُسَ يَقْتَرِحُهَا صَرَاحَةً لِيَسُوعَ وَمُوسَى وَإِيلِيَّا. بَلْ يَكْشِفُ اقْتِرَاحُهُ عَنْ خَطَإٍ لَاهُوتِيٍّ، لأَنَّهُ وَضَعَ يَسُوعَ ظَاهِرِيًّا عَلَى الْمُسْتَوَى نَفْسِهِ مَعَ مُوسَى وَإِيلِيَّا، وَخَصَّصَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ خَيْمَةً. وَلِذٰلِكَ سَيَتَدَخَّلُ الآبُ فِي الآيَةِ التَّالِيَةِ لِيُعْلِنَ تَفَرُّدَ يَسُوعَ قَائِلًا: "هٰذَا هُوَ ابْنِيَ الْحَبِيبُ... فَلَهُ اسْمَعُوا" (متى 17: 5). فَمُوسَى وَإِيلِيَّا خَادِمَانِ وَشَاهِدَانِ، أَمَّا يَسُوعُ فَهُوَ الابْنُ الْوَحِيدُ وَمِلْءُ الْوَحْيِ. وَيُعَلِّقُ الْقِدِّيسُ إيرونيموس أَنَّ بُطْرُسَ، فِي شِدَّةِ دَهْشَتِهِ، لَمْ يَعْرِفْ مَا يَقُولُ، لأَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يَصْنَعَ ثَلَاثَ خِيَامٍ فِي حِينِ أَنَّ الشَّرِيعَةَ وَالأَنْبِيَاءَ وَالإِنْجِيلَ لَهَا مَسْكَنٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ الْمَسِيحُ. فَلَا يَحِلُّ مُوسَى وَإِيلِيَّا فِي مَسْكَنٍ مُنْفَصِلٍ عَنْ يَسُوعَ، لأَنَّ كُلَّ مَا قَالَاهُ يَبْلُغُ كَمَالَهُ فِيهِ. وَقَدْ تَحْمِلُ صُورَةُ الْخِيَامِ تَلْمِيحًا إِلَى عِيدِ الْمَظَالِّ، الَّذِي كَانَ بَنُو إِسْرَائِيلَ يُقِيمُونَ فِيهِ فِي مَظَالَّ لِسَبْعَةِ أَيَّامٍ، تَذْكَارًا لإِقَامَتِهِمْ فِي الْبَرِّيَّةِ وَعِنَايَةِ اللهِ بِهِمْ (لاويين 23: 42-43). وَكَانَ الْعِيدُ يَرْتَبِطُ بِالْفَرَحِ وَحُضُورِ اللهِ وَرَجَاءِ الْخَلَاصِ الأَخِيرِ. وَعَلَيْهِ، فَقَدْ يَكُونُ بُطْرُسُ قَدْ رَأَى فِي مَشْهَدِ التَّجَلِّي بَدْءَ الْعِيدِ النِّهَائِيِّ وَحُلُولَ مَلَكُوتِ اللهِ، فَأَرَادَ أَنْ يُقِيمَ الْمَظَالَّ وَيُدِيمَ الْفَرَحَ.  أَمَّا "خَيْمَةُ الِاجْتِمَاعِ" فِي الْعَهْدِ الْقَدِيمِ، فَقَدْ كَانَتْ عَلامَةَ سُكْنَى اللهِ فِي وَسَطِ شَعْبِهِ. فَقَدْ قَالَ الرَّبُّ لِمُوسَى: "فَلْيَصْنَعُوا لِي مَقْدِسًا، فَأَسْكُنَ فِي وَسَطِهِمْ" (خروج 25: 8). وَكَانَتِ الْخَيْمَةُ تُنْصَبُ فِي وَسَطِ الْمَحَلَّةِ، وَتُحِيطُ بِهَا خِيَامُ الأَسْبَاطِ (عدد 2: 1-34)، لِتُعْلِنَ أَنَّ اللهَ هُوَ مَرْكَزُ حَيَاةِ الشَّعْبِ وَمَسِيرَتِهِ. وَبَعْدَ دُخُولِ الشَّعْبِ أَرْضَ الْمَوْعِدِ، أُقِيمَتْ خَيْمَةُ الِاجْتِمَاعِ فِي شِيلُوه (يشوع 18: 1)، ثُمَّ ارْتَبَطَتْ فِي فَتَرَاتٍ لَاحِقَةٍ بِنُوبَ وَجِبْعُونَ (1 صموئيل 21: 1-9؛ 1 أخبار 21: 29؛ 2 أخبار 1: 3)، إِلَى أَنْ بَنَى سُلَيْمَانُ الْهَيْكَلَ وَنُقِلَتْ إِلَيْهِ مُقَدَّسَاتُ الْخَيْمَةِ (1 ملوك 8: 4). وَقَدْ عَلَّمَتِ الْخَيْمَةُ الشَّعْبَ قَدَاسَةَ اللهِ وَحُضُورَهُ وَضَرُورَةَ الذَّبِيحَةِ وَالْمُصَالَحَةِ. وَفِي الْعَهْدِ الْجَدِيدِ، يَبْلُغُ رَمْزُ الْخَيْمَةِ كَمَالَهُ فِي الْمَسِيحِ؛ فَهُوَ الْكَلِمَةُ الَّذِي "صَارَ بَشَرًا وَسَكَنَ بَيْنَنَا" (يوحنا 1: 14)، أَيْ "نَصَبَ خَيْمَتَهُ" فِي وَسَطِنَا. وَهُوَ أَيْضًا رَئِيسُ الْكَهَنَةِ الَّذِي دَخَلَ "الْخَيْمَةَ الأَعْظَمَ وَالأَكْمَلَ، غَيْرَ الْمَصْنُوعَةِ بِالأَيْدِي" (عبرانيين 9: 11). وَفِي نِهَايَةِ التَّارِيخِ، يُعْلِنُ سِفْرُ الرُّؤْيَا: "هُوَذَا مَسْكِنُ اللهِ مَعَ النَّاسِ، فَسَيَسْكُنُ مَعَهُمْ" (رؤيا 21: 3). وَهٰكَذَا يَكْشِفُ مَشْهَدُ التَّجَلِّي أَنَّ سُكْنَى اللهِ النِّهَائِيَّةَ لَا تَتَحَقَّقُ فِي خِيَامٍ ثَلَاثٍ يَصْنَعُهَا بُطْرُسُ، بَلْ فِي شَخْصِ يَسُوعَ نَفْسِهِ. فَهُوَ الْخَيْمَةُ الْحَقِيقِيَّةُ، وَالْهَيْكَلُ الْجَدِيدُ، وَمَوْضِعُ اللِّقَاءِ بَيْنَ اللهِ وَالإِنْسَانِ. وَلِذٰلِكَ، فَإِنَّ الْبَقَاءَ مَعَ يَسُوعَ لَا يَتَحَقَّقُ بِنَصْبِ الْخِيَامِ وَالِاسْتِقْرَارِ عَلَى الْجَبَلِ، بَلْ بِالإِصْغَاءِ إِلَيْهِ وَاتِّبَاعِهِ فِي طَرِيقِهِ، حَتَّى حِينَ يُحَدِّثُنَا عَنِ الآلامِ وَالصَّلِيبِ. فَالْمُؤْمِنُ مَدْعُوٌّ إِلَى أَنْ يَذُوقَ فَرَحَ الْحُضُورِ الإِلَهِيِّ فِي الصَّلَاةِ، ثُمَّ يَنْزِلَ مِنَ الْجَبَلِ لِيَخْدِمَ وَيَشْهَدَ وَيَحْمِلَ صَلِيبَهُ، وَاثِقًا بِأَنَّ مَنْ يَسِيرُ مَعَ الْمَسِيحِ فِي طَرِيقِ الْبَذْلِ سَيَشْتَرِكُ مَعَهُ أَيْضًا فِي مَجْدِ الْقِيَامَةِ.

 

5. "وَبَيْنَمَا هُوَ يَتَكَلَّمُ، إِذَا غَمَامٌ نَيِّرٌ قَدْ ظَلَّلَهُمْ، وَإِذَا صَوْتٌ مِنَ الْغَمَامِ يَقُولُ: هٰذَا هُوَ ابْنِيَ الْحَبِيبُ الَّذِي عَنْهُ رَضِيتُ، فَلَهُ اسْمَعُوا"

 

تُشِيرُ عِبَارَةُ "غَمَامٌ نَيِّرٌ" إِلَى عَلامَةِ حُضُورِ اللهِ وَظُهُورِهِ الإِلَهِيِّ. فَقَدِ ارْتَبَطَ الْغَمَامُ، فِي تَارِيخِ الْخَلَاصِ، بِحُضُورِ الرَّبِّ الَّذِي يَكْشِفُ ذَاتَهُ، وَفِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ يَحْجُبُ بَهَاءَهُ الَّذِي لَا يَسْتَطِيعُ الإِنْسَانُ أَنْ يُعَايِنَهُ فِي مِلْئِهِ. فَقَدْ سَارَ الرَّبُّ أَمَامَ شَعْبِهِ فِي الْبَرِّيَّةِ "فِي عَمُودِ غَمَامٍ لِيَهْدِيَهُمْ فِي الطَّرِيقِ" (خروج 13: 21)، وَنَزَلَ عَلَى جَبَلِ سِينَاءَ فِي غَمَامٍ كَثِيفٍ عِنْدَ إِعْطَاءِ الشَّرِيعَةِ (خروج 19: 16-20)، كَمَا غَطَّى الْغَمَامُ خَيْمَةَ الِاجْتِمَاعِ وَمَلَأَ مَجْدُ الرَّبِّ الْمَسْكِنَ (خروج 40: 34-35). وَكَذٰلِكَ، عِنْدَ تَدْشِينِ هَيْكَلِ سُلَيْمَانَ، "مَلأَ الْغَمَامُ بَيْتَ الرَّبِّ، فَلَمْ يَسْتَطِعِ الْكَهَنَةُ أَنْ يَقِفُوا لِلْخِدْمَةِ بِسَبَبِ الْغَمَامِ، لأَنَّ مَجْدَ الرَّبِّ مَلأَ بَيْتَ الرَّبِّ" (1 ملوك 8: 10-11). وَمِنْ هُنَا صَارَ الْغَمَامُ رَمْزًا لِـمَجْدِ الرَّبِّ، وَلِحُضُورِهِ الْخَفِيِّ وَالْمُنِيرِ فِي وَسَطِ شَعْبِهِ. وَيَصِفُ الْمَزْمُورُ الْغَمَامَ بِأَنَّهُ مَرْكَبَةُ اللهِ، إِذْ يَقُولُ: "الْجَاعِلُ الْغَمَامَ مَرْكَبَتَهُ، وَالْمَاشِي عَلَى أَجْنِحَةِ الرِّيحِ" (مزمور 104: 3). وَاللَّافِتُ أَنَّ مَتَّى لَا يَتَحَدَّثُ عَنْ غَمَامٍ مُظْلِمٍ، بَلْ عَنْ "غَمَامٍ نَيِّرٍ"، فَيَجْمَعُ بَيْنَ الْحَجْبِ وَالْكَشْفِ، وَبَيْنَ السِّرِّ وَالنُّورِ. فَاللهُ يَحْجُبُ مَجْدَهُ بِالْغَمَامِ، وَلٰكِنَّهُ فِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ يُنِيرُ التَّلَامِيذَ وَيَكْشِفُ لَهُمْ هُوِيَّةَ ابْنِهِ. وَهٰكَذَا يَدُلُّ الْغَمَامُ النَّيِّرُ عَلَى أَنَّ اللهَ حَاضِرٌ، لٰكِنَّ حُضُورَهُ يَفُوقُ الإِدْرَاكَ الْبَشَرِيَّ. وَيَسْتَمِرُّ رَمْزُ الْغَمَامِ فِي الْعَهْدِ الْجَدِيدِ؛ فَقَدْ أَحَاطَ مَجْدُ الرَّبِّ بِالرُّعَاةِ عِنْدَ بُشْرَى مِيلَادِ الْمَسِيحِ (لوقا 2: 9)، وَأَخَذَ الْغَمَامُ يَسُوعَ عَنْ أَعْيُنِ تَلَامِيذِهِ عِنْدَ صُعُودِهِ (أعمال 1: 9)، وَسَيَظْهَرُ ابْنُ الإِنْسَانِ فِي مَجِيئِهِ الأَخِيرِ "آتِيًا عَلَى غَمَامِ السَّمَاءِ بِقُدْرَةٍ وَمَجْدٍ عَظِيمٍ" (متى 24: 30). فَالْغَمَامُ يَرْبِطُ بَيْنَ التَّجَلِّي وَالصُّعُودِ وَالْمَجِيءِ الثَّانِي، وَيُعْلِنُ أَنَّ يَسُوعَ هُوَ رَبُّ الْمَجْدِ.

 

أَمَّا عِبَارَةُ "قَدْ ظَلَّلَهُمْ"، وَفِي الأَصْلِ الْيُونَانِيِّ ἐπεσκίασεν αὐτούς، فَمَعْنَاهَا: "غَشِيَهُمْ" أَوْ "أَحَاطَ بِهِمْ بِظِلِّهِ". وَهِيَ مِنَ الْجِذْرِ نَفْسِهِ الَّذِي اسْتَعْمَلَهُ لُوقَا فِي بُشْرَى مَرْيَمَ: "قُدْرَةُ الْعَلِيِّ تُظَلِّلُكِ" (لوقا 1: 35). وَيَدُلُّ الْفِعْلُ عَلَى حُضُورِ اللهِ الْخَلَّاقِ وَالْحَامِي، وَعَلَى حُلُولِ مَجْدِهِ فِي الْمَكَانِ وَالأَشْخَاصِ الَّذِينَ يَخْتَارُهُمْ. وَبِحَسَبِ رِوَايَةِ لُوقَا، دَخَلَ التَّلَامِيذُ فِي الْغَمَامِ وَاسْتَوْلَى عَلَيْهِمُ الْخَوْفُ (لوقا 9: 34). فَهُمْ لَمْ يَبْقَوْا مُتَفَرِّجِينَ عَلَى الْحَدَثِ مِنْ خَارِجِهِ، بَلْ أَدْخَلَهُمُ اللهُ إِلَى دَاخِلِ سِرِّ حُضُورِهِ. وَهٰكَذَا يَصِيرُ الْغَمَامُ خَيْمَةً إِلَهِيَّةً حَقِيقِيَّةً، تَحُلُّ مَحَلَّ الْخِيَامِ الثَّلَاثِ الَّتِي اقْتَرَحَ بُطْرُسُ إِقَامَتَهَا. فَلَيْسَ الإِنْسَانُ هُوَ الَّذِي يَصْنَعُ مَسْكَنًا للهِ، بَلِ اللهُ هُوَ الَّذِي يُدْخِلُ الإِنْسَانَ فِي مَسْكَنِ حُضُورِهِ.

 

أَمَّا عِبَارَةُ "وَإِذَا صَوْتٌ مِنَ الْغَمَامِ"، فَتُشِيرُ إِلَى صَوْتِ اللهِ الآبِ الَّذِي يَشْهَدُ لِلابْنِ وَيُعْلِنُ هُوِيَّتَهُ وَسُلْطَانَهُ. وَقَدْ سُمِعَتْ شَهَادَةُ الآبِ لِيَسُوعَ فِي ثَلَاثِ مَنَاسَبَاتٍ بَارِزَةٍ: عِنْدَ الْمَعْمُودِيَّةِ (متى 3: 17)، وَفِي التَّجَلِّي (متى 17: 5)، وَقَبْلَ آلامِهِ حِينَ قَالَ الآبُ: "مَجَّدْتُهُ وَسَأُمَجِّدُهُ أَيْضًا" (يوحنا 12: 28). وَلَا يَعْنِي ذٰلِكَ أَنَّ يَسُوعَ صَعِدَ إِلَى الْجَبَلِ لِيَتَعَرَّفَ إِلَى مَشِيئَةِ الآبِ كَمَنْ يَجْهَلُهَا، فَهُوَ الابْنُ الْوَحِيدُ الَّذِي يَعِيشُ فِي وَحْدَةٍ دَائِمَةٍ مَعَ الآبِ. بَلْ صَعِدَ لِيُصَلِّيَ، وَلِيُعْلِنَ الآبُ لِلتَّلَامِيذِ هُوِيَّتَهُ، وَلِيُثَبِّتَهُمْ قَبْلَ أَنْ يُوَاجِهُوا عَثْرَةَ الصَّلِيبِ.

 

أَمَّا قَوْلُ الآبِ: "هٰذَا هُوَ ابْنِيَ الْحَبِيبُ"، فَيُعْلِنُ بُنُوَّةَ يَسُوعَ الْفَرِيدَةَ وَالطَّبِيعِيَّةَ للهِ. فَهُوَ لَيْسَ ابْنًا بِالتَّبَنِّي، وَلَا نَبِيًّا مِنْ بَيْنِ الأَنْبِيَاءِ، بَلْ هُوَ الابْنُ الْوَحِيدُ الَّذِي يَكْشِفُ الآبَ وَيَشْتَرِكُ فِي مَجْدِهِ. وَتُذَكِّرُ هٰذِهِ الْكَلِمَاتُ بِالْمَزْمُورِ الْمَلَكِيِّ: "أَنْتَ ابْنِي، أَنَا الْيَوْمَ وَلَدْتُكَ" (مزمور 2: 7)، الَّذِي كَانَ يُفْهَمُ مَسِيحِيًّا بوصفه إِعْلَانًا عَنِ الْمَلِكِ الْمَسِيحِ. وَهٰذَا الإِعْلَانُ هُوَ نَفْسُهُ الَّذِي سُمِعَ عِنْدَ مَعْمُودِيَّةِ يَسُوعَ فِي نَهْرِ الأُرْدُنِّ: "هٰذَا هُوَ ابْنِيَ الْحَبِيبُ الَّذِي عَنْهُ رَضِيتُ" (متى 3: 17). غَيْرَ أَنَّ الشَّهَادَةَ عِنْدَ الْمَعْمُودِيَّةِ جَاءَتْ فِي بِدَايَةِ رِسَالَةِ يَسُوعَ الْعَلَنِيَّةِ، أَمَّا فِي التَّجَلِّي فَتَأْتِي بَعْدَ إِعْلَانِهِ عَنِ الآلامِ، لِتُؤَكِّدَ أَنَّ ابْنَ اللهِ هُوَ نَفْسُهُ الَّذِي سَيَسْلُكُ طَرِيقَ الصَّلِيبِ. وَتُظْهِرُ الْمُقَارَنَةُ مَعَ مُوسَى وَإِيلِيَّا أَنَّ يَسُوعَ يَسْتَحِقُّ إِكْرَامًا أَعْظَمَ مِنْهُمَا؛ فَهُمَا خَادِمَانِ وَشَاهِدَانِ، أَمَّا هُوَ فَالابْنُ. وَقَدْ عَبَّرَتْ رِسَالَةُ الْعِبْرَانِيِّينَ عَنْ هٰذَا الْفَرْقِ بِوُضُوحٍ: "مُوسَى كَانَ أَمِينًا فِي بَيْتِهِ كُلِّهِ بِصِفَتِهِ خَادِمًا... أَمَّا الْمَسِيحُ فَبِصِفَتِهِ ابْنًا عَلَى بَيْتِهِ"(عبرانيين 3: 5-6). أَمَّا لُوقَا فَيَنْقُلُ صَوْتَ الآبِ بِالصِّيغَةِ: "هٰذَا هُوَ ابْنِيَ الَّذِي اخْتَرْتُهُ" (لوقا 9: 35). وَتَرِدُ فِي بَعْضِ الْمَخْطُوطَاتِ قِرَاءَةُ "ابْنِيَ الْحَبِيبُ"، غَيْرَ أَنَّ قِرَاءَةَ "الْمُخْتَارُ" تَحْمِلُ دَلَالَةً لَاهُوتِيَّةً عَمِيقَةً؛ لأَنَّهَا تُذَكِّرُ بِعَبْدِ الرَّبِّ الَّذِي تَنَبَّأَ عَنْهُ أَشَعْيَاءُ: "هُوَذَا عَبْدِيَ الَّذِي أَعْضُدُهُ، مُخْتَارِيَ الَّذِي رَضِيَتْ عَنْهُ نَفْسِي" (أشعيا 42: 1). وَهٰكَذَا يَجْمَعُ الإِعْلَانُ بَيْنَ صُورَتَيْنِ: يَسُوعُ هُوَ الابْنُ الْحَبِيبُ، وَهُوَ أَيْضًا عَبْدُ الرَّبِّ الْمُخْتَارُ الَّذِي يُتِمُّ خُطَّةَ اللهِ بِالطَّاعَةِ وَالآلامِ. وَيَعُودُ لُوقَا إِلَى لَقَبِ "الْمُخْتَارِ" عِنْدَ الصَّلْبِ، حِينَ سَخِرَ الرُّؤَسَاءُ مِنْ يَسُوعَ قَائِلِينَ: "خَلَّصَ غَيْرَهُ، فَلْيُخَلِّصْ نَفْسَهُ إِنْ كَانَ هُوَ مَسِيحَ اللهِ الْمُخْتَارَ" (لوقا 23: 35). وَبِهٰذَا يَرْبِطُ لُوقَا بَيْنَ مَجْدِ التَّجَلِّي وَمَذَلَّةِ الصَّلِيبِ؛ فَالْمُخْتَارُ هُوَ الَّذِي يُحَقِّقُ رِسَالَتَهُ بِبَذْلِ ذَاتِهِ. وَيَسُوعُ هُوَ أَيْضًا مُمَثِّلُ شَعْبِ اللهِ الْحَقِيقِيُّ، الَّذِي يُتِمُّ فِي شَخْصِهِ دَعْوَةَ إِسْرَائِيلَ. فَقَدْ دَعَا اللهُ إِسْرَائِيلَ "عَبْدَهُ" وَ"مُخْتَارَهُ" (أشعيا 45: 4)، أَمَّا يَسُوعُ فَيَحْمِلُ هٰذِهِ الدَّعْوَةَ إِلَى كَمَالِهَا بِطَاعَتِهِ الْكَامِلَةِ لِلآبِ وَبَذْلِ حَيَاتِهِ مِنْ أَجْلِ الْبَشَرِيَّةِ.

 

أَمَّا عِبَارَةُ "الَّذِي عَنْهُ رَضِيتُ"، فَتُعْلِنُ مَسَرَّةَ الآبِ بِالابْنِ وَبِطَاعَتِهِ وَرِسَالَتِهِ. وَلَا يَنْحَصِرُ رِضَا الآبِ فِي عَمَلٍ وَاحِدٍ مِنْ أَعْمَالِ يَسُوعَ، بَلْ يَشْمَلُ شَخْصَهُ وَحَيَاتَهُ وَرِسَالَتَهُ كُلَّهَا. غَيْرَ أَنَّ هٰذَا الرِّضَا سَيَتَجَلَّى بِأَسْمَى صُوَرِهِ فِي طَاعَةِ يَسُوعَ حَتَّى الْمَوْتِ، حِينَ يُقَدِّمُ نَفْسَهُ ذَبِيحَةَ مَحَبَّةٍ مِنْ أَجْلِ خَلَاصِ الْعَالَمِ. وَهٰذِهِ الْعِبَارَةُ تَجْمَعُ بَيْنَ مَزْمُورِ الْمَلِكِ الْمَسِيحَانِيِّ (مزمور 2: 7) وَنُبُوءَةِ عَبْدِ الرَّبِّ الَّذِي رَضِيَتْ عَنْهُ نَفْسُ اللهِ (أشعيا 42: 1). فَيَسُوعُ هُوَ الْمَلِكُ وَالابْنُ، وَلٰكِنَّ مُلْكَهُ يَتَحَقَّقُ بِطَرِيقِ الْعَبْدِ الْمُتَأَلِّمِ.

 

أَمَّا الأَمْرُ "فَلَهُ اسْمَعُوا"، فَهُوَ ذُرْوَةُ الإِعْلَانِ الإِلَهِيِّ فِي مَشْهَدِ التَّجَلِّي. فَالآبُ لَا يَدْعُو التَّلَامِيذَ إِلَى مُجَرَّدِ الإِعْجَابِ بِنُورِ يَسُوعَ، بَلْ إِلَى الإِصْغَاءِ إِلَيْهِ وَقَبُولِ كَلَامِهِ وَطَاعَتِهِ وَاتِّبَاعِهِ. وَيَشْمَلُ ذٰلِكَ خُصُوصًا قَبُولَ تَعْلِيمِهِ عَنِ الصَّلِيبِ وَبَذْلِ الذَّاتِ، الَّذِي لَمْ يَسْتَطِعْ بُطْرُسُ وَالتَّلَامِيذُ أَنْ يَفْهَمُوهُ فِي بَادِئِ الأَمْرِ. وَتُذَكِّرُ عِبَارَةُ "فَلَهُ اسْمَعُوا" بِنُبُوءَةِ مُوسَى عَنِ النَّبِيِّ الآتِي: "يُقِيمُ لَكَ الرَّبُّ إِلهُكَ نَبِيًّا مِنْ وَسَطِكَ، مِنْ إِخْوَتِكَ مِثْلِي، فَلَهُ تَسْمَعُونَ" (تثنية 18: 15). وَقَدْ طَبَّقَتِ الْكَنِيسَةُ الأُولَى هٰذِهِ النُّبُوءَةَ عَلَى الْمَسِيحِ (أعمال 3: 22-23). فَيَسُوعُ هُوَ مُوسَى الْجَدِيدُ، وَلٰكِنَّهُ أَعْظَمُ مِنْ مُوسَى؛ لأَنَّهُ لَا يَنْقُلُ كَلِمَةَ اللهِ فَحَسْبُ، بَلْ هُوَ كَلِمَةُ اللهِ الْمُتَجَسِّدَةُ. وَإِذْ يَخْتَفِي مُوسَى وَإِيلِيَّا بَعْدَ صَوْتِ الآبِ، يَبْقَى يَسُوعُ وَحْدَهُ، لأَنَّ الشَّرِيعَةَ وَالأَنْبِيَاءَ قَدْ أَدَّيَا دَوْرَهُمَا فِي الشَّهَادَةِ لَهُ. فَلَا يَعُودُ التَّلَامِيذُ مَدْعُوِّينَ إِلَى نَصْبِ خَيْمَةٍ لِكُلِّ وَاحِدٍ، بَلْ إِلَى الإِصْغَاءِ إِلَى الابْنِ الَّذِي فِيهِ يَبْلُغُ الْوَحْيُ كَمَالَهُ. وَهٰذَا مَا تُعْلِنُهُ رِسَالَةُ الْعِبْرَانِيِّينَ: "إِنَّ اللهَ، بَعْدَمَا كَلَّمَ الآبَاءَ قَدِيمًا بِالأَنْبِيَاءِ مَرَّاتٍ كَثِيرَةً وَبِوُجُوهٍ كَثِيرَةٍ، كَلَّمَنَا فِي آخِرِ هٰذِهِ الأَيَّامِ بِابْنٍ، جَعَلَهُ وَارِثًا لِكُلِّ شَيْءٍ، وَبِهِ أَنْشَأَ الْعَالَمِينَ" (عبرانيين 1: 1-2). فَفِي الابْنِ لَا يُعْطِينَا اللهُ كَلِمَةً مِنْ كَلِمَاتِهِ فَحَسْبُ، بَلْ يَهَبُنَا كَلِمَتَهُ النِّهَائِيَّةَ وَالْكَامِلَةَ. وَإِذَا كَانَ صَوْتُ الآبِ عِنْدَ الْمَعْمُودِيَّةِ قَدْ أَعْلَنَ هُوِيَّةَ يَسُوعَ فِي بِدَايَةِ رِسَالَتِهِ، فَإِنَّهُ فِي التَّجَلِّي يَتَوَجَّهُ بِوُضُوحٍ إِلَى التَّلَامِيذِ: "فَلَهُ اسْمَعُوا". وَمِنْ خِلَالِهِمْ يَتَوَجَّهُ هٰذَا الأَمْرُ إِلَى الْكَنِيسَةِ وَإِلَى كُلِّ إِنْسَانٍ فِي كُلِّ زَمَانٍ. فَالإِيمَانُ الْمَسِيحِيُّ لَيْسَ مُجَرَّدَ تَأَمُّلٍ فِي مَجْدِ الْمَسِيحِ، بَلْ هُوَ إِصْغَاءٌ إِلَى كَلِمَتِهِ، وَقَبُولٌ لِطَرِيقِهِ، وَاتِّبَاعٌ لَهُ فِي الصَّلِيبِ وَالْقِيَامَةِ.

 

6. "فَلَمَّا سَمِعَ التَّلَامِيذُ ذٰلِكَ، سَقَطُوا عَلَى وُجُوهِهِمْ، وَقَدِ اسْتَوْلَى عَلَيْهِمْ خَوْفٌ شَدِيدٌ"

 

تُشِيرُ عِبَارَةُ "فَلَمَّا سَمِعَ التَّلَامِيذُ ذٰلِكَ" إِلَى اللَّحْظَةِ الَّتِي سَمِعَ فِيهَا بُطْرُسُ وَيَعْقُوبُ وَيُوحَنَّا صَوْتَ الآبِ آتِيًا مِنَ الْغَمَامِ. وَكَانَ قَدِ اسْتَوْلَى عَلَيْهِمُ الْخَوْفُ حِينَ دَخَلُوا فِي الْغَمَامِ، كَمَا يَذْكُرُ لُوقَا: "فَلَمَّا دَخَلُوا فِي الْغَمَامِ خَافُوا" (لوقا 9: 34)، ثُمَّ اشْتَدَّتْ رَهْبَتُهُمْ عِنْدَمَا سَمِعُوا الصَّوْتَ الإِلَهِيَّ يُعْلِنُ هُوِيَّةَ يَسُوعَ وَيَأْمُرُهُمْ بِالإِصْغَاءِ إِلَيْهِ. وَهٰذِهِ الرَّهْبَةُ تُذَكِّرُ بِمَا حَدَثَ عِنْدَ تَدْشِينِ هَيْكَلِ سُلَيْمَانَ، حِينَ مَلأَ الْغَمَامُ بَيْتَ الرَّبِّ، "فَلَمْ يَسْتَطِعِ الْكَهَنَةُ أَنْ يَقِفُوا لِلْخِدْمَةِ بِسَبَبِ الْغَمَامِ، لأَنَّ مَجْدَ الرَّبِّ مَلأَ بَيْتَ الرَّبِّ" (1 ملوك 8: 10-11). فَحُضُورُ اللهِ لَا يَتْرُكُ الإِنْسَانَ عَلَى حَالِهِ، بَلْ يَكْشِفُ لَهُ عَظَمَةَ اللهِ وَضَعْفَهُ الشَّخْصِيَّ، فَيَقِفُ أَمَامَهُ فِي الصَّمْتِ وَالرَّهْبَةِ وَالسُّجُودِ.

أَمَّا عِبَارَةُ "سَقَطُوا عَلَى وُجُوهِهِمْ"، فَتُشِيرُ إِلَى أَشَدِّ أَوْضَاعِ السُّجُودِ وَالِاتِّضَاعِ أَمَامَ الْحَضْرَةِ الإِلَهِيَّةِ. فَالسُّقُوطُ عَلَى الْوَجْهِ فِي الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ لَيْسَ مُجَرَّدَ رَدِّ فِعْلٍ نَفْسِيٍّ، بَلْ هُوَ حَرَكَةٌ جَسَدِيَّةٌ تُعَبِّرُ عَنِ الِاعْتِرَافِ بِعَظَمَةِ اللهِ وَسُلْطَانِهِ. وَهٰكَذَا سَقَطَ دَانِيالُ عَلَى وَجْهِهِ عِنْدَ ظُهُورِ الْمَلَاكِ لَهُ (دانيال 8: 17-18)، وَسَقَطَ حِزْقِيَالُ عَلَى وَجْهِهِ عِنْدَمَا عَايَنَ شِبْهَ مَجْدِ الرَّبِّ (حزقيال 1: 28)، وَسَقَطَ أَبْرَامُ عَلَى وَجْهِهِ عِنْدَمَا كَلَّمَهُ اللهُ فِي الْعَهْدِ (تكوين 17: 3). وَيَكْشِفُ هٰذَا السُّجُودُ أَنَّ التَّلَامِيذَ أَدْرَكُوا أَنَّهُمْ وَاقِفُونَ أَمَامَ حُضُورٍ إِلَهِيٍّ يَفُوقُهُمْ. فَلَمْ يَعُودُوا يَرَوْنَ فِي الْحَدَثِ مَشْهَدًا مُدْهِشًا فَحَسْبُ، بَلْ وَحْيًا إِلَهِيًّا يَكْشِفُ لَهُمْ أَنَّ يَسُوعَ هُوَ الابْنُ الْحَبِيبُ. وَبِذٰلِكَ يَتَحَوَّلُ الإِعْجَابُ إِلَى عِبَادَةٍ، وَالدَّهْشَةُ إِلَى سُجُودٍ. وَقَدْ كَانَ الِاعْتِقَادُ شَائِعًا فِي الْعَهْدِ الْقَدِيمِ أَنَّ الإِنْسَانَ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُعَايِنَ اللهَ وَيَبْقَى حَيًّا. فَقَالَ مَنُوحُ لِامْرَأَتِهِ: "إِنَّنَا مَوْتًا نَمُوتُ، لأَنَّنَا عَايَنَّا اللهَ" (قضاة 13: 22)، وَقَالَ الرَّبُّ لِمُوسَى: "لَا تَقْدِرُ أَنْ تَرَى وَجْهِي، لأَنَّ الإِنْسَانَ لَا يَرَانِي وَيَحْيَا" (خروج 33: 20). وَلِذٰلِكَ، فَإِنَّ سُقُوطَ التَّلَامِيذِ عَلَى وُجُوهِهِمْ يُعَبِّرُ عَنْ إِحْسَاسِهِمْ بِهَيْبَةِ الْقُدُوسِ وَبِضَآلَتِهِمْ أَمَامَ مَجْدِهِ.

 

أَمَّا عِبَارَةُ "وَقَدِ اسْتَوْلَى عَلَيْهِمْ خَوْفٌ شَدِيدٌ"، وَفِي الأَصْلِ الْيُونَانِيِّ ἐφοβήθησαν σφόδρα ، فَمَعْنَاهَا: "خَافُوا جِدًّا" أَوْ "سْتَوْلَتْ عَلَيْهِمْ رَهْبَةٌ عَظِيمَةٌ". وَهٰذَا الْخَوْفُ لَيْسَ خَوْفًا مِنْ خَطَرٍ مَادِّيٍّ، بَلْ هُوَ رَهْبَةُ الْمُقَدَّسِ، أَيْ ذٰلِكَ الشُّعُورُ الَّذِي يَعْتَرِي الإِنْسَانَ حِينَ يُدْرِكُ أَنَّهُ أَمَامَ حُضُورٍ إِلَهِيٍّ يَتَجَاوَزُهُ وَيَكْشِفُ لَهُ عَجْزَهُ وَخَطِيئَتَهُ. وَهٰذَا مَا اخْتَبَرَهُ أَشَعْيَاءُ عِنْدَمَا رَأَى الرَّبَّ فِي الْهَيْكَلِ، فَقَالَ: "وَيْلٌ لِي، فَقَدْ هَلَكْتُ، لأَنِّي رَجُلٌ نَجِسُ الشَّفَتَيْنِ... وَعَيْنَايَ قَدْ رَأَتَا الْمَلِكَ رَبَّ الْجُنُودِ" (أشعيا 6: 5). فَالْخَوْفُ الْمُقَدَّسُ يَنْشَأُ مِنَ التَّقَابُلِ بَيْنَ قَدَاسَةِ اللهِ وَضَعْفِ الإِنْسَانِ، وَلٰكِنَّهُ لَا يَهْدِفُ إِلَى تَحْطِيمِ الإِنْسَانِ، بَلْ إِلَى تَطْهِيرِهِ وَإِعَادَتِهِ إِلَى عَلاقَةٍ صَحِيحَةٍ مَعَ اللهِ. وَيَرِدُ هٰذَا الْخَوْفُ أَيْضًا فِي مُعْجِزَاتِ يَسُوعَ، حِينَ يَكْشِفُ لِلنَّاسِ سُلْطَانًا يَفُوقُ قُدْرَتَهُمْ عَلَى الْفَهْمِ. فَبَعْدَ سَيْرِهِ عَلَى الْبَحْرِ وَتَسْكِينِ الرِّيحِ، دَهِشَ التَّلَامِيذُ وَخَافُوا (مرقس 6: 49-51). وَبَعْدَ إِقَامَةِ ابْنِ أَرْمَلَةِ نَائِين، "اسْتَوْلَى الْخَوْفُ عَلَى جَمِيعِهِمْ، فَمَجَّدُوا اللهَ" (لوقا 7: 16). وَهٰكَذَا لَا يَقُودُ الْخَوْفُ الْمُقَدَّسُ إِلَى الْهَرَبِ مِنَ اللهِ، بَلْ إِلَى السُّجُودِ وَالتَّمْجِيدِ. وَيُمَيِّزُ الْكِتَابُ الْمُقَدَّسُ بَيْنَ خَوْفٍ عُبُودِيٍّ يَنْشَأُ مِنَ الْعِقَابِ، وَخَوْفٍ بَنَوِيٍّ يَنْبَعُ مِنَ الْمَحَبَّةِ وَالإِجْلَالِ. فَالتَّلَامِيذُ هُنَا لَا يَخَافُونَ اللهَ بِوَصْفِهِ عَدُوًّا، بَلْ يَرْتَعِبُونَ أَمَامَ جَلَالِهِ وَقُدْسِهِ. وَهٰذَا الْخَوْفُ هُوَ بَدَايَةُ الْحِكْمَةِ (أمثال 1: 7)، لأَنَّهُ يَضَعُ الإِنْسَانَ فِي مَوْقِعِهِ الْحَقِيقِيِّ أَمَامَ خَالِقِهِ. وَيُعَلِّقُ الْقِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الْفَمِ أَنَّ التَّلَامِيذَ لَمْ يَسْقُطُوا عِنْدَمَا رَأَوْا وَجْهَ يَسُوعَ مُضِيئًا، وَلَا عِنْدَمَا شَاهَدُوا مُوسَى وَإِيلِيَّا، بَلْ سَقَطُوا عِنْدَمَا سَمِعُوا صَوْتَ الآبِ. وَيُظْهِرُ ذٰلِكَ، فِي رَأْيِهِ، أَنَّ الصَّوْتَ الإِلَهِيَّ كَانَ مَمْلُوءًا هَيْبَةً وَسُلْطَانًا، وَأَنَّهُ كَشَفَ لَهُمْ عَظَمَةَ السِّرِّ الَّذِي كَانُوا يُعَايِنُونَهُ (PG 58: 552).  وَيَرَى الْقِدِّيسُ ايرونيموس أَنَّ سُقُوطَ التَّلَامِيذِ عَلَى وُجُوهِهِمْ يُعَبِّرُ عَنْ عَجْزِ الطَّبِيعَةِ الْبَشَرِيَّةِ عَنْ احْتِمَالِ مَجْدِ اللهِ مِنْ دُونِ أَنْ تَسْنُدَهَا النِّعْمَةُ. فَمَهْمَا ارْتَفَعَ الإِنْسَانُ فِي الصَّلَاةِ وَالْمَعْرِفَةِ، يَبْقَى مُحْتَاجًا إِلَى أَنْ يَقْتَرِبَ مِنْهُ الْمَسِيحُ وَيَلْمِسَهُ وَيَنْهَضَهُ. وَبِهٰذَا، فَإِنَّ خَوْفَ التَّلَامِيذِ لَيْسَ نِهَايَةَ الْحَدَثِ، بَلْ مَرْحَلَةٌ تَقُودُهُمْ إِلَى لِقَاءٍ أَعْمَقَ بِالْمَسِيحِ. فَحِينَ يَكْشِفُ اللهُ قَدَاسَتَهُ، يَسْقُطُ الإِنْسَانُ فِي اتِّضَاعٍ؛ وَلٰكِنَّ الْمَسِيحَ لَا يَتْرُكُهُ سَاقِطًا، بَلْ يَقْتَرِبُ مِنْهُ وَيَرْفَعُهُ، كَمَا سَيَظْهَرُ فِي الآيَةِ التَّالِيَةِ. فَالْخَوْفُ الْمُقَدَّسُ يَفْتَحُ الطَّرِيقَ أَمَامَ كَلِمَةِ يَسُوعَ الْمُعَزِّيَةِ: "قُومُوا، لَا تَخَافُوا" (متى 17: 7). وَمِنْ هُنَا، يَدْعُونَا النَّصُّ إِلَى أَنْ نَقِفَ أَمَامَ اللهِ بِخَشْيَةٍ وَتَوَاضُعٍ، مِنْ دُونِ أَنْ نَتَحَوَّلَ إِلَى أَسْرَى لِلْخَوْفِ. فَالْخَشْيَةُ الْحَقِيقِيَّةُ تَقُودُ إِلَى السُّجُودِ، وَالسُّجُودُ يَقُودُ إِلَى الثِّقَةِ، وَالثِّقَةُ تَنْبَعُ مِنْ لَمْسَةِ الْمَسِيحِ وَكَلِمَتِهِ الَّتِي تُقِيمُ الإِنْسَانَ مِنْ سُقُوطِهِ.

 

7. "فَدَنَا يَسُوعُ وَلَمَسَهُمْ، وَقَالَ لَهُمْ: قُومُوا، لَا تَخَافُوا"

 

تُشِيرُ عِبَارَةُ "فَدَنَا يَسُوعُ وَلَمَسَهُمْ" إِلَى مُبَادَرَةِ الْمَسِيحِ بِالِاقْتِرَابِ مِنْ تَلَامِيذِهِ بَعْدَمَا سَقَطُوا عَلَى وُجُوهِهِمْ وَاسْتَوْلَى عَلَيْهِمُ الْخَوْفُ. فَيَسُوعُ لَا يَتْرُكُهُمْ أَسْرَى الرَّهْبَةِ، بَلْ يَدْنُو مِنْهُمْ، وَيَلْمِسُهُمْ، وَيُعِيدُهُمْ إِلَى الثِّقَةِ وَالطُّمَأْنِينَةِ. وَهٰكَذَا تَتَحَوَّلُ الْمُبَادَرَةُ الإِلَهِيَّةُ مِنْ صَوْتٍ مَهِيبٍ فِي الْغَمَامِ إِلَى لَمْسَةٍ حَنُونَةٍ مِنَ الابْنِ الْمُتَجَسِّدِ. وَلَا تَعْنِي لَمْسَةُ يَسُوعَ مُجَرَّدَ تَأْكِيدِ أَنَّ التَّلَامِيذَ لَا يَزَالُونَ فِي الْعَالَمِ الْحِسِّيِّ، بَلْ تَحْمِلُ فِي إِنْجِيلِ مَتَّى دَلَالَةً خَلَاصِيَّةً عَمِيقَةً. فَبِلَمْسَتِهِ يَشْفِي يَسُوعُ الأَبْرَصَ (متى 8: 3)، وَيُقِيمُ ابْنَةَ يَائِيرُسَ مَاسِكًا بِيَدِهَا (متى 9: 25)، وَيَلْمَسُ عُيُونَ الْعُمْيَانِ فَتَنْفَتِحُ (متى 9: 29؛ 20: 34). وَفِي التَّجَلِّي، لَا يَشْفِي مَرَضًا جَسَدِيًّا، بَلْ يُحَرِّرُ تَلَامِيذَهُ مِنَ الْخَوْفِ وَيُقِيمُهُمْ مِنْ سُقُوطِهِمْ. وَيَذْكُرُ هٰذَا الْمَشْهَدُ بِاخْتِبَارِ دَانِيالَ النَّبِيِّ، الَّذِي سَقَطَ عَلَى وَجْهِهِ أَمَامَ الرُّؤْيَا السَّمَاوِيَّةِ، ثُمَّ أَقَامَتْهُ يَدٌ لَمَسَتْهُ: "وَعِنْدَ سَمَاعِي صَوْتَ أَقْوَالِهِ، كُنْتُ فِي سُبَاتٍ وَأَنَا عَلَى وَجْهِي، وَوَجْهِي مُلْتَصِقٌ بِالأَرْضِ. فَإِذَا بِيَدٍ لَمَسَتْنِي، وَأَقَامَتْنِي مُرْتَعِشًا عَلَى رُكْبَتَيَّ وَعَلَى كَفَّيْ يَدَيَّ" (دانيال 10: 9-10). وَفِي مَوْضِعٍ آخَرَ يَقُولُ: "فَلَمَسَنِي وَأَنْهَضَنِي حَيْثُ كُنْتُ وَاقِفًا" (دانيال 8: 18). وَالْمُقَارَنَةُ مَعَ دَانِيالَ تُظْهِرُ أَنَّ يَسُوعَ يَقُومُ بِدَوْرِ الرَّسُولِ السَّمَاوِيِّ الَّذِي يُقِيمُ الإِنْسَانَ مِنْ رَهْبَتِهِ، بَلْ إِنَّهُ أَكْثَرُ مِنْ ذٰلِكَ: هُوَ الابْنُ الَّذِي تَصِيرُ فِيهِ لَمْسَةُ اللهِ قَرِيبَةً وَبَشَرِيَّةً. فَالَّذِي أَعْلَنَ الآبُ مَجْدَهُ هُوَ نَفْسُهُ الَّذِي يَنْحَنِي عَلَى تَلَامِيذِهِ وَيَلْمِسُهُمْ.

 

أَمَّا عِبَارَةُ "قُومُوا"، وَفِي الأَصْلِ الْيُونَانِيِّ ἐγέρθητε ، فَهِيَ مِنَ الْفِعْلِ ἐγείρω، الَّذِي يُسْتَعْمَلُ فِي الْعَهْدِ الْجَدِيدِ بِمَعْنَى "يَنْهَضُ" أَوْ "يُقَامُ"، وَيَرِدُ أَيْضًا فِي سِيَاقِ الْقِيَامَةِ مِنْ بَيْنِ الأَمْوَاتِ. وَلِذٰلِكَ تَحْمِلُ كَلِمَةُ يَسُوعَ هُنَا إِيحَاءً فِصْحِيًّا؛ فَالتَّلَامِيذُ سَقَطُوا كَالْمَوْتَى أَمَامَ الْمَجْدِ، وَيَأْمُرُهُمُ الْمَسِيحُ أَنْ يَقُومُوا. فَهُوَ لَا يَرْفَعُ أَجْسَادَهُمْ فَحَسْبُ، بَلْ يُهَيِّئُهُمْ لِلنُّهُوضِ مِنْ خَوْفِهِمْ وَمِنْ سُوءِ فَهْمِهِمْ لِطَرِيقِهِ. وَكَأَنَّ كَلِمَةَ "قُومُوا" تَسْتَبِقُ قِيَامَةَ الْمَسِيحِ نَفْسِهِ، الَّتِي سَتُقِيمُ التَّلَامِيذَ مِنْ عَثْرَةِ الصَّلِيبِ وَتُحَوِّلُهُمْ إِلَى شُهُودٍ.

 

أَمَّا عِبَارَةُ "لَا تَخَافُوا"، فَهِيَ مِنْ أَكْثَرِ الْعِبَارَاتِ الْكِتَابِيَّةِ ارْتِبَاطًا بِالظُّهُورِ الإِلَهِيِّ وَبِالْبُشْرَى. فَحِينَ يَدْخُلُ اللهُ حَيَاةَ الإِنْسَانِ، يَكْشِفُ لَهُ عَظَمَتَهُ، لٰكِنَّهُ لَا يُرِيدُ أَنْ يَسْتَعْبِدَهُ لِلرُّعْبِ، بَلْ أَنْ يَقُودَهُ إِلَى الثِّقَةِ. وَهٰكَذَا قَالَ يَسُوعُ لِلتَّلَامِيذِ عِنْدَمَا مَشَى عَلَى الْبَحْرِ: "ثِقُوا، أَنَا هُوَ، لَا تَخَافُوا" (متى 14: 27)، وَقَالَ الْمَلَاكُ لِلنِّسَاءِ عِنْدَ الْقَبْرِ: "لَا تَخَافَا" (متى 28: 5)، ثُمَّ كَرَّرَ يَسُوعُ الْقَائِمُ لَهُمَا: "لَا تَخَافَا" (متى 28: 10). وَيُظْهِرُ هٰذَا التَّوَازِي بَيْنَ التَّجَلِّي وَالْقِيَامَةِ أَنَّ كَلِمَةَ "لَا تَخَافُوا" هِيَ كَلِمَةُ رَجَاءٍ فِصْحِيٍّ. فَمَنْ يَلْتَقِي بِالْمَسِيحِ الْمُمَجَّدِ لَا يَبْقَى عَبْدًا لِلْخَوْفِ، حَتَّى وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَمُرَّ بِطَرِيقِ الصَّلِيبِ. فَالَّذِي يَلْمِسُ التَّلَامِيذَ عَلَى جَبَلِ التَّجَلِّي هُوَ نَفْسُهُ الَّذِي سَيَقُومُ مِنْ بَيْنِ الأَمْوَاتِ وَيَمْنَحُهُمُ السَّلَامَ. وَيُعَلِّقُ الْقِدِّيسُ ايرونيموس أَنَّ التَّلَامِيذَ لَمْ يَسْتَطِيعُوا أَنْ يَنْهَضُوا بِقُوَّتِهِمْ، بَلْ احْتَاجُوا إِلَى أَنْ يَقْتَرِبَ مِنْهُمُ الْمَسِيحُ وَيَلْمِسَهُمْ. فَالطَّبِيعَةُ الْبَشَرِيَّةُ تَسْقُطُ أَمَامَ مَجْدِ اللهِ، وَلٰكِنَّهَا تَنْهَضُ بِلَمْسَةِ الْمَسِيحِ وَبِكَلِمَتِهِ. وَبِذٰلِكَ تَصِيرُ لَمْسَةُ يَسُوعَ صُورَةً لِلنِّعْمَةِ الَّتِي تَرْفَعُ الإِنْسَانَ مِنْ عَجْزِهِ وَتُعِيدُهُ إِلَى الْحَيَاةِ. وَيَرَى الْقِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الْفَمِ أَنَّ يَسُوعَ، بَعْدَ أَنْ كَشَفَ لِلتَّلَامِيذِ مَجْدَهُ وَجَعَلَهُمْ يَسْمَعُونَ صَوْتَ الآبِ، يَعُودُ فَيَتَعَامَلُ مَعَهُمْ بِوَدَاعَتِهِ الْمَعْهُودَةِ، فَيَقْتَرِبُ مِنْهُمْ وَيَمْنَحُهُمُ الشَّجَاعَةَ. فَالْمَجْدُ الإِلَهِيُّ فِي الْمَسِيحِ لَا يَبْتَعِدُ عَنِ الإِنْسَانِ، بَلْ يَنْحَنِي لِيُقِيمَهُ. وَلَا يَعْنِي الْحُضُورُ أَمَامَ يَسُوعَ التَّشَبُّثَ بِلَحْظَةِ التَّجَلِّي أَوِ الْبَقَاءَ عَلَى الْجَبَلِ بَعِيدًا عَنِ الْعَالَمِ، بَلْ يَعْنِي قَبُولَ لَمْسَتِهِ وَكَلِمَتِهِ، ثُمَّ النُّهُوضَ وَالْمَسِيرَ مَعَهُ. فَعَلَى التَّلَامِيذِ أَنْ يَنْزِلُوا مِنَ الْجَبَلِ وَيَتَّجِهُوا مَعَ يَسُوعَ نَحْوَ أُورُشَلِيمَ، حَيْثُ يَمُرُّ الطَّرِيقُ بِالآلامِ وَالصَّلِيبِ، لٰكِنَّهُ يَنْتَهِي بِالْقِيَامَةِ. وَمِنْ هُنَا، تَحْمِلُ كَلِمَتَا يَسُوعَ "قُومُوا، لَا تَخَافُوا" بُعْدًا رُوحِيًّا دَائِمًا. فَالْمَسِيحُ يَقْتَرِبُ مِنَ الإِنْسَانِ فِي خَوْفِهِ وَضَعْفِهِ وَسُقُوطِهِ، وَيَلْمِسُهُ بِنِعْمَتِهِ، وَيَدْعُوهُ إِلَى أَنْ يَنْهَضَ وَيُوَاصِلَ الطَّرِيقَ. فَالإِيمَانُ لَيْسَ هَرَبًا مِنَ الْوَاقِعِ، بَلْ قُوَّةٌ لِلنُّهُوضِ وَالدُّخُولِ فِي الْحَيَاةِ وَالْخِدْمَةِ، وَاثِقِينَ بِأَنَّ يَسُوعَ الَّذِي يَقُولُ لَنَا: "لَا تَخَافُوا" يَسِيرُ مَعَنَا حَتَّى الصَّلِيبِ وَالْقِيَامَةِ.

 

8. "فَرَفَعُوا أَنْظَارَهُمْ، فَلَمْ يَرَوْا إِلَّا يَسُوعَ وَحْدَهُ"

 

تُشِيرُ عِبَارَةُ "فَرَفَعُوا أَنْظَارَهُمْ" إِلَى أَنَّ التَّلَامِيذَ، بَعْدَمَا لَمَسَهُمُ الْمَسِيحُ وَشَجَّعَهُمْ بِقَوْلِهِ: "قُومُوا، لَا تَخَافُوا"، تَحَرَّرُوا مِنْ رَهْبَتِهِمْ وَعَادُوا يَنْظُرُونَ إِلَى أَمَامِهِمْ بِعَيْنَيِ الإِيمَانِ. فَلَمْ يَعُودُوا مُنْطَرِحِينَ عَلَى الأَرْضِ، بَلْ نَهَضُوا لِيَرَوْا مَا أَرَادَ اللهُ أَنْ يُثَبِّتَهُ فِي قُلُوبِهِمْ. وَهٰكَذَا يَأْتِي رَفْعُ الأَنْظَارِ بَعْدَ السُّجُودِ، لأَنَّ الإِنْسَانَ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُبْصِرَ الْحَقِيقَةَ الإِلَهِيَّةَ إِلَّا بَعْدَ أَنْ يَتَوَاضَعَ أَمَامَ اللهِ.

 

أَمَّا عِبَارَةُ "فَلَمْ يَرَوْا إِلَّا يَسُوعَ وَحْدَهُ"، فَتُمَثِّلُ ذِرْوَةَ مَشْهَدِ التَّجَلِّي وَغَايَتَهُ اللاَّهُوتِيَّةَ. فَبَعْدَمَا ارْتَفَعَ الْغَمَامُ، اخْتَفَى مُوسَى وَإِيلِيَّا، وَلَمْ يَبْقَ أَمَامَ أَعْيُنِ التَّلَامِيذِ إِلَّا يَسُوعُ. وَلَا يَعْنِي ذٰلِكَ أَنَّ مُوسَى وَإِيلِيَّا فَقَدَا قِيمَتَهُمَا، بَلْ أَنَّ رِسَالَتَهُمَا قَدِ اكْتَمَلَتْ فِي الْمَسِيحِ. فَمُوسَى مُمَثِّلُ الشَّرِيعَةِ، وَإِيلِيَّا مُمَثِّلُ الأَنْبِيَاءِ، وَكِلَاهُمَا شَهِدَا لِيَسُوعَ، ثُمَّ تَوَارَيَا لِتَبْقَى الْعُيُونُ مُثَبَّتَةً عَلَى الَّذِي أَكْمَلَ الشَّرِيعَةَ وَتَمَّمَ النُّبُوَّاتِ.  وَقَدْ جَاءَ اخْتِفَاءُ مُوسَى وَإِيلِيَّا بَعْدَ صَوْتِ الآبِ: "فَلَهُ اسْمَعُوا" (متى 17: 5)، فَكَأَنَّ الْوَحْيَ الإِلَهِيَّ يُعْلِنُ أَنَّ الشَّرِيعَةَ وَالأَنْبِيَاءَ يَقُودَانِ إِلَى الْمَسِيحِ، أَمَّا الْكَلِمَةُ النِّهَائِيَّةُ فَهِيَ كَلِمَتُهُ. وَهٰذَا مَا تُؤَكِّدُهُ رِسَالَةُ الْعِبْرَانِيِّينَ: "إِنَّ اللهَ، بَعْدَمَا كَلَّمَ الآبَاءَ قَدِيمًا بِالأَنْبِيَاءِ مَرَّاتٍ كَثِيرَةً وَبِوُجُوهٍ كَثِيرَةٍ، كَلَّمَنَا فِي آخِرِ هٰذِهِ الأَيَّامِ بِابْنٍ" (عبرانيين 1: 1-2). وَيُعَلِّقُ الْقِدِّيسُ أُوغُسْطِينُوس عَلَى هٰذِهِ الْعِبَارَةِ قَائِلًا: "اخْتَفَى مُوسَى وَإِيلِيَّا، وَبَقِيَ يَسُوعُ وَحْدَهُ؛ لأَنَّ الشَّرِيعَةَ وَالأَنْبِيَاءَ يَشْهَدَانِ لِلْمَسِيحِ، وَبَعْدَ أَنْ أَدَّيَا شَهَادَتَهُمَا، بَقِيَ الَّذِي شَهِدَا لَهُ" (PL 38: 492). وَيَقُولُ الْقِدِّيسُ لاَوُنُ الْكَبِيرُ: "بَقِيَ يَسُوعُ وَحْدَهُ، لأَنَّ الْحَقِيقَةَ حَلَّتْ مَحَلَّ الرَّمْزِ، وَتَمَّ الْوَعْدُ فِي الْمَسِيحِ" (PL 54: 314).  فَالشَّرِيعَةُ لَمْ تُلْغَ، بَلْ بَلَغَتْ كَمَالَهَا؛ وَالنُّبُوءَاتُ لَمْ تَزُلْ، بَلْ تَحَقَّقَتْ فِي شَخْصِ يَسُوعَ.

 

وَتُشِيرُ عِبَارَةُ "يَسُوعَ وَحْدَهُ" أَيْضًا إِلَى وَسَاطَةِ الْمَسِيحِ الْفَرِيدَةِ. فَهُوَ وَحْدَهُ الَّذِي يَجْمَعُ فِي شَخْصِهِ مَا كَانَ مُتَفَرِّقًا فِي الْعَهْدِ الْقَدِيمِ؛ فَهُوَ النَّبِيُّ الْحَقِيقِيُّ، وَرَئِيسُ الْكَهَنَةِ الأَعْظَمُ، وَالْمَلِكُ الْمَسِيحُ. وَهُوَ وَحْدَهُ الَّذِي يَبْقَى إِلَى الأَبَدِ، كَمَا يَقُولُ صَاحِبُ رِسَالَةِ الْعِبْرَانِيِّينَ: "يَبْقَى إِلَى الأَبَدِ، فَلَهُ كَهَنُوتٌ لَا يَزُولُ" (عبرانيين 7: 24). وَلِهٰذَا، فَإِنَّ غَايَةَ التَّجَلِّي لَيْسَتِ الِانْشِغَالَ بِالْمَشَاهِدِ الْعَجِيبَةِ، وَلَا بِالظَّوَاهِرِ السَّمَاوِيَّةِ، بَلْ تَثْبِيتُ النَّظَرِ عَلَى شَخْصِ الْمَسِيحِ. فَالْمُؤْمِنُ مَدْعُوٌّ أَنْ يَرَى فِي يَسُوعَ مِلْءَ الْوَحْيِ، وَكَامِلَ الْحَقِيقَةِ، وَمَرْكَزَ الإِيمَانِ، وَغَايَةَ الرَّجَاءِ. وَمِنْ هُنَا، لَا يَكْفِي أَنْ نَنْصِبَ لِلْمَسِيحِ خَيْمَةً عَلَى جَبَلِ التَّجَلِّي، كَمَا اقْتَرَحَ بُطْرُسُ، بَلْ يَجِبُ أَنْ نَجْعَلَ لَهُ مَسْكَنًا دَائِمًا فِي قُلُوبِنَا، لِيَكُونَ هُوَ مَرْجِعَ أَفْكَارِنَا، وَمِحْوَرَ قَرَارَاتِنَا، وَغَايَةَ حَيَاتِنَا. فَالَّذِي رَأَهُ التَّلَامِيذُ "وَحْدَهُ" عَلَى الْجَبَلِ، يَبْقَى مَعَ كَنِيسَتِهِ فِي كُلِّ زَمَانٍ، وَيُرَافِقُهَا إِلَى انْقِضَاءِ الدَّهْرِ (متى 28: 20).

 

9."وَبَيْنَمَا هُمْ نَازِلُونَ مِنَ الْجَبَلِ، أَوْصَاهُمْ يَسُوعُ قَائِلًا: لا تُخْبِرُوا أَحَدًا بِهٰذِهِ الرُّؤْيَا حَتَّى يَقُومَ ابْنُ الإِنْسَانِ مِنْ بَيْنِ الأَمْوَاتِ".

 

تُشِيرُ عِبَارَةُ "وَبَيْنَمَا هُمْ نَازِلُونَ مِنَ الْجَبَلِ" إِلَى صَبَاحِ الْيَوْمِ التَّالِي، كَمَا يُسْتَشَفُّ مِنْ رِوَايَةِ الْقِدِّيسِ لُوقَا: "وَفِي الْغَدِ نَزَلُوا مِنَ الْجَبَلِ" (لُوقَا 9: 37). وَلَا تَزَالُ الْكَنِيسَةُ الْبِيزَنْطِيَّةُ الْقَائِمَةُ عَلَى قِمَّةِ جَبَلِ طَابُورَ تُحْيِي هٰذَا الْحَدَثَ، فَتُذَكِّرُ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ خِبْرَةَ الْمَجْدِ لَا تَدْعُو إِلَى الْبَقَاءِ عَلَى الْجَبَلِ، بَلْ إِلَى النُّزُولِ مِنْهُ لِمُتَابَعَةِ رِسَالَةِ الشَّهَادَةِ وَالْخِدْمَةِ.

 

أَمَّا قَوْلُ يَسُوعَ: "لَا تُخْبِرُوا أَحَدًا بِهٰذِهِ الرُّؤْيَا"، فَيُشِيرُ إِلَى مَا يُسَمِّيهِ الدَّارِسُونَ "السِّرَّ الْمَسِيحَانِيَّ"، أَيْ تَأْجِيلَ الإِعْلَانِ الْكَامِلِ عَنْ هُوِيَّةِ يَسُوعَ إِلَى مَا بَعْدَ مَوْتِهِ وَقِيَامَتِهِ. فَالتَّلَامِيذُ، وَإِنْ عَايَنُوا مَجْدَ الْمُعَلِّمِ، لَمْ يَكُونُوا قَادِرِينَ بَعْدُ عَلَى فَهْمِ مَعْنَاهُ الْحَقِيقِيِّ، لِأَنَّ سِرَّ التَّجَلِّي لَا يُدْرَكُ إِلَّا فِي ضَوْءِ سِرِّ الْفِصْحِ. وَلِذٰلِكَ لَنْ يَسْتَطِيعُوا أَنْ يَكْرِزُوا بِأُلُوهِيَّةِ الْمَسِيحِ وَرِسَالَةِ خَلَاصِهِ إِلَّا بَعْدَ أَنْ يَشْهَدُوا قِيَامَتَهُ، وَيَنَالُوا قُوَّةَ الرُّوحِ الْقُدُسِ يَوْمَ الْعَنْصَرَةِ (أَعْمَالُ الرُّسُلِ 2: 1-11). وَمِنْ هُنَا كَانَتْ غَايَةُ التَّجَلِّي تَثْبِيتَ إِيمَانِ الرُّسُلِ وَإِعْدَادَهُمْ لِيَكُونُوا شُهُودًا لِلْمَسِيحِ الْقَائِمِ. فَالتَّجَلِّي لَيْسَ حَدَثًا مُنْفَصِلًا عَنِ الْفِصْحِ، بَلْ هُوَ اسْتِبَاقٌ لِمَجْدِ الْقِيَامَةِ؛ إِذْ يَكْشِفُ مُسْبَقًا ذٰلِكَ النُّورَ الإِلَهِيَّ وَالْمَجْدَ اللَّذَيْنِ سَيَظْهَرَانِ فِي الْمَسِيحِ الْقَائِمِ مِنْ بَيْنِ الأَمْوَاتِ (رَاجِعْ مَتَّى 28: 2-3؛ لُوقَا 24: 4؛ يُوحَنَّا 20: 12). فَالْمَسِيحُ يُظْهِرُ لِتَلَامِيذِهِ، قَبْلَ آلَامِهِ، أَنَّ الصَّلِيبَ لَيْسَ نِهَايَةَ الطَّرِيقِ، بَلْ مَعْبَرٌ إِلَى الْمَجْدِ. وَيُمَيِّزُ يَسُوعُ بَيْنَ زَمَنِ خِدْمَتِهِ الأَرْضِيَّةِ وَزَمَنِ الْكَنِيسَةِ بَعْدَ الْفِصْحِ. فَفِي أَثْنَاءِ حَيَاتِهِ الْعَلَنِيَّةِ كَانَ مِنَ الْمُمْكِنِ أَنْ يُسَاءَ فَهْمُ شَخْصِهِ وَرِسَالَةِ مَلَكُوتِهِ، لِذٰلِكَ طَلَبَ مِنْ تَلَامِيذِهِ حِفْظَ سِرِّ التَّجَلِّي إِلَى أَنْ يَتِمَّ سِرُّ الْفِدَاءِ. فَقِيَامَتُهُ وَحْدَهَا سَتَكْشِفُ الْمَعْنَى الْكَامِلَ لِمَجْدِهِ، وَتَجْعَلُ شَهَادَتَهُمْ صَحِيحَةً وَكَامِلَةً. كَمَا أَنَّ يَسُوعَ أَرَادَ أَنْ يَتَجَنَّبَ أَيَّ تَفْسِيرٍ سِيَاسِيٍّ لِشَخْصِهِ، أَوْ إِثَارَةَ حَمَاسٍ شَعْبِيٍّ يَقُودُ إِلَى ثَوْرَةٍ تُنَصِّبُهُ مَلِكًا أَرْضِيًّا، كَمَا حَدَثَ بَعْدَ مُعْجِزَةِ تَكْثِيرِ الْخُبْزِ، إِذْ "عَلِمَ يَسُوعُ أَنَّهُمْ يَهُمُّونَ بِاخْتِطَافِهِ لِيُقِيمُوهُ مَلِكًا، فَانْصَرَفَ وَعَادَ وَحْدَهُ إِلَى الْجَبَلِ" (يُوحَنَّا 6: 15). وَلِذٰلِكَ كَانَ الإِعْلَانُ الْمُبَكِّرُ عَنْ رُؤْيَا التَّجَلِّي قَدْ يَزِيدُ مِنْ سُوءِ فَهْمِ رِسَالَتِهِ، وَهُوَ مَا تُؤَكِّدُهُ أَيْضًا أَسْئِلَةُ التَّلَامِيذِ اللَّاحِقَةُ بِشَأْنِ إِيلِيَّا (مَتَّى 17: 10-13).

 

أَمَّا عِبَارَةُ "حَتَّى يَقُومَ ابْنُ الإِنْسَانِ مِنْ بَيْنِ الأَمْوَاتِ"، فَتُعْلِنُ بِوُضُوحٍ أَنَّ طَرِيقَ الْمَجْدِ يَمُرُّ عَبْرَ الْمَوْتِ وَالْقِيَامَةِ. لَقَدْ أَرَادَ يَسُوعُ أَنْ يَقْتَرِنَ إِعْلَانُ مَجْدِهِ بِإِعْلَانِ قِيَامَتِهِ، لِأَنَّ الْقِيَامَةَ هِيَ الْبُرْهَانُ النِّهَائِيُّ عَلَى هُوِيَّتِهِ الْمَسِيحَانِيَّةِ وَالإِلَهِيَّةِ. وَمَعَ ذٰلِكَ، بَقِيَ التَّلَامِيذُ عَاجِزِينَ عَنْ فَهْمِ هٰذَا السِّرِّ، كَمَا يَرْوِي مَرْقُسُ: "وَحَفِظُوا هٰذَا الأَمْرَ، وَأَخَذُوا يَتَسَاءَلُونَ مَا مَعْنَى الْقِيَامَةِ مِنْ بَيْنِ الأَمْوَاتِ" (مَرْقُسَ 9: 10). وَلَمْ يَكُنْ سَبَبُ حَيْرَتِهِمْ إِنْكَارَهُمْ لِفِكْرَةِ الْقِيَامَةِ، إِذْ كَانَتْ مَعْرُوفَةً لَدَى كَثِيرٍ مِنَ الْيَهُودِ، وَلَا سِيَّمَا الْفَرِّيسِيِّينَ (دَانِيال 12: 2؛ يُوحَنَّا 11: 24)، وَإِنَّمَا لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَنْتَظِرُونَ قِيَامَةَ الأَبْرَارِ فِي آخِرِ الأَزْمِنَةِ، لَا قِيَامَةَ شَخْصٍ وَاحِدٍ فِي قَلْبِ التَّارِيخِ. لِذٰلِكَ بَدَتْ لَهُمْ قِيَامَةُ يَسُوعَ الْقَرِيبَةُ أَمْرًا غَيْرَ مَأْلُوفٍ، عَلَى الرَّغْمِ مِنْ أَنَّهُ سَبَقَ فَأَعْلَنَ مَوْتَهُ وَقِيَامَتَهُ، وَرَمَزَ إِلَيْهِمَا بِعَلَامَةِ يُونَانَ قَائِلًا: "فَكَمَا بَقِيَ يُونَانُ فِي بَطْنِ الْحُوتِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَثَلَاثَ لَيَالٍ، فَكَذٰلِكَ يَبْقَى ابْنُ الإِنْسَانِ فِي جَوْفِ الأَرْضِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَثَلَاثَ لَيَالٍ" (مَتَّى 12: 40).  وَهٰكَذَا يَكْشِفُ خِتَامُ رِوَايَةِ التَّجَلِّي أَنَّ مَجْدَ الْمَسِيحِ لَا يُفْهَمُ إِلَّا فِي ضَوْءِ الصَّلِيبِ وَالْقِيَامَةِ، وَأَنَّ التِّلْمِيذَ الْحَقِيقِيَّ مَدْعُوٌّ إِلَى أَنْ يَسِيرَ وَرَاءَ مُعَلِّمِهِ فِي هٰذَا الطَّرِيقِ، وَاثِقًا بِأَنَّ الأَلَمَ لَيْسَ الْكَلِمَةَ الأَخِيرَةَ، بَلْ إِنَّ الْمَجْدَ الَّذِي أَشْرَقَ عَلَى جَبَلِ التَّجَلِّي سَيَبْلُغُ كَمَالَهُ فِي فَجْرِ الْقِيَامَةِ.

 

 

ثَانِيًا: تَطْبِيقَاتُ النَّصِّ الإِنْجِيلِيِّ (مَتَّى 17: 1-9)

 

بَعْدَ دِرَاسَةِ وَقَائِعِ نَصِّ التَّجَلِّي وَتَحْلِيلِهَا (مَتَّى 17: 1-9)، يَتَبَيَّنُ أَنَّ هٰذَا الْحَدَثَ يَحْمِلُ غَايَاتٍ لَاهُوتِيَّةً وَخَلَاصِيَّةً عَمِيقَةً، تَتَعَلَّقُ أَوَّلًا بِشَخْصِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ وَرِسَالَتِهِ، ثُمَّ بِإِيمَانِ التَّلَامِيذِ وَرِسَالَةِ الْكَنِيسَةِ. فَالتَّجَلِّي لَيْسَ مُجَرَّدَ ظَاهِرَةٍ نُورَانِيَّةٍ، بَلْ إِعْلَانٌ عَنْ هُوِيَّةِ الْمَسِيحِ، وَاسْتِبَاقٌ لِمَجْدِ قِيَامَتِهِ، وَتَهْيِئَةٌ لِلتَّلَامِيذِ لِقَبُولِ سِرِّ الصَّلِيبِ.

 

1. غَايَةُ التَّجَلِّي بِالنِّسْبَةِ إِلَى شَخْصِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ

 

كَشَفَ حَدَثُ التَّجَلِّي عَنْ هُوِيَّةِ يَسُوعَ بِوَصْفِهِ ابْنَ اللهِ الْحَبِيبَ وَابْنَ الإِنْسَانِ، وَأَعْلَنَ مُسْبَقًا مَجْدَ قِيَامَتِهِ. فَالَّذِي سَيَسِيرُ نَحْوَ أُورُشَلِيمَ وَيَحْتَمِلُ الآلامَ وَالصَّلِيبَ هُوَ نَفْسُهُ رَبُّ الْمَجْدِ، الَّذِي يَشْرَقُ نُورُ أُلُوهِيَّتِهِ فِي نَاسُوتِهِ الْحَقِيقِيِّ.

 

أ) هُوِيَّةُ يَسُوعَ الْمَسِيحِ

 

تُعْلِنُ رِوَايَةُ التَّجَلِّي أَنَّ يَسُوعَ الْمَسِيحَ هُوَ إِلهٌ حَقٌّ وَإِنْسَانٌ حَقٌّ فِي وَحْدَةِ شَخْصِهِ. فَهُوَ لَيْسَ مُجَرَّدَ نَبِيٍّ مِنْ بَيْنِ الأَنْبِيَاءِ، وَلَا مُعَلِّمًا دِينِيًّا فَائِقًا، بَلْ هُوَ الابْنُ الْوَحِيدُ الَّذِي يَشْتَرِكُ فِي مَجْدِ الآبِ. وَهٰذَا مَا تُعْلِنُهُ رِسَالَةُ الْعِبْرَانِيِّينَ قَائِلَةً إِنَّهُ "ضِيَاءُ مَجْدِهِ وَصُورَةُ جَوْهَرِهِ" (عبرانيين 1: 3).

 

فِي التَّجَلِّي، لَمْ يَتَحَوَّلْ يَسُوعُ إِلَى كَائِنٍ إِلَهِيٍّ لَمْ يَكُنْهُ مِنْ قَبْلُ، وَلَمْ يَتَخَلَّ عَنْ جَسَدِهِ الْبَشَرِيِّ، بَلْ أَظْهَرَ فِي نَاسُوتِهِ شَيْئًا مِنَ الْمَجْدِ الإِلَهِيِّ الْمُسْتَتِرِ فِيهِ. فَالْمَجْدُ الَّذِي ظَهَرَ عَلَى وَجْهِهِ وَثِيَابِهِ لَمْ يَأْتِهِ مِنْ خَارِجٍ، بَلْ أَشْرَقَ مِنْ شَخْصِهِ، لأَنَّهُ نُورُ الْعَالَمِ وَالْكَلِمَةُ الْمُتَجَسِّدُ (يوحنّا 1: 4، 9، 14؛ 8: 12). وَيُؤَكِّدُ الْقِدِّيسُ يُوحَنَّا الدِّمَشْقِيُّ: "أَنَّ الْمَسِيحَ فِي التَّجَلِّي لَمْ يَكْتَسِبْ مَا لَمْ يَكُنْ يَمْلِكُهُ، بَلْ كَشَفَ لِتَلَامِيذِهِ مَا كَانَ عَلَيْهِ دَائِمًا، فَأَظْهَرَ لَهُمْ بَهَاءَ أُلُوهِيَّتِهِ بِقَدْرِ مَا اسْتَطَاعُوا أَنْ يَحْتَمِلُوا" (PG 96: 564-565).

 

وَيُمْكِنُ مُقَارَنَةُ آيَةِ التَّجَلِّي بِآيَةِ قَانَا الْجَلِيلِ، حَيْثُ حَوَّلَ يَسُوعُ الْمَاءَ خَمْرًا، "وَأَظْهَرَ مَجْدَهُ، فَآمَنَ بِهِ تَلَامِيذُهُ" (يوحنّا 2: 11). فَفِي قَانَا ظَهَرَ مَجْدُهُ مِنْ خِلَالِ عَمَلٍ خَارِجِيٍّ أَجْرَاهُ فِي عَنَاصِرِ الطَّبِيعَةِ، أَمَّا فِي التَّجَلِّي فَانْكَشَفَ الْمَجْدُ فِي شَخْصِهِ نَفْسِهِ؛ إِذْ أَشَعَّ وَجْهُهُ كَالشَّمْسِ، وَصَارَتْ ثِيَابُهُ بَيْضَاءَ كَالنُّورِ (مَتَّى 17: 2). فَالتَّجَلِّي لَيْسَ مُجَرَّدَ مُعْجِزَةٍ صَنَعَهَا يَسُوعُ، بَلْ وَحْيٌ عَنْ هُوِيَّةِ صَانِعِ الْمُعْجِزَاتِ.

 

وَقَدْ أَدْرَكَ التَّلَامِيذُ أَنَّهُمْ أَمَامَ حُضُورٍ إِلَهِيٍّ، فَلَمَّا سَمِعُوا صَوْتَ الآبِ "سَقَطُوا عَلَى وُجُوهِهِمْ، وَقَدِ اسْتَوْلَى عَلَيْهِمْ خَوْفٌ شَدِيدٌ" (مَتَّى 17: 6). فَالرَّهْبَةُ الَّتِي شَعَرُوا بِهَا لَمْ تَكُنْ نَاتِجَةً مِنْ مَشْهَدٍ عَجِيبٍ فَحَسْبُ، بَلْ مِنْ إِدْرَاكِهِمْ أَنَّ يَسُوعَ الَّذِي عَاشُوا مَعَهُ هُوَ الابْنُ الْحَبِيبُ الَّذِي يَشْهَدُ لَهُ الآبُ.

 

وَيَحْمِلُ التَّجَلِّي أَيْضًا بُعْدًا يَتَّصِلُ بِنَاسُوتِ الْمَسِيحِ الْحَقِيقِيِّ وَمَسِيرَتِهِ الْحُرَّةِ نَحْوَ الصَّلِيبِ. فَقَدْ جَاءَ الْحَدَثُ بَعْدَ إِعْلَانِ يَسُوعَ عَنْ آلَامِهِ وَمَوْتِهِ وَقِيَامَتِهِ (مَتَّى 16: 21)، وَفِي سِيَاقِ صَلَاتِهِ، كَمَا يُبَيِّنُ لُوقَا (لوقا 9: 28-29). وَمِنْ ثَمَّ، يُمْكِنُ فَهْمُ التَّجَلِّي، مِنْ جِهَةِ نَاسُوتِهِ، خِبْرَةَ تَثْبِيتٍ وَتَأْيِيدٍ فِي طَرِيقِ طَاعَتِهِ لِلآبِ؛ لٰكِنْ مِنْ دُونِ أَنْ نَفْتَرِضَ أَنَّهُ كَانَ يَجْهَلُ هُوِيَّتَهُ أَوْ رِسَالَتَهُ.

 

فَالْمَسِيحُ، بِحَسَبِ نَاسُوتِهِ الْكَامِلِ، اخْتَبَرَ الصَّلَاةَ وَالطَّاعَةَ وَالأَلَمَ، وَقَدْ ظَهَرَ لَهُ فِي جَثْسَيْمَانِي مَلَاكٌ مِنَ السَّمَاءِ يُقَوِّيهِ (لوقا 22: 43). غَيْرَ أَنَّ الْغَايَةَ الأَسَاسِيَّةَ مِنَ التَّجَلِّي، بِحَسَبِ سِيَاقِ الأَنَاجِيلِ، هِيَ تَثْبِيتُ التَّلَامِيذِ وَتَهْيِئَتُهُمْ لِئَلَّا يَتَعَثَّرُوا عِنْدَمَا يَرَوْنَ مُعَلِّمَهُمْ مَرْفُوضًا وَمَصْلُوبًا. وَيُعَلِّقُ الْقِدِّيسُ لَاوُنُ الْكَبِيرُ: "أَنَّ الْغَايَةَ الرَّئِيسَةَ مِنَ التَّجَلِّي كَانَتْ إِزَالَةَ عَثْرَةِ الصَّلِيبِ مِنْ قُلُوبِ التَّلَامِيذِ، حَتَّى لَا يَتَزَعْزَعَ إِيمَانُهُمْ عِنْدَمَا يَرَوْنَ اتِّضَاعَ آلَامِ الْمَسِيحِ؛ فَقَدْ كُشِفَ لَهُمْ سُمُوُّ مَجْدِهِ الْخَفِيِّ، لِيَعْلَمُوا أَنَّ الَّذِي يَقْبَلُ الصَّلِيبَ هُوَ رَبُّ الْمَجْدِ" (PL 54: 310-311).

 

ب) الْمَسِيحُ أَعْظَمُ مِنْ مُوسَى وَإِيلِيَّا

 

يُؤَكِّدُ التَّقْلِيدُ الْمَسِيحِيُّ وُجُودَ صِلَةٍ عَمِيقَةٍ بَيْنَ جَبَلِ سِينَاءَ أَوْ حُورِيبَ وَجَبَلِ التَّجَلِّي. فَمُوسَى طَلَبَ أَنْ يُعَايِنَ مَجْدَ اللهِ، لٰكِنَّ الرَّبَّ قَالَ لَهُ: "لَا تَقْدِرُ أَنْ تَرَى وَجْهِي، لأَنَّ الإِنْسَانَ لَا يَرَانِي وَيَحْيَا" (خروج 33: 18-23). وَإِيلِيَّا وَقَفَ عَلَى جَبَلِ حُورِيبَ، فَاخْتَبَرَ حُضُورَ اللهِ فِي "صَوْتِ نَسِيمٍ لَطِيفٍ"، وَسَتَرَ وَجْهَهُ بِرِدَائِهِ (1 ملوك 19: 11-13).

 

أَمَّا فِي التَّجَلِّي، فَيَظْهَرُ مُوسَى وَإِيلِيَّا أَمَامَ وَجْهِ يَسُوعَ الْمُشِعِّ كَالشَّمْسِ (مَتَّى 17: 2). فَالْمَجْدُ الَّذِي اشْتَاقَا إِلَى مُعَايَنَتِهِ يَنْكَشِفُ الآنَ فِي وَجْهِ الْمَسِيحِ؛ لأَنَّ اللهَ أَشْرَقَ فِي قُلُوبِنَا "لِتُشْرِقَ مَعْرِفَةُ مَجْدِ اللهِ فِي وَجْهِ الْمَسِيحِ" (2 قورنتس 4: 6).

 

وَلَا يَقِفُ مُوسَى وَإِيلِيَّا إِلَى جَانِب يَسُوعَ عَلَى قَدَمِ الْمُسَاوَاةِ. فَمُوسَى خَادِمُ الشَّرِيعَةِ، وَإِيلِيَّا شَاهِدُ الأَنْبِيَاءِ، أَمَّا يَسُوعُ فَهُوَ الابْنُ وَرَبُّ الشَّرِيعَةِ وَالأنْبِيَاءِ وَمُتَمِّمُهُمَا. وَقَدْ مَيَّزَتْ رِسَالَةُ الْعِبْرَانِيِّينَ بَيْنَ مُوسَى وَالْمَسِيحِ قَائِلَةً: "مُوسَى كَانَ أَمِينًا فِي بَيْتِهِ كُلِّهِ بِصِفَتِهِ خَادِمًا... أَمَّا الْمَسِيحُ فَبِصِفَتِهِ ابْنًا عَلَى بَيْتِهِ" (عبرانيين 3: 5-6).

 

فَالْمَسِيحُ أَعْظَمُ مِنْ مُوسَى وَإِيلِيَّا وَمِنْ جَمِيعِ الأَنْبِيَاءِ وَالْمُعَلِّمِينَ؛ لَا لأَنَّهُ يَمْلِكُ تَعْلِيمًا أَسْمَى فَحَسْبُ، بَلْ لأَنَّهُ الابْنُ الْوَحِيدُ، وَكَلِمَةُ اللهِ الْمُتَجَسِّدَةُ، وَالْوَسِيطُ الْوَحِيدُ بَيْنَ اللهِ وَالنَّاسِ (1 طيموثاوس 2: 5). وَمُوسَى وَإِيلِيَّا يَشْهَدَانِ لَهُ، ثُمَّ يَخْتَفِيَانِ، لِيَبْقَى "يَسُوعُ وَحْدَهُ"(مَتَّى 17: 8).

 

جـ) التَّجَلِّي بَيْنَ عَهْدِ سِينَاءَ وَالْعَهْدِ الْجَدِيدِ

 

تُذَكِّرُنَا عَنَاصِرُ حَدَثِ التَّجَلِّي بِوَحْيِ اللهِ فِي سِينَاءَ؛ فَهُنَاكَ الْجَبَلُ، وَالْغَمَامُ، وَالصَّوْتُ، وَمُوسَى، وَرَهْبَةُ الشُّهُودِ. كَمَا تُذَكِّرُ الْخِيَامُ بِمَسِيرَةِ شَعْبِ إِسْرَائِيلَ فِي الْبَرِّيَّةِ، وَبِخَيْمَةِ الِاجْتِمَاعِ الَّتِي كَانَتْ عَلامَةَ سُكْنَى اللهِ فِي وَسَطِ شَعْبِهِ (خروج 25: 8؛ 40: 34-35).

 

وَكَانَ الْغَمَامُ فِي الْعَهْدِ الْقَدِيمِ عَلامَةَ حُضُورِ اللهِ وَمَجْدِهِ؛ فَظَلَّلَ جَبَلَ سِينَاءَ، وَغَطَّى خَيْمَةَ الِاجْتِمَاعِ، وَمَلَأَ هَيْكَلَ سُلَيْمَانَ (خروج 19: 16؛ 40: 34-35؛ 1 ملوك 8: 10-11). أَمَّا فِي التَّجَلِّي، فَالْغَمَامُ النَّيِّرُ يُظَلِّلُ الْحَاضِرِينَ، وَيَخْرُجُ مِنْهُ صَوْتُ الآبِ الَّذِي يُعْلِنُ: "هٰذَا هُوَ ابْنِيَ الْحَبِيبُ... فَلَهُ اسْمَعُوا" (مَتَّى 17: 5).

 

وَبِذٰلِكَ يَرْبِطُ التَّجَلِّي بَيْنَ عَهْدِ سِينَاءَ وَالْعَهْدِ الْجَدِيدِ. فَفِي سِينَاءَ أُعْطِيَتِ الشَّرِيعَةُ بِوَاسِطَةِ مُوسَى، أَمَّا فِي الْمَسِيحِ فَتُعْطَى النِّعْمَةُ وَالْحَقِيقَةُ (يوحنّا 1: 17). وَفِي الْعَهْدِ الْقَدِيمِ رُشَّ الشَّعْبُ بِدَمِ الذَّبَائِحِ (خروج 24: 6-8)، أَمَّا يَسُوعُ فَسَيُقِيمُ فِي أُورُشَلِيمَ الْعَهْدَ الْجَدِيدَ بِدَمِهِ، قَائِلًا: "هٰذَا هُوَ دَمِي، دَمُ الْعَهْدِ، الَّذِي يُرَاقُ مِنْ أَجْلِ جَمَاعَةِ النَّاسِ لِغُفْرَانِ الْخَطَايَا" (مَتَّى 26: 28).

 

فَالتَّجَلِّي يَقَعُ عَلَى الطَّرِيقِ نَحْوَ أُورُشَلِيمَ، حَيْثُ سَيُتِمُّ يَسُوعُ "خُرُوجَهُ" وَيُقِيمُ الْعَهْدَ الْجَدِيدَ بِصَلِيبِهِ وَقِيَامَتِهِ (لوقا 9: 31). وَهٰكَذَا يَشْهَدُ مُوسَى، مُمَثِّلُ الشَّرِيعَةِ، وَإِيلِيَّا، مُمَثِّلُ الأَنْبِيَاءِ، أَنَّ الْعَهْدَ الْقَدِيمَ كُلَّهُ كَانَ يُهَيِّئُ لِمَجِيءِ الْمَسِيحِ وَلِسِرِّهِ الْفِصْحِيِّ. وَيُلَخِّصُ الْقِدِّيسُ أَفْرَامُ السُّرْيَانِيُّ مَعْنَى الْمَشْهَدِ بِأَنَّ الْمَسِيحَ جَمَعَ عَلَى الْجَبَلِ شَاهِدَيْنِ مِنَ الْعَهْدِ الْقَدِيمِ وَثَلَاثَةَ شُهُودٍ مِنَ الْعَهْدِ الْجَدِيدِ، لِيُعْلِنَ أَنَّهُ رَبُّ الْعَهْدَيْنِ وَمَرْكَزُهُمَا، وَأَنَّ الشَّرِيعَةَ وَالأَنْبِيَاءَ وَالإِنْجِيلَ تَلْتَقِي جَمِيعُهَا فِي شَخْصِهِ.

 

وَمِنْ هُنَا نَسْتَنْتِجُ أَنَّ مُوسَى وَإِيلِيَّا لَمْ يَظْهَرَا لِيَزِيدَا شَخْصَيْنِ إِلَى جَانِبِ يَسُوعَ، بَلْ لِيَشْهَدَا لَهُ. فَالشَّرِيعَةُ وَالأَنْبِيَاءُ أَعَدَّا لِمَجِيئِهِ، وَآلامُهُ وَقِيَامَتُهُ تُتَمِّمَانِ الْكُتُبَ، وَصَوْتُ الآبِ يَدْعُو الْكَنِيسَةَ وَالْبَشَرِيَّةَ كُلَّهَا إِلَى أَنْ تُثَبِّتَ نَظَرَهَا عَلَى يَسُوعَ وَحْدَهُ، وَأَنْ تُصْغِيَ إِلَيْهِ بوصفه الابْنَ الْحَبِيبَ وَكَلِمَةَ اللهِ النِّهَائِيَّةَ.

 

 2) غَايَةُ التَّجَلِّي بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْكَنِيسَةِ الأُولَى

 

لَمْ يَكُنْ حَدَثُ التَّجَلِّي بَالِغَ الأَهَمِّيَّةِ فِي إِعْلَانِ هُوِيَّةِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ فَحَسْبُ، بَلْ كَانَ أَيْضًا حَدَثًا تَأْسِيسِيًّا فِي تَنْشِئَةِ التَّلَامِيذِ وَإِعْدَادِ الْكَنِيسَةِ الأُولَى لِفَهْمِ سِرِّ الصَّلِيبِ وَالْقِيَامَةِ. وَقَدْ تَرَكَ حَدَثُ التَّجَلِّي أَثَرًا عَمِيقًا فِي ذَاكِرَةِ الْكَنِيسَةِ الأُولَى، كَمَا تَشْهَدُ رِسَالَةُ بُطْرُسَ الثَّانِيَةُ: "لَمْ نَتَّبِعْ خُرَافَاتٍ مُصَنَّعَةً، إِذْ أَعْلَمْنَاكُمْ قُدْرَةَ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ وَمَجِيئَهُ، بَلْ كُنَّا مُعَايِنِينَ لِعَظَمَتِهِ. فَقَدْ نَالَ مِنَ اللهِ الآبِ إِكْرَامًا وَمَجْدًا، إِذْ جَاءَهُ مِنَ الْمَجْدِ صَوْتٌ يَقُولُ: هٰذَا هُوَ ابْنِيَ الْحَبِيبُ الَّذِي عَنْهُ رَضِيتُ. وَهٰذَا الصَّوْتُ قَدْ سَمِعْنَاهُ آتِيًا مِنَ السَّمَاءِ، إِذْ كُنَّا مَعَهُ عَلَى الْجَبَلِ الْمُقَدَّسِ" (2 بطرس 1: 16-18).

 

فَلَمْ يَعُدِ التَّجَلِّي، بَعْدَ الْقِيَامَةِ، سِرًّا مَحْفُوظًا فِي قُلُوبِ الرُّسُلِ، بَلْ صَارَ جُزْءًا مِنْ شَهَادَتِهِمْ لِحَقِيقَةِ الْمَسِيحِ وَمَجِيئِهِ. وَقَدْ أَسْهَمَ هٰذَا الْحَدَثُ فِي تَثْبِيتِ إِيمَانِهِمْ، وَفِي إِعْلَانِ أَنَّ الشَّرِيعَةَ وَالأَنْبِيَاءَ يَبْلُغَانِ كَمَالَهُمَا فِي يَسُوعَ، وَفِي تَعْلِيمِ الْكَنِيسَةِ ضَرُورَةَ الإِصْغَاءِ إِلَى كَلِمَةِ الابْنِ، كَمَا مَنَحَهَا عَرْبُونًا مُسْبَقًا لِمَجْدِ الْقِيَامَةِ وَمَجْدِ الأَبْرَارِ.

 

أ) تَثْبِيتُ إِيمَانِ الرُّسُلِ

 

عَرَفَ التَّلَامِيذُ مِنْ يَسُوعَ أَنَّهُ سَيَصْعَدُ إِلَى أُورُشَلِيمَ لِيَتَأَلَّمَ وَيُقْتَلَ وَيَقُومَ، إِذْ "بَدَأَ يَسُوعُ مِنْ ذٰلِكَ الْحِينِ يُظْهِرُ لِتَلَامِيذِهِ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَذْهَبَ إِلَى أُورُشَلِيمَ، وَيُعَانِيَ آلامًا شَدِيدَةً مِنَ الشُّيُوخِ وَعُظَمَاءِ الْكَهَنَةِ وَالْكَتَبَةِ، وَيُقْتَلَ، وَفِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ يَقُومَ" (مَتَّى 16: 21). غَيْرَ أَنَّهُمْ لَمْ يَسْتَطِيعُوا التَّوْفِيقَ بَيْنَ إِيمَانِهِمْ بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ وَبَيْنَ إِعْلَانِهِ عَنِ الرَّفْضِ وَالآلامِ وَالْمَوْتِ.

 

لِذٰلِكَ أَرَادَ يَسُوعُ أَنْ يُثَبِّتَ إِيمَانَهُمْ، وَأَنْ يُهَيِّئَهُمْ لِسَاعَةِ جَثْسَيْمَانِي وَالْقَبْضِ عَلَيْهِ وَالْمُحَاكَمَةِ وَالصَّلْبِ. فَكَشَفَ أَمَامَهُمْ شَيْئًا مِنْ سِرِّ شَخْصِهِ، وَأَظْهَرَ مَجْدَهُ الإِلَهِيَّ فِي نَاسُوتِهِ؛ فَأَشَعَّ وَجْهُهُ كَالشَّمْسِ، وَصَارَتْ ثِيَابُهُ بَيْضَاءَ كَالنُّورِ (مَتَّى 17: 2). وَهٰكَذَا ظَهَرَ لَهُمْ بَوْصْفِهِ شَمْسَ الْبِرِّ وَنُورَ الْعَالَمِ، وَبِوَصْفِهِ "ضِيَاءَ مَجْدِ اللهِ وَصُورَةَ جَوْهَرِهِ"(عبرانيين 1: 3).

 

وَلَمْ تَقُمْ شَهَادَةُ التَّجَلِّي عَلَى النُّورِ الْمَنْظُورِ وَحْدَهُ، بَلْ ثَبَّتَهَا صَوْتُ الآبِ: "هٰذَا هُوَ ابْنِيَ الْحَبِيبُ الَّذِي عَنْهُ رَضِيتُ، فَلَهُ اسْمَعُوا" (مَتَّى 17: 5). فَأَرَادَ الآبُ أَنْ يَرْسَخَ فِي قُلُوبِ الرُّسُلِ أَنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ الَّذِي سَيُرْفَضُ وَيُصْلَبُ هُوَ نَفْسُهُ ابْنُ اللهِ الْحَبِيبُ. وَبِذٰلِكَ لَا يَجُوزُ أَنْ تُفْهَمَ آلامُهُ عَلامَةَ ضَعْفٍ أَوْ هَزِيمَةٍ، بَلْ فِعْلَ طَاعَةٍ حُرَّةٍ وَمَحَبَّةٍ خَلَاصِيَّةٍ. وَيُبَيِّنُ الْقِدِّيسُ لَاوُنُ الْكَبِيرُ أَنَّ الْغَايَةَ الرَّئِيسَةَ مِنَ التَّجَلِّي كَانَتْ نَزْعَ عَثْرَةِ الصَّلِيبِ مِنْ قُلُوبِ التَّلَامِيذِ، حَتَّى لَا يَضْطَرِبَ إِيمَانُهُمْ عِنْدَ مُشَاهَدَةِ اتِّضَاعِ الآلامِ، بَعْدَ أَنْ كُشِفَ لَهُمْ سُمُوُّ الْمَجْدِ الْمُسْتَتِرِ فِي الْمَسِيحِ (PL 54: 310-311).

 

وَلَمْ يُظْهِرْ يَسُوعُ هٰذِهِ الآيَةَ لِلْكَتَبَةِ وَالْفَرِّيسِيِّينَ الَّذِينَ طَلَبُوا مِنْهُ آيَةً لِامْتِحَانِهِ؛ فَقَدْ أَجَابَهُمْ أَنَّهُ لَنْ تُعْطَى لَهُمْ إِلَّا آيَةُ يُونَانَ، أَيْ آيَةُ مَوْتِهِ وَقِيَامَتِهِ (مَتَّى 12: 38-40). أَمَّا التَّجَلِّي فَمُنِحَ لِلرُّسُلِ، لَا لِإِشْبَاعِ الْفُضُولِ أَوْ لِإِكْرَاهِهِمْ عَلَى الإِيمَانِ، بَلْ لِتَهْيِئَتِهِمْ لِامْتِحَانِ الصَّلِيبِ وَلِرِسَالَةِ الشَّهَادَةِ لِلْمَصْلُوبِ الْقَائِمِ. وَيُعَلِّقُ الْقِدِّيسُ أَفْرَامُ السُّرْيَانِيُّ بِأَنَّ الْمَسِيحَ صَعِدَ بِتَلَامِيذِهِ إِلَى الْجَبَلِ لِيُظْهِرَ لَهُمْ مَجْدَ أُلُوهِيَّتِهِ، حَتَّى لَا يَتَعَثَّرُوا فِيهِ عِنْدَمَا يَرَوْنَهُ فِي الآلامِ الَّتِي قَبِلَهَا بِإِرَادَتِهِ وَاحْتَمَلَهَا بِالْجَسَدِ مِنْ أَجْلِ خَلَاصِنَا. فَقَدْ أَرَاهُمْ مَلَكُوتَهُ قَبْلَ أَنْ يُشَاهِدُوا آلامَهُ، وَمَجْدَهُ قَبْلَ أَنْ يَرَوْا مَذَلَّتَهُ.

 

وَهٰكَذَا يَكْشِفُ التَّجَلِّي أَنَّ سِرَّ الْمَسِيحِ لَا يَقُومُ عَلَى الْمَجْدِ الْمُنْفَصِلِ عَنِ الصَّلِيبِ، وَلَا عَلَى الأَلَمِ الْمُنْفَصِلِ عَنِ الْقِيَامَةِ، بَلْ عَلَى وَحْدَةِ السِّرِّ الْفِصْحِيِّ. فَيَسُوعُ يَدْخُلُ إِلَى الْمَجْدِ عَبْرَ الْمَوْتِ، وَيَفْتَحُ لِلْبَشَرِيَّةِ فِي شَخْصِهِ طَرِيقَ الْعُبُورِ مِنَ الْخَطِيئَةِ وَالْمَوْتِ إِلَى الْحَيَاةِ.

 

وَأَمَّا الرَّأْيُ الْمَنْسُوبُ إِلَى الْوَاعِظِ كَامْبِل مُورْغَان، وَالْقَائِلُ إِنَّ التَّلَامِيذَ لَمْ يَرَوْا بَهَاءَ اللاَّهُوتِ بَلْ مَجْدَ النَّاسُوتِ الْكَامِلِ وَحْدَهُ، وَإِنَّ يَسُوعَ كَانَ يَسْتَطِيعُ الرُّجُوعَ إِلَى السَّمَاءِ مِنْ دُونِ الْمَوْتِ، فَيَحْتَاجُ إِلَى تَدْقِيقٍ لَاهُوتِيٍّ. فَالتَّجَلِّي، بِحَسَبِ إِيمَانِ الْكَنِيسَةِ، لَا يَكْشِفُ مَجْدَ نَاسُوتٍ مُنْفَصِلٍ عَنِ اللاَّهُوتِ، بَلْ مَجْدَ شَخْصِ الابْنِ الْوَاحِدِ، الإِلهِ الْحَقِّ وَالإِنْسَانِ الْحَقِّ، الَّذِي يَظْهَرُ بَهَاءُ أُلُوهِيَّتِهِ فِي جَسَدِهِ الْبَشَرِيِّ.

 

كَذٰلِكَ، لَمْ يَكُنْ مَوْتُ يَسُوعَ أَمْرًا فُرِضَ عَلَيْهِ بِسَبَبِ خَطِيئَةٍ شَخْصِيَّةٍ، فَهُوَ بِلَا خَطِيئَةٍ، بَلْ قَبِلَ الْمَوْتَ بِحُرِّيَّةٍ مِنْ أَجْلِ خَلَاصِ الْبَشَرِيَّةِ. فَهُوَ الَّذِي قَالَ عَنْ حَيَاتِهِ: "لَا أَحَدَ يَنْزِعُهَا مِنِّي، بَلْ أَبْذِلُهَا أَنَا مِنْ ذَاتِي" (يوحنّا 10: 18). وَمِنْ ثَمَّ، لَا يَصِحُّ تَصْوِيرُ التَّجَلِّي كَلَحْظَةٍ كَانَ فِيهَا يَسُوعُ عَلَى وَشْكِ تَرْكِ رِسَالَةِ الصَّلِيبِ وَالرُّجُوعِ إِلَى السَّمَاءِ؛ بَلْ هُوَ إِعْلَانٌ يُثَبِّتُ أَنَّ طَرِيقَهُ الْحُرَّ نَحْوَ الصَّلِيبِ هُوَ طَرِيقُ الْمَجْدِ وَالْخَلَاصِ.

 

وَأَظْهَرَ يَسُوعُ لِتَلَامِيذِهِ مَجْدًا يُعَدُّ اسْتِبَاقًا لِمَجْدِ الْقِيَامَةِ. وَلِذٰلِكَ شَعَرَ بُطْرُسُ أَنَّهُ أَمَامَ حَدَثٍ فَرِيدٍ، فَقَالَ:"يا رَبُّ، حَسَنٌ أَنْ نَكُونَ هَهُنَا. فَإِنْ شِئْتَ، نَصَبْتُ هَهُنَا ثَلَاثَ خِيَامٍ: وَاحِدَةً لَكَ، وَوَاحِدَةً لِمُوسَى، وَوَاحِدَةً لإِيلِيَّا" (مَتَّى 17: 4). فَبَدَا لَهُ كَأَنَّ مَلَكُوتَ اللهِ قَدْ حَلَّ نِهَائِيًّا، وَأَنَّ فَرَحَ الْمَجْدِ يُمْكِنُ أَنْ يَدُومَ مِنْ دُونِ النُّزُولِ إِلَى طَرِيقِ الآلامِ.

 

وَكَانَ بُطْرُسُ قَدِ اعْتَرَضَ قَبْلًا عَلَى إِعْلَانِ يَسُوعَ أَنَّ "ابْنَ الإِنْسَانِ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُعَانِيَ آلامًا شَدِيدَةً، وَأَنْ يَرْذُلَهُ الشُّيُوخُ وَعُظَمَاءُ الْكَهَنَةِ وَالْكَتَبَةِ، وَأَنْ يُقْتَلَ، وَأَنْ يَقُومَ بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ" (مرقس 8: 31). وَلِذٰلِكَ زَجَرَهُ يَسُوعُ قَائِلًا: "اِنْسَحِبْ! وَرَائِي، يا شَيْطَانُ! فَأَنْتَ لِي حَجَرُ عَثْرَةٍ، لأَنَّ أَفْكَارَكَ لَيْسَتْ أَفْكَارَ اللهِ، بَلْ أَفْكَارُ الْبَشَرِ" (مَتَّى 16: 23).

 

فَالتَّجَلِّي لَمْ يَكُنْ إِلْغَاءً لِهٰذَا التَّعْلِيمِ، بَلْ إِنَارَةً لَهُ. فَالَّذِي سَيَمُوتُ لَيْسَ مَهْزُومًا، بَلْ هُوَ رَبُّ الْمَجْدِ؛ وَحَبَّةُ الْحِنْطَةِ الَّتِي تَقَعُ فِي الأَرْضِ لَا تَفْنَى، بَلْ تَحْمِلُ فِي مَوْتِهَا سِرَّ الثَّمَرِ وَالْحَيَاةِ: "إِنَّ حَبَّةَ الْحِنْطَةِ الَّتِي تَقَعُ فِي الأَرْضِ، إِنْ لَمْ تَمُتْ، تَبْقَ وَحْدَهَا، وَإِذَا مَاتَتْ أَخْرَجَتْ ثَمَرًا كَثِيرًا" (يوحنّا 12: 24). فَبَذْلُ يَسُوعَ لِحَيَاتِهِ هُوَ الطَّرِيقُ الَّذِي بِهِ يُشْرِكُ الْبَشَرِيَّةَ فِي مَجْدِهِ وَنُورِهِ وَمِلْءِ حَيَاتِهِ.

 

وَمِنْ هُنَا نَسْتَنْتِجُ أَنَّ التَّجَلِّي هَيَّأَ التَّلَامِيذَ لِاتِّبَاعِ يَسُوعَ فِي دَرْبِ الْجُلْجُلَةِ، وَلِمُعَايَنَةِ الْقَبْرِ الْفَارِغِ، وَلِلشَّهَادَةِ بَعْدَ الْقِيَامَةِ أَنَّ الْمَصْلُوبَ هُوَ نَفْسُهُ ابْنُ اللهِ الْحَبِيبُ. وَقَدْ أَرَاهُمُ الْمَسِيحُ مَلَكُوتَهُ قَبْلَ أَنْ يَشْهَدُوا آلامَهُ، وَمَجْدَهُ قَبْلَ أَنْ يَرَوْا عَارَ الصَّلِيبِ، لِكَيْ يَحْمِلُوا فِي ذَاكِرَتِهِمْ نُورَ الْجَبَلِ عِنْدَ حُلُولِ ظُلْمَةِ الْجُلْجُلَةِ.

 

وَثَبَّتَ الآبُ إِيمَانَهُمْ بِيَسُوعَ ابْنًا وَمُعَلِّمًا؛ فَقَوْلُهُ: "هٰذَا هُوَ ابْنِيَ الْحَبِيبُ" يُعْلِنُ هُوِيَّتَهُ الإِلَهِيَّةَ، وَقَوْلُهُ: "فَلَهُ اسْمَعُوا" يُعْلِنُ سُلْطَانَ كَلِمَتِهِ وَوُجُوبَ طَاعَتِهِ. وَبَعْدَ انْتِهَاءِ الرُّؤْيَا، اخْتَفَى مُوسَى وَإِيلِيَّا وَبَقِيَ مَوْضُوعُ الإِيمَانِ وَحْدَهُ: "فَرَفَعُوا أَنْظَارَهُمْ، فَلَمْ يَرَوْا إِلَّا يَسُوعَ وَحْدَهُ" (مَتَّى 17: 8).

 

وَهٰكَذَا يَبْقَى تَثْبِيتُ الإِيمَانِ غَايَةً دَائِمَةً لِلتَّجَلِّي فِي حَيَاةِ الْكَنِيسَةِ. فَفِي سَاعَاتِ الْمِحَنِ وَالآلامِ، تَدْعُو الْكَنِيسَةُ أَبْنَاءَهَا إِلَى أَنْ يَتَذَكَّرُوا مَجْدَ الْمَسِيحِ، لَا لِيَهْرُبُوا مِنَ الصَّلِيبِ، بَلْ لِيَحْمِلُوهُ بِرَجَاءٍ، وَاثِقِينَ بِأَنَّ مَنْ يَسِيرُ مَعَ الْمَسِيحِ فِي طَرِيقِ الْبَذْلِ سَيَشْتَرِكُ مَعَهُ أَيْضًا فِي نُورِ الْقِيَامَةِ.

 

جـ) سَمَاعُ كَلِمَةِ اللهِ

 

أَعْطَى الصَّوْتُ الآتِي مِنَ الْغَمَامِ الْمَعْنَى الأَسَاسِيَّ لِحَدَثِ التَّجَلِّي: "وَإِذَا غَمَامٌ نَيِّرٌ قَدْ ظَلَّلَهُمْ، وَإِذَا صَوْتٌ مِنَ الْغَمَامِ يَقُولُ: هٰذَا هُوَ ابْنِيَ الْحَبِيبُ الَّذِي عَنْهُ رَضِيتُ، فَلَهُ اسْمَعُوا" (مَتَّى 17: 5). فَالْغَايَةُ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ مُشَاهَدَةِ نُورِ الْمَسِيحِ وَالتَّعَجُّبِ مِنْ مَجْدِهِ، بَلِ الإِصْغَاءُ إِلَيْهِ بِوَصْفِهِ ابْنَ اللهِ الْحَبِيبَ، الَّذِي تَحْمِلُ كَلِمَاتُهُ قُوَّةَ اللهِ وَسُلْطَانَهُ.

 

وَفِي اللُّغَةِ الْكِتَابِيَّةِ، لَا يَعْنِي "السَّمَاعُ" مُجَرَّدَ إِدْرَاكِ الصَّوْتِ بِالأُذُنِ، بَلْ يَشْمَلُ الإِصْغَاءَ وَالْقَبُولَ وَالطَّاعَةَ وَوَضْعَ الْكَلِمَةِ مَوْضِعَ التَّنْفِيذِ. فَقَوْلُ الآبِ: "فَلَهُ اسْمَعُوا" يَعْنِي: اِقْبَلُوا كَلَامَهُ، وَثِقُوا بِهِ، وَاخْضَعُوا لِتَعْلِيمِهِ، وَاتَّبِعُوهُ فِي الطَّرِيقِ الَّذِي يَكْشِفُهُ لَكُمْ، حَتَّى حِينَ يَقُودُ هٰذَا الطَّرِيقُ إِلَى الصَّلِيبِ.

 

وَكَانَ التَّلَامِيذُ يَسْمَعُونَ أَقْوَالَ يَسُوعَ، لٰكِنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا دَائِمًا مُسْتَعِدِّينَ لِقَبُولِ مَعْنَاهَا. فَقَدْ كَانُوا يُفَسِّرُونَ رِسَالَتَهُ فِي ضَوْءِ تَوَقُّعَاتِهِمْ وَرَغَبَاتِهِمُ الْبَشَرِيَّةِ؛ فَيَتَسَاءَلُونَ عَمَّا سَيَفْعَلُهُ لَهُمْ، وَعَنْ مَكَانَتِهِمْ فِي مَلَكُوتِهِ، وَعَنْ مَجْدٍ يُمْكِنُ أَنْ يَبْلُغُوهُ مِنْ دُونِ الصَّلِيبِ. أَمَّا يَسُوعُ، فَكَانَ يَصْغِي إِلَى مَشِيئَةِ الآبِ، وَيُتِمُّهَا بِطَاعَةٍ كَامِلَةٍ.

 

كَانَ التَّلَامِيذُ يَعِيشُونَ مَعَ الْمَسِيحِ، وَلٰكِنَّهُمْ لَمْ يَتَحَرَّرُوا بَعْدُ مِنْ طَرِيقَةِ التَّفْكِيرِ الْبَشَرِيَّةِ. كَانُوا يَسِيرُونَ مَعَهُ، وَلٰكِنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا قَدْ تَعَلَّمُوا أَنْ يُفَكِّرُوا بِفِكْرِهِ. وَهٰذَا مَا ظَهَرَ عِنْدَمَا أَعْلَنَ يَسُوعُ عَنْ آلَامِهِ، فَانْفَرَدَ بِهِ بُطْرُسُ وَجَعَلَ يُعَاتِبُهُ قَائِلًا: "حَاشَ لَكَ، يَا رَبُّ! لَنْ يُصِيبَكَ هٰذَا" (مَتَّى 16: 22). فَبُطْرُسُ سَمِعَ كَلَامَ يَسُوعَ، لٰكِنَّهُ لَمْ يَقْبَلْهُ، لأَنَّهُ كَانَ يَتَعَارَضُ مَعَ تَصَوُّرِهِ عَنِ الْمَسِيحِ.

 

وَمِنْ هُنَا جَاءَ صَوْتُ الآبِ لِيُصَحِّحَ فَهْمَ التَّلَامِيذِ، وَلِيَدْعُوَهُمْ إِلَى الثِّقَةِ بِالابْنِ: "هٰذَا هُوَ ابْنِيَ الْحَبِيبُ الَّذِي عَنْهُ رَضِيتُ، فَلَهُ اسْمَعُوا". فَالَّذِي يُحَدِّثُهُمْ عَنِ الآلامِ وَالصَّلِيبِ لَيْسَ إِنْسَانًا مَخْدُوعًا أَوْ مَهْزُومًا، بَلْ هُوَ ابْنُ اللهِ الْحَبِيبُ، الَّذِي يَعْرِفُ طَرِيقَ الْخَلَاصِ وَيَسْلُكُهُ بِحُرِّيَّةٍ وَطَاعَةٍ.

 

وَيَسُوعُ لَا يَنْقُلُ كَلِمَةَ اللهِ فَحَسْبُ، بَلْ هُوَ كَلِمَةُ اللهِ الْمُتَجَسِّدَةُ. فَهُوَ يَعِيشُ كَلِمَةَ الآبِ، وَيُتِمُّ الشَّرِيعَةَ وَالنُّبُوَّاتِ، وَيَجْمَعُ فِي شَخْصِهِ كُلَّ مَرَاحِلِ تَارِيخِ الْخَلَاصِ. وَهُوَ الَّذِي أَعْلَنَ عَنْ نَفْسِهِ: "أَنَا الطَّرِيقُ وَالْحَقُّ وَالْحَيَاةُ. لَا يَمْضِي أَحَدٌ إِلَى الآبِ إِلَّا بِي" (يُوحَنَّا 14: 6).

 

وَلَا يَسْتَطِيعُ الإِنْسَانُ أَنْ يَسِيرَ نَحْوَ الْمَلَكُوتِ وَيُعَايِنَ مَجْدَ اللهِ إِلَّا مِنْ خِلَالِ كَلِمَةِ اللهِ الْمَكْتُوبَةِ، الَّتِي تَقُودُهُ إِلَى كَلِمَةِ اللهِ الْمُتَجَسِّدَةِ. فَالْكِتَابُ الْمُقَدَّسُ لَيْسَ غَايَةً فِي ذَاتِهِ، بَلْ شَهَادَةٌ لِلْمَسِيحِ؛ وَالشَّرِيعَةُ وَالأَنْبِيَاءُ يَجِدَانِ مَعْنَاهُمَا وَكَمَالَهُمَا فِي شَخْصِ الابْنِ الْحَبِيبِ.

 

وَقَدْ دَعَا صَوْتُ الآبِ الرُّسُلَ إِلَى أَنْ يَسْمَعُوا لِيَسُوعَ فِي ضَوْءِ الشَّرِيعَةِ وَالأَنْبِيَاءِ، وَأَنْ يَقْرَؤُوا الشَّرِيعَةَ وَالأَنْبِيَاءَ فِي ضَوْءِ يَسُوعَ. فَمُوسَى وَإِيلِيَّا لَا يَسْتَقِلَّانِ عَنْهُ، بَلْ يَشْهَدَانِ لَهُ، ثُمَّ يَخْتَفِيَانِ لِيَبْقَى يَسُوعُ وَحْدَهُ (مَتَّى 17: 8). وَبِذٰلِكَ يَصِيرُ الْمَسِيحُ مِفْتَاحَ فَهْمِ الْكُتُبِ، وَمَرْكَزَ تَارِيخِ الْخَلَاصِ، وَمُعَلِّمَ الشَّرِيعَةِ الْجَدِيدَةِ.

 

وَيَرْتَبِطُ الأَمْرُ "فَلَهُ اسْمَعُوا" بِنُبُوءَةِ مُوسَى: "يُقِيمُ لَكَ الرَّبُّ إِلهُكَ نَبِيًّا مِنْ وَسَطِكَ، مِنْ إِخْوَتِكَ مِثْلِي، فَلَهُ تَسْمَعُونَ" (تَثْنِيَةُ الِاشْتِرَاعِ 18: 15). فَيَسُوعُ هُوَ النَّبِيُّ الْمَوْعُودُ وَمُوسَى الْجَدِيدُ، لٰكِنَّهُ أَعْظَمُ مِنْ مُوسَى؛ لأَنَّ مُوسَى نَقَلَ كَلَامَ اللهِ، أَمَّا يَسُوعُ فَهُوَ كَلِمَةُ اللهِ الْحَيَّةُ، وَالابْنُ الَّذِي يَكْشِفُ الآبَ.

 

وَيُذَكِّرُنَا صَوْتُ الْغَمَامِ بِالصَّوْتِ الَّذِي سُمِعَ عِنْدَ مَعْمُودِيَّةِ يَسُوعَ: "أَنْتَ ابْنِيَ الْحَبِيبُ، عَنْكَ رَضِيتُ" (مَرْقُس 1: 11). غَيْرَ أَنَّ صَوْتَ الْمَعْمُودِيَّةِ يُعْلِنُ هُوِيَّةَ يَسُوعَ فِي بِدَايَةِ رِسَالَتِهِ، أَمَّا فِي التَّجَلِّي فَيُضِيفُ الآبُ الأَمْرَ: "فَلَهُ اسْمَعُوا"، لِيُوَجِّهَ التَّلَامِيذَ إِلَى قَبُولِ كَلَامِ ابْنِهِ، وَلَا سِيَّمَا كَلَامِهِ عَنِ الصَّلِيبِ وَالْقِيَامَةِ. وَيُعَلِّقُ الْقِدِّيسُ لَاوُنُ الْكَبِيرُ أَنَّ صَوْتَ الآبِ دَعَا التَّلَامِيذَ إِلَى قَبُولِ تَعْلِيمِ الْمَسِيحِ كُلِّهِ، حَتَّى حِينَ يَتَكَلَّمُ عَنْ آلامِهِ؛ لأَنَّ مَنْ يَرْفُضُ كَلِمَةَ الصَّلِيبِ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَفْهَمَ مَجْدَ الْقِيَامَةِ. فَالإِصْغَاءُ إِلَى الابْنِ يَعْنِي قَبُولَ سِرِّهِ كُلِّهِ: تَعْلِيمَهُ، وَحَيَاتَهُ، وَصَلِيبَهُ، وَقِيَامَتَهُ. وَيُؤَكِّدُ الْقِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الْفَمِ أَنَّ الآبَ لَمْ يَقُلْ لِلتَّلَامِيذِ: "اِنْظُرُوا إِلَيْهِ" فَحَسْبُ، بَلْ قَالَ: "فَلَهُ اسْمَعُوا" لأَنَّ الإِيمَانَ الْحَقِيقِيَّ لَا يَقِفُ عِنْدَ الْإِعْجَابِ بِالْمَسِيحِ، بَلْ يَتَحَوَّلُ إِلَى طَاعَةٍ لِكَلِمَتِهِ وَاتِّبَاعٍ لِطَرِيقِهِ.

 

وَقَدْ بَعَثَ حَدَثُ التَّجَلِّي الرَّجَاءَ فِي قُلُوبِ التَّلَامِيذِ، حَتَّى إِنْ لَمْ يَفْهَمُوا فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ كُلَّ مَا رَأَوْهُ وَسَمِعُوهُ. فَقَدْ جَعَلَهُمُ الْمَسِيحُ شُهُودًا لِمَجْدِهِ، وَالشَّاهِدُ فِي الْمَفْهُومِ الْكِتَابِيِّ هُوَ الَّذِي يَرَى وَيَسْمَعُ، ثُمَّ يُعْلِنُ مَا رَآهُ وَسَمِعَهُ. وَهٰكَذَا شَهِدَ بُطْرُسُ بَعْدَ الْقِيَامَةِ أَنَّهُ كَانَ "مُعَايِنًا لِعَظَمَةِ" الْمَسِيحِ، وَأَنَّهُ سَمِعَ صَوْتَ الآبِ عَلَى الْجَبَلِ الْمُقَدَّسِ (2 بُطْرُس 1: 16-18).

 

وَقَدْ كَانَ بُطْرُسُ وَيَعْقُوبُ وَيُوحَنَّا شُهُودًا مُخْتَارِينَ لِمَجْدِ الْمَسِيحِ، لَا لِيَحْتَفِظُوا بِهٰذِهِ الْخِبْرَةِ لِأَنْفُسِهِمْ، بَلْ لِيَحْمِلُوهَا إِلَى الْكَنِيسَةِ بَعْدَ الْقِيَامَةِ. وَنَحْنُ أَيْضًا، بِوَصْفِنَا تَلَامِيذَ لِلْمَسِيحِ، مَدْعُوُّونَ إِلَى أَنْ نَكُونَ شُهُودًا لِمَجْدِهِ، لَا مِنْ خِلَالِ رُؤًى خَارِقَةٍ، بَلْ مِنْ خِلَالِ حَيَاةٍ تُصْغِي إِلَى كَلِمَتِهِ وَتُجَسِّدُهَا فِي الْمَحَبَّةِ وَالْخِدْمَةِ.

 

وَكَمَا أَعْطَى اللهُ شَعْبَهُ الشَّرِيعَةَ عَلَى جَبَلِ سِينَاءَ بِوَاسِطَةِ مُوسَى، كَذٰلِكَ أَعْلَنَ عَلَى جَبَلِ التَّجَلِّي لِلتَّلَامِيذِ، الَّذِينَ يُمَثِّلُونَ بَاكُورَةَ شَعْبِ اللهِ الْجَدِيدِ، أَنْ يَسْمَعُوا لِابْنِهِ. فَفِي سِينَاءَ قَالَ الشَّعْبُ: "كُلُّ مَا تَكَلَّمَ بِهِ الرَّبُّ نَعْمَلُهُ" (خروج 19: 8)، وَفِي التَّجَلِّي يُعْلِنُ الآبُ أَنَّ الطَّاعَةَ الْكَامِلَةَ تَتَحَقَّقُ بِالإِصْغَاءِ إِلَى الابْنِ الْحَبِيبِ.

 

وَيَبْقَى السُّؤَالُ مَوَجَّهًا إِلَى كُلِّ مُؤْمِنٍ: هَلْ نَسْمَعُ كَلَامَ يَسُوعَ لِنُخْضِعَهُ لِرَغَبَاتِنَا وَأَفْكَارِنَا، أَمْ نَسْمَحُ لِكَلِمَتِهِ بِأَنْ تُغَيِّرَ أَفْكَارَنَا وَرَغَبَاتِنَا؟ هَلْ نَطْلُبُ مِنَ الْمَسِيحِ أَنْ يَسْلُكَ الطَّرِيقَ الَّذِي نَخْتَارُهُ لَهُ، كَمَا فَعَلَ بُطْرُسُ، أَمْ نَسِيرُ نَحْنُ وَرَاءَهُ فِي الطَّرِيقِ الَّذِي يَخْتَارُهُ لَنَا؟ لِنَسْمَعْ لِيَسُوعَ وَنَحْنُ نَتَأَمَّلُ وَجْهَهُ الْمُشِعَّ وَثِيَابَهُ الْمُتَلَأْلِئَةَ، وَلٰكِنْ لِنَتَذَكَّرْ أَنَّ هٰذَا الْمَجْدَ يَنْكَشِفُ فِي مَحَبَّتِهِ الْبَاذِلَةِ. فَمَنْ يُصْغِي إِلَى الْمَسِيحِ حَقًّا لَا يَبْقَ مُتَفَرِّجًا عَلَى نُورِهِ، بَلْ يَتْبَعْهُ فِي طَرِيقِ الْمَحَبَّةِ وَالصَّلِيبِ، وَيَصِرْ هُوَ أَيْضًا شَاهِدًا لِمَجْدِ الآبِ فِي الْعَالَمِ.

 

د) تَأْكِيدٌ مُسْبَقٌ لِمَجْدِ الأَبْرَارِ

 

إِنَّ يَسُوعَ الَّذِي تَجَلَّى عَلَى الْجَبَلِ وَأَشْرَقَ النُّورُ مِنْ وَجْهِهِ لَيْسَ إِلهًا فَحَسْبُ، بَلْ هُوَ أَيْضًا الإِنْسَانُ الْحَقِيقِيُّ الَّذِي اتَّحَدَ فِيهِ اللاَّهُوتُ بِالنَّاسُوتِ اتِّحَادًا لَا انْفِصَالَ فِيهِ. فَالْمَسِيحُ هُوَ صُورَةُ اللهِ غَيْرِ الْمَنْظُورِ (قولسي 1: 15)، وَهُوَ فِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ الإِنْسَانُ الْكَامِلُ الَّذِي يَكْشِفُ لِلإِنْسَانِ دَعْوَتَهُ وَمَصِيرَهُ الأَخِيرَ.

 

وَلِذٰلِكَ، لَا يَكْشِفُ التَّجَلِّي عَنْ مَجْدِ الْمَسِيحِ وَحْدَهُ، بَلْ يَحْمِلُ أَيْضًا وَعْدًا بِمَجْدِ الإِنْسَانِ الْمُتَّحِدِ بِهِ. فَالْمَجْدُ الَّذِي أَشْرَقَ فِي نَاسُوتِ يَسُوعَ يُعْلِنُ مُسْبَقًا مَا سَيَهَبُهُ لِلَّذِينَ يَشْتَرِكُونَ فِي حَيَاتِهِ وَقِيَامَتِهِ. غَيْرَ أَنَّ التَّجَلِّي لَيْسَ مُطَابِقًا تَمَامًا لِهَيْئَةِ الْمَسِيحِ بَعْدَ الْقِيَامَةِ، بَلْ هُوَ اسْتِبَاقٌ وَكَشْفٌ مُؤَقَّتٌ عَنْ مَجْدِهِ، أَمَّا الْقِيَامَةُ فَهِيَ دُخُولُ نَاسُوتِهِ نِهَائِيًّا فِي حَالَةِ الْمَجْدِ الَّذِي لَا يَزُولُ. وَيُعَبِّرُ بُولُسُ الرَّسُولُ عَنْ مَسِيرَةِ الْمُؤْمِنِ نَحْوَ هٰذَا الْمَجْدِ قَائِلًا: "وَنَحْنُ جَمِيعًا نَعْكِسُ صُورَةَ مَجْدِ الرَّبِّ بِوُجُوهٍ مَكْشُوفَةٍ كَمَا فِي مِرْآةٍ، فَنَتَحَوَّلُ إِلَى تِلْكَ الصُّورَةِ، وَنَزْدَادُ مَجْدًا عَلَى مَجْدٍ، وَهٰذَا مِنْ فَضْلِ الرَّبِّ الَّذِي هُوَ الرُّوحُ" (2 قورنتس 3: 18). فَالنِّعْمَةُ لَا تُغَيِّرُ الإِنْسَانَ مِنَ الْخَارِجِ فَحَسْبُ، بَلْ تُجَدِّدُهُ فِي عُمْقِ كَيَانِهِ، وَتَجْعَلُهُ يَشْتَرِكُ تَدْرِيجِيًّا فِي صُورَةِ الْمَسِيحِ وَمَجْدِهِ.

 

وَبِهٰذَا الْمَعْنَى، يُدْخِلُ التَّجَلِّي النَّفْسَ فِي تَذَوُّقٍ مُسْبَقٍ لِلْحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ؛ إِذْ تَرَى فِيهِ ابْنَ الإِنْسَانِ آتِيًا فِي مَلَكُوتِهِ، وَمُعْلِنًا مَجْدَهُ الإِلَهِيَّ فِي نَاسُوتِهِ. وَقَدْ قَالَ لُوقَا عَنِ التَّلَامِيذِ: "فَعَايَنُوا مَجْدَهُ" (لوقا 9: 32). فَمَا عَايَنَهُ بُطْرُسُ وَيَعْقُوبُ وَيُوحَنَّا عَلَى الْجَبَلِ كَانَ عَرْبُونًا لِلْمَجْدِ الَّذِي سَيُعْلَنُ فِي الْقِيَامَةِ، وَوَعْدًا بِالْمَجْدِ الَّذِي سَيَشْتَرِكُ فِيهِ الأَبْرَارُ فِي مَلَكُوتِ الآبِ، حِينَ "يُضِيءُ الأَبْرَارُ كَالشَّمْسِ فِي مَلَكُوتِ أَبِيهِمْ" (متى 13: 43). وَيُؤَكِّدُ الْقِدِّيسُ لَاوُنُ الْكَبِيرُ أَنَّ التَّجَلِّي لَمْ يَقْتَصِرْ عَلَى تَثْبِيتِ إِيمَانِ الرُّسُلِ، بَلْ أَعْلَنَ أَيْضًا رَجَاءَ الْكَنِيسَةِ؛ فَالْمَجْدُ الَّذِي ظَهَرَ فِي الرَّأْسِ، أَيْ فِي الْمَسِيحِ، هُوَ وَعْدٌ لِلْجَسَدِ، أَيْ لِلْكَنِيسَةِ، بِأَنْ تَشْتَرِكَ يَوْمًا فِي مَجْدِ رَأْسِهَا (PL 54: 310-311).

 

وَقَدْ عَبَّرَ بُطْرُسُ عَنْ فَرَحِهِ وَدَهْشَتِهِ أَمَامَ هٰذَا الْمَجْدِ قَائِلًا: "يا رَبُّ، حَسَنٌ أَنْ نَكُونَ هَهُنَا" (متى 17: 4). فَقَدْ أَحَسَّ بِسَعَادَةٍ عَمِيقَةٍ وَهُوَ يَرَى يَسُوعَ مُتَجَلِّيًا، وَإِلَى جَانِبِهِ مُوسَى وَإِيلِيَّا، فَاشْتَهَى أَلَّا تَنْتَهِيَ تِلْكَ اللَّحْظَةُ. وَكَأَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يُوَقِّفَ الزَّمَنَ وَيَدْخُلَ مُنْذُ الآنِ فِي الأَبَدِيَّةِ، وَأَنْ يَبْقَى فِي حَالَةِ الْفَرَحِ السَّمَاوِيِّ الَّذِي لَا يَزُولُ. وَتَكْشِفُ رَغْبَةُ بُطْرُسَ شَيْئًا مِنْ مَعْنَى السَّعَادَةِ الأَبَدِيَّةِ؛ فَهِيَ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ غِيَابِ الأَلَمِ، بَلْ هِيَ الشَّرِكَةُ الدَّائِمَةُ مَعَ اللهِ وَمُعَايَنَةُ وَجْهِهِ. وَقَدْ عَبَّرَ الْكِتَابُ الْمُقَدَّسُ عَنْ هٰذَا الرَّجَاءِ قَائِلًا: "سَيَرَوْنَ وَجْهَهُ، وَاسْمُهُ عَلَى جِبَاهِهِمْ" (رؤيا 22: 4). فَالسَّمَاءُ، فِي جَوْهَرِهَا، هِيَ الْبَقَاءُ فِي حَضْرَةِ اللهِ وَالتَّمَتُّعُ بِنُورِهِ وَمَحَبَّتِهِ.

 

وَيُلْقِي التَّجَلِّي ضَوْءًا عَلَى مَصِيرِ جَسَدِ الإِنْسَانِ أَيْضًا. فَالْخَلَاصُ الْمَسِيحِيُّ لَا يَعْنِي خَلَاصَ النَّفْسِ وَحْدَهَا، بَلْ يَشْمَلُ الإِنْسَانَ كُلَّهُ، نَفْسًا وَجَسَدًا. وَيَقُولُ بُولُسُ الرَّسُولُ إِنَّ الْمَسِيحَ "سَيُغَيِّرُ هَيْئَةَ جَسَدِنَا الْحَقِيرِ، فَيَجْعَلُهُ عَلَى صُورَةِ جَسَدِهِ الْمَجِيدِ، بِمَا لَهُ مِنْ قُدْرَةٍ يُخْضِعُ بِهَا لِنَفْسِهِ كُلَّ شَيْءٍ" (فيلبي 3: 21). وَيَقُولُ أَيْضًا: "لأَنَّكُمْ قَدْ مُتُّمْ، وَحَيَاتُكُمْ مُحْتَجِبَةٌ مَعَ الْمَسِيحِ فِي اللهِ. فَإِذَا ظَهَرَ الْمَسِيحُ الَّذِي هُوَ حَيَاتُكُمْ، تَظْهَرُونَ أَنْتُمْ أَيْضًا عِنْدَئِذٍ مَعَهُ فِي الْمَجْدِ" (قولسي 3: 3-4). فَالْمَجْدُ الْمُعَدُّ لِلْمُؤْمِنِينَ لَيْسَ مَجْدًا مُسْتَقِلًّا عَنِ الْمَسِيحِ، بَلْ هُوَ اشْتِرَاكٌ فِي مَجْدِهِ، وَثَمَرُ اتِّحَادِهِمْ بِمَوْتِهِ وَقِيَامَتِهِ.

 

وَلَمَّا رَأَى بُطْرُسُ الْمَسِيحَ فِي بَهَائِهِ، وَحَوْلَهُ مُوسَى وَإِيلِيَّا، ظَنَّ أَنَّ زَمَنَ الْخَلَاصِ الأَخِيرِ قَدْ حَلَّ، وَاشْتَهَى أَنْ يُقِيمَ عِيدَ مَظَالٍّ لَا يَنْقَطِعُ، فَاقْتَرَحَ نَصْبَ ثَلَاثِ خِيَامٍ. غَيْرَ أَنَّ اللهَ لَمْ يُجِبْهُ بِخِيَامٍ أَرْضِيَّةٍ، بَلْ أَرْسَلَ غَمَامًا نَيِّرًا ظَلَّلَهُمْ (متى 17: 5)، لِيُعْلِنَ أَنَّ الْمَسْكِنَ الْحَقِيقِيَّ لَيْسَ مِنْ صُنْعِ الإِنْسَانِ، بَلْ هُوَ حُضُورُ اللهِ الَّذِي يُدْخِلُ الإِنْسَانَ فِي شَرِكَتِهِ. وَبِهٰذَا يَحْمِلُ الْغَمَامُ النَّيِّرُ إِشَارَةً إِلَى الْحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ، حَيْثُ لَا يُقِيمُ اللهُ لِلْمُؤْمِنِينَ مَظَالَّ أَرْضِيَّةً زَائِلَةً، بَلْ يُدْخِلُهُمْ فِي مَسْكِنِهِ الدَّائِمِ. وَيَقُولُ سِفْرُ الرُّؤْيَا: "هُوَذَا مَسْكِنُ اللهِ مَعَ النَّاسِ، فَسَيَسْكُنُ مَعَهُمْ، وَهُمْ يَكُونُونَ شُعُوبَهُ" (رؤيا 21: 3). وَيَتَكَلَّمُ يَسُوعُ أَيْضًا عَنِ "الْمَظَالِّ الأَبَدِيَّةِ" فِي مَثَلِ الْوَكِيلِ (لوقا 16: 9). وَلَا يَعْنِي هٰذَا أَنَّ عِيدَ الْمَظَالِّ قَدْ "تَحَقَّقَ" فِي التَّجَلِّي بِالْمَعْنَى الْحَرْفِيِّ أَوِ اللِّيتُورْجِيِّ، بَلْ إِنَّ رُمُوزَهُ—الْمَظَالَّ، وَحُضُورَ اللهِ، وَالْفَرَحَ، وَالرَّجَاءَ الأَخِيرَ—تَجِدُ فِي الْمَسِيحِ وَمَلَكُوتِهِ مَعْنًى أَكْمَلَ وَأَعْمَقَ.

 

وَالْمَجْدُ الَّذِي يُعْلِنُهُ التَّجَلِّي هُوَ الْمَجْدُ الَّذِي يَدْعُو اللهُ الْمُؤْمِنِينَ إِلَيْهِ. وَقَدْ ذَكَّرَ بُولُسُ أَهْلَ تَسَالُونِيقِي بِأَنَّهُ وَعَظَهُمْ وَشَجَّعَهُمْ "أَنْ يَسِيرُوا سِيرَةً جَدِيرَةً بِاللهِ الَّذِي يَدْعُوهُمْ إِلَى مَلَكُوتِهِ وَمَجْدِهِ" (1 تسالونيقي 2: 12). فَدَعْوَةُ الْمُؤْمِنِ لَيْسَتْ إِلَى النَّجَاةِ مِنَ الدَّيْنُونَةِ فَحَسْبُ، بَلْ إِلَى الشَّرِكَةِ فِي حَيَاةِ اللهِ وَمَجْدِهِ. وَيَحْمِلُ الأَبْرَارُ مُنْذُ الآنِ بِذَارَ هٰذَا الْمَجْدِ؛ لأَنَّ الرُّوحَ الْقُدُسَ يَعْمَلُ فِيهِمْ وَيُغَيِّرُهُمْ عَلَى صُورَةِ الْمَسِيحِ. غَيْرَ أَنَّ كَمَالَ الْمَجْدِ سَيُعْلَنُ عِنْدَ قِيَامَةِ الأَجْسَادِ، حِينَ يُغَيِّرُ الْمَسِيحُ جَسَدَ تَوَاضُعِنَا لِيَكُونَ عَلَى صُورَةِ جَسَدِ مَجْدِهِ (فيلبي 3: 21).

 

وَمِنْ هُنَا يَظْهَرُ التَّجَلِّي صُورَةً اسْتِبَاقِيَّةً لِلْمَلَكُوتِ، حَيْثُ يَتَجَلَّى مَجْدُ الرَّبِّ فِي الْبَشَرِيَّةِ الْمُفْتَدَاةِ. لٰكِنَّ طَرِيقَ هٰذَا الْمَجْدِ لَا يَنْفَصِلُ عَنِ الصَّلِيبِ؛ فَلَا يُمْكِنُ أَنْ نَحْلُمَ بِفَرَحِ الْفِصْحِ وَنَرْفُضَ طَرِيقَ الْمَحَبَّةِ الْبَاذِلَةِ. وَقَدْ قَالَ بُولُسُ الرَّسُولُ: «إِنِّي أَرَى أَنَّ آلامَ الزَّمَنِ الْحَاضِرِ لَا تُعَادِلُ الْمَجْدَ الَّذِي سَيَتَجَلَّى فِينَا" (رومة 8: 18).

 

وَلَا يَعْنِي ذٰلِكَ تَمْجِيدَ الأَلَمِ لِذَاتِهِ، بَلْ الإِيمَانَ بِأَنَّ الْمَحَبَّةَ الأَمِينَةَ، حَتَّى فِي وَسَطِ الْمِحْنَةِ، لَا تَذْهَبُ سُدًى. فَالْمَسِيحُ لَا يَعِدُ تَلَامِيذَهُ بِطَرِيقٍ خَالٍ مِنَ الصُّعُوبَاتِ، بَلْ يَعِدُهُمْ بِأَنَّ الصَّلِيبَ لَنْ يَكُونَ الْكَلِمَةَ الأَخِيرَةَ، وَأَنَّ مَنْ يَثْبُتُ مَعَهُ سَيَشْتَرِكُ أَيْضًا فِي نُورِ قِيَامَتِهِ وَمَجْدِ مَلَكُوتِهِ.

 

 

 الْخُلَاصَةُ

 

أَظْهَرَ يَسُوعُ شَيْئًا مِنْ مَجْدِهِ الإِلَهِيِّ في جَبَلِ التَّجَلِّي، لِتَلَامِيذِهِ بُطْرُسَ وَيَعْقُوبَ وَيُوحَنَّا، وَكَشَفَ لَهُمْ أَنَّ الَّذِي سَيَسِيرُ نَحْوَ أُورُشَلِيمَ وَالصَّلِيبِ هُوَ نَفْسُهُ الابْنُ الْحَبِيبُ وَرَبُّ الْمَجْدِ. وَقَدْ رَبَطَ يَسُوعُ فِي حَدَثِ التَّجَلِّي بَيْنَ سِرِّ الآلامِ وَسِرِّ الْمَجْدِ، فَأَعْلَنَ أَنَّ الصَّلِيبَ لَيْسَ نَقِيضَ الْمَجْدِ، بَلْ هُوَ الطَّرِيقُ إِلَيْهِ. فَعُمْقُ تَوَاضُعِ الْمَسِيحِ وَبَذْلِهِ لِذَاتِهِ يَكْشِفُ عَظَمَةَ مَحَبَّتِهِ، وَطَاعَتُهُ حَتَّى الْمَوْتِ تَفْتَحُ الطَّرِيقَ إِلَى مَجْدِ الْقِيَامَةِ.

 

وَلِذٰلِكَ ارْتَبَطَ التَّجَلِّي ارْتِبَاطًا وَثِيقًا بِأَحْدَاثِ الصَّلْبِ وَالْقِيَامَةِ؛ فَلَمْ يَكُنْ مِنَ السَّهْلِ عَلَى التَّلَامِيذِ أَنْ يَتَقَبَّلُوا إِعْلَانَ يَسُوعَ عَنْ آلَامِهِ وَمَوْتِهِ، أَوْ أَنْ يُدْرِكُوا أَنَّ الْمَسِيحَ سَيُتِمُّ رِسَالَتَهُ بِطَرِيقِ الصَّلِيبِ. فَهَيَّأَهُمْ يَسُوعُ لِهٰذَا السِّرِّ، وَكَشَفَ لِثَلَاثَةٍ مِنْهُمْ مَجْدَهُ الْمَخْفِيَّ، حَتَّى لَا يَضْطَرِبَ إِيمَانُهُمْ عِنْدَمَا يَرَوْنَ مَذَلَّةَ الآلامِ. وَهٰذَا مَا يُؤَكِّدُهُ الْقِدِّيسُ لَاوُنُ الْكَبِيرُ، إِذْ يَرَى أَنَّ الْغَايَةَ الرَّئِيسَةَ مِنَ التَّجَلِّي كَانَتْ إِزَالَةَ عَثْرَةِ الصَّلِيبِ مِنْ قُلُوبِ التَّلَامِيذِ، حَتَّى لَا يَتَزَعْزَعَ إِيمَانُهُمْ عِنْدَمَا يَرَوْنَ اتِّضَاعَ الْمَسِيحِ فِي آلامِهِ، بَعْدَ أَنْ عَايَنُوا سُمُوَّ مَجْدِهِ الْمُسْتَتِرِ.

 

وَكَمَا وَقَفَتْ مَعْمُودِيَّةُ يَسُوعَ عَلَى عَتَبَةِ حَيَاتِهِ الْعَلَنِيَّةِ، كَذٰلِكَ وَقَفَ التَّجَلِّي عَلَى عَتَبَةِ سِرِّهِ الْفِصْحِيِّ. فَعِنْدَ الْمَعْمُودِيَّةِ أُعْلِنَتْ هُوِيَّتُهُ فِي بِدَايَةِ رِسَالَتِهِ، وَفِي التَّجَلِّي أُعْلِنَ مَجْدُهُ قَبْلَ دُخُولِهِ فِي الآلامِ. وَيَرْبِطُ الْقِدِّيسُ تُومَا الأَكْوِينِيُّ بَيْنَ هٰذَيْنِ الْحَدَثَيْنِ، فَيَرَى أَنَّ مَعْمُودِيَّةَ الرَّبِّ تُشِيرُ إِلَى سِرِّ تَجَدُّدِنَا الأَوَّلِ فِي الْمَعْمُودِيَّةِ، أَمَّا التَّجَلِّي فَيُشِيرُ إِلَى تَجَدُّدِنَا الأَخِيرِ فِي قِيَامَةِ الْجَسَدِ وَمَجْدِ الْحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ. فَمَا ظَهَرَ فِي رَأْسِ الْجَسَدِ، أَيْ فِي الْمَسِيحِ، يَصِيرُ وَعْدًا لِأَعْضَائِهِ، أَيْ لِلْمُؤْمِنِينَ.

 

وَمُنْذُ الآنِ، نَشْتَرِكُ فِي قِيَامَةِ الرَّبِّ بِالرُّوحِ الْقُدُسِ، الَّذِي يَعْمَلُ فِي الْكَنِيسَةِ وَأَسْرَارِهَا، وَيُجَدِّدُ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى صُورَةِ الْمَسِيحِ. فَالتَّجَلِّي لَيْسَ وَعْدًا مُؤَجَّلًا إِلَى الْمُسْتَقْبَلِ فَحَسْبُ، بَلْ هُوَ أَيْضًا دَعْوَةٌ إِلَى أَنْ يَبْدَأَ نُورُ الْمَسِيحِ بِتَحْوِيلِ حَيَاتِنَا مُنْذُ الآنِ.

 

وَيَجْعَلُنَا التَّجَلِّي نَتَذَوَّقُ مُسْبَقًا مَجِيءَ الْمَسِيحِ الْمَجِيدِ، الَّذِي "سَيُغَيِّرُ هَيْئَةَ جَسَدِنَا الْحَقِيرِ، فَيَجْعَلُهُ عَلَى صُورَةِ جَسَدِهِ الْمَجِيدِ" (فيلبي 3: 21). فَالْمَجْدُ الَّذِي ظَهَرَ عَلَى وَجْهِ الْمَسِيحِ وَثِيَابِهِ هُوَ عَرْبُونٌ لِلْمَجْدِ الَّذِي يَعِدُ بِهِ الَّذِينَ يَثْبُتُونَ فِيهِ. غَيْرَ أَنَّ النَّصَّ يُذَكِّرُنَا أَنَّ الطَّرِيقَ إِلَى الْمَجْدِ لَا يَمُرُّ بِالْهَرَبِ مِنَ الْوَاقِعِ، بَلْ بِالأَمَانَةِ فِي الْمَحَبَّةِ وَالْخِدْمَةِ وَحَمْلِ الصَّلِيبِ. وَهٰذَا مَا أَعْلَنَهُ بُولُسُ وَبَرْنَابَا لِلْمُؤْمِنِينَ: "إِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْنَا أَنْ نَجْتَازَ مَضَايِقَ كَثِيرَةً لِنَدْخُلَ مَلَكُوتَ اللهِ" (أعمال الرسل 14: 22).

 

وَلَا يَعْنِي ذٰلِكَ أَنَّ الأَلَمَ خَيْرٌ فِي ذَاتِهِ، أَوْ أَنَّ الْمَسِيحِيَّ مَدْعُوٌّ إِلَى طَلَبِهِ، بَلْ إِنَّ الْمَحَبَّةَ الأَمِينَةَ قَدْ تَتَطَلَّبُ بَذْلًا وَتَضْحِيَةً. وَالْمُؤْمِنُ لَا يَحْمِلُ صَلِيبَهُ وَحْدَهُ، بَلْ يَحْمِلُهُ مَعَ الْمَسِيحِ، وَاثِقًا بِأَنَّ الصَّلِيبَ لَنْ تَكُونَ لَهُ الْكَلِمَةُ الأَخِيرَةُ. فَلَا يَسْتَطِيعُ الْمُؤْمِنُ أَنْ يَصْعَدَ إِلَى جَبَلِ التَّجَلِّي لِيُعَايِنَ بَهَاءَ الْمَسِيحِ، ثُمَّ يَرْفُضَ أَنْ يَنْزِلَ مَعَهُ إِلَى دَرْبِ الْخِدْمَةِ وَالآلامِ. فَبُطْرُسُ أَرَادَ الْبَقَاءَ عَلَى الْجَبَلِ، أَمَّا يَسُوعُ فَقَادَ تَلَامِيذَهُ إِلَى أَسْفَلِهِ، حَيْثُ الْجُمُوعُ الْمُتْعَبَةُ وَالْمَرْضَى وَالْمُحْتَاجُونَ، ثُمَّ سَارَ بِهِمْ نَحْوَ أُورُشَلِيمَ. وَمِنْ هُنَا، فَإِنَّ خِبْرَةَ التَّجَلِّي الصَّحِيحَةَ لَا تُبْعِدُنَا عَنِ الْحَيَاةِ، بَلْ تُعِيدُنَا إِلَيْهَا بِإِيمَانٍ أَعْمَقَ وَرَجَاءٍ أَقْوَى. فَمَنْ يَتَأَمَّلُ وَجْهَ الْمَسِيحِ الْمُشِعَّ يُدْعَى إِلَى أَنْ يَكْشِفَ نُورَهُ فِي وَجْهِ الْمُتَأَلِّمِ وَالْفَقِيرِ وَالْمُحْتَاجِ.

 

وَتَكْشِفُ لَنَا رِوَايَةُ التَّجَلِّي أَيْضًا الْمَصِيرَ الأَخِيرَ وَالسَّعِيدَ لِلإِنْسَانِ. فَدَعْوَةُ الْمُؤْمِنِ لَا تَنْتَهِي عِنْدَ الْمَوْتِ، بَلْ تَبْلُغُ كَمَالَهَا فِي الشَّرِكَةِ مَعَ اللهِ وَفِي قِيَامَةِ الْجَسَدِ وَالِاشْتِرَاكِ فِي مَجْدِ الْمَسِيحِ. وَكَمَا أَشَعَّ وَجْهُ يَسُوعَ كَالشَّمْسِ، كَذٰلِكَ "يُضِيءُ الأَبْرَارُ كَالشَّمْسِ فِي مَلَكُوتِ أَبِيهِمْ" (متى 13: 43).

 

وَخُلَاصَةُ رِسَالَةِ التَّجَلِّي أَنَّ عَلَيْنَا أَنْ نُثَبِّتَ أَنْظَارَنَا عَلَى يَسُوعَ وَحْدَهُ، وَأَنْ نُصْغِيَ إِلَى صَوْتِ الآبِ: «هٰذَا هُوَ ابْنِيَ الْحَبِيبُ... فَلَهُ اسْمَعُوا» (متى 17: 5). فَمَنْ يَسْمَعُ لِلْمَسِيحِ، وَيَسِيرُ مَعَهُ فِي طَرِيقِ الْمَحَبَّةِ وَالْبَذْلِ، سَيَشْتَرِكُ مَعَهُ أَيْضًا فِي نُورِ الْقِيَامَةِ وَمَجْدِ الْحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ.

 

 

دُعَاء

 

أَيُّهَا الآبُ السَّمَاوِيُّ، يَا مَنْ تَجَلَّى ابْنُكَ الْحَبِيبُ يَسُوعُ الْمَسِيحُ عَلَى الْجَبَلِ، وَأَظْهَرَ لِتَلَامِيذِهِ شَيْئًا مِنْ مَجْدِهِ، لِكَيْلَا يَتَعَثَّرُوا حِينَ يَرَوْنَهُ مَصْلُوبًا، وَلِيَكْرِزُوا لِلْعَالَمِ أَنَّهُ حَقًّا ابْنُكَ الْحَبِيبُ وَمُخَلِّصُ الْعَالَمِ؛ اِمْنَحْنَا أَنْ نَصْعَدَ مَعَهُ إِلَى جَبَلِ الصَّلَاةِ، فَنُصْغِيَ إِلَى كَلِمَتِهِ، وَنَتَنَبَّهَ إِلَى حُضُورِهِ فِي حَيَاتِنَا، وَنُثَبِّتَ أَنْظَارَنَا عَلَيْهِ وَحْدَهُ.

 

ثَبِّتْ إِيمَانَنَا بِهِ، وَحَرِّرْنَا مِنَ الْخَوْفِ وَالشَّكِّ، وَاجْعَلْنَا شُهُودًا لَهُ رَبًّا وَإِلهًا وَمُخَلِّصًا. وَعَلِّمْنَا أَلَّا نَطْلُبَ مَجْدًا مِنْ دُونِ الصَّلِيبِ، بَلْ أَنْ نَتْبَعَهُ فِي طَرِيقِ الْمَحَبَّةِ وَالْبَذْلِ، وَاثِقِينَ بِأَنَّ الآلامَ تَقُودُ، بِنِعْمَتِكَ، إِلَى نُورِ الْقِيَامَةِ.

 

أَنِرْ قُلُوبَنَا بِنُورِ وَجْهِهِ، وَجَدِّدْنَا بِرُوحِكَ الْقُدُّوسِ، حَتَّى نُعَايِنَ يَوْمًا مَجْدَ ابْنِكَ، الَّذِي «سَيُغَيِّرُ هَيْئَةَ جَسَدِنَا الْحَقِيرِ، فَيَجْعَلُهُ عَلَى صُورَةِ جَسَدِهِ الْمَجِيدِ" (فيلبي 3: 21). لَكَ الْمَجْدُ وَالْحَمْدُ، أَيُّهَا الآبُ، بِابْنِكَ الْحَبِيبِ، وَفِي وَحْدَةِ الرُّوحِ الْقُدُسِ، إِلَى دَهْرِ الدُّهُورِ. آمِين.

 

 

قِصَّةٌ حَقِيقِيَّةٌ: نُورٌ عَلَى قِمَّةِ الْجَبَلِ... لِيَتَقَوَّى عَلَى حَمْلِ الصَّلِيبِ

 

فِي عَامِ 1981، تَعَرَّضَ الْبَابَا الْقِدِّيسُ يُوحَنَّا بُولُسُ الثَّانِي لِمُحَاوَلَةِ اغْتِيَالٍ فِي سَاحَةِ الْقِدِّيسِ بُطْرُسَ فِي رُومَا، فَأُصِيبَ إِصَابَةً بَالِغَةً، وَكَادَ يَفْقِدُ حَيَاتَهُ. وَبَعْدَ أَشْهُرٍ مِنَ الْعِلَاجِ وَالشِّفَاءِ، لَمْ يَحْمِلْ فِي قَلْبِهِ رَغْبَةً فِي الِانْتِقَامِ، بَلْ زَارَ الرَّجُلَ الَّذِي حَاوَلَ اغْتِيَالَهُ، مُحَمَّدَ عَلِي آغْجَا، دَاخِلَ السِّجْنِ، وَجَلَسَ مَعَهُ، وَغَفَرَ لَهُ مِنْ أَعْمَاقِ قَلْبِهِ.

 

وَقَدْ كَتَبَ الْبَابَا فِيمَا بَعْدُ أَنَّ الإِنْسَانَ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَحْمِلَ الصَّلِيبَ بِقُوَّتِهِ وَحْدَهَا، بَلْ يَحْتَاجُ إِلَى أَنْ يَخْتَبِرَ، وَلَوْ لِلَحَظَاتٍ، نُورَ حُضُورِ اللهِ، لأَنَّ هٰذَا النُّورَ هُوَ الَّذِي يَمْنَحُهُ الْقُوَّةَ لِيُوَاصِلَ الطَّرِيقَ. وَكَانَ يَقُولُ فِي إِحْدَى تَأَمُّلَاتِهِ عَنِ التَّجَلِّي: "لَقَدْ أَظْهَرَ الْمَسِيحُ لِتَلَامِيذِهِ مَجْدَهُ، لِكَيْلَا يَنْهَارَ إِيمَانُهُمْ عِنْدَمَا يَرَوْنَهُ مَصْلُوبًا". وَكَانَ الْبَابَا يَرَى أَنَّ خِبْرَةَ التَّجَلِّي لَيْسَتْ هُرُوبًا مِنَ الْعَالَمِ، بَلْ هِيَ اسْتِعْدَادٌ لِلْعَوْدَةِ إِلَيْهِ بِقَلْبٍ أَقْوَى. فَالتَّلَامِيذُ لَمْ يَبْقَوْا عَلَى جَبَلِ طَابُورَ، بَلْ نَزَلُوا مَعَ يَسُوعَ إِلَى طَرِيقِ أُورُشَلِيمَ، حَيْثُ الصَّلِيبُ ثُمَّ الْقِيَامَةُ.

 

وَهٰكَذَا كَانَتْ حَيَاةُ الْقِدِّيسِ يُوحَنَّا بُولُسَ الثَّانِي. فَقَدْ عَرَفَ لَحَظَاتٍ عَمِيقَةً مِنَ الصَّلَاةِ وَالتَّأَمُّلِ، لَكِنَّهَا لَمْ تَدْفَعْهُ إِلَى الِابْتِعَادِ عَنِ النَّاسِ، بَلْ إِلَى خِدْمَتِهِمْ أَكْثَرَ. وَبَعْدَ سَنَوَاتٍ مِنَ الْمَرَضِ، وَلَا سِيَّمَا مَرَضِ بَارْكِنْسُونَ، ظَلَّ يَخْدُمُ الْكَنِيسَةَ حَتَّى آخِرِ يَوْمٍ مِنْ حَيَاتِهِ، رَافِضًا أَنْ يَخْتَبِئَ عَنْ أَنْظَارِ الْعَالَمِ، لأَنَّهُ كَانَ يُؤْمِنُ أَنَّ مَجْدَ الْمَسِيحِ يَشْرُقُ أَحْيَانًا فِي الْجَسَدِ الضَّعِيفِ أَكْثَرَ مِمَّا يَشْرُقُ فِي الْجَسَدِ الْقَوِيِّ.

 

الْعِبْرَةُ

 

يُعَلِّمُنَا تَجَلِّي الرَّبِّ يَسُوعَ أَنَّ اللهَ يَمْنَحُ أَبْنَاءَهُ لَحَظَاتٍ مِنَ النُّورِ وَالرَّجَاءِ وَالتَّعْزِيَةِ، لَا لِكَيْ يَبْقَوْا عَلَى قِمَّةِ الْجَبَلِ، بَلْ لِكَيْ يَسْتَطِيعُوا أَنْ يَنْزِلُوا إِلَى وَادِي الْحَيَاةِ، وَيَحْمِلُوا صَلِيبَهُمْ بِإِيمَانٍ وَرَجَاءٍ.

 

فَكُلُّ مُؤْمِنٍ يَخْتَبِرُ حُضُورَ اللهِ فِي الصَّلَاةِ، أَوْ فِي الإِفْخَارِسْتِيَّا، أَوْ فِي كَلِمَةِ اللهِ، إِنَّمَا يَتَقَوَّى لِيُوَاجِهَ تَجَارِبَ الْحَيَاةِ، عَالِمًا أَنَّ الصَّلِيبَ لَيْسَ نِهَايَةَ الطَّرِيقِ، بَلِ الْقِيَامَةُ هِيَ الْكَلِمَةُ الأَخِيرَةُ. وَكَمَا سَمِعَ التَّلَامِيذُ صَوْتَ الآبِ يَقُولُ: "هٰذَا هُوَ ابْنِيَ الْحَبِيبُ... فَلَهُ اسْمَعُوا" (مَتَّى 17: 5)، هٰكَذَا يَدْعُونَا اللهُ الْيَوْمَ إِلَى أَنْ نَثِقَ بِالْمَسِيحِ، وَنَسِيرَ وَرَاءَهُ، لأَنَّ مَنْ يَتْبَعْهُ فِي طَرِيقِ الصَّلِيبِ، سَيَشْتَرِكُ مَعَهُ أَيْضًا فِي نُورِ الْمَجْدِ وَالْقِيَامَةِ.