موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
في صمت بيت الناصرة، حيث تتسلّل أشعّة الفجر الأولى إلى حياة بسيطة، قرع جرس البشارة في 25 آذار، معلنا بداية الخلاص: " وفي الشَّهْرِ السَّادِس (بعد بشارة زكريّا)، أُرْسِلَ المَلاكُ جِبْرَائِيلُ مِنْ عِنْدِ اللهِ إِلى مَدِينَةٍ في الجَلِيلِ اسْمُهَا النَّاصِرَة، إِلى عَذْرَاءَ مَخْطُوبَةٍ لِرَجُلٍ مِنْ بَيْتِ دَاودَ اسْمُهُ يُوسُف، واسْمُ العَذْرَاءِ مَرْيَم" (لوقا 1: 26-27) ، فتجلّى هنا الاختيار.
نعيش هذا العيد في نبض الحياة اليومية، فنجد فيه مرآة لأنفسنا: هل ما زالت روحنا قادرة على قول "ها أنا"، أم أصبحنا نجيب بصمت المُتَرَدِّدين؟ فيعيدنا الحوار الحيّ في البشارة إلى صراع الإنسان مع المستحيل: "فَقَالَتْ لَهُ الْعَذْرَاءُ: كَيْفَ يَكُونُ هذَا وَأَنَا لاَ أَعْرِفُ رَجُلاً؟" (لوقا 1: 34)، هذا السؤال هو شهادة تدلّ على عقل يُفكّر قبل أن يُقرّ، وقلب يزن المجهول قبل أن يفتح، و تُعِيدُنا هذه الآية إلى لحظات الاختبار: قراراتنا في حياتنا اليومية مع العائلة كل وفق دوره، أو مواجهة ضغوط العمل بثقة تتجاوز الحسابات البشرية؛ البشارة تُعلّمنا أنَّ الإيمان يولد من حوارٍ بين العقل والروح، ثم تأتي الإجابة التي تُحوّل التاريخ: "فَقَالَتْ مَرْيَمُ: ها أَنَا أَمَةُ الرَّبِّ، لِيَكُنْ لِي كَقَوْلِكَ" (لوقا 1: 38)؛ في الكلماتِ إقرار ملكيّ يُفوّضُ الإنسانُ فيهُ إرادَتَهُ لخطَّةٍ أعْلَى منه، ونلمس ذلك في تأمّلاتنا بعد القدَّاس؛ في تسليمنا لمشيئته عند الشّدائد ... في قبولنا للآخر مفترضين النية الصافية دومًا، هذه الآية دعوةً لكلِّ أمّ وأبٍّ أيضًا: هل نقولُ "ها أنا" لمَسؤوليَّاتنا الأسريّة بالبساطةِ ذَاتِهَا؟
عيدُ البشارةِ يدعونا في كلّ عام دعوةً حَاضرةً مكانها ليس الناصرة... مكانها قلوبنا، فإذا تتبعنا الحدث من سؤال مريم العذراء إلى لحظة إقرارها نرى أن الله تعالى يدعو ولا يفرض، فلتكن بشارتنا لعالمٍ يحتاجها بالقلبِ المطمَئِنِّ وَاليدِ المبسوطة.
وكل عام وأنتم بألف خير