موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر الخميس، ١٢ مارس / آذار ٢٠٢٦

الأحد الثالث من الصوم 2026

بقلم :
الأب بطرس جنحو - الأردن
الأحد الثالث من الصوم "أحد السجود للصليب المكرم"

الأحد الثالث من الصوم "أحد السجود للصليب المكرم"

 

الرسالة

 

خلِّصْ يا ربُّ شعبَكَ وبارِكْ ميراثَك.

إلَيكَ يا ربُّ أصرُخ إلهي.

 

فصلٌ من رِسالةِ القِدّيسِ بولسَ الرَّسولِ الى العبرانيّين (4: 14-16 ، 5: 1-6)

 

يا إخوَة، إذ لَنا رئيسُ كَهَنَةٍ عَظيمٌ قدِ اجتازَ السَّماوات، يَسوعُ ابنُ الله، فَلْنَتمسَّكْ بالاعتِراف * لإنَّ ليسَ لَنا رئيسَ كَهَنَةٍ غيرَ قادِرٍ أن يَرثِيَ لأمراضِنا، بَل مُجَرَّبٌ في كُلِّ شَيءٍ مِثلَنا ما خَلا الخَطيئة* فلنُقبِلْ إذَن بدالَّةٍ إلى عَرشِ النِّعمة، لِنَنالَ رَحمةً ونَجِدَ ثقةًللإغاثَةِ في أوانِها * فإنَّ كلَّ رَئيسِ كَهَنَةٍ مُتَّخَذٍ منَ النَّاس، يُقامُ لأجلِ النَّاسِ فيما هو لِله، ليُقَرِّبَ تقادم وذَبائحَ عَنِ الخَطايا * في إمكانه أنْ يشَفقَّ على الَّذينَ يَجهَلونَ ويَضِلُّون، لِكَونِهِ هوَ أيضًا مُتلَبِّسًا بالضُّعف * ولهذا يَجِبُ علَيهِ أنْ يُقَرِّبَ عَنِ الخَطايا لأجلِ نَفسِهِ، كما يُقَرِّبُ لأَجلِ الشَّعب * ولَيسَ أحَدٌ يَأْخُذُ لِنَفْسِهِ الكَرامَة، بل مَن دَعاهُ اللهُ كما دَعا هرون * كذلكَ المَسيحُ لَم يُمَجِّدْ نَفسَهُ ليَصيرَ رَئيسَ كَهَنَةٍ، بَلِ الذي قالَ لهُ: أنتَ ابني وأنا اليَومَ ولَدتُكَ * كما يقولُ في مَوضِعٍ آخَر: أنتَ كاهِنٌ إلى الأبَدِ على رُتبَةِ مَلكيصادَق.

 

 

فصل  شريف من بشارة القديس مرقس (8: 34–38 ، 9: 1)

 

قال الربُّ مَن اراد ان يتبعني فليكفُر بنفسهِ ويحمل صليبهُ ويتبعني لانَّ مَن اراد ان يخلّصَ نفسَهُ يُهلكها ومَن اهلك نفسهُ من اجلي ومن اجل الانجيل يخلّصها * فانَّهُ ماذا ينتفعُ الانسان لو ربحَ العاَلمَ  كُـلَّهُ وخَسِرَ نفسَهُ * ام ماذا يُعطي الانسانُ فِداءً عن نفسهِ * لانَّ من يستحيي بي وبكلامي في هذا الجيلِ الفاسقِ الخاطىء يستحيي بهِ ابنُ البشر متى أتى في مجد أبيهِ مع الملائكةِ القديسين * وقال لهم الحقَّ اقول لكم إنَّ قومًا من القائمين ههنا لا يذوقون الموت حتَّى يَرَوْا ملكوتَ اللهِ قد اتى بقوّةٍ.

 

 

بسم الأب والأبن والروح القدس الإله الواحد أمين

 

قال الرب لتلاميذه، كما سمعنا اليوم في الإنجيل: «من أراد أن يتبعني فلينكر نفسه ويحمل صليبه ويتبعني». أيها الإخوة الأعزاء نحن أيضًا تلاميذ ربنا يسوع المسيح، لأننا مسيحيون دعانا إلى الهيكل المقدس لنستمع إلى تعاليمه فأتينا، وها نحن نقف أمامه. أرواحنا مكشوفة تحت نظره. يرى أفكارنا، ويرى مشاعرنا، ويرى نوايانا. يرى فضائلنا كلها، بل ويرى خطايانا التي ارتكبناها منذ صغرنا. يرى حياتنا كلها، ماضيها ومستقبلها. في كتابه «وأعمالنا» مكتوبة. وهو يعلم أيضًا وقت انتقالنا إلى الأبدية. من أجل خلاصنا، أعطانا هذه الوصية المقدسة: (من أراد أن يتبعني فلينكر نفسه ويحمل صليبه ويتبعني).

 

فلنرفع بقلوبنا وعقولنا إلى الرب بإيمان حي، فنراه. سنراه، "الحاضر في كل مكان"، حاضرًا بيننا. فلنفتح قلوبنا له، ولنُزِل من مدخلها حجر القسوة الثقيل. فلنُصغِ، ولنُنصت، ولنقبل، ولنجعل تعاليم ربنا جزءًا من حياتنا.

 

ماذا يعني "فلينكر نفسه"؟ معناه: فليترك حياة الخطيئة. لقد ترسخت الخطيئة التي سقطتنا بسببها، في طبيعتنا حتى باتت تبدو طبيعية. أصبح إنكار الخطيئة إنكارًا لطبيعتنا. وإنكار طبيعتنا ليس إلا إنكارًا لأنفسنا. لقد جعلنا الموت الأبدي الذي استولى على أرواحنا، حياة. وهو يسعى إلى غذائه الخطيئة، ويسعى إلى لذته الخطيئة. وبهذا الغذاء واللذة، يُحافظ الموت الأبدي على سلطته على روح الإنسان ويُقوّيها. لكن الإنسان الساقط يعتبر الحفاظ على سلطة الموت على روحه وتقويتها هو الحفاظ على الحياة وتقدمها. وهكذا، وهو مريض مرضاً مميتاً، يستسلم للمطالب العنيفة لمرضه ويبحث عن الأطعمة التي تدعمه وتقويه، معتبراً إياها علاوة على ذلك ليست ضرورية فحسب بل ممتعة أيضاً.

 

في مواجهة الموت الأبدي، الذي يبدو حياةً للبشرية الساقطة، يُعلن الرب قراره: «مَنْ أَرَادَ أَنْ يُخْلِصَ نَفْسَهُ» باتباع حياة السقوط المؤدية إلى الموت الأبدي، «يُهلكها. وَمَنْ يُهلك نَفْسَهُ مِنْ أَجْلِي وَأَجْلِ بِإِنْجِيلِي»، أي يُقَاتِلُ شَهواتِ الخطيئة في نفسه ويرفض لذة الخطيئة، «فهو يُخْلِصُها» (مرقس 8: 35). ويُظهِرُ الْعَالَمَ كَلِمَةً مُنْفَرِةً أَمَامَنَا بِكُلِّ بَعْضِهِ، يَقُولُ الرَّبُّ: «مَا يَنْفَعُ الْإِنْسَانُ لَوْ رَبِعَ الْعَالَمَ كُلَّهُ وَيَهْلِ نَفْسَهُ؟» (مرقس 8: 36). لن يكسب الإنسان شيئًا جوهريًا، حتى لو أصبح سيدًا ليس لشيء تافه، بل للعالم المرئي بأكمله. لأن العالم المرئي ليس إلا فندقًا يقيم فيه الإنسان مؤقتًا. على الأرض لا يوجد شيء، ولا صفة، ولا منصب يُمكننا اعتباره ملكًا لنا. كل شيء يُسلب منا بالموت الحتمي الذي لا مفر منه. يُسلب منا كل شيء، حتى قبل الموت في كثير من الأحيان، بفعل أحداث غير متوقعة. ونُحرم من أجسادنا على أعتاب الخلود. إن ملكنا الوحيد، وممتلكاتنا الوحيدة، وكنزنا الوحيد هو أرواحنا. يقول كلام الله: «ماذا يُعطي الإنسان فداءً لنفسه؟» (مرقس 8: 37). لن ننال شيئًا كتعويض عن فقدان أرواحنا، عن انتزاعها من الموت الأبدي الذي يُظهر نفسه خادعًا في صورة حياة.

 

«مَنْ أَرِدْ أَنْ يَتَّبِعَنِي، فَلْيَحْمِلْ صَلِيبَهُ». ما معنى حمل الصليب؟ كان الصليب خلال سنوات وجود الرب على الأرض، أداة إعدام مُهينة للسود والعبيد المحكوم عليهم بالإعدام، والذين حُرموا من حقوقهم السياسية. العالم المتكبر، المُعادي للمسيح، يحرم أتباعه من الحقوق التي يتمتع بها الآخرون. يقول الرب لمن يتبعونه: «لو كنتم من العالم، لأحبكم العالم كما يحب خاصته. ولكن لأنكم لستم من العالم، بل أنا اخترتكم وميزتكم عن العالم، لذلك يبغضكم العالم» (يوحنا 15: 19). «سيُطْرُدونكم من المجامع... من يقتلكم يظن أنه يخدم الله» (يوحنا 16: 2).

 

من أراد أن يتبعني، فليحمل صليبه. إن حمل الصليب يعني تحمل السخرية والافتراءات التي يطلقها العالم على أتباع المسيح، والاضطهادات والأحزان التي يلحقها بهم العالم الفاسق الأعمى. "لأنه من الأفضل أن نحتمل التجارب والآلام ظلماً من أجل معرفة الله... لأنكم إلى هذا دُعيتم" (1 بطرس 2: 19، 21)، الذي يُخبر أحباءه: "سيُسبب لكم العالم متاعب، ولكن ثقوا، لأني قد غلبت العالم" (يوحنا 16: 33).

 

إن حمل صليبنا يعني أن نصبر بشجاعة حتى النهاية من أجل الإنجيل، ونتحمل العمل الخفي، والإرهاق الذهني، والاستشهاد السلمي في صراعنا ضد أهوائنا، وضد الخطيئة الكامنة فينا، وضد الأرواح الشريرة التي تثور بشراسة وتحاربنا بضراوة، كلما حاولنا التخلص من نير الخطيئة وحمل نير المسيح. يقول الرسول بولس: «لأن مصارعتنا ليست مع لحم ودم، بل مع الرؤساء، مع السلاطين، مع ولاة الظلمة في هذا العالم، مع أجناد الشر الروحية في السماويات» (أفسس 6: 12). لذلك، فإن "أسلحة محاربتنا ليست جسدية، بل قوية بالله لهدم الحصون. بها نهزم الحجج وكل فكرة متعالية تقاوم معرفة الله، ونستأسر كل فكر لطاعة المسيح" (2 كورنثوس 10: 4-5). وبعد انتصاره في هذه المعركة السرية الشرسة، هتف الرسول بولس: "حاشا لي أن أفتخر إلا بصليب ربنا يسوع المسيح، الذي به صُلب العالم لي وأنا للعالم" (غلاطية 6: 14).

 

إن حمل الصليب يعني قبول الأحزان والمصائب المؤقتة، التي يمنحها الله برحمته ومحبته لتطهيرنا من الخطايا، دون تذمر أو شكوى. عندئذٍ يصبح الصليب لنا سلمًا يقودنا من الأرض إلى السماء. اللص المصلوب، الذي ارتكب جرائم بشعة، صعد هذا السلم إلى السماء. من على صليبه نطق بكلمات مليئة بالتواضع. بالتواضع اكتسب معرفة الله. وبمعرفة الله نال الملكوت السماوي. اعترف قائلًا: "لقد عوقبتُ بحق على ما فعلت. اذكرني يا رب متى جئت في ملكوتك" ( لوقا ٢٣: ٤١-٤٢).

 

ونحن أيها الإخوة الأعزاء، عندما تُحيط بنا الأحزان، فلنردد كلمات اللص تلك الكلمات التي تُمثل ثمن الجنة، أو لنقتدي بأيوب، ولنمجد الرب العادل الرحيم في آنٍ واحد، الذي يُعاقبنا بطريقة تربوية. قال الرجل الصبور: «إن كنا قد أنعم الله علينا بالخير، أفلا نحتمل الشر أيضًا؟... كما شاء الرب، كان. فليُمجَّد اسم الرب إلى الأبد!». فلنبذل إذًا كل ما في وسعنا ليتحقق وعد الرب في كل واحد منا: «طوبى للرجل الذي يصبر على التجارب! لأنه إن صابر عليها، فسيفوز بجائزة الحياة الأبدية التي وعد الله بها الذين يحبونه» (يعقوب ١: ١٢). إن حمل الصليب يعني أن نخضع طواعيةً ورغبةً أجسادنا للحرمان والتدريب، فنكبح جماح شهوات الجسد الجامحة. هذا ما فعله الرسول بولس. قال: «بالتدريب الشديد، أعذب جسدي وأخضعه، لئلا بعد أن بشرت الآخرين، أُرفض أنا نفسي (للملكوت السماوي)» (كورنثوس الأولى 9: 27). «الذين هم في الجسد لا يستطيعون إرضاء الله» (رومية 8: 8). لذلك، ما دمنا نعيش في الجسد، يجب ألا نعيش لأجل الجسد. يحذرنا الرسول قائلًا: «إن عشتُم بحسب شهوات الجسد، فمصيركم الموت المحتوم»، الموت الأبدي. «ولكن إن كنتم بالروح تميتون شهوات الجسد، فستحيون» الحياة الأبدية المباركة (رومية 8: 13). الجسد بطبيعته محكوم وموجه بالروح. لكن الروح لا يستطيع أن يحكم الجسد ويوجهه إلا عندما يكون مستعدًا لقبول صلبه من خلال الصيام والسهر والركوع وغير ذلك من العبادات. ومع ذلك يجب أن تُمارس هذه العبادات بفطنة واعتدال. تُحرر التمارين البدنية المعتدلة والمتوازنة الجسم من الوزن الزائد والسمنة، وتُدربه، وتجعله خفيفًا وقادرًا على كل نشاط مفيد. يقول الرسول: «أما الذين هم للمسيح فقد صلبوا الجسد مع أهوائه وشهواته» (غلاطية 5: 24).

 

 

الطروباريات

 

طروباريَّة القيامَة باللَّحن السَّابِع

حَطَمْتَ بِصَلِيبِكَ الموتَ وفَتَحْتَ لِلِّصِّ الفِرْدَوُس، وحَوَّلْتَ نَوْحَ حَامِلَاتِ الطِّيبِ، وأَمَرْتَ رُسُلَكَ أَنْ يَكْرِزُوا بِأَنَّكَ قَدْ قُمْتَ أَيُّهَا المسيحُ الإله، مَانِحًا العَالَمَ الرَّحْمَةَ العُظْمَى.

 

طروباريَّة الصَّليب باللَّحن الأوَّل

خَلِّصْ يا رَبُّ شَعْبَكَ وبَارِكْ ميراثَك، وامنَحْ ملوكنا المؤمنينَ الغلبَةَ على البربر، واحْفَظْ بقوَّةِ صليبِكَ جميعَ المُختصِّينَ بكَ.

 

القنداق باللحن الثامن

إنّي أنا مدينتُكِ يا والدةَ الإله،

أكتبُ لكِ راياتِ الغَلَبة، يا جنديةً مُحامية،

وأقدِّمُ لكِ الشُّكرَ كمُنقِذةٍ من الشَّدائد. 

لكنْ بما أنَّ لكِ العِزَّةَ التي لا تحارَب.

أعتِقيني من صُنوفِ الشَّدائد

حتّى أَصرُخَ إليكِ: إفرحي يا عروسةً لا عروسَ لها.