موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر الأربعاء، ٢٨ يناير / كانون الثاني ٢٠٢٦

الجمال كطريق إلى الله

بقلم :
رمزي ناري - الأردن
جسد المرأة في أسفار الشعر والحكمة: الجمال كطريق إلى الله

جسد المرأة في أسفار الشعر والحكمة: الجمال كطريق إلى الله

 

في قلب الكتاب المقدس، وسط الأسفار التاريخية والأنبياء والشرائع، يبرز صوت آخر مختلف؛ صوت الشعر، صوت العشق والحكمة.

 

في هذا الصوت، لا تُقدّم المرأة كناموسٍ أو رمزٍ اجتماعي، بل ككائنٍ يحمل سرّ الجمال الإلهي.

 

إنها لا تُعرّف هنا بوظيفتها أو بخضوعها أو بضعفها، بل بقدرتها على الكشف عن الله من خلال الجمال.

 

الشعر في الكتاب المقدس ليس ترفًا لغويًا، بل لغة أخرى للوحي. وفيه يظهر الجسد الأنثوي لا كموضوعٍ للشهوة أو الخطيئة، بل كأرضٍ يتجلّى فيها المعنى، كجسدٍ يتكلّم بلغة النعمة والحنان.

 

من هنا يبدأ سفر نشيد الأنشاد رحلته المدهشة؛ أن يجعل الحبّ طريقًا نحو الله.

 

 

نشيد الأنشاد: الجسد المُقدّس لا المُدنّس

 

نشيد الأنشاد ليس قصيدة في الغزل فقط، بل في التجلي الإلهي داخل الجسد الإنساني. فيه تنطق المرأة لا كموضوع للحديث بل كصوتٍ فاعلٍ ومحبٍ.

 

هي التي تقول، وتصف، وتبحث، وتشتاق. هي ليست ظلًا للرجل، بل شريكته في نشيد الحبّ، حيث يُحتفى بالجسد دون خجل.

 

في هذا السفر، يعود الإنسان إلى جنة البدايات قبل سقوط الخليقة، حين كان العريُّ نقاءً، وكان اللمس صلاةً، وكان الجسد لغةَ حبٍّ لا خوف.

 

المرأة في النشيد تُشبّه بالكرمة، بالحديقة المغلقة، بالينبوع المختوم – رموز للحياة والخصوبة والعهد.

 

هذه الصورة لا تتحدث عن تملّكٍ جسدي، بل عن رغبةٍ مقدسةٍ في الاتحاد واللقاء، حيث يصير الجمال طريقًا نحو الروح. ولذلك، فإن الجسد في النشيد ليس عائقًا أمام الله، بل نافذةٌ عليه.

 

إنه الجسد الذي يعرف كيف يفرح وكيف يحبّ دون أن يخطئ، لأنه يعيش الحبّ بوصفه فعل عبادة، لا فعل امتلاك.

 

 

سفر الأمثال: الجسد بين الحكمة والتهوّر

 

في المقابل، يأتي سفر الأمثال ليضع الجمال في ميزان الحكمة. فهو لا يرفض الجسد، لكنه يدعو إلى تمييز دقيق بين الجمال الذي يقود إلى الله، والجمال الذي يتحوّل إلى غوايةٍ فارغةٍ من المعنى.

 

المرأة الحكيمة في الأمثال تُقدّم كبيتٍ مملوءٍ بالنور والطمأنينة، أما المرأة الجاهلة فتظهر كصوتٍ يُغري بلا حكمة ويقود إلى الضياع.

 

ليست القضية هنا أخلاقية فقط، بل روحية؛ هل يُستخدم الجمال كوسيلة للمعرفة أم كسلاحٍ للهيمنة؟

 

هل الجسد وسيلة تواصل أم وسيلة تملّك؟ من هنا يصير الجمال في نظر الحكمة اختبارًا روحيًا إما أن يفتح القلب على العهد، أو يُغريه بالهروب من الله. ولذلك فإن الجمال، حين يُصان بالمحبّة والوعي، يصبح مدرسةً للقداسة.

 

 

الجمال كطريق للحكمة

 

في الأدب الشعري الكتابي، لا يمكن فصل الجمال عن الحكمة. كلاهما ينتمي إلى المجال نفسه؛ مجال النور. الحكمة ترى في الجمال علامةً على النظام الإلهي في الخليقة، والجمال يرى في الحكمة روحه الداخلية التي تخلّصه من الابتذال.

 

لهذا يمكن القول إن الحكمة هي الوجه الداخلي للجمال، والجمال هو الوجه الظاهر للحكمة. وعندما تُقدّم المرأة في الشعر الكتابي كرمزٍ للجمال، فإنها تُقدّم في الوقت نفسه كرمزٍ للحكمة والحنان والخصوبة الروحية.

 

«أُخْتِي ٱلْعَرُوسُ جَنَّةٌ مُغْلَقَةٌ، عَيْنٌ مُقْفَلَةٌ، يَنْبُوعٌ مَخْتُومٌ» (نشيد 12:4). هذه الصور لا تصف احتكارًا بل حضورًا مقدّسًا. الجسد هنا ليس ملكيةً لأحد بل مساحة عهدٍ متبادل، وفيه يصبح الحبّ صلاةً.

 

«أَنَا نَائِمَةٌ وَقَلْبِي مُسْتَيْقِظٌ. صَوْتُ حَبِيبِي قَارِعًا: "ِفْتَحِي لِي يَا أُخْتِي، يَا حَبِيبَتِي، يَاحَمَامَتِي، يَا كَامِلَتِي! لِأَنَّ رَأْسِي ٱمْتَلَأَ مِنَ ٱلطَّلِّ، وَقُصَصِي مِنْ نُدَى ٱللَّيْلِ"» (نشيد 2:5). هكذا، في لغة الشعر، يستعيد الجسد نقاءه المفقود، ويتحوّل الحبّ الإنساني إلى مجازٍ عن حبّ الله لشعبه، حيث الجسد يصير وسيط النعمة لا عائقها.

 

 

سفر الأمثال يوازن بين الجمال والحكمة

 

إنه لا يرفض الجسد، لكنه يضع الجمال في امتحان الضمير. فالمرأة الحكيمة رمزٌ للبصيرة والحنان والعقل، أما المرأة الجاهلة فصورة للرغبة التي تنقلب على ذاتها.

 

«اَلْحُسْنُ غِشٌّ وَٱلْجَمَالُ بَاطِلٌ، أَمَّا ٱلْمَرْأَةُ ٱلْمُتَّقِيَةُ ٱلرَّبَّ فَهِيَ تُمْدَحُ» (أمثال 30:31).

 

«تَفْتَحُ فَمَهَا بِٱلْحِكْمَةِ، وَفِي لِسَانِهَا سُنَّةُ ٱلْمَعْرُوفِ» (أمثال 26:31).

 

ليست هذه إدانة للجمال، بل تذكير بأنه بلا حكمة يفرغ من معناه. وفي موضع آخر، يشجّع النص الرجل على التمتّع بجمال امرأته بفرحٍ ظاهر: «لِيَكُنْ يَنْبُوعُكَ مُبَارَكًا، وَٱفْرَحْ بِٱمْرَأَةِ شَبَابِكَ، ٱلظَّبْيَةِ ٱلْمَحْبُوبَةِ وَٱلْوَعْلَةِ ٱلزَّهِيَّةِ. لِيُرْوِكَ ثَدْيَاهَا فِي كُلِّ وَقْتٍ، وَبِمَحَبَّتِهَا ٱسْكَرْ دَائِمًا» (أمثال 5: 18-19). هنا الفرح الجسدي نفسه يصبح عبادةً حين يُعاش في إطار المحبة والعهد.

 

أما المرأة الأجنبية التي «طَرَحَتْ كَثِيرِينَ جَرْحَى، وَكُلُّ قَتْلَاهَا أَقْوِيَاءُ» (أمثال 26:7)، فهي ليست شخصًا بل رمزًا للرغبة التي تنفصل عن المعنى، للجمال الذي يفقده روحه حين يُفصل عن الله.

 

 

الجمال لغة الحكمة العميقة

 

في الأدب الكتابي، الجمال ليس زينة سطحية، بل لغة الحكمة العميقة. فالحكمة تقول في سفر الأمثال «اَلرَّبُّ قَنَانِي أَوَّلَ طَرِيقِهِ، مِنْ قَبْلِ أَعْمَالِهِ، مُنْذُ ٱلْقِدَمِ... كُنْتُ عِنْدَهُ صَانِعًا، وَكُنْتُ كُلَّ يَوْمٍ لَذَّتَهُ» (أمثال 8: 22، 30). الحكمة هنا تُشبّه بالأنثى، بالعذوبة والإبداع والخصوبة. هي الوجه الإلهي للجمال، والجمال هو تجسيدها في الخليقة.

 

حين يتأمل الإنسان هذا الجمال بنقاء القلب، يكتشف أن كل ما هو جميل يقود إلى الله إن لم نُمسكه بأنانية، لأن الله «صَنَعَ ٱلْكُلَّ حَسَنًا فِي وَقْتِهِ» (الجامعة 11:3).

 

 

الجسد كلغة حبٍّ مقدّس

 

الجسد في الشعر الكتابي لا يُختزل في الرغبة، بل يتجاوزها إلى معنى أسمى. أن يكون وسيلة للتعبير عن المحبة والوفاء والعهد. لهذا يقول كاتب المزامير: «أَحْمَدُكَ مِنْ أَجْلِ أَنِّي قَدِ ٱمْتَزْتُ عَجَبًا. عَجِيبَةٌ هِيَ أَعْمَالُكَ، وَنَفْسِي تَعْرِفُ ذَلِكَ يَقِينًا» (مزمور 14:139).

 

الجسد عجيب لأنه صورة الله في التراب، وعندما يُقدّم بالمحبة، يصبح صلاة صامتة. إن لمس الآخر، في المنظور، ليس امتلاكًا، بل تجاوبًا مع حضور الله في الآخر.

 

 

الجمال الذي يقود إلى الله

 

في عالمٍ يرى الجسد بسطحية أو خوف، يعيدنا الكتاب المقدس إلى رؤية أعمق؛ أن الجمال طريق روحي إن حُفظ بنقاء القلب. فمن خلال الجسد الأنثوي نتعلّم أن الله لا يُختبَر فقط في المعابد، بل أيضًا في اللمسة، في الحنان، في العيون التي تُبصر بالحبّ. «كُلُّكِ جَمِيلٌ يَا حَبِيبَتِي لَيْسَ فِيكِ عَيْبَةٌ» (نشيد 7:4). هكذا يصبح الجمال دعوةً إلى الحكمة، ويصير الأنثوي أيقونة للعهد الجديد بين الإنسان والله، حيث لا فصل بين الجسد والروح، ولا بين الحبّ والإيمان.