موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
«لَا تَصْنَعْ لَكَ تِمْثَالًا مَنْحُوتًا...» (خروج 4:20).
كنتُ ما أزال مسيحيًا حديث العهد بالإيمان عندما صادفتُ هذه الآية لأول مرة، وقد صدمتني حقًا. فقد كنتُ أهوى الرسم والتلوين؛ وكانت والدتي فنانة ترسم وتنحت في الخشب أيضًا. جعلتني هذه الآية أشعر وكأننا مذنبون بصنع صور وأشكال محرّمة!
لكن راعي كنيستي كان مطمئنًا ومُهدئًا؛ إذ أوضح لي أن الآية لا تعني ما تبدو عليه في ظاهرها، وأنه يتعيّن عليّ ربطها بالآية التي تليها مباشرة حتى استوعب الوصية بأبعادها الكاملة. وكانت تلك نقطة الانطلاق في رحلة بحث وتقصٍّ لمعرفة ما يعلّمه الكتاب المقدّس عن الفن. ومنذ ذلك الحين، وعلى مدار سنوات طويلة، اكتشفتُ آيات عديدة تتناول جوانب الفن المختلفة.
مصدر الفن
لطالما لاحظ الفنانون العلمانيون أن الفن ظاهرة عالمية؛ فالأمم شتى، على اختلاف مشاربها الاقتصادية والسياسية وعبر كافة العصور التاريخية، قد أنتجت فنّاً. كما لاحظ الإنسانيون، وبشكل صائب، أن الفن جزء أصيل لا يتجزأ من الطبيعة البشرية، بيد أنهم عجزوا عن إدراك العلة وراء ذلك.
بالمقابل، تخبرنا كلمة الله أن الله هو الخالق الأصيل (تكوين 1:1)، وهو وحده من تنطبق عليه صفة «الخالق» بمعناها الحقيقي والمطلق. فهو لم يخلق الكائنات والموجودات من العدم فحسب، بل خلق حتى المواد التي تكوّنت منها. ويصف المزمور (3:8-4) خلق السموات بأنه «عَمَلَ أَصَابِعِكَ»؛ وهو تعبير يشير إلى أن الخلق بالنسبة لله لم يتطلّب سوى مهارات حركية يسيرة!
ولا يقتصر الأمر على خلق الله للموجودات فحسب، بل إنه يتأمل فيما صنعه، ويقيّمه، ويبتهج به (تكوين 31:1). فبعد كل يوم من أيام الخليقة، كان الله يتأمل ما صنعه ويقيّمه بأنه «حَسَنٌ». وفي ختام عملية الخلق، أعلن أن كل ما صنعه كان «حَسَنٌ جِدًّا». لقد أوجد الله روائع الخليقة لأنه ابتهج بها وسُرّ بوجودها (مزمور 30:104-31؛ تكوين 9:2)؛ إذ وهبنا موطنًا مفعمًا بالجمال لنعيش فيه، ومنحنا القدرة على مشاركته البهجة بهذا الجمال.
إن الجمال البصري ليس مجرد وسيلة للتعبير الإبداعي والاستمتاع فحسب، بل هو أيضًا أداة عالمية للتواصل. ويصف المزمور (1:19-6) الطبيعة بأنها لغة بلا كلمات «فِي كُلِّ ٱلْأَرْضِ خَرَجَ مَنْطِقُهُمْ». ويتوقع الله منا أن نفهم هذا التواصل البصري، ويحاسبنا على مضمون تلك الرسالة. ففي الرسالة إلى أهل رومية (19:1-20)، يُعلن الله أن البشرية تعرف الحق لكنها تأبى الانقياد له، وبالتالي فإن تقاعسنا عن الاستجابة لتلك الرسالة المرئية كافٍ للحكم علينا وإدانتنا.
الإنسان بصفته فنانًا
بما أن الله خلقنا وجعلنا على صورته ومثاله لنعكس صفاته (تكوين 26:1-27)، فإننا نمتلك بالتبعية القدرة على الخلق الجمالي، والتأمل، والتقييم الذاتي، والتواصل البصري. ونلمس مؤشرًا على مدى أهمية الجانب الجمالي في الطبيعة البشرية عندما نتأمل في أن نجاح غواية الشيطان لحواء كان مرتكزًا على طبيعتها الجمالية وتذوقها للحُسن (تكوين 6:3).
ولأن الإنسان يحمل في جِبلّته هذا البُعد الجمالي الفطري، فقد وضع الله توجيهات محددة تضبطه. ولهذا السبب تحديدًا، نجد وصية صريحة تحظر صنع مجسّمات تُتخذ للعبادة. ففي المجتمعات الوثنية القديمة، كان الفنانون يحظون بمكانة بالغة الأهمية في العبادات الوثنية، إذ كانوا هم من يصنعون الآلهة بأيديهم. ولم يكن هذا مطلقًا ما أرده الله من الفنانين أن يفعلوه بموهبة القدرة الفنية التي منحهم إياها.
وتتجلى موهبة الفن هذه بشكل خاص في شخص شاب يُدعى «بصلئيل». فقد نشأ وتعلّم حرفته خلال سنوات العبودية القاسية في مصر، ولم يكن ثمة مكان أفضل من مصر لتلقي التدريب الفني في شتى مجالات الفنون والحرف. وهكذا، سخّر الله تلك الظروف العصيبة لإعداد عبده وتأهيله لخدمة جليلة.
فعندما خرج العبرانيون القدماء من مصر ونالوا حريتهم لأول مرة في حياتهم، أضحوا بحاجة إلى مكان جديد للعبادة يتناسب مع طبيعة العبادة الجديدة. حينها دعا الله بصلئيل «وَمَلَأَهُ مِنْ رُوحِ ٱللهِ بِٱلْحِكْمَةِ وَٱلْفَهْمِ وَٱلْمَعْرِفَةِ وَكُلِّ صَنْعَةٍ» (خروج 34:35). وفوق هذا العمل العظيم الموكل إليه، مُنح بصلئيل ومساعده «أهوليآب» القدرة على تعليم الآخرين وتدريبهم؛ إذ كانت الحاجة ماسّة إلى أيدٍ ماهرة كثر للمساعدة في إنجاز العمل. فلم يكن بمقدور رجلين بمفردهما إنتاج كل ما هو مطلوب، لكن كان بوسعهما تعليم الآخرين الذين سيؤدون العمل تحت إشرافهما وتوجيههما.
إن الأثاث البديع، والستائر، والمستلزمات، والثياب الكهنوتية التي حدد مواصفاتها الله، قد صُنعت خصيصًا « لِلْمَجْدِ وَٱلْبَهَاءِ» (خروج 2:28). وكان الله قد أطلع موسى على التصميم والمثال (خروج 40:25)؛ وحين ملأ الله الفنانين من روحه، ضمن بذلك أن الأعمال الفنية المنتَجة ستعبر عنه حقًا، ولن تكون مجرد تجسيد لأفكار البشر وتصوراتهم.
وبمجرد اكتمال بناء المسكن (خيمة الاجتماع) وحلول مجد الله فيه، حُظِر على الإنسان رؤية تلك المحتويات المقدّسة في الداخل مجدّدًا. فقد قضت خطة الله الأصلية بأن تُلفّ وتُغطّى بالستائر والبُسط كلما نُقل المسكن من مكانه (عدد 5:4 وما يليه). ورغم أن الناس هناك لم يكن بمقدورهم رؤيتها، إلا أنها ظلت تمثل شهادة قائمة؛ فالتدرج في حجب الأماكن المقدّسة وفصلها عن عامة الشعب يشهَد بقداسة الله المطلقة. كما أظهرت خيمة الاجتماع مشيئته في التماهي مع شعب العهد القديم ومشاركتهم، ليكون إلهًا مرتحلًا في خيمة كشعبٍ تائه في البرية تمامًا (خروج 8:25). وبدورها، كانت الذبائح والقرابين تجسيدًا تصويريًا صارخًا لبشاعة الخطيئة ونفورها (لاويين 2:4-3).
إن الدور الجوهري الذي كان على خيمة الاجتماع أن تؤديه في تعليم المؤمنين آنذاك وتلقينهم الحقائق عن الله، كان معتمدًا بالدرجة الأولى على شكلها الخارجي وجمالها الفني. وكعادته دومًا، سمح الله للبشر بأن يشاركونه في خدمة هذا التعليم الإلهي. فموهبة الفن، شأنها شأن سائر المواهب التي يمنحها الله، وُجدت لكي تُنمَّي وتُصقل، ثم تُسخَّر في النهاية لتمجيد اسمه القدوس.
المقالة مترجمة عن موقع:
https://www.bjupress.com/articles/what-does-the-bible-say-about-art