موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
النص الانجيلي: (متى 3: 13-17)
13 في ذلِكَ الوَقْت ظَهَرَ يسوع وقَد أَتى مِنَ الجَليلِ إِلى الأُردُنّ، قاصِداً يُوحنَّا لِيَعتَمِدَ عن يَدِه. 14 فجَعلَ يُوحنَّا يُمانِعُه فيَقول: ((أَنا أَحتاجُ إِلى الاِعتِمَادِ عن يَدِكَ، أَوَ أَنتَ تَأتي إِليَّ؟)) 15 فأَجابَه يسوع: ((دَعْني الآنَ وما أُريد، فهكذا يَحسُنُ بِنا أَن نُتِمَّ كُلَّ بِرّ)). فَتَركَه وما أَراد. 16 واعتَمَدَ يسوع وخَرجَ لِوَقتِه مِنَ الماء، فإِذا السَّمَواتُ قدِ انفتَحَت فرأَى رُوحَ اللهِ يَهبِطُ كأَنَّه حَمامةٌ ويَنزِلُ علَيه. 17 وإِذا صَوتٌ مِنَ السَّمَواتِ يقول: ((هذا هُوَ ابنِيَ الحَبيبُ الَّذي عَنه رَضِيت)).
مُقَدِّمَة
تَحْتَفِلُ الْكَنِيسَةُ الْيَوْمَ بِعِيدِ عِمَادِ الرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ، الَّذِي يُعْرَفُ أَيْضًا فِي الطَّقْسِ اللَّاتِينِيِّ بِـ"الإِبِيفَانِيَا"، بِالْيُونَانِيَّةِ Ἐπιφάνεια – Epiphany وتَعْنِي حَرْفِيًّا "الظُّهُورَ أَوِ الإِعْلَانَ الْعَلَنِيَّ"، أَيْ عِيدَ الظُّهُورِ الإِلَهِيِّ. وَيُدْعَى هَذَا الْعِيدُ فِي التَّقْلِيدِ السُّرْيَانِيِّ وَالشَّرْقِيِّ بِاسْمِ "الدَّنْح"، وَهُوَ لَفْظٌ يَدُلُّ عَلَى الظُّهُورِ وَالإِشْرَاقِ، أَيْ ظُهُورِ اللهِ فِي التَّارِيخِ وَانْكَشَافِ نُورِهِ فِي زَمَنِ الْبَشَرِ. وَلِذَلِكَ تُسَمِّيهِ الْكَنَائِسُ الشَّرْقِيَّةُ أَيْضًا عِيدَ الثِّيوفَانِيَا (بِالْيُونَانِيَّةِ Θεοφάνεια) أَيْ الظُّهُورَ الإِلَهِيَّ، لِأَنَّهُ فِي هَذَا الْحَدَثِ يَتَجَلَّى اللهُ ذَاتُهُ فِي سِرِّ الثَّالُوثِ الأَقْدَسِ.
فِي هَذَا الْعِيدِ، يَتَجَلَّى سِرُّ اللهِ فِي التَّارِيخِ، لَا كَفِكْرَةٍ مُجَرَّدَةٍ أَوْ تَصَوُّرٍ فِلْسَفِيٍّ، بَلْ كَحُضُورٍ خَلَاصِيٍّ فَاعِلٍ، حَيْثُ يُعْلَنُ يَسُوعُ عَلَنًا ابْنًا حَبِيبًا، وَيَبْدَأُ زَمَنُ الرِّسَالَةِ وَالْخَلَاصِ، وَتُقَدَّسُ الْمِيَاهُ، وَيُدْعَى الإِنْسَانُ إِلَى حَيَاةٍ جَدِيدَةٍ فِي الرُّوحِ. وَقَدْ دُعِيَ هَذَا الْعِيدُ أَيْضًا بِاسْمِ "الْغِطَاس" عِنْدَ الشَّرْقِيِّينَ، إِشَارَةً إِلَى عِمَادِ الْمَسِيحِ فِي نَهْرِ الأُرْدُنِّ بِالتَّغْطِيسِ، حَيْثُ دَخَلَ رَبُّ الْمَجْدِ إِلَى مِيَاهِ بَشَرِيَّتِنَا، لَا لِيَتَقَدَّسَ هُوَ، بَلْ لِيُقَدِّسَ الْمِيَاهَ وَيَجْعَلَهَا أَدَاةَ خَلَاصٍ وَوِلَادَةٍ جَدِيدَةٍ. وَيُعَلِّقُ غريغوريوس النزينزي قَائِلًا: "يَنْزِلُ الْمَسِيحُ إِلَى الْمِيَاهِ لِيَرْفَعَ مَعَهُ الْعَالَمَ السَّاقِطَ، وَيُقَدِّسَ الأُرْدُنَّ، فَيَصِيرَ بَدَايَةَ خَلْقٍ جَدِيدٍ" (خِطَابٌ فِي الظُّهُورِ الإِلَهِيِّ).
وَيُقَدِّمُ إِنْجِيلُ مَتَّى حَدَثَ عِمَادِ يَسُوعَ فِي مُسْتَهَلِّ رِسَالَتِهِ العَلَنِيَّةِ، لَا كَحَادِثَةٍ تَارِيخِيَّةٍ مَعْزُولَةٍ، بَلْ كَلَحْظَةٍ فَاصِلَةٍ فِي تَارِيخِ الخَلَاصِ، يَتِمُّ فِيهَا الكَشْفُ عَنْ هُوِيَّةِ يَسُوعَ الحَقِيقِيَّةِ: هُوَ المَسِيحُ، ابْنُ اللهِ الحَيُّ، الَّذِي أَتَى لِيَحْمِلَ خَطِيئَةَ العَالَمِ وَيُطِيعَ الآبَ طَاعَةً كَامِلَةً عَنْ البَشَرِيَّةِ كُلِّهَا. وَيَقُولُ القِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الفَمِ فِي تَفْسِيرِهِ لِهَذَا الحَدَثِ: "تَقَدَّمَ يَسُوعُ إِلَى المَعْمُودِيَّةِ، لَا لِأَنَّهُ كَانَ مُحْتَاجًا إِلَيْهَا، بَلْ لِيُعَلِّمَنَا الطَّاعَةَ، وَلِيُتِمَّ كُلَّ بِرٍّ، فَيَكُونَ هُوَ الأَوَّلَ فِي الطَّرِيقِ الَّذِي نَسْلُكُهُ نَحْنُ بَعْدَهُ" (عِظَةٌ عَلَى إِنْجِيلِ مَتَّى).
فَفِي مِيَاهِ الأُرْدُنِّ، يَظْهَرُ الاِبْنُ مُتَّضِعًا، وَيُسْمَعُ صَوْتُ الآبِ مُعْلِنًا: "هَذَا هُوَ ابْنِي الحَبِيبُ الَّذِي بِهِ سُرِرْتُ" (مَتَّى 3: 17)، وَيَحِلُّ الرُّوحُ القُدُسُ عَلَيْهِ فِي صُورَةِ حَمَامَةٍ. وَهَكَذَا يُعْلَنُ سِرُّ الثَّالُوثِ الأَقْدَسِ، لَا فِي تَجَلٍّ مَجْرَدٍ، بَلْ فِي حَدَثٍ خَلَاصِيٍّ مَلْمُوسٍ يَمَسُّ التَّارِيخَ وَحَيَاةَ الإِنْسَانِ. وَيُضِيفُ القِدِّيسُ أُوغُسْطِينُوسُ قَائِلًا: "اِعْتَمَدَ الرَّبُّ، لَا لِيَغْتَسِلَ مِنْ خَطِيئَةٍ، بَلْ لِيُقَدِّسَ مِيَاهَ المَعْمُودِيَّةِ، وَيَفْتَحَ لِلإِنْسَانِ بَابَ التَّبَنِّي وَالحَيَاةِ الجَدِيدَةِ" (عِظَاتٌ عَلَى إِنْجِيلِ يُوحَنَّا).
وَمِنْ هُنَا، تَكْمُنُ أَهَمِّيَّةُ التَّوَقُّفِ عِنْدَ وَقَائِعِ هَذَا النَّصِّ الإِنْجِيلِيِّ (متى 3: 13-17)، لَا لِفَهْمِ أَبْعَادِهِ التَّارِيخِيَّةِ فَقَطْ، بَلْ لِاسْتِكْشَافِ مَعَانِيهِ اللَّاهُوتِيَّةِ وَالرُّوحِيَّةِ، وَالاِنْتِقَالِ مِنْهَا إِلَى تَطْبِيقَاتٍ عَمَلِيَّةٍ تُنِيرُ مَسِيرَتَنَا الإِيمَانِيَّةَ، وَتَدْعُونَا إِلَى أَنْ نَعِيشَ عِمَادَنَا كَدَعْوَةٍ دَائِمَةٍ إِلَى التَّجَدُّدِ، وَالطَّاعَةِ، وَالشَّهَادَةِ فِي العَالَمِ.
أولا وقائع النص الانجيلي (متى 3: 13-17)
13 في ذلِكَ الوَقْت ظَهَرَ يسوع وقَد أَتى مِنَ الجَليلِ إِلى الأُردُنّ، قاصِداً يُوحنَّا لِيَعتَمِدَ عن يَدِه"
تُشِيرُ عِبَارَةُ "فِي ذٰلِكَ الوَقْتِ" فِي الأَصْلِ اليُونَانِيِّΤότε (ومَعْنَاهَا: حِينَئِذٍ) إِلَى الزَّمَنِ الَّذِي كَانَ فِيهِ يُوحَنَّا المَعْمَدَانُ يَكْرِزُ وَيُعَمِّدُ. وَيُرَجَّحُ أَنَّهَا تُشِيرُ إِلَى الفَتْرَةِ الَّتِي امْتَدَّتْ بَيْنَ ظُهُورِ يُوحَنَّا وَمَوْتِهِ، وَهِيَ نَحْوُ ثَلَاثِ سَنَوَاتٍ، حَيْثُ بَدَأَتْ رِسَالَةُ يَسُوعَ العَلَنِيَّةُ حَوَالَي سَنَةِ 27 مِيلَادِيَّة، وَكَانَ عُمُرُهُ حِينَئِذٍ نَحْوَ ثَلَاثِينَ سَنَةً، كَمَا يَذْكُرُ الإِنْجِيلُ: "وَكَانَ يَسُوعُ عِنْدَ ابْتِدَاءِ خِدْمَتِهِ نَحْوَ ثَلَاثِينَ سَنَةً" (لُوقَا 3: 23). أَمَّا حَيَاتُهُ السَّابِقَةُ فَقَدْ قَضَاهَا فِي النَّاصِرَةِ، فَتَحَقَّقَ فِيهِ القَوْلُ: "فَيُدْعَى نَاصِرِيًّا" (مَتَّى 2: 23).
أَمَّا عِبَارَةُ "ظَهَرَ" فِي الأَصْلِ اليُونَانِيِّ παραγίνεται (ومَعْنَاهَا: جَاءَ أَوْ حَضَرَ)، فَتُشِيرُ إِلَى دُخُولِ يَسُوعَ إِلَى السَّاحَةِ العَلَنِيَّةِ، وَإِلَى تَحَقُّقِ الإِعْلَانِ الَّذِي بَشَّرَ بِهِ يُوحَنَّا المَعْمَدَانُ. وَيُرَجَّحُ أَنَّ المَسِيحَ كَانَ قَدْ بَلَغَ حِينَئِذٍ سِنَّ الثَّلَاثِينَ، وَهُوَ العُمُرُ الشَّرْعِيُّ لِبِدَايَةِ الخِدْمَةِ الكَهَنُوتِيَّةِ فِي العَهْدِ القَدِيمِ، كَمَا وَرَدَ فِي سِفْرِ العَدَدِ: "مِنِ ابْنِ ثَلَاثِينَ سَنَةً فَصَاعِدًا إِلَى ابْنِ خَمْسِينَ سَنَةً، كُلُّ الدَّاخِلِينَ لِيَقُومُوا بِالخِدْمَةِ أَوِ الحَمْلِ فِي خَيْمَةِ المَوْعِد" (عَدَد 4: 47). وَلَا يُرَكِّزُ إِنْجِيلُ مَتَّى عَلَى طَقْسِ مَعْمُودِيَّةِ يَسُوعَ بِحَدِّ ذَاتِهِ بِقَدْرِ مَا يُرَكِّزُ عَلَى الوَحْيِ السَّمَاوِيِّ الَّذِي تَبِعَهَا، أَيْ عَلَى انْفِتَاحِ السَّمَاوَاتِ، وَحُلُولِ الرُّوحِ، وَصَوْتِ الآبِ (مَتَّى 3: 16–17).
أَمَّا عِبَارَةُ "الجَلِيلِ" فَتُشِيرُ إِلَى نَاصِرَةِ الجَلِيلِ، كَمَا يَرِدُ فِي إِنْجِيلِ مَرْقُس: "وَفِي تِلْكَ الأَيَّامِ جَاءَ يَسُوعُ مِنْ نَاصِرَةِ الجَلِيلِ، وَاعْتَمَدَ عَنْ يَدِ يُوحَنَّا فِي الأُرْدُنِّ" (مَرْقُس 1: 9). وَقَدْ أَقَامَ يَسُوعُ فِي النَّاصِرَةِ مُنْذُ طُفُولَتِهِ، فَعَاشَ حَيَاةً خَفِيَّةً فِي الطَّاعَةِ وَالنُّمُوِّ أَمَامَ اللهِ وَالنَّاسِ. وعليه فأن يسوع يذهب من الناصرة الى مكان على ضفاف نهر الأردن ليعتمد على يد يوحنا المعمدان.
أَمَّا "الأُرْدُنُّ" فهُوَ اسْمٌ عِبْرِيٌّ הַיַּרְדֵּן، وَمَعْنَاهُ "المُنْحَدِر"، لأَنَّ مَجْرَاهُ يَسِيرُ فِي انْخِفَاضٍ شَدِيدٍ حَتَّى يَصُبَّ فِي البَحْرِ المَيِّتِ، أَخْفَضِ نُقْطَةٍ عَلَى سَطْحِ الأَرْضِ (نَحْوَ 400 م تَحْتَ مُسْتَوَى سَطْحِ البَحْر). وَيَبْلُغُ طُولُ نَهْرِ الأُرْدُنِّ نَحْوَ 251 كِيلُومِتْرًا، وَطُولُ سَهْلِهِ نَحْوَ 360 كِيلُومِتْرًا. وَكَانَ مَوْضِعُ التَّعْمِيدِ فِي وَادِي خَرَّار فِي عَبْرِ الأُرْدُنِّ، حَيْثُ كَانَتِ المِيَاهُ غَزِيرَةً تَكْفِي النَّاسَ وَمَوَاشِيَهُمْ، كَمَا يَشْهَدُ الإِنْجِيلُ: "جَرَى ذٰلِكَ فِي بَيْتِ عَنْيَا عِبْرَ الأُرْدُنِّ، حَيْثُ كَانَ يُوحَنَّا يُعَمِّدُ" (يُوحَنَّا 1: 28).
أَمَّا "يُوحَنَّا" فَفِي الأَصْلِ اليُونَانِيِّ Ἰωάννης، وَهُوَ مُشْتَقٌّ مِنَ العِبْرِيَّةِ יוֹחָנָן، وَمَعْنَاهُ "عَطِيَّةُ اللهِ". وَهُوَ يُوحَنَّا ابْنُ زَكَرِيَّا وَأَلِيصَابَات، الأَكْبَرُ مِنَ المَسِيحِ بِسِتَّةِ أَشْهُرٍ. وَقَدْ قَضَى حَدَاثَتَهُ فِي البَرِّيَّةِ، كَمَا يَرِدُ فِي إِنْجِيلِ لُوقَا:
"وَكَانَ الطِّفْلُ يَتَرَعْرَعُ وَتَشْتَدُّ رُوحُهُ، وَأَقَامَ فِي البَرَارِي إِلَى يَوْمِ ظُهُورِ أَمْرِهِ لإِسْرَائِيلَ" (لُوقَا 1: 80). وَشَهِدَ يُوحَنَّا لِيَسُوعَ شَهَادَةً نَبَوِيَّةً حَاسِمَةً: "هُوَذَا حَمَلُ اللهِ الَّذِي يَرْفَعُ خَطِيئَةَ العَالَم… إِنَّمَا جِئْتُ أُعَمِّدُ فِي المَاءِ لِكَيْ يَظْهَرَ أَمْرُهُ لإِسْرَائِيلَ" (يُوحَنَّا 1: 29–31).
أَمَّا عِبَارَةُ "لِيَعْتَمِدَ" فَفِي الأَصْلِ اليُونَانِيِّ βαπτίζω، وَمَعْنَاهَا "غَطَّسَ وَغَسَلَ". وَيَدُلُّ ذٰلِكَ عَلَى أَنَّ غَايَةَ مَجِيءِ يَسُوعَ إِلَى يُوحَنَّا هِيَ العِمَادُ. وَكَانَ العِمَادُ بِالتَّغْطِيسِ، وَيُرْمِزُ إِلَى مَوْتِ المَسِيحِ وَدَفْنِهِ، أَمَّا الخُرُوجُ مِنَ المَاءِ فَيُشِيرُ إِلَى القِيَامَةِ، فِيمَا يَبْقَى المَاءُ عَلاَمَةَ تَطْهِيرٍ وَحَيَاةٍ. وَمَعْمُودِيَّةُ يُوحَنَّا تَخْتَلِفُ عَنِ الحِمَامِ الطَّقْسِيِّ اليَهُودِيِّ اليَوْمِيِّ، وَعَنِ مُمَارَسَاتِ جَمَاعَةِ الأَسِّينيِّينَ فِي قُمْرَان، لأَنَّهَا كَانَتْ مَعْرُوضَةً عَلَى الشَّعْبِ كُلِّهِ، وَهِيَ "مَعْمُودِيَّةُ تَوْبَةٍ لِغُفْرَانِ الخَطَايَا" (مَرْقُس 1: 4)، وَتُعِدُّ لِمَعْمُودِيَّةِ الرُّوحِ وَالنَّارِ الَّتِي سَيُقِيمُهَا المَسِيحُ (مَتَّى 3: 11). وَقَدِ اعْتَمَدَ يَسُوعُ وَهُوَ وَاقِفٌ مَعَ الخُطَأَءِ تَضَامُنًا مَعَهُمْ، فَصَارَ "خَطِيئَةً" أَيْ ذَبِيحَةً عَنِ الخَطِيئَةِ، كَمَا يُعَلِّمُ الرَّسُولُ بُولُسُ: "ذٰلِكَ الَّذِي لَمْ يَعْرِفِ الخَطِيئَةَ، جَعَلَهُ اللهُ خَطِيئَةً مِنْ أَجْلِنَا، لِكَيْ نَصِيرَ فِيهِ بِرَّ اللهِ" (2 قُورِنْتُس 5: 21). وَمَعَ أَنَّهُ دَخَلَ مَسِيرَةَ التَّوْبَةِ مَعَ شَعْبِهِ، إِلَّا أَنَّهُ بَقِيَ البَارَّ الَّذِي لَا خَطِيئَةَ فِيهِ (يُوحَنَّا 8: 46)، وَلِذٰلِكَ جَاءَ الصَّوْتُ الإِلَهِيُّ يُعْلِنُ: "هٰذَا هُوَ ابْنِي الحَبِيبُ الَّذِي بِهِ سُرِرْتُ" (مَتَّى 3: 17). وَيُعَلِّقُ القديس إيرونيموس قَائِلًا: "تَلَقَّى يَسُوعُ المُخَلِّصُ مَعْمُودِيَّةَ يُوحَنَّا لِثَلَاثَةِ أَسْبَابٍ: الأَوَّل، لأَنَّهُ وُلِدَ إِنْسَانًا فَأَرَادَ إِتْمَامَ فَرَائِضِ الشَّرِيعَةِ؛ وَالثَّانِي، لِيُشَرِّعَ مَعْمُودِيَّةَ يُوحَنَّا بِمَعْمُودِيَّتِهِ؛ وَالثَّالِثُ، لِيُظْهِرَ أَنَّهُ، إِذْ قَدَّسَ مِيَاهَ الأُرْدُنِّ، جَعَلَهَا أَدَاةً لِحُلُولِ الرُّوحِ القُدُسِ فِي مَعْمُودِيَّةِ المُؤْمِنِينَ" (شَرْحُ إِنْجِيلِ القِدِّيسِ مَتَّى، 3). تُبيَّن هذه الآية تَضَامُنَ يَسُوعَ مَعَنَا فِي المَعْمُودِيَّةِ، مِنْ خِلَالِ وُقُوفِهِ فِي صَفِّ الخُطَاةِ الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِصَوْتِ المُعَمِّدَانِ، يَكْشِفُ عَنْ عُمْقِ مَحَبَّتِهِ لِبَشَرِيَّتِنَا الهَشَّةِ وَالضَّعِيفَةِ. وَهٰكَذَا يَتَقَدَّمُ إِلَيْنَا مِثَالًا كَالأَخِ البِكْرِ، الَّذِي يَسْلُكُ طَرِيقَ الطَّاعَةِ بِمِلْءِ حُرِّيَّتِهِ، حَامِلًا إِلَيْنَا رِسَالَتَهُ الخَلَاصِيَّةَ، وَمُدَشِّنًا مَسَارَ الفِدَاءِ بِالِاشْتِرَاكِ الكَامِلِ فِي وَاقِعِ الإِنْسَانِ.
14 فجَعلَ يُوحنَّا يُمانِعُه فيَقول: أَنا أَحتاجُ إِلى الاِعتِمَادِ عن يَدِكَ، أَوَ أَنتَ تَأتي إِليَّ؟"
تُشِيرُ عِبَارَةُ "يُمَانِعُهُ" إِلَى رَفْضِ يُوحَنَّا المَعْمَدَانِ الأَوَّلِيِّ، وَإِلَى دَهْشَتِهِ وَتَرَدُّدِهِ، بَلْ إِلَى تَفَاجُئِهِ أَمَامَ يَسُوعَ الَّذِي يَقِفُ أَمَامَهُ طَالِبًا أَنْ يَعْتَمِدَ عَلَى يَدَيْهِ. فَهٰذِهِ المُمَانَعَةُ لَيْسَتْ عِصْيَانًا، بَلْ اِعْتِرَافًا ضِمْنِيًّا بِقَدَاسَةِ الشَّخْصِ الَّذِي أَمَامَهُ. وَيَزْدَادُ هٰذَا المَعْنَى وُضُوحًا إِذْ نَتَذَكَّرُ أَنَّ يُوحَنَّا كَانَ قَدْ أَعْلَنَ سَابِقًا سُمُوَّ مَعْمُودِيَّةِ الآتِي بَعْدَهُ وَتَفَوُّقَهَا عَلَى مَعْمُودِيَّتِهِ قَائِلًا: "أَنَا أُعَمِّدُكُمْ فِي المَاءِ مِنْ أَجْلِ التَّوْبَةِ، وَأَمَّا الآتِي بَعْدِي فَهُوَ أَقْوَى مِنِّي، مَنْ لَسْتُ أَهْلًا أَنْ أَخْلَعَ نَعْلَيْهِ. إِنَّهُ سَيُعَمِّدُكُمْ فِي الرُّوحِ القُدُسِ وَالنَّارِ" (مَتَّى 3: 11). وَمِنْ هُنَا، فَإِنَّ هٰذِهِ المُمَانَعَةَ تُشَكِّلُ شَهَادَةً لَاهُوتِيَّةً عَمِيقَةً: فَهِيَ لَا تَدُلُّ عَلَى رَفْضِ يُوحَنَّا لِتَأْدِيَةِ رِسَالَتِهِ، بَلْ عَلَى إِقْرَارِهِ بِأَنَّ يَسُوعَ هُوَ البَارُّ الَّذِي لَا خَطِيئَةَ فِيهِ، وَأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ لِيَعْتَمِدَ مِنْ أَجْلِ نَفْسِهِ، بَلْ مِنْ أَجْلِ البَشَرِيَّةِ كُلِّهَا. وَهٰذَا مَا أَكَّدَهُ يُوحَنَّا نَفْسُهُ فِي شَهَادَتِهِ القَاطِعَةِ: "هُوَذَا حَمَلُ اللهِ الَّذِي يَرْفَعُ خَطِيئَةَ العَالَمِ" (يُوحَنَّا 1: 29). وَيَلْفِتُ إِنْجِيلُ مَتَّى وَحْدَهُ إِلَى ذِكْرِ هٰذِهِ المُمَانَعَةِ، مِمَّا يُشِيرُ إِلَى أَهَمِّيَّتِهَا اللَّاهُوتِيَّةِ فِي بِنْيَةِ الإِنْجِيلِ، إِذْ يُرِيدُ مَتَّى أَنْ يُظْهِرَ فَارِقَ المَقَامِ بَيْنَ السَّابِقِ وَاللَّاحِقِ، بَيْنَ الخَادِمِ وَالسَّيِّدِ، وَبَيْنَ مَنْ يُعِدُّ الطَّرِيقَ وَمَنْ هُوَ الطَّرِيقُ نَفْسُهُ. وَتُذَكِّرُنَا هٰذِهِ المُمَانَعَةُ بِمَوْقِفٍ مُشَابِهٍ حَدَثَ فِي عَلِّيَّةِ صِهْيَوْن، حِينَ رَفَضَ بُطْرُسُ أَنْ يَغْسِلَ يَسُوعُ قَدَمَيْهِ قَائِلًا: "أَأَنْتَ يَا رَبُّ تَغْسِلُ قَدَمَيَّ؟ … لَنْ تَغْسِلَ قَدَمَيَّ أَبَدًا" (يُوحَنَّا 13: 6، 8). فَفِي الحَالَتَيْنِ، نَجِدُ أَنَّ رَفْضَ التِّلْمِيذِ أَوِ النَّبِيِّ لَيْسَ نَابِعًا مِنْ كِبْرِيَاءٍ أَوْ تَعَالٍ، بَلْ مِنْ شُعُورٍ عَمِيقٍ بِعَدَمِ الاِسْتِحْقَاقِ أَمَامَ تَوَاضُعِ الْمَسِيحِ الَّذِي يَنْحَنِي لِيَخْدِمَ. فَهُوَ رَفْضٌ يَنْبُعُ مِنْ وَعْيٍ رُوحِيٍّ أَنَّ مَنْ يَحْمِلُ سُلْطَانًا أَعْظَمَ، يَخْتَارُ أَنْ يَتَّخِذَ مَوْقِعَ الْخَادِمِ، مُقَلِبًا مَنْطِقَ الْعَالَمِ الَّذِي يَرَى أَنَّ الأَكْثَرَ أَهَمِّيَّةً هُوَ الأَكْثَرُ اسْتِحْقَاقًا لِلْكَرَامَةِ. أَمَّا فِي مَنْطِقِ الْمَلَكُوتِ، فَإِنَّ الأَعْظَمَ هُوَ الَّذِي يَجْعَلُ نَفْسَهُ أَصْغَرَ الْجَمِيعِ، وَالأَكْرَمَ هُوَ الَّذِي يَنْحَنِي مَحَبَّةً، لِأَنَّ مَجْدَ اللهِ لا يُقَاسُ بِالْمَنْصِبِ، بَلْ بِمِقْدَارِ الْبَذْلِ وَالْخِدْمَةِ. يعلق القدّيس يوحنا الذهبيّ الفم، منسجم تمامًا مع فكرة تواضع المسيح ورفض التلميذ بدافع عدم الاستحقاق: "إِنَّ الْمَسِيحَ لَمْ يَتَوَاضَعْ لِأَنَّهُ أَقَلُّ شَأْنًا، بَلْ لِأَنَّهُ أَعْظَمُ فِي الْمَحَبَّةِ. فَحَيْثُ تَكُونُ الْمَحَبَّةُ عَظِيمَةً، يَكُونُ الاِنْحِنَاءُ أَسْمَى أَشْكَالِ الْمَجْدِ" (عِظَاتٌ عَلَى إِنْجِيلِ مَتَّى، في سياق عماد الرب).
أَمَّا عِبَارَةُ يُوحَنَّا "أَنَا أَحْتَاجُ إِلَى الاِعْتِمَادِ عَنْ يَدِكَ، أَوَأَنْتَ تَأْتِي إِلَيَّ؟" فَتُظْهِرُ بِجَلَاءٍ تَفَوُّقَ يَسُوعَ وَتَوَاضُعَ يُوحَنَّا. فَهِيَ صَدَى لِكِرَازَتِهِ السَّابِقَةِ: "إِنِّي لَسْتُ المَسِيحَ، بَلْ مُرْسَلٌ قُدَّامَهُ" (يُوحَنَّا 3: 28).
وَتَدُلُّ عِبَارَةُ "أَنَا أَحْتَاجُ" عَلَى مَعْرِفَةِ يُوحَنَّا الذَّاتِيَّةِ بِأَنَّهُ دُونَ المَسِيحِ مَقَامًا، وَبِأَنَّهُ هُوَ نَفْسُهُ خَاطِئٌ يَحْتَاجُ إِلَى غُفْرَانِ حَمَلِ اللهِ الَّذِي يَرْفَعُ خَطِيئَةَ العَالَمِ، وَالَّذِي "يُعَمِّدُ بِالرُّوحِ القُدُسِ وَالنَّارِ" (مَتَّى 3: 11).
أَمَّا عِبَارَةُ "أَنْتَ تَأْتِي إِلَيَّ؟" فَتَحْمِلُ تَسَاؤُلًا يَمْزُجُ بَيْنَ التَّعَجُّبِ وَالاِنْدِهَاشِ مِنْ أَنَّ مَنْ هُوَ أَعْظَمُ يَنْحَنِي لِمَنْ هُوَ أَصْغَرُ. وَيُعَلِّقُ القديس يوحنا الذهبي الفم عَلَى هٰذَا المَشْهَدِ قَائِلًا: "تَرَدُّدُ يُوحَنَّا لَمْ يَكُنْ عِصْيَانًا، بَلْ اِعْتِرَافًا؛ فَهُوَ يُقِرُّ بِقَدَاسَةِ ذَاكَ الَّذِي يَطْلُبُ المَعْمُودِيَّةَ، وَيُعْلِنُ أَنَّهُ هُوَ البَارُّ الَّذِي يَحْمِلُ خَطَايَا الآخَرِينَ" (عِظَاتٌ عَلَى إِنْجِيلِ مَتَّى). وَيُضِيفُ القديس أوغسطينوس: "اِعْتَمَدَ المَسِيحُ لَا لِأَنَّهُ كَانَ بِحَاجَةٍ إِلَى تَطْهِيرٍ، بَلْ لِيَجْعَلَ مِنْ تَوَاضُعِهِ دَرْسًا، وَلِيَحْمِلَ فِي جَسَدِهِ خَطَايَا الَّذِينَ جَاءَ لِيُخَلِّصَهُمْ". وَهٰكَذَا، تَتَحَوَّلُ مُمانَعَةُ يُوحَنَّا إِلَى إِعْلَانٍ إِيمَانِيٍّ صَامِتٍ: إِعْلَانٍ بِبَرَاءَةِ المَسِيحِ، وَبِتَوَاضُعِهِ الخَلَاصِيِّ، وَبِأَنَّ عِمَادَهُ لَيْسَ عِمَادَ تَوْبَةٍ عَنْ خَطِيئَةٍ شَخْصِيَّةٍ، بَلْ دُخُولٌ طَوْعِيٌّ فِي مَسِيرَةِ الإِنْسَانِ السَّاقِطِ لِيَرْفَعَهُ مَعَهُ إِلَى حَيَاةٍ جَدِيدَةٍ.
15 فأَجابَه يسوع: دَعْني الآنَ وما أُريد، فهكذا يَحسُنُ بِنا أَن نُتِمَّ كُلَّ بِرّ. فَتَركَه وما أَراد
تُشِيرُ عِبَارَةُ "دَعْنِي الآنَ" إِلَى طَلَبِ يَسُوعَ مِنْ يُوحَنَّا أَنْ يَقْبَلَ مَا يَبْدُو غَرِيبًا وَفَوْقَ إِدْرَاكِهِ البَشَرِيِّ، لأَنَّهُ دُخُولٌ فِي سِرِّ مَشِيئَةِ اللهِ وَتَدْشِينٌ لِبِدَايَةِ خِدْمَتِهِ العَلَنِيَّةِ كَالْمَسِيحِ الآتِي. فَالمَسِيحُ يَطْلُبُ الطَّاعَةَ لَا بُحْسْبَانِ المَنْطِقِ البَشَرِيِّ، بَلْ وَفْقَ مَقَاصِدِ اللهِ الخَلَاصِيَّةِ.
أَمَّا عِبَارَةُ "الآنَ" فَتَحْمِلُ دَلَالَةً زَمَنِيَّةً وَلَاهُوتِيَّةً فِي آنٍ مَعًا، إِذْ تُشِيرُ إِلَى لَحْظَةٍ حَاسِمَةٍ فِي تَارِيخِ الخَلَاصِ، وَإِلَى مُقْتَضَى الحَالِ الَّذِي يَتَجَلَّى فِيهِ اِتِّضَاعُ المَسِيحِ بَدَلًا مِنَ البَشَرِ، بِاعْتِبَارِهِ الفَادِيَ الَّذِي يَحْمِلُ مَصِيرَهُمْ. فَهُوَ الَّذِي "كَانَ فِي هَيْئَةِ إِنْسَانٍ" وَأَخْلَى ذَاتَهُ (فِيلِبِّي 2: 7)، "وَأُحْصِيَ مَعَ العُصَاةِ، وَهُوَ حَمَلَ خَطَايَا الكَثِيرِينَ وَشَفَعَ فِي مَعَاصِيهِم" (إِشَعْيَا 53: 12). فَعِمَادُهُ لَيْسَ عَمَلًا شَخْصِيًّا، بَلْ حَمْلٌ تَمْثِيلِيٌّ لِخَطِيئَةِ العَالَمِ.
أَمَّا عِبَارَةُ "فَهٰكَذَا يَحْسُنُ بِنَا" فَتُشِيرُ إِلَى شَرَاكَةِ يَسُوعَ وَيُوحَنَّا فِي تَتْمِيمِ مَشِيئَةِ اللهِ: يَحْسُنُ بِيَسُوعَ أَنْ يَكُونَ نَائِبًا عَنِ الخُطَأَءِ، وَيَحْسُنُ بِيُوحَنَّا أَنْ يَكُونَ السَّابِقَ الأَمِينَ الَّذِي يُسَلِّمُ الرِّسَالَةَ لِمَنْ هُوَ أَعْظَمُ مِنْهُ. فَكِلَاهُمَا يَدْخُلُ طَوْعًا فِي تَدْبِيرِ اللهِ، لِيُعْلِنَا أَنَّ الخَلَاصَ يَبْدَأُ بِالطَّاعَةِ وَيَتَحَقَّقُ بِالتَّوَاضُعِ. وَيُلَخِّصُ القديس كيرلس الإسكندري هٰذَا المَعْنَى قَائِلًا: "نَزَلَ المَسِيحُ إِلَى المِيَاهِ، لَا لِيَتَطَهَّرَ، بَلْ لِيُقَدِّسَ طَرِيقَ الطَّاعَةِ، وَيَحْمِلَ عَنَّا مَا هُوَ لَنَا، لِنَصِيرَ نَحْنُ شُرَكَاءَ فِيمَا هُوَ لَهُ".
أَمَّا عِبَارَةُ "أن ِنُتِمَّ كُلَّ بِرٍّ"، فَتُشِيرُ فِي إِنْجِيلِ مَتَّى إِلَى الأَمَانَةِ الجَدِيدَةِ وَالجَذْرِيَّةِ فِي عَيْشِ مَشِيئَةِ اللهِ وَتَحْقِيقِ قَصْدِهِ، لَا بِحَرْفِيَّةِ الشَّرِيعَةِ فَقَطْ، بَلْ بِكَمَالِ الطَّاعَةِ وَمَحَبَّتِهَا. وَهُوَ البِرُّ الَّذِي يَدْعُو إِلَيْهِ يَسُوعُ فِي تَعْلِيمِهِ: "كُونُوا أَنْتُمْ كَامِلِينَ، كَمَا أَنَّ أَبَاكُمُ السَّمَاوِيَّ كَامِلٌ" (مَتَّى 5: 48). وَهٰذَا الكَمَالُ لَا يُنَالُ إِلَّا فِي الشَّرِكَةِ مَعَ المَسِيحِ، كَمَا يُعَلِّمُ الرَّسُولُ بُولُسُ: "بِهِ نُبَشِّرُ، فَنَعِظُ كُلَّ إِنْسَانٍ، وَنُعَلِّمُ كُلَّ إِنْسَانٍ بِكُلِّ حِكْمَةٍ، لِنَجْعَلَ كُلَّ إِنْسَانٍ كَامِلًا فِي المَسِيحِ" (قُولُسِّي 1: 28). وَلِذٰلِكَ، فَإِنَّ يَسُوعَ تَعَمَّدَ لِيُتِمَّ كُلَّ بِرٍّ، أَيْ لِيُحَقِّقَ مَشِيئَةَ الآبِ حَتَّى نِهَايَتِهَا، وَهُوَ البِرُّ الَّذِي يَشْبَعُ إِلَيْهِ الجِيَاعُ وَالعِطَاشُ: "طُوبَى لِلْجِيَاعِ وَالعِطَاشِ إِلَى البِرِّ، فَإِنَّهُمْ يُشْبَعُونَ" (مَتَّى 5: 6). وَبِنَاءً عَلَى ذٰلِكَ، خَضَعَ كُلٌّ مِنْ يُوحَنَّا المَعْمَدَانِ وَيَسُوعَ مَعًا لِمَخَطَّطِ اللهِ الخَلَاصِيِّ: يُوحَنَّا بِطَاعَةِ السَّابِقِ الَّذِي يُهَيِّئُ الطَّرِيقَ، وَيَسُوعُ بِطَاعَةِ الاِبْنِ الَّذِي يَسِيرُ فِي طَرِيقِ التَّضَامُنِ مَعَ الخَاطِئِينَ لِيُخَلِّصَهُمْ. وَفِي هٰذَا السِّيَاقِ، يَرْفُضُ يَسُوعُ عَلَنًا الحُلْمَ اليَهُودِيَّ بِمَسِيحٍ ظَافِرٍ سِيَاسِيٍّ، كَمَا يَتَّضِحُ فِي تَجَارِبِهِ فِي البَرِّيَّةِ وَقَهْرِهِ لِلشَّيْطَانِ (مَتَّى 4: 1–11)، وَفِي أَعْمَالِهِ الَّتِي حَقَّقَتْ نُبُوءَاتِ إِشَعْيَا: "العُمْيَانُ يُبْصِرُونَ، وَالعُرْجُ يَمْشُونَ، وَالبُرْصُ يُطَهَّرُونَ، وَالصُّمُّ يَسْمَعُونَ، وَالمَوْتَى يَقُومُونَ، وَالفُقَرَاءُ يُبَشَّرُونَ" (مَتَّى 11: 5). وَهٰكَذَا، أَكَّدَتِ المَعْمُودِيَّةُ بِشَكْلٍ عَلَنِيٍّ ظُهُورَ يَسُوعَ وَبِدَايَةَ رِسَالَتِهِ لِخَلَاصِ البَشَرِ، كَمَا شَهِدَ يُوحَنَّا المَعْمَدَانُ قَائِلًا: "أَنَا لَمْ أَكُنْ أَعْرِفُهُ، وَلٰكِنِّي جِئْتُ أُعَمِّدُ فِي المَاءِ لِكَيْ يَظْهَرَ أَمْرُهُ لإِسْرَائِيلَ" (يُوحَنَّا 1: 31).
أَمَّا عِبَارَةُ "فَتَرَكَهُ وَمَا أَرَاد" فَتُشِيرُ إِلَى خَاتِمَةٍ لَاهُوتِيَّةٍ حَاسِمَةٍ، إِذْ تُجَسِّدُ تَخَلِّيَ يُوحَنَّا الْمَعْمَدَانِ عَنْ إِرَادَتِهِ الصَّالِحَةِ أَمَامَ إِرَادَةِ اللهِ الأَسْمَى. فَرَفْضُهُ لِمَعْمُودِيَّةِ يَسُوعَ لَمْ يَنْبَعْ مِنْ عِنَادٍ، بَلْ مِنْ تَوَاضُعٍ صَادِقٍ، إِلَّا أَنَّ يَسُوعَ يَكْشِفُ لَهُ أَنَّ الْبِرَّ الْكَامِلَ لا يُقَاسُ بِحُسْنِ النِّيَّةِ، بَلْ بِالطَّاعَةِ لِتَدْبِيرِ اللهِ. فَأَحْيَانًا يَطْلُبُ اللهُ مِنَ الإِنْسَانِ أَنْ يَتْرُكَ، لَا الْخَطِيئَةَ فَحَسْبُ، بَلْ حَتَّى مَا يَرَاهُ خَيْرًا وَصَالِحًا، إِذَا لَمْ يَكُنْ هُوَ طَرِيقَ اللهِ فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ الْخَلَاصِيَّةِ. فَالتَّسْلِيمُ هُوَ أَعْلَى دَرَجَاتِ الطَّاعَةِ: لَيْسَ حِينَ أُجْبَرُ، بَلْ حِينَ أَفْهَمُ… ثُمَّ أُسَلِّمُ.
16 واعتَمَدَ يسوع وخَرجَ لِوَقتِه مِنَ الماء، فإِذا السَّمَواتُ قدِ انفتَحَت فرأَى رُوحَ اللهِ يَهبِطُ كأَنَّه حَمامةٌ ويَنزِلُ علَيه".
تُشِيرُ عِبَارَةُ "اعْتَمَدَ يَسُوعُ" إِلَى أَنَّ يَسُوعَ خَضَعَ لِمَعْمُودِيَّةِ يُوحَنَّا بِالتَّغْطِيسِ فِي المَاءِ. وَهٰذَا التَّغْطِيسُ يَحْمِلُ دَلَالَةً خَلَاصِيَّةً عَمِيقَةً، إِذْ يُشِيرُ إِلَى مَوْتِ المَسِيحِ وَتَقْدِمَةِ ذَاتِهِ طَوْعًا، فَهُوَ يَنْزِلُ إِلَى المَاءِ كَمَنْ يَنْزِلُ إِلَى القَبْرِ، حَامِلًا خَطَايَا العَالَمِ. وَقَدِ اسْتَحَقَّ يُوحَنَّا المَعْمَدَانُ، بِسَبَبِ أَمَانَتِهِ وَطَاعَتِهِ، أَنْ يُعَايِنَ هٰذَا السِّرَّ، فَرَأَى الرُّوحَ القُدُسَ وَسَمِعَ صَوْتَ الآبِ يَقُولُ: "هٰذَا هُوَ ابْنِيَ الحَبِيبُ الَّذِي بِهِ رَضِيتُ" (مَتَّى 3: 17). وَهٰكَذَا تَمَتَّعَ يُوحَنَّا بِإِعْلَانِ الثَّالُوثِ القُدُّوسِ رُوحًا وَحِسًّا، بَلْ إِنَّ اللهَ أَرْشَدَهُ إِلَى شَخْصِ المَسِيحِ حَتَّى قَبْلَ العِمَادِ، كَمَا يَشْهَدُ هُوَ نَفْسُهُ قَائِلًا: "رَأَيْتُ الرُّوحَ يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ كَأَنَّهُ حَمَامَةٌ فَيَسْتَقِرُّ عَلَيْهِ… وَالَّذِي أَرْسَلَنِي أُعَمِّدُ بِالمَاءِ هُوَ قَالَ لِي: الَّذِي تَرَى الرُّوحَ يَنْزِلُ وَيَسْتَقِرُّ عَلَيْهِ، فَهُوَ الَّذِي يُعَمِّدُ بِالرُّوحِ القُدُسِ. وَأَنَا رَأَيْتُ وَشَهِدْتُ أَنَّهُ هُوَ ابْنُ اللهِ" (يُوحَنَّا 1: 32–34). إِنَّ مَعْمُودِيَّة يسوع فِي نَهْرِ الأُرْدُنِّ تُشَكِّلُ نُقْطَةَ التَّلَاقِي بَيْنَ حَيَاتِهِ وَحَيَاتِنَا نَحْنُ المُعَمَّدِينَ فِي يَسُوعَ المَسِيحِ، إِذْ نَدْخُلُ مَعَهُ فِي سِرِّ المَوْتِ وَالقِيَامَةِ، كَمَا يُعَلِّمُ الرَّسُولُ بُولُسُ: "أَمْ تَجْهَلُونَ أَنَّنَا كُلَّنَا، الَّذِينَ اعْتَمَدْنَا فِي المَسِيحِ يَسُوعَ، اعْتَمَدْنَا فِي مَوْتِهِ؟"(رُومَةَ 6: 3).
أَمَّا عِبَارَةُ "خَرَجَ لِوَقْتِهِ مِنَ المَاءِ" فَتُشِيرُ إِلَى الفِعْلِ اليُونَانِيِّ ἀναβαίνω، أَيْ "صَعِدَ"، مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ يَسُوعَ كَانَ نَازِلًا فِي المَاءِ ثُمَّ صَعِدَ مِنْهُ. وَيُعَلِّقُ غريغوريوس النزينزي قَائِلًا: "صَعِدَ الرَّبُّ يَسُوعُ مِنَ المِيَاهِ، جَاذِبًا مَعَهُ العَالَمَ كُلَّهُ". وَيُرْسِلُنَا هٰذَا الخُرُوجُ مِنَ المَاءِ إِلَى لَحَظَاتٍ جَوْهَرِيَّةٍ فِي تَارِيخِ العَهْدِ: الطُّوفَانُ فِي أَيَّامِ نُوحٍ، وَعُبُورُ البَحْرِ الأَحْمَرِ فِي الخُرُوجِ مِنْ مِصْرَ، وَعُبُورُ نَهْرِ الأُرْدُنِّ إِلَى أَرْضِ المِيعَادِ. وَمِنْ هُنَا نَسْتَنْتِجُ أَنَّ مَعْمُودِيَّةَ يَسُوعَ كَانَتْ بِالتَّغْطِيسِ، وَأَنَّ المَاءَ الَّذِي كَانَ يَرْمُزُ إِلَى المَوْتِ، صَارَ بِقُوَّةِ الرُّوحِ يَرْمُزُ إِلَى الحَيَاةِ وَإِلَى الخَلِيقَةِ الجَدِيدَةِ، كَمَا فِي بَدْءِ الخَلْقِ: "رُوحُ اللهِ يُرَفْرِفُ عَلَى وَجْهِ المِيَاهِ" (تَكْوِين 1: 2).
أَمَّا عِبَارَةُ "انْفَتَحَتِ السَّمَاوَاتُ" فَتُشِيرُ إِلَى سَمَاوَاتٍ كَانَتْ مُغْلَقَةً بِفِعْلِ الخَطِيئَةِ، فَانْشَقَّتْ كَقِطْعَةِ قُمَاشٍ، تَحْقِيقًا لِصُرَاخِ إِشَعْيَا النَّبَوِيِّ: "لَيْتَكَ تَشُقُّ السَّمَاوَاتِ وَتَنْزِلُ" (إِشَعْيَا 63: 19). وَيُعَلِّقُ القديس إيرونيموس قَائِلًا: "اِنْفَتَحَتِ السَّمَاوَاتُ، لَا لأَنَّ العَنَاصِرَ تَفَارَقَتْ، بَلْ لِأَنَّهَا فُتِحَتْ أَمَامَ أَعْيُنِنَا الرُّوحِيَّةِ، كَمَا رَآهَا حِزْقِيَالُ مَفْتُوحَةً فِي بَدْءِ نُبُوءَتِهِ" (حِزْقِيَال 1: 1).
أَمَّا عِبَارَةُ "رَأَى" فَتُفِيدُ أَنَّ نُزُولَ الرُّوحِ القُدُسِ كَانَ رُؤْيَةً حِسِّيَّةً حَقِيقِيَّةً، تُعْلِنُ أَنَّ يَسُوعَ هُوَ المُرْسَلُ المُخَلِّصُ المَوْعُودُ، تَحْقِيقًا لِنُبُوءَةِ إِشَعْيَا: "يَحِلُّ عَلَيْهِ رُوحُ الرَّبِّ" (إِشَعْيَا 11: 2). وَقَدْ حَلَّ الرُّوحُ القُدُسُ عَلَى يَسُوعَ لَا لِيُنَقِّيَهُ مِنْ خَطِيئَةٍ، فَهُوَ بِلَا خَطِيئَةٍ، بَلْ لِيُمَسِّحَهُ وَيُقَوِّيَهُ لِلرِّسَالَةِ، كَمَا كَانَ الرُّوحُ يَحِلُّ عَلَى القُضَاةِ وَالأَنْبِيَاءِ (قُضَاة 3: 10).
وَتُشِيرُ عِبَارَةُ "رُوحَ اللهِ يَهْبِطُ" إِلَى ظُهُورِ الرُّوحِ القُدُسِ فِي هَيْئَةٍ جَسَدِيَّةٍ، كَمَا يَذْكُرُ لُوقَا (لُوقَا 3: 22)، وَإِلَى اسْتِقْرَارِهِ عَلَى يَسُوعَ، دَلَالَةً عَلَى أَنَّهُ هُوَ المَسِيحُ، أَيْ المَمْسُوحُ مِنَ الرُّوحِ القُدُسِ. وَيَقُولُ القديس إيرونيموس: "إِنَّهُ سِرُّ الثَّالُوثِ الَّذِي تَجَلَّى فِي هٰذِهِ المَعْمُودِيَّةِ: الاِبْنُ يَقْبَلُ العِمَادَ، وَالرُّوحُ يَهْبِطُ كَحَمَامَةٍ، وَالآبُ يَشْهَدُ مِنَ السَّمَاءِ". إِنَّ حُلُولَ الرُّوحِ القُدُسِ عَلَى يَسُوعَ فِي صُورَةِ حَمَامَةٍ يُشَكِّلُ العَلَامَةَ الأُولَى لِلتَّكْرِيسِ وَ"المَسْحَةِ". وَهٰكَذَا يَكْشِفُ يَسُوعُ، فِي حَدَثِ مَعْمُودِيَّتِهِ، عَنْ هُوِيَّتِهِ بَوْصْفِهِ المَمْسُوحَ وَالمُخْتَارَ مِنَ الرَّبِّ وَالمُكَرَّسَ لَهُ، أَيْ مَسِيحَ الرَّبِّ، الَّذِي يَتَقَبَّلُ الرُّوحَ لِيُدَشِّنَ رِسَالَتَهُ الخَلَاصِيَّةَ فِي قُوَّةِ اللهِ
أَمَّا "الحَمَامَةُ" فَتُشِيرُ إِلَى رَمْزٍ غَنِيٍّ فِي الكِتَابِ المُقَدَّسِ: فَهِيَ تُذَكِّرُ بِرُوحِ اللهِ الَّذِي كَانَ يُرَفْرِفُ عَلَى وَجْهِ المِيَاهِ فِي بَدْءِ الخَلِيقَةِ (تَكْوِين 1: 2)، وَبِحَمَامَةِ نُوحٍ الَّتِي عَادَتْ بِغُصْنِ الزَّيْتُونِ عَلاَمَةَ السَّلَامِ وَالحَيَاةِ (تَكْوِين 8: 8–12). وَقَدْ رَأَى بَعْضُ الآبَاءِ فِيهَا رَمْزًا لِشَعْبِ اللهِ، أَوْ لِمَحَبَّتِهِ العَطُوفَةِ، كَمَا فِي نَشِيدِ الأَنْشَادِ: "يَا حَمَامَتِي… صَوْتُكِ لَطِيفٌ وَمَنْظَرُكِ جَمِيلٌ" (نَشِيد 2: 14). وَهِيَ أَيْضًا رَمْزُ الحِمَايَةِ الإِلَهِيَّةِ: "كَالعُقَابِ الَّذِي يُرَفْرِفُ عَلَى فِرَاخِهِ" (تَثْنِيَة 32: 11). وَكَمَا أَخَذَ الرُّوحُ القُدُسُ فِي يَوْمِ العَنْصَرَةِ هَيْئَةَ أَلْسِنَةٍ كَأَنَّهَا مِنْ نَارٍ (أَعْمَال 2: 3)، هٰكَذَا أَخَذَ هُنَا هَيْئَةَ حَمَامَةٍ لِيُعْلِنَ عَلاَقَتَهُ الخَاصَّةَ بِالمَسِيحِ. فَالحَمَامَةُ تَرْمُزُ إِلَى السَّلَامِ، وَالطَّهَارَةِ، وَالوَدَاعَةِ، وَالبَسَاطَةِ، وَهِيَ ثِمَارُ الرُّوحِ الَّتِي يَهَبُهَا لِمَنْ يَحِلُّ عَلَيْهِ.
أَمَّا عِبَارَةُ ""يَنْزِلُ عَلَيْهِ" فَتُؤَكِّدُ أَنَّ اسْتِقْرَارَ الرُّوحِ عَلَى يَسُوعَ كَانَ وَاضِحًا وَمُسْتَقِرًّا، لِكَيْ لَا يَظُنَّ أَحَدٌ أَنَّ صَوْتَ الآبِ كَانَ مُوَجَّهًا إِلَى يُوحَنَّا، بَلْ إِلَى يَسُوعَ نَفْسِهِ، بَوْصْفِهِ الاِبْنَ الحَبِيبَ الَّذِي فِيهِ تَحَقَّقَ رِضَى الآبِ وَبِهِ بَدَأَتِ الخَلِيقَةُ الجَدِيدَةُ.
17 "وَإِذَا صَوْتٌ مِنَ السَّمَاوَاتِ يَقُولُ: هٰذَا هُوَ ابْنِيَ الحَبِيبُ الَّذِي عَنْهُ رَضِيتُ" (مَتَّى 3: 17).
تُشِيرُ عِبَارَةُ "صَوْتُ الآبِ" إِلَى صَوْتٍ إِلَهِيٍّ حَقِيقِيٍّ، جَاءَ شَهَادَةً صَرِيحَةً مِنَ الآبِ لِلاِبْنِ، وَيُرَجَّحُ أَنَّهُ سُمِعَ مِنْ قِبَلِ كُلِّ الحَاضِرِينَ. وَلَمْ يُسْمَعْ مِثْلُ هٰذَا الصَّوْتِ مُنْذُ إِعْطَاءِ الشَّرِيعَةِ عَلَى جَبَلِ سِينَاءَ، ثُمَّ سُمِعَ مِثْلُهُ فِي حَادِثَةِ التَّجَلِّي (مَتَّى 17: 5)، وَقُبَيْلَ مَوْتِ المَسِيحِ عَلَى الصَّلِيبِ فِي الجُلْجُلَةِ (يُوحَنَّا 12: 28). فَهُوَ صَوْتُ إِعْلَانٍ وَتَزْكِيَةٍ وَتَثْبِيتٍ لِلْهُوِيَّةِ وَالرِّسَالَةِ.
أَمَّا عِبَارَةُ "هٰذَا هُوَ ابْنِيَ الحَبِيبُ" فَتَحْمِلُ بُعْدًا نَبَوِيًّا عَمِيقًا، إِذْ تَقْتَبِسُ لُغَةَ الوَعْدِ الَّذِي أُعْطِيَ لِدَاوُدَ فِي سِفْرِ صَمُوئِيلَ: "أَنَا أَكُونُ لَهُ أَبًا، وَهُوَ يَكُونُ لِيَ ابْنًا" (2 صَمُوئِيل 7: 14)، وَهِيَ تَرْتَبِطُ أَيْضًا بِالمَزْمُورِ المَلَكِيِّ: "أَنْتَ ابْنِي، أَنَا اليَوْمَ وَلَدْتُكَ" (مَزْمُور 2: 7). وَتَدُلُّ هٰذِهِ العِبَارَاتُ عَلَى لَقَبٍ مَسِيحَانِيٍّ، يُعْلِنُ أَنَّ يَسُوعَ هُوَ الوَارِثُ الشَّرْعِيُّ لِوَعْدِ دَاوُدَ، وَمَوْضِعُ عِزَّةِ اللهِ وَمَسَرَّتِهِ. أَمَّا نِسْبَةُ البُنُوَّةِ بَيْنَ الآبِ وَالاِبْنِ فَلَيْسَتْ بُنُوَّةً زَمَنِيَّةً، بَلْ بُنُوَّةٌ أَزَلِيَّةٌ، فِي سِرِّ اللهِ الذَّاتِيِّ". وَتَأْتِينَا كَلِمَاتُ الرَّبِّ صَدًى مُبَاشِرًا لِكَلِمَاتِ النَّبِيِّ أَشَعْيَا: "هُوَذَا عَبْدِيَ الَّذِي أَعْضُدُهُ، مُخْتَارِيَ الَّذِي رَضِيَتْ عَنْهُ نَفْسِي. قَدْ جَعَلْتُ رُوحِي عَلَيْهِ، فَهُوَ يُبْدِي الحَقَّ لِلْأُمَمِ. لَا يَصِيحُ وَلَا يَرْفَعُ صَوْتَهُ، وَلَا يُسْمِعُ صَوْتَهُ فِي الشَّوَارِعِ"(أَشَعْيَا 42: 1–2). وَحِينَ نَسْتَخْدِمُ لَفْظَ "العَبْدِ" فِي هٰذَا السِّيَاقِ، فَلَا نَعْنِي بِهِ المَعْنَى الاِجْتِمَاعِيَّ لِلِاسْتِعْبَادِ أَوِ القَهْرِ، بَلْ هُوَ لَفْظُ إِكْرَامٍ لَاهُوتِيٍّ يُعَبِّرُ عَنْ الاِنْتِسَابِ الكُلِّيِّ إِلَى اللهِ. فَالعَلَاقَةُ هُنَا لَيْسَتْ عُبُودِيَّةَ خُضُوعٍ مَذِلٍّ، بَلْ عِلَاقَةُ طَاعَةٍ حُرَّةٍ وَثِقَةٍ بُنَوِيَّةٍ، تَكْشِفُ عَنْ حَقِيقَةِ الإِنْسَانِ كَعَبْدٍ لِلهِ وَحْدَهُ، لَا كَعَبْدٍ لِإِنْسَانٍ آخَرَ.
تُشِيرُ عِبَارَةُ "رَضِيتُ" إِلَى صَدَى النَّشِيدِ الأَوَّلِ لِعَبْدِ الرَّبِّ المُتَأَلِّمِ فِي سِفْرِ إِشَعْيَا: "هُوَذَا عَبْدِيَ الَّذِي أَعْضُدُهُ، مُخْتَارِيَ الَّذِي رَضِيَتْ عَنْهُ نَفْسِي، جَعَلْتُ رُوحِي عَلَيْهِ، فَهُوَ يُبْدِي الحَقَّ لِلأُمَمِ" (إِشَعْيَا 42: 1). وَهِيَ تُعْلِنُ رِضَى الآبِ الاِخْتِيَارِيَّ عَنْ رِسَالَةِ الاِبْنِ، وَقَبُولَهُ لِطَرِيقِ الطَّاعَةِ وَالأَلَمِ الَّذِي سَيَسْلُكُهُ مِنْ أَجْلِ خَلَاصِ البَشَرِ. وَهٰكَذَا، تَجْمَعُ العِبَارَةُ "هٰذَا هُوَ ابْنِيَ الحَبِيبُ الَّذِي عَنْهُ رَضِيتُ" بَيْنَ صُورَتَيْنِ نَبَوِيَّتَيْنِ: صُورَةِ ابْنِ المَلِكِ الدَّاوُدِيِّ، وَصُورَةِ عَبْدِ الرَّبِّ المُتَأَلِّمِ. فَمَتَّى الإِنْجِيلِيُّ يُقَدِّمُ يَسُوعَ فِي آنٍ مَعًا مَلِكًا وَخَادِمًا، مُمَجَّدًا وَمُتَّضِعًا، وَهُوَ مَا سَيَتَجَلَّى فِي مَسِيرَةِ رِسَالَتِهِ كُلِّهَا. وَفِي هٰذِهِ اللَّحْظَةِ المُقَدَّسَةِ، يَظْهَرُ الثَّالُوثُ الأَقْدَسُ ظُهُورًا خَلَاصِيًّا مَلْمُوسًا: اللهُ الآبُ يَتَكَلَّمُ مِنَ السَّمَاءِ، اللهُ الاِبْنُ يَقِفُ فِي المَاءِ مُتَّضِعًا، واللهُ الرُّوحُ القُدُسُ يَحِلُّ فِي هَيْئَةِ حَمَامَةٍ عَلَى الاِبْنِ، تَحْقِيقًا لِنُبُوءَةِ إِشَعْيَا: "يَحِلُّ عَلَيْهِ رُوحُ الرَّبِّ" (إِشَعْيَا 11: 2). وَمَعَ أَنَّ الاِبْنَ وَالرُّوحَ كَانَا مُتَّحِدَيْنِ أَزَلِيًّا، فَإِنَّ حُلُولَ الرُّوحِ هُنَا لَيْسَ لِبَدْءِ عَلاَقَةٍ، بَلْ لِتَدْشِينِ الخِدْمَةِ العَلَنِيَّةِ وَتَجْهِيزِ المَسِيحِ لِرِسَالَتِهِ الخَلَاصِيَّةِ. وَمِنْذُ بَدَايَةِ حَيَاتِهِ العَلَنِيَّةِ، يُعْلِنُ الآبُ أَنَّ يَسُوعَ هُوَ ابْنُهُ وَمَوْضِعُ مَسَرَّتِهِ (مَرْقُس 1: 11). وَلَا يَعْنِي هٰذَا الإِعْلَانُ أَنَّ يَسُوعَ اكْتَشَفَ لِأَوَّلِ مَرَّةٍ عَلاَقَتَهُ بِالآبِ، فَقَدْ كَانَ وَاعِيًا لِهٰذِهِ البُنُوَّةِ مُنْذُ طُفُولَتِهِ، كَمَا يَظْهَرُ فِي جَوَابِهِ لِمَرْيَمَ وَيُوسُفَ: "أَلَمْ تَعْلَمَا أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيَّ أَنْ أَكُونَ فِي مَا لِأَبِي؟"(لُوقَا 2: 49). وَنَفْسُ الإِعْلَانِ يُكَرِّرُهُ الآبُ فِي حَادِثَةِ التَّجَلِّي: "هٰذَا هُوَ ابْنِيَ الحَبِيبُ الَّذِي عَنْهُ رَضِيتُ، فَلَهُ اسْمَعُوا" (مَتَّى 17: 5)، لِيُؤَكِّدَ أَنَّ يَسُوعَ هُوَ الاِبْنُ، وَهُوَ الكَلِمَةُ النِّهَائِيَّةُ الَّتِي يَجِبُ الإِصْغَاءُ إِلَيْهَا. وَيُعَلِّقُ القديس أوغسطينوس قَائِلًا: "هُنَا يَتَجَلَّى الثَّالُوثُ مُتَمَيِّزًا فِي أَقَانِيمِهِ: الآبُ فِي الصَّوْتِ، وَالاِبْنُ فِي الإِنْسَانِ، وَالرُّوحُ القُدُسُ فِي شَكْلِ حَمَامَةٍ. هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ، وَمَعَ ذٰلِكَ فَالآبُ غَيْرُ الاِبْنِ، وَالاِبْنُ غَيْرُ الآبِ، وَالرُّوحُ القُدُسُ لَا هُوَ الآبُ وَلَا الاِبْنُ". وَهٰذَا الإِيمَانُ الثَّالُوثِيُّ يَظْهَرُ أَيْضًا فِي تَعْلِيمِ يَسُوعَ لِتَلَامِيذِهِ قُبَيْلَ صُعُودِهِ:"اِذْهَبُوا وَتَلْمِذُوا جَمِيعَ الأُمَمِ، وَعَمِّدُوهُمْ بِاسْمِ الآبِ وَالاِبْنِ وَالرُّوحِ القُدُسِ" (مَتَّى 28: 19)، وَفِي وَعْدِهِ بِالرُّوحِ القُدُسِ: "مَتَى جَاءَ المُؤَيِّدُ الَّذِي أُرْسِلُهُ إِلَيْكُمْ مِنْ لَدُنِ الآبِ، رُوحُ الحَقِّ المُنْبَثِقُ مِنَ الآبِ، فَهُوَ يَشْهَدُ لِي" (يُوحَنَّا 15: 26). تُعْلِنُ هٰذِهِ الآيَةُ أَوَّلَ تَجَلٍّ إِلٰهِيٍّ رَسْمِيٍّ، يَفْتَتِحُ بِهِ اللهُ الآبُ بَدْءَ الحَيَاةِ العَلَانِيَّةِ لِيَسُوعَ ابْنِهِ، عَبْرَ الكَلِمَةِ الإِلٰهِيَّةِ الَّتِي نَطَقَ بِهَا فِي حَدَثِ المَعْمُودِيَّةِ، كَإِعْلَانٍ لِهُوِيَّتِهِ البُنَوِيَّةِ وَتَكْرِيسِهِ الطَّوْعِيِّ لِطَاعَةِ مَشِيئَةِ الآبِ فِي تَحْقِيقِ تَدْبِيرِ الخَلَاصِ لِلْعَالَمِ. تُبيِّن هذه الآية أنَّ اللهَ الآبَ دَشَّنَ وَافْتَتَحَ رِسَالَةَ ابْنِهِ يَسُوعَ بَوَصْفِهِ مَسِيحَهُ، مِنْ خِلَالِ هٰذِهِ البَادِرَةِ الإِلٰهِيَّةِ، الَّتِي شَهِدَتْ لَهُ كَأَوَّلِ عَمَلٍ فِي حَيَاتِهِ العَلَانِيَّةِ، مُعْلِنَةً هُوِيَّتَهُ وَرسالتَهُ الخَلَاصِيَّةَ أَمَامَ العَالَمِ.
ثَانِيًا: تَطْبِيقَاتُ النَّصِّ الإِنْجِيلِيِّ (مَتَّى 3: 13–17)
بَعْدَ دِرَاسَةٍ مُوجَزَةٍ لِوَقَائِعِ النَّصِّ الإِنْجِيلِيِّ وَتَحْلِيلِهِ (مَتَّى 3: 13–17)، نَسْتَنْتِجُ أَنَّهُ يَتَمَحْوَرُ حَوْلَ عِمَادِ يَسُوعَ عَلَى يَدِ يُوحَنَّا المَعْمَدَانِ. وَمِنْ هٰذَا الإِطَارِ يُمْكِنُنَا أَنْ نَطْرَحَ سُؤَالَيْنِ مِحْوَرِيَّيْنِ: مَا هِيَ مِيزَةُ عِمَادِ يَسُوعَ عَلَى يَدِ يُوحَنَّا؟ وَلِمَاذَا تَعَمَّدَ يَسُوعُ؟
1) مَا هِيَ مِيزَةُ مَعْمُودِيَّةِ يَسُوعَ عَلَى يَدِ يُوحَنَّا المَعْمَدَانِ؟
تَمَيَّزَ عِمَادُ يَسُوعَ عَنْ عِمَادِ جَمِيعِ النَّاسِ، لأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ عَمَلًا تَوْبَوِيًّا مِنْ خَطِيئَةٍ شَخْصِيَّةٍ، بَلْ كَشْفًا لِهُوِيَّتِهِ وَرِسَالَتِهِ الخَلَاصِيَّةِ. فَقَدْ تَكَلَّلَ عِمَادُهُ بِثَلَاثِ عَلامَاتٍ فَرِيدَةٍ تُظْهِرُ عَلاَقَتَهُ الفَرِيدَةَ بِاللهِ: اِنْفِتَاحُ السَّمَاوَاتِ، وَحُلُولُ الرُّوحِ القُدُسِ، وَإِعْلَانُ الآبِ السَّمَاوِيِّ لِبُنُوَّةِ يَسُوعَ.
المِيزَةُ الأُولَى: اِنْفِتَاحُ السَّمَاوَاتِ
يَقُولُ الإِنْجِيلُ: "وَإِذَا السَّمَاوَاتُ قَدِ انْفَتَحَتْ" (مَتَّى 3: 16 أ). وَهٰذِهِ اللَّحْظَةُ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ صُورَةٍ شِعْرِيَّةٍ، بَلْ هِيَ تَحَقُّقُ رَجَاءِ الأَنْبِيَاءِ، وَخَاصَّةً صُرَاخِ إِشَعْيَا: "لَيْتَكَ تَشُقُّ السَّمَاوَاتِ وَتَنْزِلُ، فَتَسِيلُ الجِبَالُ مِنْ وَجْهِكَ" (إِشَعْيَا 63: 19). وَهِيَ أَيْضًا تَتَوَافَقُ مَعَ رُؤْيَا حِزْقِيَالَ الَّذِي رَأَى مَجْدَ الرَّبِّ وَسَمِعَ صَوْتَ المُتَكَلِّمِ: "… فَنَظَرْتُ وَسَقَطْتُ عَلَى وَجْهِي، وَسَمِعْتُ صَوْتَ مُتَكَلِّمٍ" (حِزْقِيَال 1: 28).
فَـ"اِنْفَتَحَتْ" تَعْنِي أَنَّ هُنَاكَ عَلامَةً أَنَّهُ أَصْبَحَ بِالإِمْكَانِ مُعَايَنَةُ الأُمُورِ السَّمَاوِيَّةِ وَفَهْمُهَا فِي نُورِ المَسِيحِ، كَمَا قَالَ يَسُوعُ: "فَإِذَا كُنْتُمْ لا تُؤْمِنُونَ عِنْدَمَا أُكَلِّمُكُمْ فِي أُمُورِ الأَرْضِ، فَكَيْفَ تُؤْمِنُونَ إِذَا كَلَّمْتُكُمْ فِي أُمُورِ السَّمَاءِ؟" (يُوحَنَّا 3: 12). وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ غِرِغُورِيُوسُ النَّازِيَانْزِي قَائِلًا: "اِنْفَتَحَتِ السَّمَاوَاتُ الَّتِي كَانَ آدَمُ قَدْ أَغْلَقَهَا عَلَى نَفْسِهِ وَعَلَى نَسْلِهِ، وَصَارَ الفِرْدَوْسُ كَأَنَّهُ مُغْلَقٌ بِشُعْلَةِ سَيْفٍ مُتَقَلِّبٍ" (مُسْتَلهَمٌ مِنْ مَعْنَى تَأَمُّلِهِ فِي الظُّهُورِ).
إِنَّ اِنْفِتَاحَ السَّمَاوَاتِ هُنَا هُوَ كَشْفٌ لِوَحْيٍ سَمَاوِيٍّ، وَتَدَخُّلُ اللهِ لِتَحْقِيقِ مَوَاعِيدِهِ: فَقَدِ اقْتَرَبَتِ السَّمَاءُ مِنَ الأَرْضِ، وَصَارَ بَابُ الشَّرِكَةِ مَفْتُوحًا فِي شَخْصِ يَسُوعَ. وَيَتَجَلَّى ذٰلِكَ فِي شَهَادَةِ اِسْتِفَانُسَ: "هَا إِنِّي أَرَى السَّمَاوَاتِ مُتَفَتِّحَةً، وَابْنَ الإِنْسَانِ قَائِمًا عَنْ يَمِينِ اللهِ" (أَعْمَال 7: 56).
وَمَعَ أَنَّ السَّمَاوَاتِ اِنْفَتَحَتْ عِنْدَ عِمَادِ السَّيِّدِ المَسِيحِ، فَإِنَّ هٰذَا الاِنْفِتَاحَ تَحَقَّقَ لأَجْلِنَا: فَقَدْ أَصْبَحَتْ أَبْوَابُهَا مَفْتُوحَةً أَمَامَ المُؤْمِنِينَ، وَمِفْتَاحُهَا فِي يَدَيِ يَسُوعَ المَسِيحِ، عَرِيسِنَا وَرَأْسِنَا. بَلْ إِنَّ الحَيَاةَ الدَّاخِلِيَّةَ لِلْمُؤْمِنِ تُدْعَى أَنْ تُصْبِحَ "سَمَاءً مَفْتُوحَةً" يَسْكُنُهَا رَبُّ السَّمَاءِ. وَكَمَا يَقُولُ القِدِّيسُ كِيرِلُّسُ الإِسْكَنْدَرِيُّ: "اِنْفَتَحَتِ السَّمَاوَاتُ فَاقْتَرَبَ الإِنْسَانُ مِنَ المَلَائِكَةِ المُقَدَّسِينَ". فَلْتَنْفَتِحِ السَّمَاوَاتُ أَيْضًا اليَوْمَ فِي قُلُوبِنَا، وَلْيَحِلَّ عَلَيْنَا الرُّوحُ القُدُسُ، لِنَتَجَدَّدَ فِي أَعْمَاقِنَا، وَلِنَسْمَعَ صَوْتَ الآبِ يَدْعُونَا إِلَى الاِنْتِمَاءِ إِلَى عَائِلَتِهِ كَأَبْنَاءٍ مَحْبُوبِينَ فِي المَسِيحِ.
المِيزَةُ الثَّانِيَةُ: حُلُولُ الرُّوحِ القُدُسِ
يَقُولُ الإِنْجِيلُ: "وَرَأَى رُوحَ اللهِ يَهْبِطُ كَأَنَّهُ حَمَامَةٌ وَيَنْزِلُ عَلَيْهِ" (مَتَّى 3: 16 ب). وَلَيْسَ هٰذَا التَّعْبِيرُ تَشْبِيهًا شِعْرِيًّا مَجَازِيًّا، بَلْ وُقُوعًا حِسِّيًّا مَرْئِيًّا، كَمَا يُؤَكِّدُ لُوقَا الإِنْجِيلِيُّ بِقَوْلِهِ: "فِي صُورَةِ جِسْمٍ" (لُوقَا 3: 22). َالْحَمَامَةُ كَانَتْ ظَاهِرَةً لِلْعُيُونِ، لِتُعْلِنَ أَنَّ حُلُولَ الرُّوحِ هُنَا لَيْسَ خَبَرًا دَاخِلِيًّا فَقَطْ، بَلْ إِعْلَانًا خَلَاصِيًّا عَامًّا.
وَتُذَكِّرُنَا هٰذِهِ الصُّورَةُ بِمَا وَرَدَ فِي بَدْءِ الخَلِيقَةِ: "وَرُوحُ اللهِ يُرَفْرِفُ عَلَى وَجْهِ المِيَاهِ" (تَكْوِين 1: 2). فَهَا هُوَ الرُّوحُ نَفْسُهُ يَرِفُّ الآنَ عَلَى مِيَاهِ الأُرْدُنِّ، لِيُقِيمَ مِنَّا نَحْنُ الأَمْوَاتِ جَسَدًا حَيًّا، مُقَدَّسًا لِلرَّأْسِ القُدُّوسِ الَّذِي نَزَلَ إِلَى المِيَاهِ. إِنَّهُ الرُّوحُ الإِلَهِيُّ الَّذِي يُدَشِّنُ الخُرُوجَ الجَدِيدَ وَيُشَكِّلُ شَعْبَ اللهِ الجَدِيدَ فِي المَسِيحِ.
وَقَدْ قَبِلَ يَسُوعُ الرُّوحَ القُدُسَ كإِنْسَانٍ، لَا لأَنَّهُ يَفْتَقِرُ إِلَيْهِ، بَلْ لِأَنْ يَمْنَحَ الخَلَاصَ لِلْبَشَرِيَّةِ كُلِّهَا. وَيُعَبِّرُ الرَّسُولُ بُطْرُسُ عَنْ هٰذَا قَائِلًا: "كَيْفَ أَنَّ اللهَ مَسَحَهُ بِالرُّوحِ القُدُسِ وَالقُدْرَةِ، فَمَضَى يَعْمَلُ الخَيْرَ وَيُبْرِئُ جَمِيعَ الَّذِينَ اسْتَوْلَى عَلَيْهِمْ إِبْلِيس" (أَعْمَال الرُّسُل 10: 38).
فَمِنْ حَيْثُ إِنَّهُ إِنْسَانٌ، أَخَذَ يَسُوعُ فِي ذَاتِهِ الطَّبِيعَةَ الإِنْسَانِيَّةَ كُلَّهَا لِيُصْلِحَهَا وَيُعِيدَهَا إِلَى كَمَالِهَا. وَلِذٰلِكَ يَهَبُ الآبُ رُوحَهُ لِلاِبْنِ، لِنَنَالَ نَحْنُ فِيهِ وَبِهِ الرُّوحَ القُدُسَ. وَفِي هٰذَا السِّيَاقِ يَقُولُ كيرلس الإسكندري: "إِنَّ المَسِيحَ لَمْ يَقْبَلِ الرُّوحَ لِنَفْسِهِ، بَلْ قَبِلَهُ فِي نَفْسِهِ مِنْ أَجْلِنَا. فَجَمِيعُ الخَيْرَاتِ تَأْتِينَا عَنْ طَرِيقِهِ"(PG 73: 751–754) .
وَيَشْهَدُ يُوحَنَّا المَعْمَدَانُ شَهَادَةً حَاسِمَةً فِي هٰذَا الصَّدَدِ قَائِلًا: "رَأَيْتُ الرُّوحَ يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ كَأَنَّهُ حَمَامَةٌ فَيَسْتَقِرُّ عَلَيْهِ… وَالَّذِي تَرَى الرُّوحَ يَنْزِلُ وَيَسْتَقِرُّ عَلَيْهِ هُوَ الَّذِي يُعَمِّدُ بِالرُّوحِ القُدُسِ. وَأَنَا رَأَيْتُ وَشَهِدْتُ أَنَّهُ هُوَ ابْنُ اللهِ" (يُوحَنَّا 1: 32–34).
وَهُنَا يَتَضِحُ الرَّبْطُ بَيْنَ مَعْمُودِيَّةِ السَّيِّدِ المَسِيحِ وَحُلُولِ الرُّوحِ القُدُسِ: فَالْمَسِيحُ هُوَ الَّذِي يُعَمِّدُ بِالرُّوحِ القُدُسِ، وَحُلُولُ الرُّوحِ عَلَيْهِ هُوَ بَدَايَةُ العَهْدِ الجَدِيدِ، لِيَحِلَّ الرُّوحُ فِيمَا بَعْدُ عَلَى المُؤْمِنِينَ عَبْرَ المَعْمُودِيَّةِ، أَيْ الوِلَادَةِ مِنَ المَاءِ وَالرُّوحِ. وَلِذٰلِكَ نَحْتَفِلُ بِعِيدِ عِمَادِ الرَّبِّ تَمْجِيدًا لِلإِلَهِ الَّذِي تَنَازَلَ وَأَتَى لِيُخَلِّصَنَا، وَأَعْلَنَ عَنْ نَفْسِهِ فِي هٰذَا العِيدِ مِنْ خِلَالِ شَهَادَةِ السَّمَاءِ، وَمِنْ خِلَالِ شَهَادَةِ يُوحَنَّا المَعْمَدَانِ.
وَنَسْتَنْتِجُ مِمَّا سَبَقَ أَنَّ حُلُولَ الرُّوحِ القُدُسِ عَلَى يَسُوعَ كَانَ لِتَكْرِيسِهِ وَإِعْدَادِ جَسَدِهِ لِيُقَدَّمَ ذَبِيحَةً خَلَاصِيَّةً. وَيُؤَكِّدُ كيرلس الإسكندري: "حَلَّ الرُّوحُ أَوَّلًا عَلَى المَسِيحِ، الَّذِي قَبِلَهُ لَا مِنْ أَجْلِ نَفْسِهِ، بَلْ مِنْ أَجْلِنَا نَحْنُ البَشَرَ، لِأَنَّنَا بِهِ وَفِيهِ نَنَالُ نِعْمَةً عَلَى نِعْمَةٍ" (يُوحَنَّا 1: 16). فَحُلُولُ الرُّوحِ القُدُسِ عَلَى يَسُوعَ هُوَ عَلامَةُ تَنْصِيبِهِ مَسِيحًا، تَتْمِيمًا لِنُبُوءَةِ إِشَعْيَا: "يَحِلُّ عَلَيْهِ رُوحُ الرَّبِّ، رُوحُ الحِكْمَةِ وَالفَهْمِ، رُوحُ المَشُورَةِ وَالقُوَّةِ، رُوحُ المَعْرِفَةِ وَتَقْوَى الرَّبِّ" (إِشَعْيَا 11: 2). وَهُوَ فِي الوَقْتِ نَفْسِهِ إِعْلَانٌ مُسْبَقٌ لِلْعَنْصَرَةِ الَّتِي سَتُدَشِّنُ مَعْمُودِيَّةَ الرُّوحِ فِي الكَنِيسَةِ، كَمَا وَعَدَ يَسُوعُ: "إِنَّ يُوحَنَّا عَمَّدَ بِالمَاءِ، وَأَمَّا أَنْتُمْ فَسَتُعَمَّدُونَ بِالرُّوحِ القُدُسِ بَعْدَ أَيَّامٍ غَيْرِ كَثِيرَةٍ" (أَعْمَال 1: 5).
وَحُلُولُ الرُّوحِ القُدُسِ عَلَى يَسُوعَ هُوَ أَيْضًا شَهَادَةٌ عَلَى أُلُوهِيَّتِهِ، كَمَا يُعَلِّقُ غريغوريوس النزينزي: "لَقَدْ شَهِدَ الرُّوحُ لِأُلُوهِيَّةِ المَسِيحِ". وَهُنَا نَرَى أَقَانِيمَ الثَّالُوثِ الأَقْدَسِ فِي لَحْظَةٍ خَلَاصِيَّةٍ وَاحِدَةٍ: الآبُ يَتَكَلَّمُ، والاِبْنُ يَعْتَمِدُ، والرُّوحُ القُدُسُ يَنْزِلُ. ثَالُوثٌ مُتَمَيِّزٌ فِي الأَقَانِيمِ، وَاحِدٌ فِي الجَوْهَرِ. وَيُؤَكِّدُ أوغسطينوس هٰذِهِ الحَقِيقَةَ قَائِلًا: "نَتَمَسَّكُ بِهٰذَا الإِيمَانِ بِغَيْرَةٍ: الآبُ وَالاِبْنُ وَالرُّوحُ القُدُسُ ثَالُوثٌ غَيْرُ مُنْفَصِلٍ، إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا ثَلَاثَةُ آلِهَةٍ".
وَأَخِيرًا، حَلَّ الرُّوحُ القُدُسُ عَلَى يَسُوعَ لِتَقْدِيسِنَا. فَالمَسِيحُ لَمْ يَكُنْ مُحْتَاجًا إِلَى المَعْمُودِيَّةِ، بَلْ مَعْمُودِيَّتُنَا هِيَ الَّتِي كَانَتْ بِحَاجَةٍ إِلَى المَسِيحِ، لِيُقَدِّسَ المَاءَ، فَنَعْتَمِدَ نَحْنُ بِالمَاءِ وَالرُّوحِ. فِي المَعْمُودِيَّةِ نَمُوتُ مَعَهُ وَنَقُومُ مَعَهُ، لِنُصْبِحَ هَيَاكِلَ لِلرُّوحِ القُدُسِ. وَقَدْ عَبَّرَ يَسُوعُ نَفْسُهُ عَنْ هٰذَا البُعْدِ الصَّلِيبِيِّ لِمَعْمُودِيَّتِهِ قَائِلًا: "عَلَيَّ أَنْ أَقْبَلَ مَعْمُودِيَّةً، وَمَا أَشَدَّ ضِيقِي حَتَّى تَتِمَّ!" (لُوقَا 12: 50). فَنَمُوتُ مَعَهُ فِي المَعْمُودِيَّةِ، لِيُدْخِلَنَا مَعَهُ بِقِيَامَتِهِ إِلَى أَمْجَادِ الحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ.
المِيزَةُ الثَّالِثَةُ: إِعْلَانُ الآبِ السَّمَاوِيِّ لِبُنُوَّةِ يَسُوعَ الإِلَهِيَّةِ
سُمِعَ صَوْتُ الآبِ يَشْهَدُ لِلاِبْنِ أَثْنَاءَ عِمَادِهِ قَائِلًا: "وَإِذَا صَوْتٌ مِنَ السَّمَاوَاتِ يَقُولُ: هٰذَا هُوَ ابْنِيَ الحَبِيبُ الَّذِي عَنْهُ رَضِيتُ " (مَتَّى 3: 17). وَمِنْذُ بَدَايَةِ الحَيَاةِ العَلَنِيَّةِ، يُعْلِنُ الآبُ أَنَّ يَسُوعَ هُوَ ابْنُهُ الحَبِيبُ وَمَوْضِعُ مَسَرَّتِهِ: "أَنْتَ ابْنِيَ الحَبِيبُ، عَنْكَ رَضِيتُ" (مَرْقُس 1: 11). وَيَحْمِلُ هٰذَا الإِعْلَانُ صَدَى نَشِيدِ عَبْدِ الرَّبِّ المُتَأَلِّمِ فِي سِفْرِ إِشَعْيَا: "هُوَذَا عَبْدِيَ الَّذِي أَعْضُدُهُ، مُخْتَارِيَ الَّذِي رَضِيَتْ عَنْهُ نَفْسِي" (إِشَعْيَا 42: 1). وَبِذٰلِكَ يَرْبِطُ مَتَّى بَيْنَ عِمَادِ يَسُوعَ وَمَسِيرَةِ آلاَمِهِ وَمَوْتِهِ وَقِيَامَتِهِ، فَيَحْمِلُ عِيدُ العِمَادِ طَابِعًا فِصْحِيًّا، أَيْ طَابِعَ العُبُورِ مِنَ المَوْتِ إِلَى الحَيَاةِ.
وَتُذَكِّرُنَا كَلِمَةُ "الحَبِيبُ" بِذَبِيحَةِ إِسْحَاقَ، حَيْثُ قَالَ اللهُ لإِبْرَاهِيمَ:"خُذِ ابْنَكَ وَحِيدَكَ الَّذِي تُحِبُّهُ، إِسْحَاقَ، وَامْضِ إِلَى أَرْضِ المُورِيَّا، وَأَصْعِدْهُ هُنَاكَ مُحْرَقَةً" (تَكْوِين 22: 2). فَيَسُوعُ هُوَ الاِبْنُ الحَبِيبُ الحَقِيقِيُّ، الَّذِي يُقَدَّمُ ذَبِيحَةً خَلَاصِيَّةً لِأَجْلِ العَالَمِ.
وَفِي العَهْدِ القَدِيمِ سُمِعَ الصَّوْتُ الإِلَهِيُّ فِي سِيَاقِ النُّبُوءَةِ، أَمَّا الآنَ فَقَدْ جَاءَ الصَّوْتُ نَفْسُهُ مِنَ السَّمَاءِ لِيُؤَكِّدَ أَنَّ يَسُوعَ هُوَ كَلِمَةُ اللهِ وَالاِبْنُ الوَحِيدُ الَّذِي صَارَ عَبْدًا لِيُتِمَّ رِسَالَةَ الخَلَاصِ، كَمَا يَشْهَدُ الرَّسُولُ بُولُسُ: "لَمَّا ظَهَرَ لُطْفُ اللهِ مُخَلِّصِنَا وَمَحَبَّتُهُ لِلْبَشَرِ… خَلَّصَنَا بِغُسْلِ المِيلَادِ الثَّانِي وَتَجْدِيدِ الرُّوحِ القُدُسِ الَّذِي أَفَاضَهُ عَلَيْنَا وَافِرًا بِيَسُوعَ المَسِيحِ مُخَلِّصِنَا" (طيطس 3: 4–6).
وَقَدْ جَاءَ هٰذَا الصَّوْتُ مِنْ أَجْلِنَا نَحْنُ، لِنُدْرِكَ أَنَّنَا فِي المَسِيحِ نَنَالُ رِضَى الآبِ، وَنُحْسَبُ أَبْنَاءَ لَهُ بِالتَّبَنِّي، مِنْ خِلَالِ مِيَاهِ المَعْمُودِيَّةِ وَعَمَلِ الرُّوحِ القُدُسِ، فَنُصْبِحُ خَلِيقَةً جَدِيدَةً. وَفِي هٰذَا السِّيَاقِ يَقُولُ كيرلس الإسكندري: "المَسِيحُ هُوَ حَقًّا ابْنُ اللهِ الوَحِيدُ، وَإِذْ صَارَ شَبِيهًا بِنَا أُعْلِنَتْ بُنُوَّتُهُ لَا مِنْ أَجْلِ نَفْسِهِ، لأَنَّهُ كَانَ وَلا يَزَالُ وَسَيَبْقَى الاِبْنَ، بَلْ مِنْ أَجْلِنَا نَحْنُ الَّذِينَ صِرْنَا أَبْنَاءَ اللهِ فِيهِ، لأَنَّهُ بِكْرُنَا وَسَنَدُنَا". وَهٰذَا مَا يُؤَكِّدُهُ الرَّسُولُ بُولُسُ: "فَإِذَا كَانَ أَحَدٌ فِي المَسِيحِ، فَهُوَ خَلِيقَةٌ جَدِيدَةٌ" (2 قُورِنْتُس 5: 17).
وَقَدْ سُمِعَ صَوْتُ الآبِ أَيْضًا يَوْمَ التَّجَلِّي:"هٰذَا هُوَ ابْنِيَ الحَبِيبُ، فَلَهُ اسْمَعُوا" (مَرْقُس 9: 7)، وَسُمِعَ مَرَّةً أُخْرَى أَمَامَ اليُونَانِيِّينَ الَّذِينَ جَاءُوا لِيَرَوْا يَسُوعَ: "قَدْ مَجَّدْتُهُ وَسَأُمَجِّدُهُ أَيْضًا" (يُوحَنَّا 12: 28). وَهٰذَا يُعِيدُنَا إِلَى المَزْمُورِ المَسِيحَانِيِّ:"أَنْتَ ابْنِي، أَنَا اليَوْمَ وَلَدْتُكَ" (مَزْمُور 2: 7).
وَعَلَى الرَّغْمِ مِنْ أَنَّ هٰذَا المَشْهَدَ يُقَدِّمُ إِعْلَانًا صَرِيحًا لِلثَّالُوثِ الأَقْدَسِ، إِلَّا أَنَّ التَّرْكِيزَ النِّهَائِيَّ يَبْقَى عَلَى الاِبْنِ، لأَنَّ اللِّقَاءَ الأَوَّلَ بَيْنَ الإِنْسَانِ وَاللهِ يَتِمُّ دَائِمًا فِي المَسِيحِ، كَمَا قَالَ هُوَ نَفْسُهُ: "مِنْ دُونِي لَا تَقْدِرُونَ أَنْ تَفْعَلُوا شَيْئًا" (يُوحَنَّا 15: 5). فَلَا حَيَاةَ رُوحِيَّةَ حَقِيقِيَّةً خَارِجَ المَسِيحِ، لأَنَّ الإِنْسَانَ خُلِقَ لِيَحْيَا فِي الاِبْنِ. وَيَشْهَدُ بُولُسُ قَائِلًا: "الحَيَاةُ عِنْدِي هِيَ المَسِيحُ" (فِيلِبِّي 1: 21). وَإِعْلَانُ يَسُوعَ ابْنَ اللهِ يَفْتَحُ أَمَامَنَا طَرِيقَ الاِشْتِرَاكِ فِي بُنُوَّتِهِ بِقُوَّةِ الرُّوحِ القُدُسِ: "وَالدَّلِيلُ عَلَى كَوْنِكُمْ أَبْنَاءَ، أَنَّ اللهَ أَرْسَلَ رُوحَ ابْنِهِ إِلَى قُلُوبِنَا، الرُّوحَ الَّذِي يُنَادِي: أَبَّا، يَا أَبَتِ" (غَلاَطِيَة 4: 6).
فَالمُؤْمِنُ الَّذِي يَقْبَلُ المَعْمُودِيَّةَ بِاسْمِ الثَّالُوثِ الأَقْدَسِ يَصِيرُ هَيْكَلًا لِلرُّوحِ القُدُسِ:"أَجْسَادُكُمْ هِيَ هَيْكَلُ الرُّوحِ القُدُسِ" (1 قُورِنْتُس 6: 19)، وَيُصْبِحُ اِبْنًا بِالتَّبَنِّي، وَأَخًا وَوَارِثًا مَعَ المَسِيحِ: "فَلَسْتَ بَعْدُ عَبْدًا بَلِ ابْنٌ، وَإِذَا كُنْتَ ابْنًا فَأَنْتَ وَارِثٌ بِفَضْلِ اللهِ" (غَلاَطِيَة 4: 7).
2) لماذا تعمَّد يسوع على يد يوحنا؟
يتساءل القديس كيرلس أسقف الاسكندرية: "هل كان المسيح في حاجة إلى العماد المقدس؟ وأية فائدة تعود عليه من ممارسة هذه الفريضة؟ فالمسيح كلمة الله، قدوس كما يصفه النبي أشعيا في مختلف التسابيح "قُدُّوسٌ قُدُّوسٌ قُدُّوس، رَبُّ القُوَّات، الأَرضُ كُلُّها مَمْلوءَةٌ مِن مَجدِه" (أشعيا 6: 3). لم يكن يسوع خاطئاً كي يعتمد؛ فقد ورد: "إنَّه لم يَرتكِبْ خَطيئَةً ولَم يُوجَدْ في فَمِه غِشّ" (1 بطرس 2: 22)، "قُدُّوسٌ بَريءٌ نَقِيٌّ ومُنفَصلٌ عنِ الخاطئين، جُعِلَ أَعْلى مِنَ السَّمَوات" (عبرانيين 7: 26). والكنيسة الاولى بقيت راسخة غير متزعزعة في إيمانها بعصمته المطلقة عن الخطيئة؛ انما تعمّد يسوع لثلاث غايات:
الغَايَةُ الأُولَى: «لِنُتِمَّ كُلَّ بِرٍّ» (مَتَّى 3: 15)
تَعَمَّدَ يَسُوعُ لِيُتِمَّ كُلَّ بِرٍّ، أَيْ لِيُحَقِّقَ بِالأَمَانَةِ الكَامِلَةِ مَشِيئَةَ اللهِ الخَلَاصِيَّةَ، كَمَا تَنَبَّأَ إِشَعْيَا النَّبِيُّ:
«أَنَا الرَّبُّ دَعَوْتُكَ فِي البِرِّ، وَأَخَذْتُ بِيَدِكَ، وَجَبَلْتُكَ، وَجَعَلْتُكَ عَهْدًا لِلشَّعْبِ وَنُورًا لِلأُمَم، لِتَفْتَحَ العُيُونَ العَمْيَاءَ، وَتُخْرِجَ الأَسِيرَ مِنَ السِّجْنِ» (إِشَعْيَا 42: 6–7).
وَيُعَبِّرُ الرَّسُولُ بُولُسُ عَنْ هٰذَا السِّرِّ قَائِلًا: "ذَاكَ الَّذِي لَمْ يَعْرِفِ الخَطِيئَةَ، جَعَلَهُ اللهُ خَطِيئَةً مِنْ أَجْلِنَا، لِنَصِيرَ فِيهِ بِرَّ اللهِ" (2 قُورِنْتُس 5: 21). فَيَسُوعُ هُوَ حَمَلُ اللهِ الَّذِي يَحْمِلُ خَطِيئَةَ العَالَمِ، وَيَدْخُلُ طَوْعًا فِي مَسِيرَةِ التَّضَامُنِ مَعَ الخَاطِئِينَ لِيُخَلِّصَهُمْ.
وَالبِرُّ فِي أُسْلُوبِ يَسُوعَ لَا يَعْنِي التَّقَيُّدَ الحَرْفِيَّ بِالشَّرِيعَةِ، بَلِ القَدَاسَةَ وَالتَّقْوَى القَائِمَتَيْنِ عَلَى طَاعَةٍ رُوحِيَّةٍ وَأَمَانَةٍ كَامِلَةٍ لِإِرَادَةِ اللهِ. فَالمَسِيحُ أَتَمَّ الشَّرِيعَةَ لَا بِإِلْغَائِهَا، بَلْ بِإِعْطَائِهَا مَعْنَاهَا الخَلَاصِيَّ الكَامِلَ. وَيُعَلِّقُ إيرونيموس قَائِلًا: "بِمَا أَنَّ المَسِيحَ وُلِدَ إِنْسَانًا، أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ جَمِيعَ فَرَائِضِ الشَّرِيعَةِ" (شَرْحُ إِنْجِيلِ مَتَّى، 3).
وَيُظْهِرُ إِنْجِيلُ مَتَّى أَنَّ البِرَّ هُوَ الأَمَانَةُ الشَّخْصِيَّةُ فِي تَمَامِ مَشِيئَةِ اللهِ. وَمَشِيئَةُ اللهِ فِي يَسُوعَ هِيَ التَّضَامُنُ مَعَ الخَاطِئِينَ لِتَخْلِيصِهِمْ، لَا لِإِدَانَتِهِمْ، بَلْ لِتَبْشِيرِهِمْ بِالسَّلَامِ، وَلِشِفَاءِ كُلِّ مَنْ اسْتَوْلَى عَلَيْهِ إِبْلِيسُ، وَلِجَعْلِهِمْ خَلِيقَةً جَدِيدَةً.
وَبِمَعْمُودِيَّتِهِ عَلَى يَدِ يُوحَنَّا، سَلَكَ يَسُوعُ طَرِيقَ التَّوَاضُعِ، وَهُوَ كَمَالُ كُلِّ بِرٍّ. وَقَدْ كَانَ هٰذَا التَّوَاضُعُ مَدْخَلًا لِتَنْصِيبِهِ مَسِيحًا. وَيُعَلِّقُ أوغسطينوس قَائِلًا: "جَاءَ يَسُوعُ وَاعْتَمَدَ عَلَى يَدِ يُوحَنَّا، الرَّبُّ عَلَى يَدِ العَبْدِ، مِثَالًا لِلتَّوَاضُعِ. فَفِي تَوَاضُعِهِ أَظْهَرَ أَنَّ المَحَبَّةَ قَدْ كَمُلَتْ".
وَتَكُونُ هٰذِهِ المَعْمُودِيَّةُ رَمْزًا لِـالمَعْمُودِيَّةِ العُظْمَى الَّتِي سَيَجْتَازُهَا المَسِيحُ عَلَى الجُلْجُلَةِ، أَيْ مَوْتِهِ وَقِيَامَتِهِ. وَقَدْ أَشَارَ يَسُوعُ إِلَى هٰذِهِ المَعْمُودِيَّةِ الصَّلِيبِيَّةِ قَائِلًا لِيَعْقُوبَ وَيُوحَنَّا: "أَتَسْتَطِيعَانِ أَنْ تَشْرَبَا الكَأْسَ الَّتِي سَأَشْرَبُهَا؟" (مَتَّى 20: 22). فَبِقَبُولِهِ مَعْمُودِيَّةَ يُوحَنَّا، أَعْلَنَ يَسُوعُ قَبُولَهُ لِمِهْمَتِهِ الخَلَاصِيَّةِ، أَيْ طَاعَتَهُ حَتَّى المَوْتِ، مَوْتِ الصَّلِيبِ. وَهٰكَذَا تَصِيرُ المَعْمُودِيَّةُ صُورَةً مُسْبَقَةً لِسِرِّ مَوْتِهِ وَقِيَامَتِهِ.
وَمِنْ هٰذَا السِّرِّ وُلِدَ سِرُّ المَعْمُودِيَّةِ فِي الكَنِيسَةِ، الَّذِي بِهِ يَتِمُّ "كُلُّ بِرٍّ" لِلإِنْسَانِ، فَيُبَرَّرُ الَّذِي كَانَ قَدْ حُكِمَ عَلَيْهِ بِالمَوْتِ بِسَبَبِ الخَطِيئَةِ. فَبِمَوْتِنَا مَعَ المَسِيحِ وَقِيَامَتِنَا مَعَهُ نَنَالُ التَّبْرِيرَ، الَّذِي يَشْمَلُ غُفْرَانَ الخَطِيئَةِ وَالاِتِّحَادَ بِالمَسِيحِ، لِنَحْيَا فِيهِ حَيَاةً جَدِيدَةً.
الغَايَةُ الثَّانِيَةُ: تَعَمَّدَ يَسُوعُ لِيَتَضَامَنَ مَعَ الخُطَأَةِ
لَمْ يَبْدَأْ يَسُوعُ رِسَالَتَهُ العَلَنِيَّةَ مُعْلِنًا أَنَّهُ المَسِيحُ المُنْتَظَرُ الَّذِي يَهْزِمُ الشَّرَّ بِقُوَّةٍ سِيَاسِيَّةٍ أَوْ بِسَيْفٍ مَادِّيٍّ، بَلْ جَاءَ وَضَعَ نَفْسَهُ إِلَى جَانِبِ الإِنْسَانِ، وَوَقَفَ بَيْنَ الخُطَأَةِ مُتَضَامِنًا مَعَهُمْ، لِأَنَّ المَحَبَّةَ تُلْغِي المَسَافَةَ بَيْنَ اللهِ وَالخَاطِئِ. فَجَاءَ يَسُوعُ وَاعْتَمَدَ لَا مِنْ أَجْلِ نَفْسِهِ، بَلْ مِنْ أَجْلِنَا نَحْنُ البَشَرَ. غَطَسَ المَسِيحُ فِي مِيَاهِ الأُرْدُنِّ، لِكَيْ نَسْتَطِيعَ أَنْ نَغْطَسَ مَعَهُ وَنَخْرُجَ مِنْهَا أَحْيَاءً، مَوْلُودِينَ مِنْ جَدِيدٍ مِنَ المَاءِ وَالرُّوحِ.
لَمْ يَكُنْ يَسُوعُ مُحْتَاجًا إِلَى تَوْبَةٍ، وَلَمْ تَكُنْ لَدَيْهِ خَطَايَا لِيَعْتَرِفَ بِهَا، لأَنَّهُ لَمْ يُخْطِئْ قَطّ؛ وَمَعَ ذٰلِكَ، بِخُضُوعِهِ لِمَعْمُودِيَّةِ يُوحَنَّا، أَخَذَ مَكَانَ الخَاطِئِ، وَحَمَلَ فِي تَوَاضُعِهِ خَطِيئَةَ الشَّعْبِ كَمَا فَعَلَ مُوسَى وَدَانِيَالُ وَنَحَمْيَا وَعَزْرَا، لاَ أَنَّهُ مُذْنِبٌ، بَلْ لأَنَّهُ المُخَلِّصُ الَّذِي يَتَضَامَنُ مَعَ مَنْ يُخَلِّصُهُمْ. وَهٰكَذَا يَتَحَقَّقُ فِيهِ قَوْلُ النَّبِيِّ: "أُحْصِيَ مَعَ العُصَاةِ، وَهُوَ حَمَلَ خَطَايَا الكَثِيرِينَ، وَشَفَعَ فِي مَعَاصِيهِمْ" (إِشَعْيَا 53: 12). فَقَدْ جَعَلَ نَفْسَهُ وَاحِدًا مَعَنَا فِي بَشَرِيَّتِنَا، وَحَمَلَ عَلَيْهِ خَطَايَانَا لِيَشْفِينَا مِنْ دَاخِلِهَا.
وَبِهٰذَا العِمَادِ أَرَادَ يَسُوعُ أَنْ يَرَى العَالَمُ فِيهِ المَسِيحَ المُرْسَلَ الَّذِي يَتَضَامَنُ مَعَ الخُطَأَةِ وَعَامَّةِ الشَّعْبِ. فَقَدْ أَسَّسَ المَسِيحُ سِرَّ المَعْمُودِيَّةِ، وَمِنْ خِلَالِ هٰذَا السِّرِّ يَدْخُلُ المُعَمَّدُ إِلَى حَيَاةِ اللهِ الَّتِي ظَهَرَتْ فِي يَسُوعَ المَسِيحِ. فَكُلُّ مَعْمُودِيَّةٍ بَعْدَ ذٰلِكَ هِيَ اشْتِرَاكٌ فِي مَوْتِ المَسِيحِ وَقِيَامَتِهِ: نَنْزِلُ إِلَى المَاءِ لِنَمُوتَ عَنِ الخَطِيئَةِ، وَنَخْرُجُ مِنْهُ لِنَحْيَا حَيَاةً جَدِيدَةً. وَفِي هٰذَا يَقُولُ غريغوريوس النزينزي: "اِعْتَمَدَ المَسِيحُ، فَنَنْزِلُ مَعَهُ إِلَى جُرْنِ المَعْمُودِيَّةِ، لِكَيْ نَصْعَدَ مَعَهُ أَيْضًا" (الخِطَاب 39 فِي الأَنْوَارِ المُقَدَّسَةِ).
وَقَدْ شَهِدَ صَوْتُ الآبِ أَنَّ يَسُوعَ الَّذِي وَضَعَ نَفْسَهُ فِي عِدَادِ الخُطَأَةِ هُوَ فِي الحَقِيقَةِ ابْنُ اللهِ:"هٰذَا هُوَ ابْنِيَ الحَبِيبُ الَّذِي عَنْهُ رَضِيتُ" (مَتَّى 3: 17). وَهٰكَذَا يَجْمَعُ مَتَّى فِي يَسُوعَ بَيْنَ ابْنِ اللهِ وَابْنِ الإِنْسَانِ: ابْنٌ أَزَلِيٌّ فِي لَاهُوتِهِ، وَمُتَّضَامِنٌ مَعَنَا فِي نَاسُوتِهِ، مُخْتَارٌ لِتَمَامِ رِسَالَةِ الخَلَاصِ. وَتَأَكَّدَ هٰذَا الإِعْلَانُ أَيْضًا فِي التَّجَلِّي (مَتَّى 17: 5).
وَعِمَادُ يَسُوعَ هُوَ مِثَالٌ لِمَعْمُودِيَّتِنَا: أُعْلِنَ هُوَ ابْنَ اللهِ فِي عِمَادِهِ، وَنَحْنُ أَيْضًا، بِقَبُولِنَا المَعْمُودِيَّةَ، نَصِيرُ حَقًّا أَبْنَاءَ اللهِ وَخَلِيقَةً جَدِيدَةً. وَلَا يُمْكِنُ لأَحَدٍ أَنْ يُعَمِّدَ نَفْسَهُ، كَمَا لَا أَحَدَ يَلِدُ نَفْسَهُ لِلْوُجُودِ؛ بَلْ يَجِبُ أَنْ نَقْبَلَ الدُّخُولَ فِي سِرِّ المَعْمُودِيَّةِ كَعَطِيَّةٍ مِنَ اللهِ وَكَوِلَادَةٍ فَوْقِيَّةٍ. وَيَقُولُ مكسيمس أسقف تورينو: "اِعْتَمَدَ يَسُوعُ لَا لِيَتَقَدَّسَ بِالمِيَاهِ، بَلْ لِيُقَدِّسَ المِيَاهَ؛ فَيُطَهِّرَ بِطَهَارَتِهِ كُلَّ مَا تَمَسُّهُ المِيَاهُ" (العِظَة 100 فِي عِيدِ ظُهُورِ الرَّبِّ 1: 3).
وَهٰكَذَا تَعَمَّدَ يَسُوعُ لِيُقَدِّسَ يَنَابِيعَ المِيَاهِ، وَلِكَيْ تَصِيرَ المَعْمُودِيَّةُ، الَّتِي أَمَرَ بِهَا، مَدْخَلًا إِلَى مَلَكُوتِهِ وَشَرْطًا لِلاِنْتِمَاءِ إِلَى كَنِيسَتِهِ، كَمَا قَالَ:"مَا مِنْ أَحَدٍ يَقْدِرُ أَنْ يَدْخُلَ مَلَكُوتَ اللهِ إِلَّا إِذَا وُلِدَ مِنَ المَاءِ وَالرُّوحِ" (يُوحَنَّا 3: 5). وَيَقُولُ كيرلس الإسكندري: "لَمْ يُعَمَّدْ يَسُوعُ لِيُطَهَّرَ، بَلْ لِيُطَهِّرَ المَاءَ؛ فَإِذْ نَزَلَ إِلَيْهِ المَسِيحُ الَّذِي لَمْ يَعْرِفْ أَيَّةَ خَطِيئَةٍ، صَارَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى التَّطْهِيرِ، وَبِذٰلِكَ كُلُّ مَنْ يُدْفَنُ فِي جُرْنِ المَسِيحِ يَتْرُكُ فِيهِ خَطَايَاهُ". وَيُصَرِّحُ بروقلوس أسقف القسطنطينية: "مِيَاهُ المَعْمُودِيَّةِ، بِقُوَّةِ يَسُوعَ الَّذِي تَعَمَّدَ فِيهَا، تُعِيدُ الحَيَاةَ إِلَى المَوْتَى". وَهٰذَا مَا يُوَافِقُ تَعْلِيمَ الرَّسُولِ بُولُسِ: "فَدُفِنَّا مَعَهُ فِي مَوْتِهِ بِالمَعْمُودِيَّةِ، لِنَحْيَا نَحْنُ أَيْضًا حَيَاةً جَدِيدَةً، كَمَا أُقِيمَ المَسِيحُ مِنْ بَيْنِ الأَمْوَاتِ بِمَجْدِ الآبِ" (رُومَة 6: 4). وَفِي هٰذَا الصَّدَدِ يَقُولُ العَلَّامَةُ ترتليانوس: "يَا لِقُدْرَةِ نِعْمَةِ المِيَاهِ فِي نَظَرِ اللهِ وَمَسِيحِهِ لِتَثْبِيتِ المَعْمُودِيَّةِ! لَنْ تَجِدَ المَسِيحَ بِدُونِ المِيَاهِ!".
وَتَعَمَّدَ يَسُوعُ أَيْضًا لِيُقَدِّمَ لَنَا مِثَالًا نَتَّبِعُهُ، فَقَدْ ظَهَرَتْ نِعْمَةُ اللهِ وَصَارَتْ تُعَلِّمُنَا وَتُرَبِّينَا (طِيطُس 2: 11). فَلْنَقْتَرِبْ إِذًا إِلَى نِعْمَةِ العِمَادِ الأَقْدَسِ، فَيَفْتَحُ لَنَا الآبُ أَبْوَابَ السَّمَاوَاتِ، وَيُرْسِلُ لَنَا الرُّوحَ القُدُسَ، وَيَقْبَلُنَا أَبْنَاءً فِي الاِبْنِ: "أَنْتَ ابْنِيَ الحَبِيبُ، عَنْكَ رَضِيتُ" (مَرْقُس 1: 11).
فَالمَعْمُودِيَّةُ تُقِيمُ عَلَاقَةً شَخْصِيَّةً مَعَ يَسُوعَ المَسِيحِ، وَتَجْعَلُنَا أَعْضَاءَ فِي جَسَدِهِ السِّرِّيِّ، أَيْ الكَنِيسَةِ، وَتَغْفِرُ خَطَايَانَا، وَتُعْلِنُ بَدْءَ حَيَاةٍ جَدِيدَةٍ كَابْنِ اللهِ وَكَأَخٍ لِيَسُوعَ المَسِيحِ نَفْسِهِ. وَيُؤَكِّدُ الرَّسُولُ بُولُسُ هٰذَا قَائِلًا: "أَوَتَجْهَلُونَ أَنَّنَا، وَقَدِ اعْتَمَدْنَا جَمِيعًا فِي يَسُوعَ المَسِيحِ، إِنَّمَا اعْتَمَدْنَا فِي مَوْتِهِ؟ فَدُفِنَّا مَعَهُ فِي مَوْتِهِ بِالمَعْمُودِيَّةِ، لِنَحْيَا نَحْنُ أَيْضًا حَيَاةً جَدِيدَةً، كَمَا أُقِيمَ المَسِيحُ مِنْ بَيْنِ الأَمْوَاتِ بِمَجْدِ الآبِ" (رُومَة 6: 3–4). فَمَعْمُودِيَّتُنَا هِيَ سِرُّ هٰذَا العُبُورِ: مِنَ المَوْتِ مَعَ المَسِيحِ إِلَى الحَيَاةِ مَعَهُ، وَمِنَ العَبُودِيَّةِ لِلْخَطِيئَةِ إِلَى بُنُوَّةِ اللهِ فِي الاِبْنِ.
الغَايَةُ الثَّالِثَةُ: تَعَمَّدَ يَسُوعُ تَكْرِيسًا لِخِدْمَتِهِ العَلَنِيَّةِ
كَانَ يَسُوعُ عَلَى أُهْبَةِ بَدْءِ خِدْمَتِهِ العَلَنِيَّةِ، فَكَرَّسَ نَفْسَهُ بِمَعْمُودِيَّتِهِ لِيَتَلَقَّى، فِي اِقْتِصَادِ الخَلَاصِ، مَسْحَةَ الرُّوحِ القُدُسِ وَقُوَّتَهُ لِتَنْفِيذِ مِهَمَّتِهِ المَسِيحَانِيَّةِ. وَقَدْ تَكَلَّمَ إِشَعْيَا عَنْ هٰذِهِ الرِّسَالَةِ قَائِلًا: "قَدْ جَعَلْتُ رُوحِي عَلَيْهِ فَهُوَ يُبْدِي الحَقَّ لِلأُمَم… أَنَا الرَّبُّ دَعَوْتُكَ فِي البِرِّ… وَجَعَلْتُكَ عَهْدًا لِلشَّعْبِ وَنُورًا لِلأُمَم، لِتَفْتَحَ العُيُونَ العَمْيَاءَ، وَتُخْرِجَ الأَسِيرَ مِنَ السِّجْنِ، وَالجَالِسِينَ فِي الظُّلْمَةِ مِنْ بَيْتِ الحَبْس " (إِشَعْيَا 42: 1، 6–7).
وَمِنْ ثَمَّ، فَإِنَّ نُزُولَ الرُّوحِ القُدُسِ عَلَى يَسُوعَ هُوَ تَأْكِيدٌ لِتَكْرِيسِهِ وَبِدَايَةُ خِدْمَتِهِ العَلَنِيَّةِ، كَمَا يَشْهَدُ الرَّسُولُ بُطْرُسُ:
"وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ الأَمْرَ الَّذِي جَرَى فِي اليَهُودِيَّةِ كُلِّهَا… فِي شَأْنِ يَسُوعَ النَّاصِرِيِّ: كَيْفَ أَنَّ اللهَ مَسَحَهُ بِالرُّوحِ القُدُسِ وَالقُدْرَةِ، فَمَضَى يَعْمَلُ الخَيْرَ وَيُبْرِئُ جَمِيعَ الَّذِينَ اسْتَوْلَى عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ، لأَنَّ اللهَ كَانَ مَعَهُ" (أَعْمَال الرُّسُل 10: 37–38).
إِنَّ المَسِيحَ قَبِلَ الرُّوحَ القُدُسَ كإِنْسَانٍ؛ لَا لأَنَّهُ يَفْتَقِرُ إِلَيْهِ، فَالرُّوحُ هُوَ رُوحُهُ وَيَقِيمُ فِيهِ أَزَلًا، بَلْ قَبِلَهُ فِي جَسَدِهِ المُتَجَسِّدِ مِنْ أَجْلِنَا، لِيُعِيدَ فِي ذَاتِهِ الطَّبِيعَةَ الإِنْسَانِيَّةَ كُلَّهَا إِلَى كَمَالِهَا، وَلِيَصِيرَ هُوَ مَنْبَعَ الرُّوحِ لِلْمُؤْمِنِينَ. وَفِي هٰذَا يَقُولُ كيرلس الإسكندري:"حَلَّ الرُّوحُ أَوَّلًا عَلَى المَسِيحِ الَّذِي قَبِلَ الرُّوحَ القُدُسَ لَا مِنْ أَجْلِ نَفْسِهِ، بَلْ مِنْ أَجْلِنَا نَحْنُ البَشَرَ، لأَنَّنَا بِهِ وَفِيهِ نَنَالُ نِعْمَةً عَلَى نِعْمَةٍ" (يُوحَنَّا 1: 16).
وَفِي الوَاقِعِ، فَإِنَّ جَمِيعَ الخَيْرَاتِ تَأْتِينَا عَنْ طَرِيقِ يَسُوعَ المَسِيحِ؛ فَقَدْ جَاءَ الرُّوحُ لِيَمْسَحَ يَسُوعَ فِي خِدْمَتِهِ العَلَنِيَّةِ، وَمِنْ هُنَا نَفْهَمُ أَنَّهُ بِالمَعْمُودِيَّةِ بَدَأَ يَسُوعُ رَسْمِيًّا خِدْمَتَهُ (يُوحَنَّا 1: 31–34). وَغَايَةُ هٰذِهِ الخِدْمَةِ هِيَ مُقَاوَمَةُ قُوَّةِ الشَّيْطَانِ فِي النُّفُوسِ وَكَسْرُ شَوْكَتِهِ، لِيُخَلِّصَ الإِنْسَانَ مِنَ الخَطِيئَةِ وَالمَوْتِ، وَيُعِيدَ إِلَيْهِ نِعْمَةَ الخَلَاصِ وَالحَيَاةَ الأَبَدِيَّةَ.
وَقَبِلَ الآبُ التَّكْرِيسَ أبني قَائِلًا: "هٰذَا هُوَ ابْنِيَ الحَبِيبُ الَّذِي عَنْهُ رَضِيتُ" (مَتَّى 3: 17). وَلِذٰلِكَ يَهَبُ الآبُ رُوحَهُ لِلاِبْنِ، لِنَنَالَ نَحْنُ فِي الاِبْنِ وَبِهِ عَطِيَّةَ الرُّوحِ. فَالرُّوحُ الإِلَهِيُّ يَشَكِّلُ الشَّعْبَ الجَدِيدَ فِي الخُرُوجِ الجَدِيدِ، وَيُقِيمُ فِي البَشَرِيَّةِ خَلِيقَةً مُتَجَدِّدَةً. وَيُلَخِّصُ إيرونيموس هٰذَا المَعْنَى بِقَوْلِهِ:"لَمْ يَكْرِزِ المُخَلِّصُ نَفْسُهُ بِمَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ إِلَّا بَعْدَ أَنْ قَدَّسَ الأُرْدُنَّ بِتَغْطِيسِهِ فِي العِمَادِ". وَهٰكَذَا تَهْتَمُّ الكَنِيسَةُ بِسِرِّ المَعْمُودِيَّةِ، لأَنَّهُ حَتَّى المَسِيحُ لَمْ يَبْدَأْ خِدْمَتَهُ إِلَّا بَعْدَ أَنْ اعْتَمَدَ، لا حَاجَةً، بَلْ تَدْبِيرًا خَلَاصِيًّا. فَبِالمَعْمُودِيَّةِ نَلْبَسُ الإِنْسَانَ الجَدِيدَ، وَنَنَالُ الرُّوحَ القُدُسَ، وَنَحْيَا فِي مَحَبَّةٍ بَنَوِيَّةٍ مَعَ اللهِ، فِي تَوَاضُعٍ وَإِيمَانٍ، لِنَكُونَ شُهُودًا لِلمَسِيحِ فِي العَالَمِ.
الخُلَاصَة
يُرَكِّزُ مَتَّى الإِنْجِيلِيُّ لَا عَلَى تَوَاضُعِ يَسُوعَ وَاعْتِمَادِهِ فِي نَهْرِ الأُرْدُنِّ فَحَسْب، بَلْ بِالأَحْرَى عَلَى صَوْتِ الآبِ الَّذِي سُمِعَ مِنَ السَّمَاءِ: "هٰذَا هُوَ ابْنِيَ الحَبِيبُ الَّذِي عَنْهُ رَضِيتُ" (مَتَّى 3: 17)، لِيَشْهَدَ شَهَادَةً حَاسِمَةً أَنَّ يَسُوعَ هُوَ ابْنُ اللهِ، كَمَا أَكَّدَ يُوحَنَّا المَعْمَدَانُ قَائِلًا: "وَأَنَا رَأَيْتُ وَشَهِدْتُ أَنَّهُ هُوَ ابْنُ اللهِ" (يُوحَنَّا 1: 34).
فَالرَّبُّ يَسُوعُ المَسِيحُ هُوَ ابْنٌ بِالطَّبِيعَةِ، ابْنٌ حَقِيقِيٌّ، لَيْسَ ابْنًا بِالتَّبَنِّي. أَمَّا نَحْنُ المُعَمَّدِينَ فَقَدْ صِرْنَا أَبْنَاءَ اللهِ بِالتَّبَنِّي وَالنِّعْمَةِ، كَمَا كُتِبَ: "أَمَّا الَّذِينَ قَبِلُوهُ، وَهُمُ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاسْمِهِ، فَقَدْ مَكَّنَهُمْ أَنْ يَصِيرُوا أَبْنَاءَ اللهِ" (يُوحَنَّا 1: 12). فَنَحْنُ وُلِدْنَا مِنَ المَاءِ وَالرُّوحِ (يُوحَنَّا 3: 5)، أَمَّا يَسُوعُ فَلَمْ يُصِرْ ابْنًا فِي عِمَادِهِ، بَلْ كَانَ الاِبْنَ أَزَلًا. وَيُعَلِّقُ كيرلس الأورشليمي قَائِلًا: "لَمْ يَقُلِ الآبُ: هذا أَصْبَحَ الآنَ ابْنِي، بَلْ: هٰذَا هُوَ ابْنِي، لِيُظْهِرَ أَنَّهُ حَتَّى قَبْلَ عِمَادِهِ كَانَ الاِبْنَ".
وَقَدْ حَلَّ الرُّوحُ القُدُسُ عَلَى يَسُوعَ عِنْدَ اعْتِمَادِهِ لِيَرَى العَالَمُ فِيهِ المَسِيحَ المُرْسَلَ، حَامِلَ بُشْرَى الخَلَاصِ لِجَمِيعِ الشُّعُوبِ، كَمَا أَعْلَنَ سِمْعَانُ الشَّيْخُ: "قَدْ رَأَتْ عَيْنَايَ خَلَاصَكَ الَّذِي أَعْدَدْتَهُ أَمَامَ جَمِيعِ الشُّعُوبِ، نُورًا يَتَجَلَّى لِلْوَثَنِيِّينَ، وَمَجْدًا لِشَعْبِكَ إِسْرَائِيلَ" (لُوقَا 2: 30–32)، وَذٰلِكَ تَتْمِيمًا لِنُبُوءَةِ إِشَعْيَا: "هَا أَنَذَا جَعَلْتُهُ لِلشُّعُوبِ شَاهِدًا، وَلِلشُّعُوبِ قَائِدًا وَآمِرًا" (إِشَعْيَا 55: 4).
فِي عِمَادِهِ، ظَهَرَ الرَّبُّ يَسُوعُ إِلَهًا وَإِنْسَانًا، وَمِنْ هُنَا تَنْطَلِقُ دَعْوَتُنَا: "فَلِنَسِرْ فِي نُورِ الرَّبِّ" (إِشَعْيَا 2: 5)، وَلِنَعْكِسْ حَيَاتَهُ فِي أَعْمَالِنَا، كَمَا أَوْصَانَا: "لِيُضِئْ نُورُكُمْ لِلنَّاسِ، فَيَرَوْا أَعْمَالَكُمُ الصَّالِحَةَ، فَيُمَجِّدُوا أَبَاكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ" (مَتَّى 5: 16).
فَوَثِيقَةُ المَعْمُودِيَّةِ لَا تَنْفَعُنَا شَيْئًا إِنْ لَمْ نَجْعَلْ مِنْ حَيَاتِنَا، بِفِعْلِ المَعْمُودِيَّةِ، إِنْجِيلًا حَيًّا وَشَهَادَةً مَعَاشَةً، نَخْلُصُ بِهَا نُفُوسَنَا وَنَقُودُ الآخَرِينَ إِلَى يَسُوعَ لِيَقْبَلُوهُ رَبًّا وَإِلَهًا وَمُخَلِّصًا. فَلْنَجْتَهِدْ، إِذًا، أَنْ نَكُونَ أَبْنَاءَ اللهِ حَقِيقِيِّينَ، وَتَلَامِيذَ أُمَنَاءَ، نَسْمَعُ صَوْتَ المَسِيحِ وَنَسِيرُ وَرَاءَهُ، لِمَجْدِ اللهِ وَخَلَاصِ العَالَمِ. آمِين.
دُعَاء
يَا مَنْ تَجَسَّدْتَ وَاعْتَمَدْتَ اليَوْمَ فِي مِيَاهِ الأُرْدُنِّ، آتِيًا مِنْ ذَاتِ اللهِ المُطْلَقَةِ وَغَيْرِ المُتَنَاهِيَةِ، لِتَشْفِيَ جِرَاحَ بَشَرِيَّتِنَا،
وَتَقُودَهَا إِلَى مَا وَرَاءَ الآفَاقِ الضَّيِّقَةِ، لِتَبْلُغَ بِنَا إِلَى سِرِّ الأَبَدِيَّةِ، حَيْثُ نَجِدُ كِيَانَنَا وَغَايَةَ وُجُودِنَا.
اِمْلَأْنَا مِنْ فَيْضِ رُوحِكَ، وَجَدِّدْنَا بِرُوحِكَ القُدُسِ، الرُّوحِ الَّذِي يُطَهِّرُ أَعْمَاقَ نُفُوسِنَا، وَيَجْعَلُهَا هَيَاكِلَ مُقَدَّسَةً حَيَّةً لِحُضُورِكَ الإِلَهِيّ.
أَلْهِمْنَا فَنَتَحَرَّرَ مِنْ خَطَايَانَا، وَنَحْيَا سِرَّ مَعْمُودِيَّتِنَا، تِلْكَ النِّعْمَةَ الَّتِي تَفُوقُ كُلَّ إِدْرَاكٍ، لِنَكُونَ دَائِمًا مَوْضِعَ رِضَاكَ، وَشُهُودًا لِمَحَبَّتِكَ فِي العَالَمِ. آمِين.