موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
ما حدث في الكرك يفرض علينا وقفة وطنية تتجاوز إدانة الإرهاب واستنكار العنف، إلى التفكير في مسؤوليتنا الجماعية عن بناء مجتمع يرفض التطرف، ويحترم الاختلاف، ويتمسك بقيم المواطنة والانتماء الوطني.
لا يمكننا أن نجزم بأن حادثة إرهابية هي نتاج خلل في المناهج أو التعليم، لكن لا يجوز، في المقابل، أن نستبعد التربية من أي نقاش جاد حول الوقاية من التطرف. فالأمن يحمي المجتمع من الخطر المباشر، أما التربية فتسهم في بناء الوعي الذي يحتاجه المجتمع لمواجهة التعصب والإقصاء والكراهية.
ومن هنا، فإن السؤال الذي ينبغي أن يشغلنا ليس فقط: ماذا نعلّم أبناءنا؟ بل أيضًا: أي إنسان نريد أن تُخرّج مدارسنا، وأي مجتمع نريد أن نبني من خلال التعليم؟
المناهج مسؤولية وطنية متجددة
يمثّل المركز الوطني لتطوير المناهج خطوة مؤسسية مهمة في مسيرة تطوير التعليم في الأردن، وتستحق الجهود المبذولة في إعداد المناهج وتأليفها وتطويرها أن تُناقش في إطار من المسؤولية المهنية والاحترام. ومن خلال مشاركتي في لجان تأليف المناهج ومواءمتها، أدرك أن تطوير المناهج عملية علمية معقدة تتطلب خبرات متعددة، وتعاونًا بين المختصين، ومراجعة مستمرة تستجيب للتحولات المعرفية والاجتماعية.
لكن أهمية هذه الجهود لا تعني أن نتعامل مع المناهج بوصفها منتجًا مكتملًا بمجرد تأليفه وإقراره. فالمناهج الحية هي التي تخضع للتقييم والتطوير المستمرين، وتستجيب لحاجات الطلبة، وتواكب التغيرات في المجتمع والعالم.
إن تطوير المناهج لا ينبغي أن يُختزل في تحديث المعلومات أو تحسين أساليب عرضها؛ بل يجب أن يمتد إلى مراجعة ما يتعلمه الطلبة، وكيف يفكرون، وكيف يتعاملون مع الاختلاف، وكيف يميزون بين الرأي والحقيقة، وبين النقد والكراهية، وبين الانتماء والتعصب.
وهنا تبرز الحاجة إلى النظر إلى تطوير المناهج باعتباره منظومة متكاملة، تتفاعل فيها جودة المحتوى، وكفاءة الخبراء، وتأهيل المعلمين، وبيئة المدرسة، والبحث التربوي، والتقييم المستمر.
خمسة مسارات لتعزيز دور المناهج في بناء الوعي
أولًا: مراجعة علمية مستمرة للمحتوى
نحتاج إلى مراجعة المناهج وفق معايير علمية واضحة، لا بهدف البحث عن الأخطاء فحسب، بل للتأكد من أن المحتوى يعزز قيم المواطنة، واحترام الكرامة الإنسانية، وقبول التنوع، والتفكير النقدي، والحوار. وينبغي أن تستند هذه المراجعة إلى الأدلة والمعايير التربوية، وأن تتعامل بوضوح مع أي محتوى يكرّس التمييز أو الإقصاء أو الصور النمطية.
ثانيًا: حماية مهنية إنتاج المناهج
تتطلب جودة المناهج اختيار الخبراء وفق معايير تقوم على الكفاءة العلمية والتخصص والخبرة والنزاهة المهنية. كما تتطلب توفير بيئة تسمح بالنقاش العلمي المستقل، وتعدد وجهات النظر، والاحتكام إلى الأدلة بدلًا من الضغوط أو الاعتبارات غير التربوية.
ولا يعني ذلك التشكيك في العاملين أو إقصاء أصحاب الآراء المختلفة، بل وضع ضوابط مهنية واضحة تضمن أن يكون المحتوى التعليمي منسجمًا مع الدستور والقوانين والقيم الإنسانية، وخاليًا من التحريض على العنف أو التمييز والكراهية.
ثالثًا: الانتقال من حفظ المعرفة إلى بناء المهارات
لم يعد كافيًا أن يمتلك الطالب المعلومات؛ بل يجب أن يمتلك القدرة على تحليلها والتحقق منها، وتقييم مصادرها، ومناقشتها، وتكوين رأيه استنادًا إلى الأدلة. وتزداد هذه الحاجة في عصر تنتشر فيه المعلومات المضللة وخطابات الكراهية عبر المنصات الرقمية.
لذلك، ينبغي أن تمنح المناهج مساحة أكبر للتفكير النقدي، وحل المشكلات، والتواصل، والتعاون، والثقافة الرقمية، وأن تتيح للطلبة فرصًا حقيقية للتعلم من خلال الحوار والبحث والتجربة، بدلًا من الاقتصار على التلقين واسترجاع المعلومات.
رابعًا: تمكين المعلم ليكون شريكًا في بناء الوعي
لا تتحقق أهداف المناهج من خلال الكتب وحدها. فالمعلم هو من يحوّل المحتوى إلى تجربة تعليمية، ويؤثر في طريقة تفكير الطلبة وتفاعلهم مع بعضهم بعضًا. ولذلك، فإن تطوير المناهج يجب أن يترافق مع تدريب المعلمين على إدارة الحوار، والتعامل مع القضايا الحساسة، وتعزيز التفكير المستقل، واحتواء الاختلاف داخل الصف.
كما أن إشراك المعلمين في تقييم المناهج وتطويرها يتيح الاستفادة من خبراتهم الميدانية، ويعزز شعورهم بالمسؤولية تجاه نجاح عملية التطوير.
خامسًا: قياس الأثر بدلًا من الاكتفاء بإنجاز الكتب
من الضروري ألا يقتصر تقييم تطوير المناهج على عدد الكتب التي أُنجزت أو الوحدات التي عُدّلت. بل ينبغي أن يمتد إلى قياس أثر التعلم في مهارات الطلبة واتجاهاتهم وقدرتهم على التفكير والتحليل والحوار واحترام الآخرين.
وهذا يتطلب مؤشرات واضحة، وأدوات تقييم مناسبة، وبحوثًا تربوية تستفيد من نتائجها الجهات المعنية في تحسين المحتوى والممارسات التعليمية بصورة مستمرة.
إصلاح يبني على الإنجاز
إن المرحلة المقبلة تحتاج إلى رؤية متكاملة تربط بين تطوير المحتوى، وتأهيل الخبراء والمعلمين، وتعزيز البحث التربوي، وإشراك الميدان المدرسي، وقياس النتائج. كما تحتاج إلى حوار مهني شجاع، لا يخشى طرح الأسئلة الصعبة، ولا يتعامل مع كل دعوة للمراجعة باعتبارها هجومًا على المؤسسة.
إن بناء المناهج مسؤولية وطنية تتجاوز حدود مؤسسة واحدة، وإن نجاحها يتطلب تعاونًا بين المركز الوطني لتطوير المناهج، ووزارة التربية والتعليم، والجامعات، والمعلمين، والباحثين، ومختلف المؤسسات المعنية بمستقبل الأجيال.
لقد أثبتت التجارب أن حماية المجتمع لا تتحقق بالإجراءات الأمنية وحدها، على أهميتها، بل تحتاج أيضًا إلى بيئة تعليمية واجتماعية تعزز الانتماء، وتمنح الشباب القدرة على التفكير المستقل، وتفتح أمامهم مساحات للحوار والمشاركة، وتحصّنهم من خطاب الكراهية والإقصاء.
إن ما نحتاجه اليوم ليس مجرد مناهج أحدث، بل رؤية أوسع للتعليم بوصفه استثمارًا في الإنسان، وفي قدرة المجتمع على التماسك ومواجهة التطرف. فالمناهج الجيدة لا تنقل المعرفة فقط، بل توسّع أفق الإنسان، وتحمي حقه في التفكير، وتعلّمه كيف يختلف دون أن يكره، وكيف ينتمي إلى وطنه دون أن ينتقص من الآخرين.
فالتعليم الذي نطمح إليه هو الذي لا يكتفي بإعداد طالب ناجح في الامتحان، بل يسهم في بناء مواطن واعٍ، قادر على التفكير، واحترام الاختلاف، والمشاركة في بناء وطنه.