موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر الإثنين، ٢٣ مارس / آذار ٢٠٢٦

أكبر الوصايا: محبة الله تتجلى في محبة الإنسان

بقلم :
المطران كريكور كوسا - مصر
أكبر الوصايا: محبة الله تتجلى في محبة الإنسان

أكبر الوصايا: محبة الله تتجلى في محبة الإنسان

 

ونحن نقترب من نهاية الصوم الأربعيني الكبير، ونستعد لاستقبال السيد المسيح يوم أحد الشعانين، والدخول معه في الأسبوع العظيم لنشاركه آلامه وصلبه وموته، لتستحق أن نقوم معه ونمّجده في يوم قيامته، نستعرض متأملين معًا هذه الوصية التي ترتبط بها الشريعة كلها والأنبياء (متى 22: 40). نجد أهم أسباب محبة الله والقريب، وهي ثلاثة: الله، والمسيح، والكنيسة. نسأله تعالى أن يوطّد في قلوبنا حب بعضنا البعض، حتى إذا أتممنا هذه الوصية نكون قد أتممنا الناموس كله، عملاً بقول القديس بولس: "فالمحبة لا تُنزِل بالقريب شرًّا، فالمحبة إذن كمال الشريعة" (رومية 13: 10).

 

تعتبر هذه الوصية من أعظم الوصايا، لأنها ترتكز على محبة الإنسان لله، ومحبة الإنسان لأخيه الإنسان. فكل من يحب الله، يحب أن يحب إخوته في الإنسانية أيضًا، لأن محبة الإنسان لله تُترجم بمحبتنا لإخوته بني البشر، بدون تمييز. وبدون محبتنا بعضنا لبعض كما أوصانا الله، تكون محبتنا ناقصة وإيماننا غير كامل. ويؤكد لنا الكتاب المقدس ذلك بقوله: "أيها الأحباء، فليحب بعضنا بعضًا، لأن المحبة من الله، وكل محب مولود من الله وعارفٌ بالله. من لا يحبّ لا يعرف الله، لأن الله محبة" (يوحنا الأولى 4: 7). وأيضًا يقول الكتاب المقدس: "إن قال أحد: 'إني أحب الله' وهو يُبغض أخاه، كان كاذبًا، لأن الذي لا يحب أخاه وهو يراه، لا يستطيع أن يحب الله وهو لا يراه" (يوحنا الأولى 4: 20).

 

لذلك:

 

1- نحب القريب حبًا بالله:

 

يقول القديس توما الأكويني، المعلم الملائكي، إن مبعث المحبة هو محبة الله ومحبة القريب، ومحرّكها الأول إنما هو كمالات الله. نحن نحب الله لأجل كمالاته، ونحب كل ما تتجلّى فيه كمالاته. وتتجلّى كمالات الله في مخلوقاته، ولاسيما في الإنسان الذي جعله على صورته ومثاله وأقرب المخلوقات إليه تعالى. فعندما نحبّ الله، يتوجب علينا أن نحب القريب الذي تظهر فيه كمالات الله. وقد فهم الآباء القديسون هذه الحقيقة، فقالوا إنه لا يمكن الفصل بين محبة الله ومحبة القريب، لأنهما محبّتان متلازمتان متلاصقتان. وقد يصعب علينا بسبب ضعفنا البشري أن نعرف حقيقةً إذا كنا نحب الله من كل قلبنا وعقلنا أم لا، ولكن نسعى جاهدين للتوصل إلى محبته بالذهاب إلى أعماق قلوبنا وفحص ضميرنا، سائلين أنفسنا كيف نبادل محبة الله بالمحبة التي بادلنا إياها ونعمل بوصية يسوع: "أحبب الرب إلهك من كل قلبك وكل ذهنك".

 

أما محبة القريب فلا مجال للخطأ حولها. وهذا ما عبّر عنه القديس أوغسطينوس عندما قال: "إذا كنت تريد أن تعرف إذا كان فيك روح الله، فاسأل قلبك. فإذا كنت تحب أخاك، فكن في اطمئنان، لأنه لا محبة حقيقية إذا لم تتوطّد في الله". ومن الطبيعي أن من لم يسع بمحبة قريبه للوصول إلى الله، ضلّ الطريق وأوقع نفسه في الظلمات والمهالك. وما كان القديسون إلا أصداء للسيد المسيح الناطق بلسان يوحنا الإنجيلي، الذي اتّهم بالكذب من ادّعى أنه يحب الله في حين لا يحب أخاه، فقال في رسالته الأولى: "إذا قال أحد: 'إني أحب الله' وهو يُبغض أخاه، كان كاذبًا، لأن الذي لا يحب أخاه وهو يراه، لا يستطيع أن يحب الله وهو لا يراه. إليكم الوصية التي أخذناها عنه: من أحب الله فليحب أخاه أيضًا" (يوحنا الأولى 4: 20–21). ولذلك جعل السيد المسيح "المحبة" علامة تلاميذه الفارقة، لذلك قال: "إذا أحب بعضكم بعضًا، عرف الناس أنكم تلاميذي" (يوحنا 13: 35).

 

2-  نحب القريب حبًا بالمسيح:

 

عندما تجسّد السيد المسيح واتحد بالطبيعة البشرية، اتحد بجميع الناس، لأنه عانى في جسده ما يعانيه جميع الناس – ما عدا الخطيئة – من شقاء، وشعر بما يشعرون به من أفراح وأحزان. فأصبح جميع الناس يؤلفون معه جسدًا واحدًا، لأنهم جميعًا مدعوون إلى الانضمام إليه واعتناق عقيدته والاستفادة من استحقاقات آلامه وموته وقيامته. ويؤلف المسيح مع الذين يحيون بحياته، بواسطة النعمة الإلهية، جسده السرّي. فهو رأس هذا الجسد والمؤمنون به أعضاءه. فمن أحب المسيح وجب عليه أن يحب أعضاءه ويحترمهم ويعتني بهم، ومن سلّم بتجسد المسيح وجب عليه أن يسلّم بنتائج هذا التجسّد الذي جعل جميع المؤمنين جسدًا واحدًا.

 

ومن احتقر أعضاء المسيح احتقر المسيح نفسه، وهذا ما أشار إليه السيد المسيح عندما أنبَه بولس – شاول يومذاك – على اضطهاده للمسيحيين في دمشق، فقال له: "شاول، شاول، لماذا تضطهدني؟" (أعمال الرسل 9: 5)، ولم يقل: لماذا تضطهد أتباعي والمؤمنين بتعاليمي. ومن المعلوم أن بولس لم يكن قد رأى المسيح من قبل، ولكنه أفهمه بأن من يضطهد المسيحيين يضطهد المسيح أيضًا، وهم جميع الناس مؤلفون معه جسدًا واحدًا.

 

وعبر السيد المسيح عن هذه الحقيقة بصورة جليّة مرّة أخرى في مشهد الدينونة الأخيرة، حيث مثل الله جالسًا على عرشه للقضاء الأخير، والناس حوله، فميّز بين الأخيار والأشرار، ودعا الخراف عن يمينه لدخول ملكوته لأنهم عاونوه مريضًا وزاروه مسجونًا وأطعموه جائعًا وسقوه عطشانًا وكسوه عريانًا (متى 25: 40). فالمسيح وإخوته كل الناس يؤلفون جسدًا واحدًا، وهم جميعًا مدعوون ليؤلفوا معه جسده السرّي.

 

3- نحب القريب حبًا بالكنيسة:

 

بعد أن تجسّد السيد المسيح، أصبح للإنسان المقام الأول في مساعدة أخيه الإنسان على تحقيق عمل خلاصه، وقد جُعل أداة للنعمة. فلنأخذ مثلاً الأسرار المقدسة التي تركها لنا يسوع عربونًا للقداسة والخلاص، فلا يقبل الإنسان نعمة السر إلا من يد أخيه الإنسان، الذي أقامه الله خادمًا وموزعًا لأسراره بواسطة سر الكهنوت. فالمسيح هو الذي يُعمّد، ولكن يعمّد بواسطة الكاهن الإنسان الذي اختاره، والمسيح هو الذي يغفر الخطايا، ولكنه يغفرها بواسطة الكاهن الإنسان، وهكذا يعمل الكاهن بمسحة الروح القدس التي نالها في سر الكهنوت وخدمة سائر الأسرار المقدّسة.

 

وكذلك الحال بالنسبة للعقيدة المسيحية؛ فنحن عندما نريد الاطلاع على هذه العقيدة لا نتوجه مباشرة إلى الله، ولا نكتفي بتصفّح الكتاب المقدس ثم نفسره وفق أهوائنا الشخصية، بل نلتمس العلم بها عند القيّمين عليها من أساقفة وكهنة. فلا سبيل إلى نيل النعمة والإطلاع على العقيدة إلا بواسطة القريب المدعو من الله، أي الكاهن، وكذلك لا سبيل إلى محبة الله إلا بواسطة القريب. فالقريب هو طريقنا إلى الله، وكما نعامله يعاملنا الله الذي قال: "فكما تدينون تُدانون، ويُكال لكم بما تكيلون" (متى 7: 2).

 

وذهب السيد المسيح إلى أبعد من ذلك فوضع شرطًا لنيل الغفران منه، فقال: "فإن غفرتم للناس زلاتهم يغفر لكم أبوكم السماوي، وإن لم تغفروا للناس لا يغفر لكم أبوكم زلاتكم" (متى 6: 14–15). هذه هي وصية السيد المسيح الأخيرة والجديدة: محبة القريب حبًا بالله والمسيح والكنيسة، وهي موجز الدين المسيحي بكامله.

 

اللهم استأصل من قلوبنا ومن قلوب جميع المؤمنين وغير المؤمنين بك الحقد والبغض والنميمة والشك والشراسة والظلم، ووطّد فيها محبة القريب ليعيشوا على الأرض إخوة وأخوات متحابين، وينعموا برؤية وجهك في الآخرة، فيلتّفوا حولك التفاف الأبناء المخلصين.