موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر السبت، ٢٣ مايو / أيار ٢٠٢٦

الروح: لغة الرب - بين كاتبي سفر الـتكوين والإنجيل الرابع

بقلم :
د. سميرة يوسف سيداروس - إيطاليا
سِلسلة قِراءات كِتابيّة بين العَهدَّين (تك 11: 1-9؛ يو 7: 37- 39)

سِلسلة قِراءات كِتابيّة بين العَهدَّين (تك 11: 1-9؛ يو 7: 37- 39)

 

عيد العنصرة (أ)

 

المقدمة

 

يفاجئنا كلا النصّين، من العهدين، في هذا المقال بناطحة سحاب إلهية جديدة، ليست برجًا ولا مبنى، بل ناطحة سحاب باطنية تجعلنا نخترق العالم الإلهي من هنا والآن. ويبدو أنّ النص الشهير عن برج بابل، بحسب سفر التكوين (11: 1-9)، يحاور عالمنا اليوم. ففي سرد كاتب سفر التكوين، الذي يقدّمه لنا منذ الصفحات الأولى، نرى أنّ النظام والانسجام اللذين هيّأهما الله للإنسان بلغا ذروتهما عندما وُجدت لغة تواصل بين البشر في تلك الحقبة، إلا أنّ هذه اللغة نفسها ستتحوّل، كما سنرى، إلى وسيلة توحّد بينهم، لكنها تفصلهم عن الله بسبب رغبتهم التي سنتناولها لاحقًا بشكل تفصيلي.

 

وعلى ضوء هذا النص، سنناقش بحسب لاهوت القديس يوحنا (يو 7: 37-39) اللغة الجديدة التي سيعلنها الابن قبل إتمام سرّه الفصحي. لكننا سننال هذه النعمة بوفرتها بحسب مخطط الله، الذي سيبقى منفتحًا علينا بنعمته اللغوية، والتي من خلالها يحاور قلوبنا. فتصبح لغة الله اللغة التي نتواصل بها نحن البشر مع الله ذاته، ومع بعضنا البعض أيضًا، وهي التي ستبلغ ذروتها في الكنيسة الأولى (راجع أعمال الرسل 2: 1-11).

 

 

1. اللغة: باب الله! (تك 11: 1-9)

 

يُبدع كاتب سفر التكوين في سرد حدثٍ فريد من نوعه، يشير إلى اليد الإلهية العاملة في العالم، مبرزًا الانسجام والتواصل بين البشر، إذ يؤكد أنّه «كانَتِ الأَرضُ كُلُّها لُغَةً واحِدةً وكَلامًا واحِدًا» (تك 11: 1). فهذا الانسجام كان يُسهّل عملية التواصل بين الإنسان وأخيه. لكن هذا التناسق تحطّم فجأة بسبب كبرياء الإنسان، ما جعله يهدم النظام الذي وضعه الله بلمسته الإلهية في عالمنا البشري، حين قال البعض: «تَعالَوا نَبْنِ لَنا مَدينةً وبُرْجًا رَأسُه في السَّماء، ونُقِمْ لنا اِسْمًا كَي لا نَتَفَرَّقَ على وَجهِ الأَرضِ كُلِّها» (تك 11: 4).

 

فكما جعل البشر في الماضي البرج لغتهم المشتركة، هكذا سنرى لاحقًا أنّ الله سيمنح البشرية لغته الخاصة، التي ستتّضح في «باب-إيل»، أي «باب الله». وبينما يعلو طموح الإنسان ويزداد كبرياءً، معتقدًا أنّه قادر على بلوغ السماء، أي عرش الله الذي يعبده، يكشف لنا الكاتب أنّ الهدف الظاهر للبشر كان البناء والتطور لئلا يتفرقوا، لكنّ الحقيقة العميقة كانت محاولة الوصول إلى الله بقواهم الذاتية. وبينما الإنسان، الذي يمثّل كلّ واحدٍ منّا اليوم، غارق في تحقيق طموحاته، يفاجئنا الكاتب بأنّ الله نفسه يترك عرشه، فيقول: «فنَزَلَ الرَّبُّ لِيَرى الـمَدينةَ والبُرجَ اللَّذَينِ بَناهُما بَنو آدم… فلْننزِلْ ونُبَلْبِلْ هُناكَ لُغَتَهم، حتَّى لا يَفهَمَ بَعضُهم لُغَةَ بَعض» (تك 11: 5-7).

 

ويأتي قرار الربّ في الحقيقة لصالح الإنسان المتكبّر، الذي أراد أن ينمو بعيدًا عن الله، وهو الخطأ الأكبر. فبلبلة الألسنة، لكي لا يتفقوا على استكمال البناء، كانت نعمةً خفية، إذ تفرّق البشر وعاد كلّ واحدٍ منهم إلى البحث عن التواصل مع الله بلغته الخاصة، تلك اللغة التي لا يفهمها الإنسان الآخر بالكامل.

 

ومن هنا بدأ مخطط الله يشمل البشرية جمعاء: «فَفَرَّقَهمُ الرَّبُّ مِن هُناكَ على وَجهِ الأَرضِ كُلِّها… ولِذلِكَ سُمِّيَت بابِل، لأنَّ الرَّبَّ هُناكَ بَلبَلَ لُغَةَ الأَرضِ كُلِّها» (تك 11: 8-9). فعندما يعمل الإنسان ضد مخطط الله، الذي هو لصالحه ولصالح الأجيال اللاحقة، يظهر قصد الله بوضوح: أن ينتشر البشر في كلّ المسكونة لينتمي كلّ إنسان إلى الربّ. ومن هنا جاء اسم المدينة «بابل»، أي «باب-إيل»، بمعنى «باب الله».

 

فكم من الأبراج البابلية نبنيها يوميًا، بوعي أو من دونه؟ لكن محبة الربّ تبقى الباب المفتوح للتواصل مع بشريتنا كلّها. هذا هو الهدف الحقيقي: أن نتواصل مع الربّ بصدق، وأن نحيا بحسب لغته، اللغة التي ستصبح «باب-إيل» الجديد، أي الروح القدس الذي يتكلّم الله به إلى العالم كلّه، والذي سيعلنه يسوع لاحقًا في العهد الجديد بحسب السرد اليوحنّاوي.

 

 

2. الــ Shavuot العبريّة (يو 7: 37أ)

 

يفتتح يوحنّا هذا المقطع قائلاً: «في آخِرِ يَومٍ مِنَ العيد، وهُو أَعظَمُ أَيَّامِه» (يو 7: 37أ)، في إشارة إلى عيد العنصرة اليهودية الذي يُعرف في العبرية باسم«Shavuot» . ويمكننا القول إنّ سرّ العنصرة، الذي يشكّل محور هذا المقال، سيتّضح معناه من خلال الكلمات التي سيعلنها يسوع، بصفته رجلًا يهوديًا في عصره، خلال الاحتفال بالعنصرة اليهودية. ففي الواقع، إنّ ما نسمّيه اليوم «العنصرة» في العهد الجديد، أي نعمة حلول الروح القدس، يرتبط بجذوره بعيد «العنصرة اليهودية – Shavuot»، الذي يحتفل بعطيّة الكلمات العشر التي منحها الربّ لموسى على جبل سيناء (خر 20: 1 وما يليها). وكما يُذكّر الفصح العبري بتحرير بني إسرائيل من العبودية، كذلك تأتي العنصرة بعد خمسين يومًا لتحتفل بعطيّة كلمة الله.

 

وهكذا، يضع بنو إسرائيل في جوهر احتفالهم بالعنصرة نعمة الكلمات الإلهية العشر. وهناك رابط أساسي بين الفصح والعنصرة: فإذا كان الفصح اليهودي يحتفل بالحرية من العبودية، فإنّ العنصرة اليهودية تحتفل بما يجعل الإنسان حرًا حقًا، أي «كلمة الله». أمّا نحن اليوم، كمسيحيين، فنحتفل بالعنصرة المسيحية التي تُعلن هذه الكلمة في حضور يسوع، ابن الله والكلمة المتجسدة، ومن خلال كلماته أيضًا بحسب الرواية اليوحنّاوية، كما سنرى لاحقًا.

 

 

3. لغة الرب: الروح (يو 7: 37ب- 39)

 

بعد أن أرسل الله الآب ابنه يسوع بتجسّده في عالمنا، وكشف لنا وجهه ومخططه الخلاصي، يروي لنا العهد الجديد نعمة حضور الروح القدس بشكلٍ مسبق من خلال إعلان يسوع ذاته. فالعنصرة المسيحية تتجذّر في العنصرة اليهودية، وكما كان عيد الـ«Shavuot» بحسب التقليد العبري عيدًا للكلمات الإلهية العشر وعلامةً للتحرّر من العبودية، هكذا تصبح نعمة الروح القدس في المسيحية عطية الحرية الجديدة. فقد منحنا الله الآب الروح القدس كلغةٍ ثانية، بعدما منحنا ابنه يسوع. والروح اليوم، الساكن في قلوبنا، يمنحنا نعمة الحفاظ على الحرية الخلاصية التي نلناها في يسوع المسيح بموته وقيامته.

 

ويصير الروح القدس، الذي يغمر بشريتنا (راجع أع 2)، الرابط المباشر بين الإنسان والعالم الإلهي. ومن هنا تنشأ العلاقة العميقة بين الروح والكلمة المقدسة، سواء المُعلنة في يسوع أم المكتوبة في العهد القديم. فالله لم يَعُد يأتي ليبلبل ويشتّت كما رأينا في رواية برج بابل، بل يأتي الروح ليجمع ويوحّد ويصالح البشر مع الآب. لذلك يصف يوحنّا يسوع، المُبشّر بالروح، قائلاً: «وقَفَ يسوع ورفَعَ صَوتَه قال: "إِن عَطِشَ أَحَدٌ فليُقبِلْ إِلَيَّ ومَن آمنَ بي فَلْيَشْرَبْ… ستَجْري مِن جَوفِه أَنهارٌ مِنَ الـماءِ الحَيّ". وأَرادَ بِقَولِه الرُّوحَ الَّذي سيَنالُه الـمؤمِنونَ بِه، فلَم يكُنْ هُناكَ بَعدُ مِن رُوح، لأَنَّ يسوعَ لم يَكُنْ قد مُجِّد» (يو 7: 37ب-39).

 

يشير يوحنّا، من خلال هذا الوصف، إلى يسوع في جوهر لاهوته، داعيًا كل واحد منا إلى الإرتواء من الماء الحيّ عبر قبول نعمة الإيمان. ويفسر قول يسوع بأنّ خلاصته تكمن في قبول نعمة الروح، التي ستصبح اللغة الجديدة التي يتحاور بها الله الآب مع قلوبنا وضمائرنا، بعدما كلمنا مباشرة في يسوع ابنه. وهذا ما ناله التلاميذ بحسب مخطط الآب بعد صعود يسوع، وهو ما تعمقنا به في مقالنا الأخير.

 

ويأتي يسوع بصوته الجهوري ليهيّئنا إلى أنّ كلمة الله مستمرة، وأن لغته ستبقى حيّة في حياتنا من خلال الروح القدس، الذي يصير العنصرة الدائمة. أي الكلمة الـمستمرة والأبدية التي تذكرنا بأقوال يسوع وأفعاله، وتصبح اللغة الـّتي تجمعنا بالآب والابن وبكلّ إنسان.

 

 

الخلاصة

 

تعمقنا في مقالنا هذا من خلال النص الشهير ببرج بابل بحسب سفر التكوين (11: 1-9)، حيث كشف عن انحراف البشر الذين كانوا يتمتعون بتواصلٍ وانسجامٍ متناغم في ما بينهم. لكن قراراهم بالاتحاد قادهم إلى محاولة بلوغ السماء، أي الوصول إلى الله بقواهم الذاتية. ومن هنا جاء قرار الله بتشتيتهم، ليبذر عهده من خلالهم مع البشرية كلها. وهكذا صار لنا، وجميع البشر، "بابل- باب إيل"، أي بابًا إلهيًا مفتوحًا على الدوام، لغةً توحّدنا بالله وببعضنا البعض.

 

وعلى ضوء إحتفال يسوع بالعنصرة اليهوديّة وهي الـ Shavuot ومعلنًا لغة الله الآب الجديدة والأبديّة وهي الروح القدس الّذي نلناه بالإيمان وهو يفجر فينا أنهار حيّة تروينا من العالم الإلهيّ ونحن لازلنا على الأرض وتمنحنا نوراً إلهيًاً لـما نحمله بداخلنا بنعمة العنصرة - الروح القدس. بعد خمسين يومًا من قيامة يسوع، لا يزال الله يتكلم معنا وفينا بلغة الرّوح القدس، ونحن مدعووّن إلى الإصغاء إليه.

 

دُمتم منفتحين في قبول لغة الآب والابن، أي الروح القدس الذي ينبض فينا.