موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
نفرح بلين المجالي ونفخر بما حققته، فالطالبة استطاعت أن تصل إلى الثانوية العامة وتحقق نجاحًا لافتًا، في إنجاز يستحق التهنئة والاحتفاء ويبعث على الأمل والفخر بكل من كان إلى جانبها وآمن بقدرتها.
وفرحتنا بلين ليست مجاملة عابرة فهناك إنجاز حقيقي يستحق أن نحتفي به وقصة إنسانية جميلة تستحق أن تُروى، ومثل هذه اللحظات تمنحنا فرصة لننظر أبعد قليلًا لا لنقلل من قيمة الإنجاز بل لنسأل أنفسنا ماذا يمكن أن تعلّمنا قصة لين عن الإنسان والتربية؟
أحيانًا لا يحتاج الإنسان إلى من يغيّره بقدر ما يحتاج إلى من يراه كما هو ويؤمن بما يمكن أن يكونه، وقصة لين تذكّرنا بأن وراء كل إنسان قدرات قد لا تظهر سريعًا ومواهب قد تحتاج إلى وقت وبيئة داعمة وفرصة حقيقية حتى تجد طريقها إلى النور.
فكثير من الجوانب الجميلة في الإنسان لا تظهر من اللقاء الأول وقد تبقى بعض المواهب خافتة لا لأنها غير موجودة بل لأنها لم تجد من يمنحها المساحة والوقت لتعلن عن نفسها.
وتزداد أهمية هذا السؤال عندما نتحدث عن الأشخاص ذوي الإعاقة ومن بينهم الأشخاص ذوو متلازمة داون، فقد تبدأ نظرتنا إليهم أحيانًا من احتياجاتهم قبل أن نرى قدراتهم فنلاحظ ما يحتاجونه من مساعدة وما قد يصعب عليهم ثم ننسى أن وراء هذه الاحتياجات إنسانًا لديه طموح وميول ومواهب وقدرات يمكن أن تنمو وتظهر، والمشكلة ليست في أن نرى احتياجاته فهذا جزء من مسؤوليتنا وإنما في أن تصبح احتياجاته هي الصورة الوحيدة التي نراه من خلالها.
كثيرًا ما يبدأ حكمنا على الطالب من زاوية الاختلاف فنلاحظ أولًا ما يصعب عليه ثم نبني توقعاتنا انطلاقًا من ذلك، وقد تتحول هذه النظرة مع الوقت إلى حدود غير معلنة نضعها أمامه لا لأنه عاجز عن تجاوزها بل لأننا لم نتوقع منه أصلًا أن يحاول.
وهذا الإيمان لا يبقى كلمة جميلة بل يظهر في البيئة التي نوفرها للطالب وفي طريقة تعاملنا معه وفي توقعاتنا لما يستطيع الوصول إليه، فالمدرسة ليست مكانًا لاكتساب المعرفة فقط إنها بيئة قد تفتح نافذة لموهبة لم نكن نراها، والمعلم ليس مجرد ناقل للمعلومة بل قد يكون الشخص الذي يرى في الطالب شيئًا لم يره أحد من قبل فيمنحه الثقة ويبحث معه عن الطريقة التي تساعده على التعبير عن قدراته.
قد يحتاج طالب إلى وقت أطول أو طريقة مختلفة في التعلم أو دعم متخصص يرافقه في بعض المراحل، وتوفير هذه الاحتياجات ليس امتيازًا بل جزء من مسؤولية تربوية تمنحه فرصة حقيقية للتعلم والمشاركة وإظهار أفضل ما لديه.
ومن هنا تظهر أهمية التعليم الدامج فهو لا يعني فقط أن يكون الطالب داخل الصف مع زملائه بل أن تكون البيئة التعليمية قادرة على إزالة العوائق التي تحول دون تعلمه ومشاركته وأن توفر له الدعم والوسائل والطرائق المناسبة التي تساعده على التقدم، فالإنصاف في التربية لا يعني أن نعطي الجميع الشيء نفسه بل أن نوفر لكل طالب ما يحتاج إليه حتى يحصل على فرصة عادلة للتعلم والنمو وإظهار قدراته.
ولهذا فإن قصة لين لا تدعونا إلى الاحتفاء بإنجازها فقط بل تدعونا أيضًا إلى إعادة النظر في الطريقة التي نرى بها طلابنا جميعًا.
كم طالبًا بيننا يحمل موهبة لم نكتشفها بعد؟ وكم مرة حكمنا على قدرة طالب من تجربة واحدة؟ وكم مرة انشغلنا بما ينقصه حتى نسينا أن نسأل عمّا يميّزه؟ وكم مرة رأينا احتياجه بوضوح لكننا لم نمنح قدرته القدر نفسه من الانتباه؟
أن تقبل الإنسان كما هو لا يعني أن تحدد له ما يمكن أن يكونه بل أن تبدأ من حيث هو، ثم تساعده على أن يكتشف إلى أين يستطيع أن يصل، وأن تساعده لا يعني أن تفعل كل شيء مكانه بل أن تقف إلى جانبه وتمنحه ما يحتاج إليه ثم تترك له مساحة المحاولة والاكتشاف والنجاح حتى يأتي اليوم الذي يقول فيه بنفسه أنا أستطيع.
لذلك عندما يدخل طالب إلى صفنا لا نريد أن نرى فقط ما يحتاجه بل نريد أن نرى أيضًا ما يمكن أن يقدمه، لا نريد أن نسأل فقط أين تكمن صعوبته؟ بل نسأل أيضًا أين تكمن قوته؟ وكيف نستطيع أن نساعده على الوصول إليها؟
لين مبارك لكِ هذا الإنجاز، نفرح بكِ ونفخر بما وصلتِ إليه ونأمل أن تكون قصتك مصدر إلهام لكل من يحتاج إلى فرصة ولكل من ينتظر أن يراه أحد قبل أن يحكم عليه، فوراء كل إنسان قدرات قد لا تظهر سريعًا لكنها موجودة وتنتظر من يراها ويؤمن بها ويفتح لها الطريق، فالمواهب لا تحتاج دائمًا إلى من يصنعها أحيانًا تحتاج فقط إلى من يكتشفها.