موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر الإثنين، ١٨ أغسطس / آب ٢٠٢٥

سقاك الـمُــزنُ عنـّي والغوادي!

بقلم :
يوسف ناصر - الجليل
الأستاذ يوسف ناصر

الأستاذ يوسف ناصر

 

سقاكَ المُزن عنـّي والغوادي أيّها البيت الحبيب.. ورشـّـك الشـّتاء بأمطار العطر عند تهتاله فوق الجبال والهضاب..! وضمّـختـْـكَ بالشـّهد فتيات نيسان الزّاهرات فوق كلّ ربـوة وخمـيلة..! تشــدّ قلبــي إليك دائمًا بحبال من حديد فلا أودّعك..وتُمسكني حجارتك بيديها فلا أفارقك..! أحملك في القلب لينبض منك.. وأتنفـّس من أبوابك..وُأطلـِق زفراتي من نوافذك..! من أين لك هذا العطر الـّذي يفوح من أردانك! بلى إنّه عطر الوطن الغالي ونفح ثرى الأجداد.! حجارتك من ذلك الذّهــب الـّذي يخبّئـه الجليل في خزائنه تحت التـّراب..! ورملك حبّــات الفضّـة والمرجان أخذْتـَها من ذلك العقــد الـّذي يطوّق به البحر عنقه فوق الشـّاطىء..! حماك الله إلى أبد الأبد مِشـماخًا فوق الجبال، وصانك من كلّ شرّ لتبقى الأنسام ترفرف بأجنحتها فوقك، وتبلـّل ثيابك برحيق العرار وأريج الأقحوان، ولتحمل الرّيح إليك عند الصّباح قارورة طيب سكبها النرجس والنّسرين والياسمين فوق الرّوابي والخمائل..!

 

قـُل لي أيّها البيت السّـاكن فيّ! مَنْ بنى لك هذا العرش الجميل فوق تلال الزّهر، وهضاب الرّبيع الدّائم؟ وماذا يبتغي ذلك الجبل العجوز الـّذي انحنى ظهره أمامك، وسقطت أضراسه من فمه إلى أعماق الوادي لكبر سنـّه، بعد ما جاء ماشيًا من صحارى الزمن السّحيق ليقيم في جوارك! قُل لي ما اسمه؟ وماذا يقصّ عليك في اللـّيل من أسراره، ولواعج قلبه! إنـّي أسمعه دائمًا يغمغم بألسنة أطياره، وأراه يشرئبّ برأسه فوق الهضاب، ويتلفـّت إلى كلّ ناحية في الأودية والمروج البعيدة.. لكنّي لا أعي ماذا يقول وماذا يطلب..! أبـيٌّ ابن أبيّ.. لبس منذ القدم عباءة خضراء ولم ينزعها مرّة عن جسده.. ويأنف كبعض النـّاس أن يتعرّى يومًا ويتلوّن..! أو يبدّل ثوبـًا بثوب كلّ ربيع، وقد لبسَ السّنديان والغار الأخضر، وضمّ إلى صدره غابة سترت قدميه عند أسفل الوادي، وغطـّت رأسه تحت الغيوم والسّحب..!

 

جــار قديم لك هذا الجبل الهرِم أيّها البيت الحبيب... أمره عجيب، إنّه لا يسكت عن الكلام ساعة.. وسرّه رهيب،لا وينام لحظة واحدة .! في اللـّيل ذئب يعوي، وثعلب يضبح، يحمل القمر طفلاً على عنقه ويسري به في الظـّلام.. وفي الصّباح عندليب يصدح، وكروان يهتف...! وعند المغيب راهب يصلـّي وحكيم يفكـّر...! وغيمة سوداء أرخت شعرها فوق ظهرها إلى أسفل قدميها ويقطر النـّدى من جدائلها فوق أيكِـهِ الوارف، ودوحهِ الباسق..!

 

أيّها البيت الحبيب ما أوسعك! وما أطول ضيافتك..! يقيم فيك معي أقوام شتـّى اتّخـذوا خزانتي الضّخمة مسكنـًا لهم، واختاروا أنفـَس الكتب فيها حُللا ً لأفكارهم  ومشاعرهم .! يتكلـّمون لغات شتّى، لكنّهم في كنفك خُرْس لا ينطقون.. وصِيام أدعوهم إلى موائدي فلا يأكلون.. يمشون معي من حجرة  إلى أخرى وفي أيديهم طعامي وشرابي ولا يتعبون.. أنام وأبدًا لا ينامون.. أجوادٌ كرام، قـِرى الضّيف عادتهم، وموائدهم ممدودة فيك دائمًا لكلّ آكل ولكلّ شارب..! شرابهم ألـذ ّمن كلّ شراب.. وطعامهم أشهى من كلّ طعام.. أذكر أنّني منذ أيـّام الطفولة كنتُ أرضع من أقلامهم عسلاً لا ينضب.. وأكسر أوراقهم خبزًا لا ينفد..! أولئك عصافير الجنـّة نزلت إلى الأرض من الأدباء الأنبياء الـّذين غرسوا في أرجاء الأرض قلوبهم.. فأنبتت الأقاحي والنّسرين.. أولئك تهيـّبهم الموت حين تركهم ولم يقدر عليهم، فاستثناهم من سِفر الهالكين في هذا العالم..! لم يكونوا يومًا كبعض النـّاس الـّذين يصوّحون آذان الدّنيا بثرثرتهم.. ويحرثون الأرض ويغرسونها أعوادًا يابسة من أقلام عسى أن تورق، وعلى رجاء أن تزهر.. فلا تورق ولا تزهر.. ويا لتعاستهم يوم  تنهمل شآبيب الشّـتاء وسيوله الجارفة، وتُلقيها مرغمةً فوق ركام الحطب..!

 

أيّها البيت الحبيب..أقدامك الثـّابتة الـّتي رسخت فوق الصّخر عميقـًا في التـّراب، كانت معلمتي التي علّمتني الرّسوخ فوق الفضيلة، ونشّأتني على العـزّة والإباء، وأصبحتُ معها أمجّد من يكون قلعـــة في وجه العواصف الحمقاء.. ولا يتهيّب الزّوابع الهوجاء.. كما غدوتُ بفضل دروسك عليّ أيّها المعلمُ العظيم، أمقتُ كلّ قصبة من بني البشر تحرّكها الرّياح في كلّ ناحية.! وأحتقر كلّ  قشّة من النـّاس تسوقها العاصفة إلى كلّ اتـّجاه..ولا يضيرها أن يكسوها الغبار، ويضجّ فوقها زفيف الذبّــاب فوق أوشاب القذر..!

 

عطفتَ عليّ يوم أغلقتَ نوافذك، وأوصدتَ أبوابك في وجه الثــّلج والنــّار التي جاءت تقرع الأبواب..! ومنحْـتـَنـي كلّ دفء قلبك، وحنان حضنك ،وسقيتني من الحبّ الزّاخر الـّذي تلتطم أمواجه دائمـًا في جنباتك... فعلـّمْتَني بها الرّحمة إذ عوّدْتـَني أن أغلق كلّ النـّوافذ، وأوصِد كلّ الأبواب الـّتي تدخل منها الأحزان إلى قلوب المساكين في الأرض..وأن أتذكـّر السّاكنين في الأكواخ... وأرقّ للمقيمين في الخيام... وآسى لأولئك الجياع بين الخبز الكثير.. والعطاش على ضفاف الأنهار..!

 

يا أجمل قصر دون كلّ قصور الدّنيا، وقد حباه الله ملوكـًا على رؤوسهم أنفس التـّيجان المرصّعة  بلآلىء العلم والأدب ..! ويا أضخم قلعة كانت بشرِكة الرّوح القدس وبتأييده لأسنـّة فرسانها الشّوس الميامين، قد ردّت عنها كلّ حصار غاشم ضربه جند الشّيطان حولها حينـًا بعد حين..!، ويا أفخم كنيسة بلا ناقوس يتبتّـل في جنباتها  نُسّاك لا تتوقـّف قلوبهم برهة واحدة عن الرّكوع  أمام الحضرة الإلهيّة ..! يا جنـّة ًفي جُنـَيْنـَة *، ودارةً في دِيرة مسكونٍ قلبي بمحبّتها، مدفون ٍفي ثراها مع آبائي وأجدادي..! يدي هي الـّتي زيّـنتْ قامتك الشّامخة بكلّ حجر مزخرف، وقوس مُنمنم، وعمود مُجعّد، ومـدّتْ فوق كتفيك مناديل الورد..! بابك الواسع واقف يفتح ذراعيه دائمًا ليعانق كلّ زائر، ويعطي مفاتيحه لكلّ قاصد، ويحمل على كتفيه شمعتي المشتعلة في رأس قلمي، مع صوتي الصّاعد إلى العلاء "رُحْمَــاكَ رَبِّ وَإنْ أنـْــتَ وَهَبْتـَنـِــي مِـــنْ لـَدُنـْـــكَ هـَــذا المَــأوَى، أنـْــتَ وَحْــدَكَ مَــأوَايَ رَبِّ وَخَيْــرٌ أنْــتَ مِــنْ  ُكـــلِّ مَــأوَى".. عشتَ إلى أبد الدّهر أيّها البيت الحبيب، محروسًا برحمته، وعامرًا بالسّلام من فضله، وحمى بنيك من عاديات الزّمن..!

 

كلّ وردة من ورودك الـّتي تستلقي على كتفيك.. ويتضوّع بخورها في أنفك... وتُزيّن بألوانها حُـلـّتك... تعلـّمني، وإنْ بلغتْ نفحاتها المكان القصيّ، أنّ رائحة الأعمال الزّكيّة خير الرّائحة في هذا العالم.. وأنّ طيب العمل الصّالح خير الطـّيب في هذه المعمورة.. وأنّ الأنسان الذي لا يكون عُودًا من طيب يفوح أريجه بين النـّاس، شوكة هو في هذه الحياة، وما جاء إليها إلا  لكي تشمّه النـّار وحدها يومًا في هذا العالم...!

 

أيّها البيت الحبيب...ويا وطني الأصغر السّاكن فيّ أنت وسكـّانكَ الأحبّاء ما حييتُ.. لئن نزعتني يد الموت يومًا، وألقتني بعيدًا عنك في فم التـّراب... فلا تعجبنّ أنّ نسمة عاطرة سوف تأتيك كلّ صباح على هيئة عصفورة صغيرة خضراء .. تغيب ثمّ تعود إليك عند كلّ مساء، لتقف على نوافذك، وترفرف فوق أبوابك، طالبة بإلحاح أن تدخل..! فلا تمنعها بربّك، ولا تُؤذِها يومًا.. إنّها روحــي.. أُرسلـُها إليك أنا من جوف التـّراب، عسى أن تطفىء بنظرة واحدة إليك ،ذلك الشـّوق الذي يحرق كبدي إلى السّاكنين فيك من حرّ الغياب...!                 

 

*  الجنينة اسم الأرض التي يقيم عليها الكاتب في القرية.