موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
المقدّمة
تميّزت مسيرتنا الكتابيّة في زمن المجيء هذا بقراءة كتابيّة فيما بين العهديّن تحت عنوان "الخروج" شاملاً أربع مقالات. بهذه المقالة نصل إلى نهايتها استعداداً لسرّ التجسد الإلهي. بدأنا بالخروج الإلهي، ثمَّ خروج الغصن من الجذع، وبالمقال الأخير تعمقنا في مسيرة الإنسان المدعو للخروج من السجن الذاتيّ. أما في هذا المقال الّذي نختتم به مسيرتنا الاستعداديّة لمجيء ابن الله، نجد أيقونة مريم تُنعش أحداث المجيء وتختتمها إذ أُتمّت مسيرة خروج ساميّة ومتميّزة على مستواها الشخصي فصارت منارة للبشرية بأكملها. شخصية "مريم الصَّبيّة" كما يدعوها كلّا الكاتبين اليوم، هي مفتاح قرائتنا لنص العهد الأوّل بسفر أشعيا (7: 10- 17) الّذي تنبأ بالقرن الثامن ق. م.، بُناء على كلمة الله له، عن صبيّة مجهولة الهويّة والّتي ستكون بدورها علامة قويّة حتى زمننا هذا. ففي عصر النبي كانت غامضة بعد هذه النبوءة. لكن على ضوءها سيساعدنا بالقرن الأوّل متّى الإنجيلي في النص الثاني (1: 18- 22) بتفسير يبُدع في تفسير الكلمات النبويّة الّتي تجسدت في مريم الصّبيّة الّتي ستفتتح الأزمنة المسيّانيّة. ليس فقط في قلبها وفي علاقتها الخاصة بالله بل تمت في أحشائها البتوليّة من خلال حبلها بابن الله. ومن هنا نجد أن مريم أيقونة البشرية جازفت بخروج تدريجيّ وهي تحاول أن تفهم إرادة الله. فقد كان خروجها مبدئيًا مِن قريتها، ثمّ من مشروعها الزوجيّ مع يوسف رجلها، واستمرت رحلة خروجها مما هو خاص بها لتحتضن مخطط الرّبّ العظيم. نهدف في هذا المقال أن نتوقف أمام أحشاء ووجه وخطوات أقدام الصّبيّة الّتي قد تكون خطوات متعرجة على مستوانا البشري، لتحيا بملء المخطط الإلهي. فلابد أنها لّاقت تحديات ولا يوضحها كثيراً الإنجيليين، بسبب تركيزهم على سر الله في المسيح، إلا إنها بخروجها التدريجي نجحت في أنّ يخرج من أحشائها ابن الله. هذه الصّبيّة الأيقونة، مَثلاً لكلاً منّا بخروجها الّذي لن يصل لذروته بخروجها الأبدي عند انتقالها إلى السماء بالنفس والجسد.
1. آية السَّيِّد: العمانوئيل بالعهد الأوّل (أش 7: 10- 17)
يبدأ كاتب نبوءة أشعيا كلمته النبوية الّتي نطلق عليها في لّاهوت الكتاب المقدس "كتاب العمانوئيل"، بتعبير متميّز قائلاً: «وعادَ الرَّبُّ فكَلَّمَ آحازَ» (11: 10). الرّبّ بعظمته وبجلالة مجده المجانييّن يعود ليتواصل مع آحاز الملك ليقوي إيمانه ويتمم هو بذاته أعظم آية بعد أنّ رفض الملك اختيارها، بحسب الأمر الإلهي من النبي. آحاز هو الملك الّذي رافقه أشعيا الأوّل ليصير بمثابة الصوت الإلهي ليقود الشعب بحسب شريعة الرّب، إلّا إننا نسمع رده القائل: «لا أَسأَلُ ولا أُجَرِّبُ الرَّبّ» (اش 7: 12). "تجربة الرّبّ" هو تعبير يخفي ورائه آحاز ريائه فهو ضعيف إيمانيًا ولا يثق في أيّ علامة إلهية، مّن يجرؤ من البشر على تجربة الرّبّ! يمثل آحاز، الّذي يملك على شعب الله، ويفترض إنّه يعمل باسم الله، بمثابة إنه حليف داود الملك، كلّاً منّا اليوم فقد رفض العرض الإلهي. فيعود الله من جديد مُبادراً، فهو إله العهد والحب، بالحوار مع الإنسان الهش والضعيف والسبب هو «لا لأِنَّكم أَكثَرُ مِن جَميع الشَّعوبِ تَعَلَّقَ الرَّبُّ بِحُبِّكم واخْتارَكم، فأَنتُم أًقَلُّ مِن جميعَ الشَّعوب، بل لِمَحبَةِ الرَّبِّ لَكم ومُحافَظتِه على القَسَم الَّذي أَقْسمَ بِه لآَبائِكم» (تث 7: 7- 8). سبب تواصل الله مع الإنسان هو الحب ولا غير. وفي كل مرة يتكلم الرّب فيها يكشف عن ذاته أكثر فكلمته الإلهيّة لها قدرتها لا تُقارن بالكلمة البشرية، إذّ تنفتح السماوات ويظلل مجده الإلهي حياتنا وتاريخنا. كلمته ستحمل عجيبة جديدة ليُدهشنا بقربه من شقاءنا وفقرنا البشري.
2. Alma – الصّبيّة (أش 7: 12- 17)
ففي الوقت الّذي رفض فيه آحاز أن يطلب آية، يلّح الله الغيور على شعبه، حينما يتقدم كمُتسول ليمنح للإنسان فرصة للخلاص من آثامه، فالعظيم يضع ذاته في خدمة الضعيف، والضعيف بجهله يرفض (راج أش 11: 12). رفض آحاز ما هو إلّا دليل على الجهل البشري أمام النعمة الإلهيّة. في هذه اللحظة، يخرج أدوناي-السَّيِّد من ذاته ويفجر بصوته الإلهي أيقونة الآيات الكتابيّة قائلاً: «ها إِنَّ الصَّبِيَّةَ تَحمِلُ فتَلِدُ ابناً وتَدْعو اسمَه عِمَّانوئيل» (7: 14). هذا هو جوهر النبوءة الّتي يعلنها الرّبّ، الكشف عن بتول أيّ صّبيّة ستصير أمّ لإنسان يحمل إسمه عمّانوئيل أيّ "الله معنا نحن الشعب" والّتي تُترجم في الترجمات المختلفة بتعبير "الله معنا" لأننا نحن هو هذا الشعب. هذه الآية المجانيّة تدل على مبادرة الله المستقبلية باستمرارية حضوره في ابنه بالرغم من عدم تجاوب الملك والشعب معًا.
Alma أيّ الصّبيّة أو الفتاة في التقليد اليهودي بحسب الترجمات الّتي بين أيدينا. طّبقّ التقليد المسيحي هذه النبوءة على مريم أمّ يسوع (راج مت 1: 13). إذ تتمتع هذه النبوءة بأفق عميق والّتي ستفتح هذا الجيل على كل الأجيال التالية، حتى جلينا هذا وفيما بعدنا أيضًا.
وهناك بُعد آخر تضمنه هذه الآية وهو "ضمان الخلاص الإلهي" للملك وللشعب الّذي ينتمي لله حتى وإنّ كان يجهله. هذا البُعد يتضح في الأفق النبوي العميق الّذي سينتقل إلى الأجيال اللاحقة. مما يضمن استمرارية الوعد الإلهي، لداود، وخلفائه من الملوك الّذي سيتجسد في الوريث المسياني. يستمر الخلاص، من هذه النبوءة في الانجذاب نحو "المخلص". وستستمر حضور إله العهد القديم في ابنه المتجسد في اسم ابنه "الله معنا" حقًا. قد اعتدنا على رؤية تاريخنا الإيماني الوضح في النبؤات بأنّه شيء حدث، أو سيتحقق لاحقًا في حياة الأحفاد المستقبليّة. وفقًا لهذا الرأي، كل شيء اعتمد على داود وتحقيقًا لوعد الله له يجب أن نتعلم أن نرى الأحداث من زاوية أخرى وبرؤية جديدة تتسم بالثبات والاستمرارية. ووفقًا لهذه الرؤية، نلاحظ أنّ كل شيء يعتمد على العمّانوئيل المستقبلي، والوعد الّذي منحه الله لداود ستتجسد في الحضور الكامل للرّب في العمّانوئيل، تضفي هذه النبوءة قراءتين مريميّة ومسيّانيّة معًا.
3. العمانوئيل بالعهد الثاني (مت 1: 18- 24)
بعد أن استهل كاتب الإنجيل الأوّل عمله بـ "سلسلة نسبّ يسوع المسيح" (راج مت 1: 1-17)، مبتدأً من إبراهيم، مما يؤكد الإنجيلي بأنّ العلاقة الّتي بدأها الله مع إبراهيم قد وصلت الآن إلى ذروتها في ابنه "يسوع المسيح". العلاقة لم تنتهي بعد بين الله وإبراهيم، ولكن ستسمر بطريقة جديدة. هذا ما يرغب الإنجيلي توضيحه مستخدمًا صور وكلمات لّاهوتيّة لها قيمتها، والتي يمكن أن تعني كل شيء كسفر التكوين، أيّ يعود بنا إلى جذورنا وأصل وجودنا البشري. يهيئنا الإنجيلي بتحضير بدأه الله بالماضي ساعيًا نحو تجديد كامل من خلال قول الإنجيلي: «ويَعْقوب ولَدَ يوسُف زَوجَ مَريمَ الَّتي وُلِدَ مِنها يسوع» (1: 16). من الواضح أن متّى يخاطب جماعة من أصل يهوديّ مرتكزاً على الصورة الرجوليّة وهو يوسف كأب بشري ليسوع. نعم، يوسف هو الأب الّذي سيعطي يسوع اسمًا بشريًا أيّ يعترف أمام الشريعة والمجتمع بأنّه ابنه، حتى وأننا نعلم بأنّ هويّة يسوع الأصليّة إلهيّة قبل أن تكون بشريّة. وكل هذا يتمّ في حراسة يوسف الرجل بحسب الشريعة والمجتمع وبذات الوقت سيتم خروج مريم وقبولها في بيته حتى يخرج العمّانوئيل منها إتمامًا لمخطط الله.
4. خروج الصّبيّة (مت 1: 20- 22أ)
تخرج مريم بحسب الإنجيل اللوقاوي من مشروعها بقبولها خطة الله (راج 1: 26- 38). ويعطينا متّى نص حلم يوسف الأوّل الّذي يكشف عن حلم الله ليس فقط من خلال مريم بل من كليهما مريم ويوسف معًا. حتى ينمو يسوع على المستوى البشري تحت رعايتهما. وهنا يأتي دور الرّوح القدس، الّذي بحسب كلام ملاك الرّب ليوسف في الحلم: «يا يُوسُفَ ابنَ داود، لا تَخَفْ أَن تَأتِيَ بِامرَأَتِكَ مَريمَ إِلى بَيتِكَ. فإِنَّ الَّذي كُوِّنَ فيها هو مِنَ الرُّوحِ القُدُس» (مت 1: 20). إذن وجد يوسف مريم "الصّبيّة" خطيبته، في حالة إنتظار "تنتظر طفلًا". لذا مريم خرجت أولاً عن مشروعها والآن تخرج من بيتها ولازالت مسيرة خروجها مستمرة لتتحقق كلمات أشعيا النبوية فيها. صمت كاتب الإنجيل الأوّل عن دور الصّبيّة مريم، بديهي لأنه يكتب لجماعة من أصل يهودي يهمش المرأة لذا أعطى المجال لحلم يوسف كصورة الرجل الّذي سيقبل الصّبيّة وابنها في بيته لتكتمل خطة الله. وهنا دور مريم ليس كمفعول به، بل ندرك أن عقليّة المجتمع في هذا الوقت، لن تتقبل ولادة ابن دون رجل. وصعوبة فهم الرّوح القدس يعقد الأمور أمام رسالة العمانوئيل.
يُعبر النص بلا شك عن الكثير، ليس لأن يسوع وُلِد بهذه الطريقة غير العادية بل ليؤكد أنّ يسوع هو "محور" تاريخ إسرائيل وسيصير "أساس" مجتمع جديد. بالأحرى، إنها مسألة إدراك جديد من طرفنا لسرّ الله الّذي من خلال يسوع يوّد أنّ يتحد بنا نحن البشر وإلى الأبد. وهذا ليُحررنا من الخطيئة. لهذا السبب يجب أن يحمل الابن الّذي سيخرج من مريم اسم "يسوع" أيّ "الرب يخلص"، ولهذا يمكننا أيضًا تسمية يسوع العمانوئيل، والذي يترجم "الله معنا" والّذي يكشف عن سر حضور الله.
5. "الصّبيّة-العذراء" بين الكاتبين (مت 1: 23- 24)
يضع أمامنا متّى قراءته اللّاهوتيّة الجوهرية لنبوءة أشعيا بهذه الكلمات المباشرة والتّي يستشهد فيها بالنص الإشعيائي: «كانَ هذا كُلُّه لِيَتِمَّ ما قالَ الرَّبُّ على لِسانِ النَّبِيّ: "ها إِنَّ العَذراءَ تَحْمِلُ فتَلِدُ ابناً يُسمُّونَه عِمَّانوئيل أَيِ اللهُ معَنا» (مت 1: 24). أمانة الرّبّ لا شك فيها، بحسب ما تكلم به، بالرغم من المسافة الزمنيّة إلا إنّه تممّ ما وعدّ به. في استشهاد متّى بكلمات اشعيا ذاتها يرغب في أن يقدم لنا قراءة متكاملة عن إتمّام الكلمة الإلهية. ففي زمن اشعيا كانت غامضة هذه النبوءة إلا إنها بفارق تسعة قرون تم تحقيقها وأكدها متّى في أوّل كلماته دون أن يشير بكلمة عن مريم الّتي أتمّت مسيرة خروجها بحسب الإنجيل الأوّل لإتمام المخطط الإلهي بصمت فأعطتنا صورة خطواتها وخروجها من بيتها لبيت يوسف مسيرة العبور الّتي تكلم عنها لوقا الإنجيلي جون أيّ ودود أيّ شاهد وقت البشارة. لذا يختتم متّى هذا المقطع بأنّ يوسف أطاع ومسيرة الخروج الخارجي لمريم تـمّت، فهي الآن في حراسة يوسف، ينتظرا معًا "خروج الابن الإلهي" الّذي يكشف وجه الآب بين البشر، وهو موضوع مقالنا القادم.
الخلّاصة
في مسيرة الخروج "الصّبيّة"، تعمقنا في مقطع أشعيا (7: 10- 17) رياء الملك من خلال شخصية أحاز الملك الّذي رفض بجهله أن يطلب آية من الرّبّ، بحسب الأمر الإلهي. إلا أنّ أمانة الرّبّ لعهده مع داود كشفت عن أيقونة الآية المجانيّة الّتي وعد بها إله العهد الأوّل مُتممًا وعده لأجيال لاحقة من خلال الصّبيّة- البتول الّتي ستصير أمّا لابنه مستقبلاً. وعلى هذا الضوء أعطانا المقطع المتّاوي الجزء المُفسر أيّ اكتمال هذه النبوءة الّتي أكد فيها مسيرة الخروج الصامتة بحسب فكر متّى الإنجيلي للصّبيّة الّتي خرجت مع رجلها بحسب الشريعة ليُتمما ما أمر به الرّبّ معلنًا الإنجيلي في سرده بأنّه: «لـمَّا قامَ يُوسُفُ مِنَ النَّوم، فَعلَ كَما أَمرَه مَلاكُ الرَّبِّ فأَتى بِامرَأَتِه إِلى بَيتِه» (مت 1: 24). الخروج الصامت المريمي بحسب كاتب الإنجيل الأوّل هو العنصر الجوهري التمهيدي لخروج ابن الله مِن رحمّين! دُمتم في مسيرة خروج صامتة مع مريم الصّبيّة الّتي خرجت بإرادتها عن مشروعها الشخصي لتدخل في مشروع الرّبّ.