موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر السبت، ٢٩ نوفمبر / تشرين الثاني ٢٠٢٥

السَّهر الدَّائم ومَجيء المَسيح

بقلم :
الأب لويس حزبون - فلسطين
الأحَد الأوَّل مِن المَجيء: السَّهر الدَّائم ومَجيء المَسيح (متى 24: 37-44)

الأحَد الأوَّل مِن المَجيء: السَّهر الدَّائم ومَجيء المَسيح (متى 24: 37-44)

 

النَّص الإنجيلي: (متى 24: 37-44)

 

37 "وكما كانَ الأَمرُ في أَيَّامِ نوح، فكذلكَ يكونُ عِندَ مَجيءِ ابنِ الإِنسان. 38فكَما كانَ النَّاسُ، في الأَيَّامِ التي تَقَدَّمَتِ الطُّوفان، يَأكُلونَ ويَشرَبونَ ويَتزَّوجونَ ويُزَوِّجونَ بَناتِهِم، إِلى يَومَ دخَلَ نوحٌ السَّفينَة، 39وما كانوا يَتَوَقَّعونَ شَيئاً، حتَّى جاءَ الطُّوفانُ فجَرَفهم أَجمَعين، فكذلكَ يَكونُ مَجيءُ ابنِ الإِنسان: 40يَكونُ عِندَئِذٍ رَجُلانِ في الحَقْل، فيُقبَضُ أَحَدُهما ويُترَكُ الآخَر. 41وتكونُ امرأَتانِ تَطحَنانِ بِالرَّحَى فتُقبَضُ إِحداهما وتُترَكُ الأُخرى. 42فَاسهَروا إِذاً، لأَنَّكُم لا تَعلَمونَ أَيَّ يَومٍ يَأتي ربُّكم. 43وتَعلَمونَ أَنَّه لو عَرَفَ رَبُّ البَيتِ أَيَّ ساعةٍ مِنَ اللَّيلِ يَأتي السَّارِق لَسَهِرَ ولم يَدَعْ بَيتَه يُنقَب. 44لِذلِكَ كونوا أَنتُم أَيضاً مُستَعِدِّين، ففي السَّاعَةِ الَّتي لا تَتَوَقَّعونَها يأَتي ابنُ الإِنسان.

 

 

المُقَدِّمَةُ

 

يُشَكِّلُ الأَحَدُ الأَوَّلُ مِن زَمَنِ المَجِيءِ بِدايَةَ السَّنَةِ اللِّيتُورْجِيَّةِ فِي الكَنِيسَةِ، وَفِيهِ تُذَكِّرُنَا اللِّيتُورْجِيَا بِأَنَّنَا نَعِيشُ فِي الأَزْمِنَةِ الأَخِيرَةِ؛ تِلْكَ الأَزْمِنَةُ الَّتِي اِنْطَلَقَتْ مَعَ المَجِيءِ الأَوَّلِ لِلمَسِيحِ بِتَجَسُّدِهِ فِي عِيدِ المِيلَادِ، وَسَتَبْلُغُ تَمَامَهَا فِي مَجِيئِهِ الثَّانِي يَوْمَ الدَّيَّانِةِ. وَيَتَكَوَّنُ زَمَنُ المَجِيءِ، عَلَى المُسْتَوَى اللِّيتُورْجِيِّ، مِن أَرْبَعَةِ أَسَابِيعَ يَسْتَعِدُّ خِلَالَهَا المُؤْمِنُونَ مِن جِهَةٍ لاسْتِقْبَالِ مِيلادِ الرَّبِّ بِالجَسَدِ، وَمِن جِهَةٍ أُخْرَى لِانتِظَارِ ظُهُورِهِ المَجِيدِ فِي نِهَايَةِ الأَزْمِنَةِ، حِينَ يَكْتَمِلُ التَّارِيخُ وَيَأْتِي المَسِيحُ لِيَدِينَ الأَحْيَاءَ وَالأَمْوَاتَ.

 

وَفِي هَذَا السِّيَاقِ، يَدْعُونَا يَسُوعُ فِي إِنْجِيلِ هَذَا الأَحَدِ، فِي خِطَابِهِ الإِسْكَاتُولُوجِيِّ عَنْ نِهَايَةِ الأَزْمِنَةِ (متى 24: 37–44)، إِلَى اليَقَظَةِ وَالسَّهَرِ، تَرَقُّبًا وَاسْتِعْدَادًا لِمَجِيئِهِ الثَّانِي، لأَنَّ سَاعَةَ عَوْدَتِهِ تَبْقَى غَيْرَ مُتَوَقَّعَةٍ. وَلَيْسَ هَدَفُ الإِنْجِيلِ أَنْ يُثِيرَ فِينَا الفُضُولَ حَوْلَ الأَزْمِنَةِ وَالعَلَامَاتِ، أَوْ أَنْ يَكْشِفَ زَمَنَ حُدُوثِ ذَلِكَ، وَلَا أَنْ يُحَرِّكَ المَخَاوِفَ فِي قُلُوبِنَا؛ بَلْ أَنْ يُذَكِّرَنَا بِوَصِيَّتِهِ الوَاضِحَةِ وَالحَاسِمَةِ: "كُونُوا أَنْتُمْ أَيْضًا مُسْتَعِدِّين". وَمِنْ هُنَا تَنْبُعُ أَهَمِّيَّةُ التَّعَمُّقِ فِي وَقَائِعِ النَّصِّ الإِنْجِيلِيِّ وَدَلَالَاتِهِ، وَاسْتِكْشَافِ بُعْدِهِ الرُّوحِيِّ وَالرَّعَوِيِّ لِحَيَاتِنَا اليَوْمَ، لِنَتَعَلَّمَ كَيْفَ نَحْيَا فِي حَالَةِ انْتِظَارٍ وَرَجَاءٍ، لا فِي حَالَةِ خَوْفٍ وَارْتِبَاكٍ.

 

 

اولا: وقائع النص الإنجيلي (متى 24: 37-44)

 

37 كما كانَ الأَمرُ في أَيَّامِ نوح، فكذلكَ يكونُ عِندَ مَجيءِ ابنِ الإِنسان

 

تُشِيرُ عِبارَةُ "كَمَا كانَ الأَمْرُ في أَيَّامِ نُوحٍ، فَكَذلِكَ يَكُونُ عِندَ مَجِيءِ ابْنِ الإِنْسَانِ" إِلى تَشْبِيهِ تَعْلِيمِ يَسُوعَ حَوْلَ الأَزْمِنَةِ الأَخِيرَةِ بِالزَّمَنِ الَّذِي عَاشَ فِيهِ نُوحٌ (تَكْوِين 6–8). فَهُنَاكَ، كَمَا هُنَا، لَا مُبَالاةٌ فِي مَجْرَى الحَيَاةِ اليَوْمِيَّةِ، وَعَدَمُ إِدْرَاكٍ لِحَقِيقَةِ أَنَّ لِهذِهِ الحَيَاةِ، كَمَا لَهَا بَدَايَةٌ، فَإِنَّ لَهَا نِهَايَةً أَيْضًا. ويقولُ القدّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الفَمِّ (407م): " لَيْسَ الخَطَرُ فِي الزَّوَاجِ أَوِ الأَكْلِ، بَلْ فِي الاِنْغِمَاسِ فِي الحَيَاةِ دُونَ الاِنْتِبَاهِ لِحُضُورِ اللهِ وَدَعْوَتِهِ لِلتَّوْبَةِ". كما يُوضِّحُ القدّيسُ أوغسطينوس (430م): "إِنَّ الَّذِي يَنْشَغِلُ بِزَمَنِهِ الحَالِي وَيُهْمِلُ حَيَاتَهُ الأَبَدِيَّةَ، يُشْبِهُ الَّذِينَ رَفَضُوا دُخُولَ الفُلْكِ".

 

أمَّا عبارة "فِي أَيَّامِ نُوحٍ" فتشير إِلَى الحِقْبَةِ الَّتِي تَسْبِقُ الطُّوفانَ بِحَسَبِ رِوايَةِ سِفْرِ التَّكْوِينِ (تَكْوِين 6–9)، وَهِيَ فَتْرَةٌ مَحْوَرِيَّةٌ فِي التَّارِيخِ الخَلاصِيِّ يُسَمِّيهَا التَّقْلِيدُ "العَصْرَ مَا قَبْلَ الطُّوفانِ".

 

أَمَّا اسْمُ "نُوحٍ" فِي الأَصْلِ اليُونانِيِّ Νῶε فَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنَ الاسْمِ السَّامِيِّ نُوح / نُوّاح ذِي الجَذْرِ الدَّالِّ عَلَى الرَّاحَةِ. غَيْرَ أَنَّ سِفْرَ التَّكْوِينِ يُقَدِّمُ تَفْسِيرًا اشْتِقاقِيًّا شَعْبِيًّا لِهَذَا الاسْمِ حِينَ يَرْبِطُهُ بِفِعْلِ "يُعَزِّي" قَائِلًا: "هَذَا يُعَزِّينَا فِي عَمَلِنَا وَفِي مَشَقَّةِ أَيْدِينَا بِسَبَبِ الأَرْضِ الَّتِي لَعَنَهَا الرَّبُّ" (تَكْوِين 5: 29). وَيَرَى القِدِّيسُ إِيرِيناؤُس أَنَّ نُوحًا يَرْمُزُ لِلمَسِيحِ الَّذِي بِحُضُورِهِ يَمْنَحُ البَشَرَ رَاحَةً وَتَعْزِيَةً مِنْ لَعْنَةِ الخَطِيئَةِ (إيريناوس، ضد الهرطقات، 5: 28). وَيُقَدِّمُ سِفْرُ التَّكْوِينِ سِلْسِلَةَ النَّسَبِ الَّتِي تَجْعَلُ نُوحًا العَاشِرَ مِنْ آدَمَ، فَهُوَ ابْنُ لاَمِكْ بنِ مَتُوشَالَحْ بنِ أَخْنُوخْ بنِ يَارِدْ بنِ مَهْلَلْئِيلْ بنِ قِينَانْ بنِ أَنُوشْ بنِ شِيثْ بنِ آدَمَ. وَيَصِفُهُ الكِتَابُ بِأَنَّهُ "رَجُلٌ بارٌّ وَكامِلٌ فِي أَجْيَالِهِ" (تَكْوِين 6: 9)، وَهِيَ صِفَةٌ تُشِيرُ فِي العِبْرِيَّةِ إِلَى الاِسْتِقامَةِ وَالنَّزَاهَةِ الأَخْلاقِيَّةِ، لَا إِلَى العِصْمَةِ. وَيَصِفُ القِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الفَم نُوحًا بِأَنَّهُ "واحِدٌ مِنْ بَقِيَّةٍ قَلِيلَةٍ حَافِظَةٍ لِوَصِيَّةِ اللهِ فِي زَمَنٍ انْتَشَرَتْ فِيهِ الخَطِيئَةُ" (يوحنا الذهبي الفم، تفسير سفر التكوين، عظة 22). وَيَرْسُمُ سِفْرُ التَّكْوِينِ صُورَةً قَاتِمَةً عَنْ فَسادِ البَشَرِ قُبَيْلَ الطُّوفانِ :"رَأَى الرَّبُّ أَنَّ شَرَّ الإِنْسَانِ قَدْ كَثُرَ"  (تَكْوِين 6: 5). وَيُفَسِّرُ القِدِّيسُ أوغسطينوس هَذِهِ اللُّغَةَ بِأَنَّهَا "تَجَاوُبٌ إِلَهِيٌّ مَعَ الشَّرِّ الإِنْسَانِيِّ، لَيْسَ عَلَى سَبِيلِ تَغَيُّرِ المَشِيئَةِ، بَلْ كَشَفْعَةِ الْحُكْمِ عَلَى الفَسَادِ" (أوغسطينوس، مدينة الله، 15: 25). وَلِذَلِكَ اسْتَثْنَى اللهُ نُوحًا مِنَ الدَّيْنُونَةِ وَأَمَرَهُ أَنْ يَصْنَعَ فُلْكًا يَحْمِلُ عَلامَةَ الخَلاصِ لَهُ، وَلِأُسْرَتِهِ، وَلِلْحَيَواناتِ (تَكْوِين 6–7). وَيَرَى التَّقْلِيدُ الكَنَسِيُّ فِي الفُلْكِ رَمْزًا لِلكَنِيسَةِ الَّتِي تُنَجِّي أَوْلَادَ اللهِ مِنْ طُوفَانِ الشَّرِّ. وَيَشْرَحُ القِدِّيسُ كِيرِلُّسُ الإِسْكَنْدَرِيُّ أَنَّ "دُخُولَ نُوحٍ وَأَهْلِ بَيْتِهِ لِلْفُلْكِ مُسْبِقٌ لِصُورَةِ دُخُولِ المُؤْمِنِينَ إِلَى الكَنِيسَةِ فِي المَسِيحِ" (كيرلس الإسكندري، الرموز المسيحانية في العهد القديم، تفسير تك 6). وَبَعْدَ الطُّوفانِ، بارَكَ اللهُ نُوحًا وَبَنِيهِ وَقَالَ لَهُمْ: "اِثْمِرُوا وَأَكْثِرُوا وَامْلَأُوا الأَرْضَ" (تَكْوِين 9: 1)، مِمَّا يَجْعَلُ نُوحًا الأَبَ الثَّانِي لِلْبَشَرِيَّةِ بَعْدَ آدَمَ. وَيَرَى الآباءُ أَنَّ هَذِهِ البَرَكَةَ تُعِيدُ تَجْدِيدَ العَهْدِ الأَوَّلِ الَّذِي أُعْطِيَ لِآدَمَ (تَكْوِين 1: 28). وَقَدْ مَاتَ نُوحٌ عَنْ تِسْعِ مِئَةٍ وَخَمْسِينَ سَنَةً (تَكْوِين 9: 29)، وَيَرَى أَثَنَاسْيُوس أَنَّ "طُولَ أَعْمَارِ الآبَاءِ الأَوَّلِينِ يُشِيرُ رَمْزًا إِلَى فَيْضِ نِعْمَةِ اللهِ فِي بَدَايَةِ الخَلِيقَةِ" (أثناسيوس، ضد الوثنيين، فقرة 3).

 

أَمَّا عِبارَةُ "مَجِيءِ" فَهِيَ مُتَرْجَمَةٌ فِي اليُونانِيَّةِ بِكَلِمَةِ παρουσία وَكَانَتْ تَدُلُّ فِي الثَّقَافَةِ اليُونانِيَّةِ–الرُّومَانِيَّةِ عَلَى وُجُودٍ مَلَكِيٍّ أَوْ زِيَارَةٍ إِمْبِراطُورِيَّةٍ. وَفِي العَهْدِ الجَدِيدِ صَارَتْ تَدُلُّ عَلَى المَجِيءِ الثَّانِي لِلْمَسِيحِ فِي مَجْدِهِ (مَتَّى 24: 3 و27). وَيَرَى القِدِّيسُ غِرِيغُورِيُوس النِّيسِيُّ أَنَّ "البَارُوسِيَا هِيَ اكْتِمَالُ الحَضُورِ الإِلَهِيِّ الَّذِي بَدَأَ فِي التَّجَسُّدِ" (غريغوريوس النيسي، في الحياة المسيحية، فصل 9..)

 

أَمَّا لَقَبُ "ابْنِ الإِنْسَانِ" فِي الأَصْلِ اليُونانِيِّ Υἱὸς τοῦ ἀνθρώπου، فَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنَ العِبْرِيَّةِ בֶּן־אָדָם (ابْنُ آدَمَ)، وَيُخَاطَبُ بِهِ حزقيالُ لِلتَّدْلِيلِ عَلَى بَشَرِيَّتِهِ (حِزْقِيال 2: 1). وَلَكِنَّ سِفْرَ دَانِيآلَ يَقْدُمُ شَخْصًا "شَبِيهًا بِابْنِ إِنْسَانٍ" لَهُ سُلْطانٌ أَبَدِيٌّ وَمَلَكُوتٌ لَا يَزُولُ (دَانِيآل 7: 13–14)، مِمَّا أَسَّسَ فَهْمًا مَسِيحانيًّا سَماوِيًّا. وَيَشْرَحُ القِدِّيسُ ايرونيموس أَنَّ "ابْنَ الإِنْسَانِ فِي دَانِيآلَ هُوَ شَخْصٌ سَمَاوِيٌّ يَتَقَدَّمُ نَحْوَ اللهِ لِيَنَالَ السُّلْطانَ عَلَى البَشَرِ"(ايرونيموس، تفسير سفر دانيال، تعليق على دانيال 7: 13). وَفِي سِفْرِ أَخْنُوخَ، يَظْهَرُ اللَّقَبُ بِعُمقٍ مَسِيانيٍّ مُرْتَبِطٍ بِالدَّيَانَةِ وَالانْتِصَارِ. وَقَدِ اتَّخَذَ يَسُوعُ هَذَا اللَّقَبَ لَقَبًا مُفَضَّلًا فِي خِدْمَتِهِ، إِذْ وَرَدَ فِي الأَناجِيلِ نَحْوَ 78 مَرَّةً، يُشِيرُ فِيهَا تَارَةً إِلَى بَشَرِيَّتِهِ الحَقِيقِيَّةِ (مَرْقُس 2: 28)، وَتَارَةً أُخْرَى إِلَى سُلْطانِهِ الإِلَهِيِّ وَمَجْدِهِ (مَتَّى 26: 64) وَإِلَى دَيْنُونَتِهِ لِجَمِيعِ البَشَرِ (مَتَّى 19: 28). وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ أُورِيجانُوس قَائِلًا: "لَقَبُ ابْنِ الإِنْسَانِ يَجْمَعُ بَيْنَ اتِّضَاعِ المَسِيحِ وَسُلْطانِهِ، فَهُوَ ابْنُ الآدَمِيِّينَ، وَفِي الوَقْتِ نَفْسِهِ رَبُّهُمْ وَدَيَّانُهُمْ". (8. أوريجانوس، شرح إنجيل متى، كتاب 12). وَمِنَ المُلفِتِ أَنَّ اللَّقَبَ لَمْ يُسْتَعْمَلْ عَنِ المَسِيحِ بَعْدَ القِيَامَةِ إِلَّا فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ هُوَ رُؤْيَا إِسْطِفانُسَ (أَعْمالُ الرُّسُل 7: 56)، مَا يُدَلِّلُ عَلَى ارْتِبَاطِهِ بِمَرْحَلَةِ التَّجَسُّدِ وَالخِدْمَةِ العَلَنِيَّةِ وَإِعْلانِ الدَّيَّانَةِ الآتِيَةِ. وَهَكَذَا تَتَكامَلُ هَذِهِ العِبَارَاتُ – "أَيَّامُ نُوحٍ"، "المَجِيءُ"، "ابْنُ الإِنْسَانِ" – لِتُبْرِزَ البُعْدَ النَّبَوِيَّ وَالأُخْرَوِيَّ فِي تَعْلِيمِ يَسُوعَ، وَلِتَدْعُوَ المُؤْمِنِينَ إِلَى السَّهَرِ الرُّوحِيِّ وَالاسْتِعْدَادِ لِمَجِيئِهِ الأَخِيرِ فِي "يَوْمٍ لَا يَتَوَقَّعُهُ أَحَدٌ".

 

 38 فكَما كانَ النَّاسُ، في الأَيَّامِ التي تَقَدَّمَتِ الطُّوفان، يَأكُلونَ ويَشرَبونَ ويَتزَّوجونَ ويُزَوِّجونَ بَناتِهِم، إِلى يَومَ دخَلَ نوحٌ السَّفينَة،

 

تُشِيرُ عِبارَةُ "يَأكُلونَ ويَشرَبونَ ويَتزَوَّجونَ ويُزَوِّجونَ بَناتِهِم" إِلَى أَنَّ النَّاسَ فِي أَيَّامِ نُوحٍ كَانُوا يَعِيشُونَ حَيَاتَهُمُ العَادِيَّةَ غَيْرَ مُتَوَقِّعِينَ وُقُوعَ الطُّوفَانِ، وَذَلِكَ مَعَ أَنَّ نُوحًا حَذَّرَهُمْ وَصَنَعَ الفُلْكَ أَمَامَ أَعْيُنِهِمْ، كَمَا يُفِيدُ التُّرَاثُ الكِتَابِيُّ (راجع 1 بُطْرُس 3: 19). وَلَمْ يَكُنِ الخَطَأُ فِي الأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالزَّوَاجِ فِي ذَاتِهَا، بَلْ فِي انْهَمَاكِهِمْ فِي هَذِهِ الأَعْمَالِ كَأَنَّهَا كُلُّ مَا فِي الحَيَاةِ، وَفِي غَفْلَتِهِمْ عَنْ اللهِ وَعَنْ إِنْذَارَاتِهِ، وَهُمْ عَلَى شَفِيرِ الهَلَاكِ. فَالأَكْلُ وَالشُّرْبُ وَالزَّوَاجُ لَيْسَتْ أَشْيَاءَ شِرِّيرَةً، وَلَكِنَّ مُمارَسَتَهَا كَمَا لَوْ أَنَّ الحَيَاةَ هِيَ هَذِهِ الأُمُورُ فَقَطْ تُصْبِحُ مَدْخَلًا لِلهَلاكِ، كَمَا أَشَارَ الرَّبُّ نَفْسُهُ: "وَلَمْ يَعْلَمُوا حَتَّى جَاءَ الطُّوفَانُ فَأَخَذَ الجَمِيعَ" (مَتَّى 24: 39).  وَفِي هَذَا السِّيَاقِ، يَقُولُ الرَّسُولُ بُولُس:"عاقِبَتُهُمُ الهَلاكُ، وَإِلهُهُم بَطْنُهُم، وَمَجْدُهُم فِي عَارِهِم، وَهَمُّهُم أُمُورُ الأَرْضِ" (فيلِبِّي 3: 19).  وَيُضيفُ: "فَإِنَّ أَمْثالَ أُولَئِكَ لَا يَعْمَلُونَ لِلْمَسِيحِ رَبِّنَا، بَلْ لِبُطُونِهِم" (رُومِيَّة 16: 18). وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ أُورِيجانُوس عَلَى هَذِهِ الحَقِيقَةِ قَائِلًا: "لَيْسَ الشَّرُّ فِي الحَاجَاتِ الجَسَدِيَّةِ، بَلْ فِي أَنْ يَصِيرَ الإِنْسَانُ عَبْدًا لَهَا وَيَنْسَى اللهَ" (أوريجانوس، شرح إنجيل متّى، الكتاب 12).

 

أَمَّا عِبارَةُ "السَّفينَةِ" فَتُشِيرُ إِلَى سَفينَةِ نُوحٍ الَّتِي جَاءَ وَصْفُهَا بِالتَّفْصِيلِ فِي الكِتَابِ المُقَدَّسِ: "اِصْنَعْ لَكَ سَفينَةً مِنْ خَشَبٍ قَطْرانِيٍّ… ثَلاثُ مِئَةِ ذِراعٍ طُولُهَا، وَخَمْسُونَ ذِراعًا عَرْضُهَا، وَثَلَاثُونَ ذِراعًا ارْتِفَاعُهَا… وَتَجْعَلُهَا طَبَقَاتٍ: سُفْلِيًّا وَثَانِيًا وَثَالِثًا " (تَكْوِين 6: 14–16). وَاللَّفْظَةُ العِبْرِيَّةُ المُسْتَعْمَلَةُ هُنَا هِيَ תֵּבָה، وَهِيَ نَفْسُهَا الَّتِي وُضِعَتْ فِيهَا سُلَّةُ مُوسَى عَلَى النِّيلِ (خُرُوج 2: 3، 5)، مِمَّا يُظْهِرُ صِلَةً رَمْزِيَّةً بَيْنَ الخَلاصِ مِنَ المَاءِ فِي كِلَا الحَدَثَيْنِ. وَيُشِيرُ سِفْرُ العِبْرانِيِّينَ إِلَى أَنَّ بِنَاءَ الفُلْكِ كَانَ عَمَلَ إِيمَانٍ: "بِالإِيمَانِ نُوحٌ لَمَّا أُوحِيَ إِلَيْهِ… فَاتَّخَذَ الفُلْكَ" (عِبْرانِيِّين 11: 7). وَيَرَى القِدِّيسُ كِيرِلُّسُ الإِسْكَنْدَرِيُّ أَنَّ "الفُلْكَ صُورَةٌ لِلكَنِيسَةِ الَّتِي تَحْمِلُ المُؤْمِنِينَ نَحْوَ الخَلاصِ فِي وَسَطِ أَمْوَاجِ العَالَمِ" (كيرلس الإسكندري، تفسير سفر التكوين، تكوين 6). أَمَّا الرَّأْيُ القَائِلُ بِـ اِكْتِشَافِ خَشَبٍ عَلَى جَبَلِ أَرَارَاط فِي تُرْكِيَا، وَأَنَّهُ بَقَايَا سَفينَةِ نُوحٍ، فَهُوَ فَرَضِيَّةٌ لَا أَسَاسَ عِلْمِيًّا لَهَا، إِذْ لَا يُمْكِنُ لِلْخَشَبِ أَنْ يَبْقَى عَلَى حَالِهِ لِآلَافِ السِّنِينَ فِي قِمَّةٍ تَكْسُوهَا الثُّلُوجُ وَتَتَعَرَّضُ لِتَغَيُّرَاتٍ مُتَطَرِّفَةٍ فِي دَرَجَاتِ الحَرَارَةِ وَالرُّطُوبَةِ. وَيُؤَكِّدُ عُلَمَاءُ الآثارِ وَالجِيُولُوجْيَا أَنَّهُ لَا دَلِيلَ مَادِّيًّا مُوَثَّقًا يُثْبِتُ وُجُودَ بَقَايَا الفُلْكِ عَلَى أَرَارَاط، وَأَنَّ كُلَّ مَا نُشِرَ هُوَ فِي نِطَاقِ التُّرَاثِ الشَّعْبِيِّ أَوْ فَرَضِيَّاتٍ غَيْرِ مُعْتَمَدَةٍ.

 

39 وما كانوا يَتَوَقَّعونَ شَيئاً، حتَّى جاءَ الطُّوفانُ فجَرَفهم أَجمَعين، فكذلكَ يَكونُ مَجيءُ ابنِ الإِنسان

 

تُشِيرُ عِبارَةُ "وَما كانوا يَتَوَقَّعونَ شَيئًا" فِي الأَصْلِ اليُونانِيِّ οὐκ ἔγνωσαν، وَمَعْنَاهَا "لَمْ يَعْرِفُوا"، إِلَى عَدَمِ إِدْرَاكِهِم وَجَهْلِهِم بِقُرْبِ الحُكْمِ الإِلَهِيِّ، حَتَّى جَاءَ الطُّوفَانُ فَبَاغَتَ الجَمِيعَ. فَهُم أُنْذِرُوا، وَلَكِنَّهُمْ لَمْ يُؤْمِنُوا، كَمَا يَسْتَدِلُّ مِنْ كَلِمَاتِ بُطْرُسَ الرَّسُولِ:"وَإِذَا كانَ لَمْ يَعْفُ عَنِ العالَمِ القَدِيمِ، فَجَلَبَ الطُّوفانَ عَلَى عالَمِ الكُفَّارِ، وَلَكِنَّهُ حَفِظَ نُوحًا، ثَامِنَ الَّذِينَ نَجَوْا، وَكانَ يَدْعُو إِلَى البِرِّ" (2 بُطْرُس 2: 5).  وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الفَم عَلَى هَذَا النَّصِّ قَائِلًا: "لَمْ يَظْهَرِ الجَهْلُ مِنْ عَدَمِ الوِعْيِ، بَلْ مِنْ قَسْوَةِ القَلْبِ الَّذِي لَا يَسْتَجِيبُ لِكَلِمَةِ اللهِ" (يوحنا الذهبي الفم، عظات على سفر التكوين، عظة 22).

 

أَمَّا عِبارَةُ "الطُّوفانُ" فَتُشِيرُ إِلَى ذَلِكَ الحَدَثِ الكِتَابِيِّ الَّذِي نَزَلَ فِيهِ المَطَرُ عَلَى الأَرْضِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا وَلَيْلَةً، فَهَلَكَ فِيهِ كُلُّ مَنْ عَلَى الأَرْضِ مِنْ بَشَرٍ وَحَيَوَانَاتٍ (تَكْوِين 7). وَبَعْدَ الأَرْبَعِينَ يَوْمًا، كَفَّ المَطَرُ، وَابْتَدَأَتِ المِيَاهُ تَنْحَسِرُ قَلِيلًا قَلِيلًا، حَتَّى اسْتَقَرَّ الفُلْكُ عَلَى "جِبَالِ أَرَارَاط" (تَكْوِين 8: 4). وَيُورِدُ سِفْرُ التَّكْوِينِ قِصَّةَ الطُّوفَانِ بِتَفَاصِيلِهَا فِي (تَكْوِين 6: 1 – 9: 19). وَقَدْ أَتَى الطُّوفَانُ هَلَاكًا لِلأَشْرَارِ، بَيْنَمَا نَجَا نُوحٌ لِاسْتِقَامَتِهِ وَإِيمَانِهِ. وَهَكَذَا يَتَّضِحُ مِثَالٌ لاهُوتِيٌّ مُهِمٌّ: كَمَا أَنَّ الطُّوفَانَ فَرَزَ الصِّدِّيقِينَ مِنَ الأَشْرَارِ، كَذَلِكَ سَيَكُونُ المَجِيءُ الثَّانِي، فَيَنْجُو الثَّابِتُونَ فِي الإِيمَانِ، وَيَهْلَكُ الَّذِينَ أَصَرُّوا عَلَى الشَّرِّ وَالرَّفْضِ (راجع مَتَّى 24: 37–39). وَيَرَى القِدِّيسُ أوغسطينوس فِي الطُّوفَانِ:"صُورَةً لِلدَّيْنُونَةِ القَادِمَةِ، وَالفُلْكَ صُورَةً لِلكَنِيسَةِ الَّتِي تَنْجُو بِالمَسِيحِ مِنْ هَذَا العَالَمِ الزَّائِلِ" (أوغسطينوس، مدينة الله، 26: 15).  وَمِنَ الجَدِيرِ ذِكْرُهُ أَنَّ هُنَاكَ أُسَاطِيرَ عَنْ الطُّوفَانِ تُشْبِهُ رِوَايَةَ نُوحٍ فِي تَرَاثِ شُعُوبٍ مُخْتَلِفَةٍ، وَأَقْدَمُهَا الأُسْطُورَةُ البَابِلِيَّةُ الَّتِي تُشَكِّلُ جُزْءًا مِنْ مَلْحَمَةِ جِلْجامِش، إِضَافَةً إِلَى أُسَاطِيرَ أُخْرَى عِنْدَ اليُونَانِ وَالرُّومانِ. وَيَسْتَنْتِجُ البَاحِثُونَ أَنَّ وُجُودَ هَذِهِ التَّقَالِيدِ فِي شُعُوبٍ مُتَبَاعِدَةٍ يَدُلُّ عَلَى ذِكْرَى جَمَاعِيَّةٍ قَدِيمَةٍ لِحَدَثٍ كَبِيرٍ ذَا طَابِعٍ طُوفَانِيٍّ. (Epic of Gilgamesh, Tablet XI). وَيَقْدِّمُ السَّيِّدُ المَسِيحُ قِصَّةَ الطُّوفَانِ مِثَالًا لِمَجِيئِهِ الثَّانِي، فَكَمَا جَاءَ الطُّوفَانُ مُفَاجِئًا، كَذَلِكَ سَيَكُونُ يَوْمُ الرَّبِّ: "كَمَا كَانَ فِي أَيَّامِ نُوحٍ، كَذَلِكَ يَكُونُ فِي يَوْمِ ابْنِ الإِنْسَانِ" (لُوقا 17: 26).  وَيَؤْكِّدُ القِدِّيسُ غِرِيغُورِيُوس النِّيسِيُّ أَنَّ: "ذِكْرَ الطُّوفَانِ عَلَى لِسَانِ المَسِيحِ يُثْبِتُ صِدْقَ كِتَابِ العَهْدِ القَدِيمِ، وَيَجْعَلُ مِنْ نُوحٍ مِثَالًا لِلإِيمَانِ الثَّابِتِ فِي الأَيَّامِ الأَخِيرَةِ" (غريغوريوس النيسي، عظة عن اليوم الأخير).

 

أمَّا عِبارَةُ "فَجَرَفَهُم أَجْمَعِينَ" فَتُشِيرُ إِلى أَنَّ المَاءَ غَمَرَ العَالَمَ فِي النِّهَايَةِ.  فَالطُّوفَانُ يُمَثِّلُ يَوْمَ الدِّينُونَةِ، أَمَّا المَاءُ فَيَرْمُزُ إِلى الحَقِّ الإِلَهِيِّ الَّذِي يَكْشِفُ كُلَّ شَيْءٍ. وَفِي هذَا السِّيَاقِ يُقَدِّمُ أُورِيجَانُوس تَحْلِيلًا رُوحِيًّا عَميقًا لِهذِهِ الكَلِمَات، فَيَقُولُ: "كَمَا غَمَرَ المَاءُ الأَرْضَ، سَيَغْمُرُ الحَقُّ العَالَمَ، وَسَيَظْهَرُ مَا أَخْفَاهُ النَّاسُ مِنْ شُرُورٍ". اليوم، كمسيحيّين، ماذا نتوقّع من تعاليم الربّ لنا؟  اليَومَ، كَمَسِيحِيِّين، يَدْعُونَا الرَّبُّ لِلسُّؤَالِ: هَلْ نَحْيَا حَيَاةً وَكَأَنَّهَا لا نِهَايَةَ لَهَا؟ أَمْ هَلْ نَبْدَأُ فِي الاسْتِعْدَادِ لِلِّقَاءِ الَّذِي سَيُغَيِّرُ حَيَاتَنَا مِنَ الجُذُورِ؟ الاسْتِعْدَادُ لَيْسَ هُرُوبًا مِنَ العَالَم، بَلْ طَرِيقَةٌ جَدِيدَةٌ لِعَيْشِ العَالَمِ: بِقَلْبٍ مُسْتَسْلِمٍ لِمَشِيئَةِ الله، وَعَيْنَيْنِ تَرَيَانِ مَا وَرَاءَ الظَّاهِرِ، وَرَجَاءٍ يَنْتَظِرُ مُلْكَ اللهِ الَّذِي يَبْدَأُ فِي القَلْبِ قَبْلَ أَنْ يَتِمَّ فِي المَجْدِ.

 

40 يَكونُ عِندَئِذٍ رَجُلانِ في الحَقْل، فيُقبَضُ أَحَدُهما ويُترَكُ الآخَر

 

تُشِيرُ عِبارَةُ "فَيُقْبَضُ أَحَدُهُمَا وَيُتْرَكُ الآخَرُ" إِلى لَحْظَةٍ مُفَاجِئَةٍ تَقَعُ فِي وَسَطِ الحَيَاةِ اليَوْمِيَّةِ، دُونَ أَيِّ إِنْذَارٍ مُسْبَقٍ. وَيَدْعُونَا يَسُوعُ، مِنْ خِلَالِ هذَا الكَلَامِ، إِلَى أَلَّا تُرْهِبَنَا الأَحْدَاثُ غَيْرُ المُتَوَقَّعَةِ وَلَا أَنْ تُدْخِلَ الخَوْفَ إِلَى قُلُوبِنَا، بَلْ أَنْ نَحْيَا فِي حَالَةِ اسْتِعْدَادٍ دَائِمٍ، لِأَنَّنَا لَا نَعْلَمُ مَتَى يَأْتِي الرَّبُّ ثَانِيَةً لِنَحْيَا مَعَهُ فِي مَجْدِهِ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ كِيرِلُّسُ الأُورُشَلِيمِيُّ (†386م) عَلَى عُنْصُرِ الفَجَاءَةِ فِي مَجِيءِ الرَّبِّ قَائِلًا: "لَيْسَ العَمَلُ هُوَ مَا يُمَيِّزُ الإِنْسَانَ، بَلِ القَلْبُ الَّذِي يَحْمِلُهُ وَهُوَ يَعْمَلُ. فَاثْنَانِ يُمَارِسَانِ العَمَلَ نَفْسَهُ، لَكِنَّ أَحَدَهُمَا لِلرَّبِّ وَالآخَرَ لِلعَالَمِ، وَلِذَلِكَ يُقْبَضُ أَحَدُهُمَا وَيُتْرَكُ الآخَرُ". أَمَّا القِدِّيسُ أَفْرَامُ السُّرْيَانِيُّ (†٣٧٣م) فَيُقَدِّمُ قِرَاءَةً رُوحِيَّةً لِهذِهِ الآيَةِ قَائِلًا: "فِي لَحْظَةٍ وَاحِدَةٍ يُظْهِرُ الرَّبُّ مَا كَانَ مُخْتَفِيًا: وَاحِدٌ يُرْفَعُ لِأَنَّ قَلْبَهُ كَانَ سَاهِرًا، وَالآخَرُ يُتْرَكُ لِأَنَّ قَلْبَهُ كَانَ نَائِمًا". فَالقَبْضُ وَالتَّرْكُ لَيْسَا عُقُوبَةً فُجَائِيَّةً، بَلْ هُمَا اكْتِمَالُ مَا اخْتَارَهُ الإِنْسَانُ طُولَ حَيَاتِهِ: فَمَنْ حَيِيَ فِي النُّورِ يُرْفَعُ إِلَى مَجْدِ الله، وَمَنْ حَيِيَ فِي الغَفْلَةِ يَبْقَى حَيْثُ اخْتَارَ قَلْبُهُ أَنْ يَكُونَ.

 

41 وتكونُ امرأَتانِ تَطحَنانِ بِالرَّحَى فتُقبَضُ إِحداهما وتُترَكُ الأُخرى.

 

تُشِيرُ عِبارَةُ "الرَّحَى" إِلَى رَحَى اليَدِ، وَهِيَ الآلَةُ الَّتِي كَانَتْ مُسْتَخْدَمَةً فِي فِلَسْطِينَ وَالبِلادِ المُجَاوِرَةِ لِطَحْنِ الحُبُوبِ. وَهِيَ مُؤلَّفَةٌ مِنْ حَجَرَيْنِ مُسْتَدِيرَيْنِ، قُطْرُ كُلٍّ مِنْهُمَا نَحْوَ نِصْفِ ذِرَاعٍ فَمَا فَوْقَ، وَسُمْكُهُ نَحْوَ ثَلَاثَةِ قَرَارِيط أَوْ أَكْثَرَ. يُسَمَّى الحَجَرُ السُّفْلِيُّ رَحَى، أَمَّا العُلْوِيُّ فَيُسَمَّى المِرْدَاةَ. وَيَتَوَسَّطُ الحَجَرَ السُّفْلِيَّ مِحْوَرٌ يَدْخُلُ فِي ثُقْبٍ فِي مَرْكَزِ المِرْدَاةِ، وَتُسْكَبُ الحُبُوبُ فِي هَذَا الثُّقْبِ لِتَنْطَحِنَ، ثُمَّ يَخْرُجَ دَقِيقُهَا مِنْ بَيْنِ الحَجَرَيْنِ عِنْدَ مُحِيطِ الدَّائِرَتَيْنِ. أَمَّا تَحْرِيكُ المِرْدَاةِ فَيَكُونُ بِوَاسِطَةِ مِسْكَةٍ مِنْ خَشَبٍ مُثَبَّتَةٍ عَلَى طَرَفِهَا العُلْوِيِّ. وَقَدْ تَكَلَّمَ الكِتَابُ المُقَدَّسُ عَن صَلَابَةِ حَجَرِ الرَّحَى: "قَلْبُهُ كَالحَجَرِ، وَصَلْبٌ كَالصَّخْرِ الرَّحِيِّ" (أَيُّوب 41: 24). وَكَانَ الطَّحْنُ مِنْ أَعْمَالِ النِّسَاءِ (جَامِعَة 12: 3)، وَالْجَوَارِي (خُرُوج 11: 5)، وَحَتَّى السُّجَنَاءِ (قُضَاة 16: 21). وَلَمْ يَكُنْ عَمَلًا مُذِلًّا لِلنِّسَاءِ، بَلْ عَمَلًا يَوْمِيًّا أَسَاسِيًّا لِمَعِيشَةِ البَيْتِ. فِي البُيُوتِ اليَهُودِيَّةِ، كَانَتِ المَرْأَةُ تَطْحَنُ بُكُورًا كُلَّ صَبَاحٍ مَا يَكْفِي العَائِلَةَ لِيَوْمٍ وَاحِدٍ، وَخُصُوصًا فِي فَصْلِ الشِّتَاءِ حَيْثُ يَبْكُرُ النَّهَارُ. وَلِذَا نَهَتِ الشَّرِيعَةُ عَنِ ارْتِهَانِ الرَّحَى، فَقِيلَ: "لَا يَرْتَهِنْ أَحَدٌ حَجَرَيِ الرَّحَى… فَإِنَّهُ يَرْتَهِنُ نَفْسًا" (تَثْنِيَة 24: 6). فَالرَّحَى أَدَاةُ مَعِيشَةٍ، وَحِجْرُهَا حَيَاةُ البَيْتِ، وَارْتِهَانُهَا يُعَدُّ حَرْمَانًا مِنْ لُقْمَةِ العَيْشِ.

 

أَمَّا عِبارَةُ "اِمْرَأَتَانِ تَطْحَنَانِ" فَتُشِيرُ – بِحَسَبِ تَفْسِيرِ القِدِّيسِ كِيرِلُّسِ الكَبِير إِلَى فِئَةِ الْفُقَرَاءِ وَالْبُسَطَاءِ الَّذِينَ يَحْيَوْنَ فِي التَّعَبِ وَالْمَشَقَّةِ. وَمَعَ ذَلِكَ، فَهُمْ لَيْسُوا مُتَمَاثِلِينَ: "فَمِنْهُمْ مَنْ يَحْتَمِلُ الفَقْرَ بِنُضْجٍ وَقُوَّةٍ فِي حَيَاةٍ فَاضِلَةٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَتَصَرَّفُ بِخِسَّةٍ وَخُبْثٍ فِي حَيَاةٍ شِرِّيرَةٍ وَدَنِيئَةٍ" (كيرلس الكبير، تفسير إنجيل لوقا، تفسير لوقا 17: 35). هَذَا الاِخْتِلَافُ يُوضِّحُ أَنَّ الدِّينُونَةَ سَتَمِيزُ القُلُوبَ، لَا الأَعْمَالَ الظَّاهِرَةَ َفَقَط.

 

أَمَّا عِبارَةُ "فَتُقْبَضُ إِحْدَاهُمَا وَتُتْرَكُ الأُخْرَى" فَتُشِيرُ إِلَى أَنَّ مَجِيءَ المَسِيحِ سَيَكُونُ مُفَاجِئًا، وَأَنَّ النَّاسَ جَمِيعًا – بِغَضِّ النَّظَرِ عَنْ أَنْشِطَتِهِم – سَيَكُونُونَ مُعَرَّضِينَ لِلمِحْنَةِ وَالفَرْزِ. فَالأَبْرَارُ سَيُخْتَطَفُونَ لِلقَاءِ الرَّبِّ، وَالأَشْرَارُ يَبْقَوْنَ لِلدَّيْنُونَةِ. وَفِي هَذَا يَقُولُ الرَّسُولُ بُولُس:"ثُمَّ إِنَّنَا نَحْنُ الأَحْيَاءَ البَاقِينَ سَنُخْطَفُ مَعَهُمْ فِي الغَمَامِ، لِمُلَاقَاةِ المَسِيحِ فِي الجَوِّ" (1 تَسَالُونِيكِي 4: 17).  وَيَدُلُّ هَذَانِ المَثَلَانِ"امْرَأَتَانِ تَطْحَنَانِ" وَ"فَيُقْبَضُ وَيُتْرَكُ" – عَلَى أَنَّ مَجِيءَ المَسِيحِ سَيَكُونُ فُجَائِيًّا، وَلَنْ يَتِمَكَّنَ أَحَدٌ مِنَ الإِعَادَةِ أَوِ التراحم أَوِ التَّوْبَةِ فِي اللَّحْظَةِ الأَخِيرَةِ، بَلْ سَيَكُونُ اخْتِيَارُ الإِنْسَانِ فِي حَيَاتِهِ هُوَ مَا يُقَرِّرُ مَصِيرَهُ الأَبَدِيَّ.

 

42 فَاسهَروا إِذاً، لأَنَّكُم لا تَعلَمونَ أَيَّ يَومٍ يَأتي ربُّكم.

 

تُشِيرُ عِبارَةُ "اِسْهَرُوا" إِلَى الْعَدْلِ عَنِ النَّوْمِ لَيْلًا، وَقَدْ تَكَرَّرَتْ هَذِهِ الكَلِمَةُ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ فِي هَذَا الإِنجِيلِ، مِمَّا يُظْهِرُ مَرْكَزِيَّةَ السَّهَرِ كَمَحْوَرٍ لاهُوتِيٍّ وَرِسَالِيٍّ. وَقَدْ يَكُونُ السَّهَرُ لِمُوَاصَلَةِ العَمَلِ (حِكْمَة 6: 15)، أَوْ لِتَجَنُّبِ هُجُومِ العَدُوِّ المُفَاجِئِ (مَزَامِير 127: 1-2). لَيْسَ السَّهَرُ فِي التَّقْلِيدِ المَسِيحِيِّ مُجَرَّدَ صَحْوٍ، بَلْ مَوْقِفًا رُوحِيًّا يَجْمَعُ بَيْنَ الاِنْتِباهِ الدَّاخِلِيِّ (توْجِيه القَلب نَحو الله) وَالِانْتِظارِ العَامِلِ (عَيْشُ الرَّجاء بِعَمل الخَير). أَمَّا فِي سِيَاقِ هَذَا النَّصِّ الإنْجِيلِيِّ، فَإِنَّ السَّهَرَ هُوَ دَعْوَةُ يَسُوعَ إِلَى السَّهَرِ وَالصَّلَاةِ فِي انْتِظَارِ الأَحْدَاثِ الأَخِيرَةِ (1 تَسَالُونِيكِي 5: 3).  وَهَذَا السَّهَرُ يَمَيِّزُ المَسِيحِيَّ الحَقِيقِيَّ الَّذِي يَنْتَظِرُ عَوْدَةَ الرَّبِّ، كَمَا يَرِدُ فِي مَرْقُس (13: 33-37). وَيَرْبِطُ بُولُسُ الرَّسُولُ بَيْنَ الرُّقَادِ فِي اللَّيْلِكَرَمْزٍ لِمُلْكِ الشَّرِّ—وَبَيْنَ السَّهَرِكَرَمْزٍ لِلاسْتِعْدَادِ وَالانْتِظَارِ—قَائِلًا: "فَلِنَسْهَرْ إِذًا وَلَا نَنَمْ" (1 تَسَالُونِيكِي 5: 3-6). فَالْهَدَفُ مِنَ السَّهَرِ هُوَ أَنْ يَكُونَ الْمُؤْمِنُ يقظًا ومُسْتَعِدًّا لِلِقَاءِ الرَّبِّ عِنْدَمَا يَجِيءُ فَجْأَةً. وَالوَصِيَّةُ هُنَا هِيَ الاِسْتِعْدَادُ الرُّوحِيُّ، لِأَنَّ سَاعَةَ الْمَجِيءِ غَيْرُ مَعْلُومَةٍ. إِنَّ السَّهَرَ، بِمَعْناهُ اللاهوتِيِّ، يَعني اليَقَظَةَ وَإِعْدادَ التَّدابِيرِ لِاحْتِمالِ طُولِ مُدَّةِ انْتِظارِ الرَّبِّ، ما دامَ وَقْتُ المَجيءِ غَيْرَ مُتَوَقَّعٍ. فالسَّهَرُ هُوَ القُدْرَةُ عَلَى إِدْراكِ الخَلاصِ المَوْهوبِ لَنا وَاسْتِقْبالِهِ، حتّى إِنْ كانَ مَخْفِيًّا غالِبًا في بَساطَةِ حَياتِنا اليَوْمِيَّةِ.

 

أَمَّا عِبارَةُ "لأَنَّكُمْ لَا تَعْلَمُونَ أَيَّ يَوْمٍ يَأْتِي رَبُّكُمْ" فَتُشِيرُ إِلَى الحَاجَةِ الْمُلِحَّةِ لِلسَّهَرِ عَلَى الدَّوَامِ، فَلَيْسَ هُنَاكَ وَقْتٌ لِغَفْلَةٍ أَوْ تَأْجِيلٍ، لِئَلَّا يَفُوتَنَا مَجِيءُ ابْنِ الإِنْسَانِ. فَالاِسْتِعْدَادُ ضَرُورِيٌّ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ هَذَا اليَوْمُ هُوَ اليَوْمَ الأَخِيرَ فِي حَيَاتِنَا. وَيَحُثُّنَا القِدِّيسُ إِسْحَاقُ السُّرْيَانِيّ عَلَى مُجَاهَدَةِ السَّهَرِ وَنَبْذِ الكَسَلِ الرُّوحِيِّ، قَائِلًا: "النَّفْسُ الَّتِي تُمارِسُ أَعْمَالَ السَّهَرِ وَتَتَفَوَّقُ فِيهَا، هِيَ النَّفْسُ الَّتِي فِي إِرَادَتِهَا عَيْنَا الشَّارُوبِيم، بِهِمَا تَرَى فِي كُلِّ الأَوْقَاتِ الرُّؤَى السَّمَاوِيَّةَ وَتَدْنُو مِنْهَا" (إسحق السرياني، المقالات الروحية، المقالة 41). وَيَرَى أَنَّ الكَسَلَ الرُّوحِيَّ هُوَ فَقْدَانُ الرُّؤْيَا السَّمَاوِيَّةِ، إِذْ "يَتَفَكَّكُ سَقْفُ النَّفْسِ، وَتَعْجِزُ اليَدَانِ عَنِ العَمَلِ الرُّوحِيِّ، وَيَنْهَارُ الإِنْسَانُ الدَّاخِلِيُّ".

 

أَمَّا عِبارَةُ "لَا تَعْلَمُونَ" فَتُؤَكِّدُ أَنَّ مَجِيءَ المَسِيحِ أَمْرٌ مَحْتُومٌ، وَلَكِنَّ يَوْمَهُ مَخْفِيٌّ، مَحْفُوظٌ فِي عِلْمِ الآبِ.  وَفِي سِيَاقِ التَّجَسُّدِ، قَبِلَ الرَّبُّ يَسُوعُ بِاتِّضَاعٍ أَنْ يُحْجَبَ عَنْهُ هَذَا السِّرُّ مِنْ جِهَةِ الإِعْلَانِ الظَّاهِرِيِّ، كَمَا قَالَ القِدِّيسُ أوغسطينوس: " لَيْسَ السَّيِّدُ يَجْهَلُ اليَوْمَ، بَلْ لَا يَعْلَمُهُ مَعْرِفَةَ مَنْ يُبِيحُ بِهِ (أوغسطينوس، شرح الموعظة على الجبل 12: 2). فَالْغَايَةُ لَيْسَ تَنْقِيصًا مِنْ مُسَاوَاةِ الاِبْنِ لِلآبِ، بَلْ تَأْكِيدٌ أَنَّ النِّهَايَةَ هِيَ فِي يَدِ اللهِ وَحْدَهُ، كَمَا قَالَ الرَّبُّ: "لَيْسَ لَكُمْ أَنْ تَعْرِفُوا الأَزْمِنَةَ وَالأَوْقَاتَ الَّتِي حَدَّدَهَا الآبُ بِسُلْطَانِهِ " (َعْمَال 1: 7). إِذًا، البَحْثُ عَنْ يَوْمِ المَجِيءِ عَائِقٌ لِلإِيمَانِ وَلَيْسَ مُسَاعِدًا لَهُ. فَالمَطْلُوبُ هُوَ الاِسْتِعْدَادُ، لَا الحِسَابُ. فَلَوْ عَلِمْنَا يَوْمَ مَجِيءِ الرَّبِّ، لَتَوَقَّفْنَا عَنْ مُمَارَسَةِ شُؤُونِ الحَيَاةِ اليَوْمِيَّةِ—الأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالعَمَلِ وَالزَّوَاجِ—وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى نَقِيضِ مَشِيئَةِ اللهِ. إِذْ يَأْتِي الرَّبُّ فِي صُلْبِ الأَعْمَالِ العَادِيَّةِ، وَيَتَجَلَّى فِي وَسَطِ الحَيَاةِ اليَوْمِيَّةِ (مَتَّى 24: 40-41).

 

أَمَّا عِبارَةُ "اليَوْمَ" فَتُشِيرُ إِلَى الوَقْتِ الَّذِي يَأْتِي فِيهِ الرَّبُّ، وَهُوَ "يَوْمُ الرَّبِّ" الَّذِي لَا يَعْرِفُهُ سِوَى الآبِ.

 

43 وتَعلَمونَ أَنَّه لو عَرَفَ رَبُّ البَيتِ أَيَّ ساعةٍ مِنَ اللَّيلِ يَأتي السَّارِق لَسَهِرَ ولم يَدَعْ بَيتَه يُنقَب

 

تُشِيرُ عِبارَةُ "رَبُّ البَيْتِ" إِلَى صَاحِبِ البَيْتِ الَّذِي لَمْ يَعْزِمْ عَلَى السَّهَرِ إِلَّا بَعْدَ أَنْ بَلَغَهُ نَبَأُ مَجِيءِ السَّارِقِ. وَبِهَذَا يُفْهِمُ يَسُوعُ تَلامِيذَهُ أَنَّهُ أَخْفَى عَنْهُمْ وَقْتَ مَجِيئِهِ لِكَيْ يَكُونُوا فِي سَهَرٍ دَائِمٍ، وَفِي اسْتِعْدَادٍ مُسْتَمِرٍّ لِمُلَاقَاتِهِ.

 

أَمَّا عِبارَةُ "اللَّيْلِ" فَتَشِيرُ إِلَى مُدَّةِ الظَّلَامِ (تَكْوِين 1: 5)، وَفِي زَمَنِ العَهْدِ الجَدِيدِ كَانَ اللَّيْلُ يَمْتَدُّ مِنْ غُرُوبِ الشَّمْسِ إِلَى شُرُوقِهَا، وَيُقَسَّمُ إِلَى اِثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَاعَةً (أَعْمَال 23: 23). وَيُسْتَخْدَمُ اللَّيْلُ فِي اللُّغَةِ الكِتَابِيَّةِ مَجَازًا لِلدَّلَالَةِ عَلَى المَوْتِ (يُوحَنَّا 9: 4)، وَعَلَى الخَطِيئَةِ وَالظُّلْمَةِ الرُّوحِيَّةِ (أَفَسُس 5: 5)، وَهُوَ فِي التُّرَاثِ الرُّوحِيِّ زَمَنُ حُكْمِ الشَّرِّ وَسَطْوَةِ الظُّلاَمِ. وَكَمَا يَقُولُ بُولُسُ الرَّسُولُ:"لَسْتُمْ أَنْتُمْ فِي ظُلْمَةٍ... لأَنَّكُمْ جَمِيعًا أَبْنَاءُ النُّورِ وَأَبْنَاءُ النَّهَارِ" (1 تَسَالُونِيكِي 5: 4–10). وَقَدْ تَحْدُثُ فِي اللَّيْلِ كَثِيرٌ مِنَ المَآسِي: سَرِقَاتٌ، خُطُطٌ مُلْتَوِيَةٌ، سُكْرٌ، عَبَثٌ، خَطْفٌ، وَمَآسٍ شَتَّى؛ لِذَلِكَ صَارَ اللَّيْلُ رَمْزًا لِعَمَلِ الظُّلْمَةِ.

 

أَمَّا عِبارَةُ "أَيَّ سَاعَةٍ مِنَ اللَّيْلِ يَأْتِي السَّارِقُ"، فَهِيَ مَثَلٌ قَدِيمٌ يَدُلُّ عَلَى الأَمْرِ الْمُفَاجِئِ غَيْرِ الْمُتَوَقَّعِ (1 تَسَالُونِيكِي 5: 2؛ 2 بُطْرُس 3: 10؛ رُؤْيَا 3: 3). وَوَجْهُ الشَّبَهِ بَيْنَ مَجِيءِ المَسِيحِ وَمَجِيءِ السَّارِقِ لَيْلًا أَنَّ كِلَيْهِمَا يَكُونُ بِفُجَاءَةٍ، وَفِي سَاعَةٍ غَيْرِ مَتَوَقَّعَةٍ، وَالْجَمِيعُ فِي غَفْلَةٍ. فَالسَّارِقُ يَأْتِي فِي سَاعَةِ النَّوْمِ، وَالمَسِيحُ يَأْتِي وَالعَالَمُ غَافِلٌ وَمُنْهَمِكٌ فِي شُؤُونِهِ. لِذَلِكَ يَجِبُ عَلَى المُؤْمِنِينَ أَنْ يَسْهَرُوا دَائِمًا، وَأَنْ يَكُونُوا فِي اسْتِعْدَادٍ مُسْتَمِرٍّ لِمَجِيءِ الرَّبِّ. وَيَقُولُ القِدِّيسُ كِيرِلُّسُ الإِسْكَنْدَرِيُّ: "السَّارِقُ يَأْتِي بِلَا إِنْذَارٍ، وَكَذَلِكَ الرَّبُّ يَأْتِي لِدَيْنُونَتِهِ. فَالْحِرَاسَةُ الدَّائِمَةُ هِيَ طَرِيقُ الخَلاصِ" (كيرلس الإسكندري، تفسير لوقا، تفسير لوقا 12: 39–40).

 

أَمَّا عِبارَةُ "سَاعَةٍ" فَفِي الأَصْلِ اليُونانِيِّ φυλακὴ ، مَعْنَاهَا "هِجْعَة"  أَوْ فَتْرَةُ حِرَاسَةٍ.  وَفِي التُّرَاثِ اليَهُودِيِّ قَبْلَ الاِحْتِلَالِ الرُّومَانِيِّ، كَانَ اللَّيْلُ يُقَسَّمُ إِلَى ثَلَاثَةِ هجعات. أمَّا بَعْدَ الاِحْتِلَالِ، فَقَدْ قَسَّمَهُ الرُّومَانُ إِلَى أَرْبَعَةِ هجعات، طُولُ كُلِّ هِجْعَةٍ ثَلَاثُ سَاعَاتٍ.  وَقَدْ ذُكِرَ الهِجْعُ الثَّانِي وَالثَّالِثُ فِي لُوقَا (لُوقَا 12: 38)، وَالهِجْعُ الرَّابِعُ فِي مَتَّى (مَتَّى 14: 25).

 

44 لِذلِكَ كونوا أَنتُم أَيضاً مُستَعِدِّين، ففي السَّاعَةِ الَّتي لا تَتَوَقَّعونَها يأَتي ابنُ الإِنسان.

 

تُشِيرُ عِبارَةُ "كُونُوا أَنْتُمْ أَيْضًا مُسْتَعِدِّين" إِلى دَعْوَةِ يَسُوعَ جَمَاعَةَ المُؤْمِنِينَ إِلى السَّهَرِ الدَّائِمِ. وَتَرِدُ هذِهِ الكَلِمَاتُ صَدًى لِدَعْوَةِ النَّبِيِّ أَشَعْيَا لِلْخُرُوجِ لِلِّقَاءِ الرَّبِّ:"هَلُمُّوا يَا بَيْتَ يَعْقُوبَ لِنَسِرْ فِي نُورِ الرَّبِّ" (أشعيا 5: 5). فَغَايَةُ الرَّبِّ مِنْ جَمِيعِ تَنْبِيهَاتِهِ هِيَ حَثُّ تَلَامِيذِهِ عَلَى الاِنْتِبَاهِ وَالأَمَانَةِ وَالصَّلَاةِ، كَمَا يَقُولُ: «فَاسْهَرُوا مُوَاظِبِينَ عَلَى الصَّلَاةِ، لِكَيْ تُوجَدُوا أَهْلًا لِلنَّجَاةِ مِنْ جَمِيعِ هَذِهِ الأُمُورِ الَّتِي سَتَحْدُثُ، وَلِلثَّبَاتِ لَدَى ابْنِ الإِنْسَان" (لوقا 21: 36). وَقَدْ بَيَّنَ لَهُمْ حَقِيقَةَ هذَا الاِسْتِعْدَادِ قَائِلًا: "اِكْنِزُوا لأَنْفُسِكُمْ كُنُوزًا فِي السَّمَاءِ" (لوقا 12: 33)، وَالـ "كَنْزُ السَّمَاءِ" هُوَ عَمَلُ الرَّحْمَةِ، وَالصَّلَاةُ، وَنَقَاءُ القَلْبِ. وَبِهذَا يُذَكِّرُ يَسُوعُ الإِنْسَانَ لِئَلَّا يَنْسَى عَوْدَةَ الرَّبِّ فِي خِضَمِّ اِنْشِغَالَاتِ الحَيَاةِ اليَوْمِيَّةِ، بَلْ لِيَحْيَا يَقِظًا، مُسْتَعِدًّا، وَمُتَمَسِّكًا بِرَجَائِهِ فِي سَيِّدِهِ الآتِي. غير أنَّ توصيةَ يَسُوعَ بِالسَّهَرِ تَبْدُو، للوهلة الأولى، وكَأَنَّهَا تَتَعَارَضُ مَعَ سِيَاقِ الكَلَامِ الَّذِي يَقُولُ: "فِي السَّاعَةِ الَّتِي لَا تَتَوَقَّعُونَهَا"، وَ"يَأْتِي كَاللِّصِّ فِي اللَّيْلِ" لكنَّ هذَا التَّعَارُضَ ظَاهِرِيٌّ فَقَط. فَيَسُوعُ لَا يَدْعُونَا لِلسَّهَرِ لِأَنَّنَا نَعْرِفُ مَوْعِدَ مَجِيئِهِ، بَلْ لِأَنَّنَا نَعْلَمُ أَنَّهُ سَيَأْتِي بِكُلِّ تَأْكِيدٍ، وَلِأَنَّ سَاعَتَهُ غَيْرُ مَعْلُومَةٍ وَغَيْرُ مُنْتَظَرَةٍ. إِذًا، لَيْسَ السَّهَرُ نَاتِجًا عَنْ مَعْرِفَةِ الزَّمَن، بَلْ عَنْ ثِقَتِنَا بِالْمَجِيءِ نَفْسِهِ، وَعَنْ عَلاقَةِ مَحَبَّةٍ تَجْعَلُ القَلْبَ مُسْتَعِدًّا فِي كُلِّ لَحْظَةٍ لِلِّقَاءِ الرَّبِّ.

 

أَمَّا عِبارَةُ "فِي السَّاعَةِ الَّتِي لَا تَتَوَقَّعُونَهَا" فَلَا تُشيرُ إِلَى أَنَّ يَسُوعَ يُرِيدُ مِنَّا البَحْثَ عَنْ تَوَارِيخٍ وَحِسَابَاتٍ، بَلْ لِـ يُحَذِّرَنَا لِنَكُونَ فِي اسْتِعْدَادٍ دَائِمٍ. فَلَوْ عَرَفْنَا زَمَانَ مَجِيءِ الرَّبِّ لَسَقَطْنَا فِي فَخِّ الكَسَلِ الرُّوحِيِّ، وَلَعِشْنَا فِي الخَطِيئَةِ إِلَى اللَّحْظَاتِ الأَخِيرَةِ، مُؤَجِّلِينَ التَّوْبَةَ إِلَى سَاعَةٍ لَا تُضْمَن. لِذَلِكَ، فَـ عَدَمُ مَعْرِفَةِ زَمَانِ المَجِيءِ يُحَثُّنَا عَلَى المُثَابَرَةِ فِي الحَيَاةِ الرُّوحِيَّةِ، وَعَلَى التَّقَرُّبِ مِنَ اللهِ حَتَّى المَوْتِ أَوْ إِلَى أَنْ يَعُودَ رَبُّنَا يَسُوعُ المَسِيحُ.

 

أَمَّا عِبارَةُ "يَأْتِي ابْنُ الإِنْسَانِ" فَتُشِيرُ إِلَى مَجِيءِ المَسِيحِ الأَكِيدِ بِقُدْرَتِهِ العَظِيمَةِ. غَيْرَ أَنَّ سَاعَةَ مَجِيئِهِ غَيْرُ مَعْلُومَةٍ، وَلَنْ تُعْلَنَ مُسْبَقًا، بَل يَأْتِي فِي وَقْتٍ غَيْرِ مُتَوَقَّعٍ. وَلَيْسَ مَجِيئُهُ المُفَاجِئُ مِصْيَدَةً يَقْتَنِصُ بِهَا اللهُ الإِنْسَانَ فِي لَحْظَةِ غَفْلَةٍ، بَلْ هُوَ فُرْصَةٌ مُطَالَةٌ يَمْنَحُهَا اللهُ لِلبَشَرِ لِكَيْ يَرْجِعُوا إِلَيْهِ؛ كَمَا يَقُولُ بُطْرُسُ الرَّسُولُ: "إِنَّ الرَّبَّ لَا يُبْطِئُ فِي إِنْجَازِ وَعْدِهِ… لَكِنَّهُ يَصْبِرُ عَلَيْكُمْ، لِأَنَّهُ لَا يَشَاءُ أَنْ يَهْلِكَ أَحَدٌ، بَلْ أَنْ يَبْلُغَ الجَمِيعُ إِلَى التَّوْبَةِ" (2 بُطْرُس 3: 9). يربط أوريجانوس هذا النصّ بطول أناة الله ورغبته بخلاص الجميع. وَفِي هَذَا الوَقْتِ الفَاصِلِ بَيْنَ صُعُودِ المَسِيحِ وَمَجِيئِهِ، لَدَيْنَا فُرْصَةٌ ذَهَبِيَّةٌ لِنَحْيَا إِيمَانَنَا، وَنَعْكِسَ مَحَبَّةَ يَسُوعَ فِي عَلاقَتِنَا بِالآخَرِين؛ كَمَا يَقُولُ بُولُسُ الرَّسُولُ:"أَمَّا أَنْتُمْ… فَلَسْتُمْ فِي الظُّلُمَاتِ… لأَنَّكُمْ أَبْنَاءُ النُّورِ… فَلْنَسْهَرْ وَنَكُنْ صَاحِينَ، لَابِسِينَ دِرْعَ الإِيمَانِ وَالمَحَبَّةِ وَخُوذَةَ رَجَاءِ الخَلَاصِ" (1 تَسَالُونِيكِي 5: 4-10). إِنَّ المَجِيءَ الثَّانِي هُوَ يَقِينٌ لاهُوتِيٌّ، وَلَكِنَّ سَاعَتَهُ غَيْرُ مَعْلُومَةٍ، لِكَيْ يَظَلَّ الإِنْسَانُ فِي سَهَرٍ وَجِهَادٍ وَثَبَاتٍ، مُسْتَعِدًّا لِلِقَاءِ الرَّبِّ فِي كُلِّ حِينٍ.

 

 

ثانياً: تَطْبيقاتُ النَّصِّ الإِنْجِيلِيّ (مرقس 13: 33-37)

 

بعد دِراسةٍ مُوجَزَةٍ لِوَقائِعِ النَّصِّ الإِنْجِيلِيِّ (مَتّى 25: 14-30)، نَسْتَنْتِجُ أَنَّهُ يَتَمَحْوَرُ حَوْلَ أَهَمِّيَّةِ السَّهَرِ الَّذِي يَدْعُو إِلَيْهِ السَّيِّدُ المَسِيحُ فِي تَعْلِيمِهِ عَنْ مَجِيئِهِ الأَخِيرِ، تَرَقُّبًا لِلِقَاءِ مَعَهُ. وَمِنْ هُنَا يَبْرُزُ السُّؤَالُ: كَيْفَ نَحْيَا السَّهَرَ انتِظَارًا لِمَجِيءِ المَسِيحِ؟

 

أوَّلًا: مَفْهُومُ السَّهَرِ وَضَرُورَتُهُ

 

أ‌) مَفْهُومُ السَّهَرِ الدَّائِمِ

 

تَعْنِي لَفْظَةُ "سَهِرَ" فِي اللُّغَةِ اليُونانِيَّة γρηγοροῦντας)، فِي مَعْنَاهَا الحَصْرِيّ اليَقَظَةَ وَعَدَمَ النَّوْمِ لَيْلًا، إِمَّا لِمُوَاصَلَةِ العَمَلِ (حِكْمَة 6: 15)، أَوْ لِتَجَنُّبِ هُجُومِ العَدُوِّ (مَزْمُور 127: 1-2).  أَمَّا فِي المَعْنَى المَجَازِيِّ الرُّوحِيِّ، فَيَدُلُّ السَّهَرُ عَلَى اليَقَظَةِ الدَّاخِلِيَّةِ وَالكِفَاحِ ضِدَّ الخُمُولِ وَالإِهْمَالِ مِنْ أَجْلِ بُلُوغِ الغَرَضِ الرُّوحِيِّ (أَمْثَال 8: 34). وَهَكَذَا يُصْبِحُ السَّهَرُ لِلمُؤْمِنِ هَدَفًا نَبِيلًا: الاستعدادُ لِلِقَاءِ الرَّبِّ فِي يَوْمِ مُجِيئِهِ المَجِيدِ. وَقَدْ قَالَ الرَّبُّ: "طُوبَى لِأُولَئِكَ الخَدَمِ الَّذِينَ إِذَا جَاءَ سَيِّدُهُمْ وَجَدَهُمْ سَاهِرِينَ" (لُوقا 12: 37). لِذَلِكَ، فَالسَّهَرُ لَيْسَ مُجَرَّدَ مَوْقِفٍ جَسَدِيٍّ، بَلْ هُوَ حَالَةٌ دَاخِلِيَّةٌ، سِرُّهَا القَلْبُ اليَقِظُ وَالحَيَاةُ الرُّوحِيَّةُ الَّتِي تَعِيشُ فِي انْتِظَارِ الرَّبِّ.

 

ب) ضَرورِيَّةُ السَّهَرِ الدَّائِمِ

 

يَحُثُّ يَسُوعُ تَلامِيذَهُ عَلَى السَّهَرِ فِي انْتِظَارِ اسْتِقْبالِ ابْنِ الإِنْسَانِ عِنْدَ عَوْدَتِهِ، فَيَقُولُ:"طُوبَى لِأُولَئِكَ الخَدَمِ الَّذِينَ إِذَا جَاءَ سَيِّدُهُمْ وَجَدَهُمْ سَاهِرِينَ" (لُوقا 12: 37). وَيُؤَكِّدُ فِي مَوْضِعٍ آخَر: "فَاسْهَرُوا إِذًا، لأَنَّكُمْ لَا تَعْلَمُونَ أَيَّ يَوْمٍ يَأْتِي سَيِّدُكُمْ" (مَتَّى 24: 42). إِنَّ الرَّبَّ يَدْعُونَا إِلَى السَّهَرِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُحَدِّدَ لَنَا مَوْعِدَ مَجِيئِهِ. وَلِذَلِكَ فَلَيْسَتِ المَسْأَلَةُ فِي تَتَبُّعِ العَلاماتِ الَّتِي تَسْبِقُ مَجِيئَهُ، بَلْ فِي التَّعَرُّفِ عَلَى عَلاماتِ الأَزْمِنَةِ الحاضِرَةِ بِالفِعْلِ، وَرُؤْيَتِها بِعَيْنِ الإِيمانِ. فَالحاضِرُ هُوَ زَمانُ الخَلاصِ "قَدْ تَمَّ هَذَا الكِتابُ فِي مَسْمَعِكُمُ اليَوْمَ"،(لوقا 4: 21)؛ "هُوَ الآنَ وَقْتٌ مَقْبُولٌ، هُوَ يَوْمُ خَلاصٍ"(2 قورِنْتُس 6: 2). وَعَيْنُ الإِيمانِ تُمَكِّنُ المُؤْمِنَ مِنْ قِراءَةِ الزَّمَنِ الحاضِرِ كَمَكانٍ لِزِيارَةِ اللهِ، لا كَغُموضٍ مُقْلِقٍ.   وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ أَمْبْرُوسْيُوس عَلَى هَذِهِ الحَقِيقَةِ قَائِلًا: "لَيْسَ مِنْ صَالِحِنَا أَنْ نَعْرِفَ الأَزْمِنَةَ، بَلْ مِنْ صَالِحِنَا أَنْ نَجْهَلَهَا؛ فَجَهْلُنَا بِهَا يَجْعَلُنَا نَخَافُ وَنَسْهَرُ وَنُصْلِحُ حَالَنَا".

 

وَيَقُومُ السَّهَرُ، قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ، عَلَى حَالَةِ الْيَقَظَةِ وَالْحَذَرِ، وَعَلَى التَّأهُّبِ وَالاسْتِعْدَادِ لِاسْتِقْبَالِ الرَّبِّ. وَيَظْهَرُ نُوحٌ فِي سِفْرِ التَّكْوِين مِثَالًا جَلِيًّا لِـ السَّهَرِ وَالتَّيَقُّظِ، إِذْ عَاشَ طُولَ أَيَّامِهِ مُتَوَقِّعًا دَيْنُونَةَ اللهِ، بَيْنَمَا كَانَ مُعَاصِرُوهُ سَاهِينَ، لَاهِينَ، مُنْهَمِكِينَ فِي شُؤُونِهِمُ الدُّنْيَوِيَّةِ، كَمَا جَاءَ فِي قَوْلِ المَسِيحِ: "فَكَما كانَ النَّاسُ… يَأكُلونَ ويَشرَبونَ… إِلى يَومَ دَخَلَ نُوحٌ السَّفينَة… حتَّى جاءَ الطُّوفانُ فَجَرَفَهُم أَجمَعين" (مَتَّى 24: 37-39). وَهَكَذَا، فَالسَّهَرُ هُوَ مُتَطَلَّبٌ أَسَاسِيٌّ لِلإِيمَانِ بِيَوْمِ الرَّبِّ، خَاصَّةً أَنَّ مَجِيءَ المَسِيحِ سَيَكُونُ فُجَائِيًّا، عَلَى غِرَارِ: مَجِيءِ العَرِيسِ (لُوقا 12: 37)، وَمَثَلِ السَّارِقِ فِي اللَّيْلِ (لُوقا 12: 39)، وَعَوْدَةِ السَّيِّدِ فِي اللَّيْلِ دُونَ إِخْطَارٍ (مَرْقُس 13: 35-36).

 

وَعَلَى خُطَى السَّيِّدِ، يَحُثُّ يُوحَنَّا الرَّسُولُ جَمَاعَةَ سَرْدِيس عَلَى السَّهَرِ وَالْيَقَظَةِ، قائِلًا: "تَنَبَّهْ وثَبِّتِ البَقِيَّةَ الَّتي أَشرَفَتْ على المَوْت… فَإِنْ لَمْ تَتَنَبَّهْ أَتَيْتُكَ كَالسَّارِق"(رُؤْيَا 3: 1–3).  وعلى النقيض من ذلك، يَعِدُ الرَّبُّ قَائِلًا:
"طُوبَى لِلْخَدَمِ الَّذِينَ إِذَا جَاءَ سَيِّدُهُمْ وَجَدَهُمْ سَاهِرِينَ" (لُوقا 12: 37)، إِذْ يُشَارِكُونَهُ مَوْكِبَ انْتِصَارِهِ (رُؤْيَا 16: 15).

 

وَبِحَسَبِ إِنْجِيلِ مَتَّى، فَالحَيَاةُ المَسِيحِيَّةُ هِيَ مَسِيرَةٌ نَحْوَ لِقَاءِ العَرِيسِ، يَسُوعَ المَسِيح، الَّذِي يُحِبُّ البَشَرِيَّةَ حُبًّا هَائِمًا. إِنَّهَا مَسِيرَةُ العَرُوسِ نَحْوَ عَرِيسِهَا، مَسِيرَةُ مَحَبَّةٍ، وَوَعْدٍ، وَلِقَاءٍ. إِنَّنَا مَدْعُوُّونَ لِنَخْرُجَ لِلِقَاءِ المَسِيحِ فِي المَجْدِ (فيلِبِّي 3: 14). وَلَكِنَّ: المَوْعِدَ غَيْرَ مَعْلُومٍ، وَغَيْرَ مُتَوَقَّعٍ، وَغَيْرَ مُحَدَّدٍ، وَلَا إِخْطَارَ مُسْبَقًا (مَرْقُس 13: 35)، كَمَا فِي مَجِيءِ لِصٍّ فِي اللَّيْلِ (مَتَّى 24: 43).  وَهُنَا يَدْخُلُ عُنْصُرُ المُفَاجَأَةِ الَّذِي يَسْتَدْعِي الاسْتِعْدَادَ لِلقاءِ المَسِيح العَرِيس، شَأْن العَذَارَى الحَكِيمَاتِ المُسْتَعِدَّاتِ لِدُخُولِ الفَرَحِ الأَبَدِيِّ.

 

يَجِدُ مَفْهُومُ السَّهَرِ صَدَاهُ الوَاضِحَ أَيْضًا فِي تَعْلِيمِ بُولُسَ الرَّسُولِ، الَّذِي يُؤَكِّدُ هُوِيَّةَ المُؤْمِنِ كَـ ابْنٍ لِلنُّورِ وَرَافِضٍ لِظُلْمَةِ الخَطِيئَةِ، فَيَقُولُ: "لَسْنَا نَحْنُ مِنَ اللَّيْلِ وَلَا مِنَ الظُّلُمَاتِ. فَلَا نَنَامَنَّ كَمَا يَفْعَلُ سَائِرُ النَّاسِ، بَلْ عَلَيْنَا أَنْ نَسْهَرَ وَنَحْنُ صَاحُونَ" (1 تِسَالُونِيكِي 5: 5–6). وَيَدْعُو بُولُسُ المُؤْمِنِينَ إِلَى السَّهَرِ اسْتِعْدَادًا لِمَجِيءِ الرَّبِّ، لِكَيْ لَا يَتَخَلَّوْا عَنْ تَقْوَاهُمْ الأُولَى وَلَا يَنْغَمِسُوا فِي رُقَادِ الخَمُولِ الرُّوحِي، فَيَقُولُ:"هَذَا، وَإِنَّكُمْ لَعَالِمُونَ بِأَيِّ وَقْتٍ نَحْنُ: قَدْ حَانَتْ سَاعَةُ تَنَبُّهِكُمْ مِنَ النَّوْمِ، فَإِنَّ الخَلَاصَ أَقْرَبُ إِلَيْنَا الآنَ مِمَّا كَانَ يَوْمَ آمَنَّا. قَدْ تَنَاهَى اللَّيْلُ وَاقْتَرَبَ النَّهَارُ. فَلْنَخْلَعْ أَعْمَالَ الظَّلَامِ وَلْنَلْبَسْ سِلَاحَ النُّورِ… بَلِ الْبَسُوا الرَّبَّ يَسُوعَ المَسِيحَ وَلَا تُشْغَلُوا بِالجَسَدِ لِقَضَاءِ شَهَوَاتِهِ" (رُومَة 13: 11–14). إِنَّ السَّهَرَ، بِحَسَبِ رُؤْيَةِ بُولُسَ، ضَرُورِيٌّ لِمُوَاجَهَةِ أَخْطَارِ الحَيَاةِ الحَاضِرَةِ وَتَقَلُّبَاتِهَا؛ لِذَلِكَ يَحُثُّ المُؤْمِنِينَ قَائِلًا: "تَنَبَّهُوا وَاثْبُتُوا فِي الإِيمَانِ، كُونُوا رِجَالًا، كُونُوا أَشِدَّاءَ" (1 قُورِنْتُس 16: 13). وَبِمَا أَنَّ المُؤْمِنَ قَدِ اهْتَدَى إِلَى اللهِ، فَإِنَّهُ يُدْعَى فِي لُغَةِ الرَّسُولِ "ابْنًا لِلنُّورِ".  وَمِنْ ثَمَّ، فَعَلَيْهِ أَنْ يَبْقَى فِي يَقَظَةٍ دَائِمَةٍ، يُقاوِمُ ظُلْمَةَ الشَّرِّ، لِئَلَّا يُفاجِئَهُ مَجِيءُ المَسِيحِ الثَّانِي وَهُوَ فِي غَفْلَتِهِ. فَاليَقَظَةُ تُعَلِّمُنَا أَلَّا نُؤَجِّلَ التَّوْبَةَ، وَأَلَّا نَنْتَظِرَ حُدُوثَ أَمْرٍ اسْتِثْنائِيٍّ لِنَلْتَفِتَ إِلَى الرَّبِّ، بَلْ نَفْتَحُ قُلُوبَنَا فِي بَساطَةِ حَياتِنَا العادِيَّةِ اليَوْمِيَّةِ لِلِّقاءِ اللهِ وَإِدْراكِ مَجِيئِهِ اليَوْمِيِّ إِلَيْنَا.

 

ثانيًا: مَجِيءُ الرَّبِّ يَسُوعَ المَسِيح

 

أ) مَفْهُومُ مَجِيءِ الرَّبِّ

 

أَعْلَنَ بُولُسُ الرَّسُولُ المُجِيئَيْنِ، الأَوَّلَ وَالثَّانِي، فِي رِسَالَتِهِ إِلَى تِلْمِيذِهِ طِيطُس، فَقَالَ: "فَقَدْ ظَهَرَتْ نِعْمَةُ اللهِ، يَنْبُوعُ الخَلَاصِ لِجَمِيعِ النَّاسِ، وَهِيَ تُعَلِّمُنَا أَنْ نَنْبِذَ الكُفْرَ وَشَهَوَاتِ الدُّنْيَا لِنَعِيشَ فِي هَذَا الدَّهْرِ بِرَزَانَةٍ وَعَدْلٍ وَتَقْوَى… مُنْتَظِرِينَ السَّعَادَةَ المَرْجُوَّةَ وَتَجَلِّيَ مَجْدِ إِلَهِنَا العَظِيمِ وَمُخَلِّصِنَا يَسُوعَ المَسِيحِ" (طِيطُس 2: 11–13). يَدْعُو يَسُوعُ تَلَامِيذَهُ إِلَى السَّهَرِ الدَّائِمِ اسْتِعْدَادًا لِمَجِيئِهِ لِلدَّيْنُونَةِ. وَيُسَمَّى مَجِيءُ يَسُوعَ لِلدَّيْنُونَةِ أَيْضًا "أَيَّامَ ابْنِ الإِنْسَانِ": "كَمَا حَدَثَ فِي أَيَّامِ نُوحٍ، فَكَذَلِكَ يَحْدُثُ فِي أَيَّامِ ابْنِ الإِنْسَانِ" (لُوقا 17: 26).

 

 وَلِمَجِيءِ المَسِيحِ فِي العَهْدِ الجَدِيدِ أَبْعَادٌ لَاهُوتِيَّةٌ مُتَعَدِّدَةٌ، نَتَلْمَّسُهَا فِي تَشَعُّبِ المُصْطَلَحَاتِ الَّتِي تَرِدُ لِلدَّلَالَةِ عَلَى يَوْمِ الِافْتِقَادِ، مِثْلَ: يَوْمِ الِافْتِقَادِ (1 بُطْرُس 2: 12)، يَوْمِ الغَضَبِ (رُومَة 2: 5)، يَوْمِ الدَّيْنُونَةِ (2 بُطْرُس 2: 9)، "ذَلِكَ الْيَوْمُ" (مَتَّى 7: 22)، يَوْمِ الرَّبِّ (1 تِسَالُونِيكِي 5: 2؛ 2 تِسَالُونِيكِي 2: 2)، يَوْمِ الرَّبِّ يَسُوعَ (1 قُورِنْتُس 1: 8)، يَوْمِ المَسِيحِ (فِيلِبِّي 1: 6–10)، يَوْمِ ابْنِ البَشَرِ (لُوقا 17: 24–26)، وَنَجِدُ أَيْضًا مُصْطَلَحَيْنِ أَخَرَيْنِ مُهِمَّيْنِ: ἐπιφάνεια الــظُّهُورُ (2 تِسَالُونِيكِي 1: 7؛ 1 بُطْرُس 1: 7–13)، ἀποκάλυψις: الرُّؤْيَا، الكَشْف (1 طِيمُوثَاوُس 6: 14؛ طِيطُس 2: 13).  وَمِنْ خِلَالِ هَذِهِ المُصْطَلَحَاتِ يُفْهَمُ أَنَّ يَوْمَ الرَّبِّ هُوَ بِمَعْنًى دَقِيقٍ يَوْمُ مَجِيءِ يَسُوعَ المَسِيحِ فِي مَجْدِهِ.

 

ب) المَجِيءُ الأَوَّلُ لِلرَّبِّ يَوْمَ التَّجَسُّد

 

يُطْرَح السُّؤَالُ: هَلْ تَحَقَّقَ مَجِيءُ الرَّبِّ الأَوَّلُ تَحَقُّقًا كَامِلًا بِظُهُورِ يَسُوعَ النَّاصِرِي، الَّذِي صَارَ رَبًّا فِي الوُجُودِ الزَّمَانِيِّ؟

تُظْهِرُ نُصُوصُ الإِنْجِيلِ أَنَّ الحَقِيقَةَ أَعْمَقُ مِنْ ذَلِكَ، فَهُنَاكَ تَوَتُّرٌ لاهُوتِيٌّ بَيْنَ مَفْهُومِ آخِرِ الأَزْمِنَةِ وَبَيْنَ بِدَايَةِ تَحَقُّقِهِ فِي الحَاضِرِ. فَـيُوصَفُ يَسُوعُ فِي العَهْدِ الجَدِيدِ بِأَنَّهُ: "الَّذِي يَأْتِي" (مَتَّى 3: 11) وَيَأْتِي عَلَيْهِ الرُّوحُ القُدُسُ فِي العِمَادِ (مَتَّى 3: 16) وَيَتَسَاءَلُ يُوحَنَّا: "هَلْ أَنْتَ الآتِي؟" (مَتَّى 11: 3). وَيُعْلِنُ يَسُوعُ أَنَّ "مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ قَدْ أَتَى" (مَتَّى 12: 28)، وَهُوَ تَعْبِيرٌ يُشْبِهُ صِيغَةَ العَهْدِ القَدِيمِ عَنْ يَوْمِ الرَّبِّ. وَتَتَحَقَّقُ نُبُوءَةُ يُوئِيل فِي يَوْمِ العُنْصُرَة:"فِي الأَيَّامِ الأَخِيرَةِ أَسْكُبُ رُوحِي..." (أَعْمَال 2: 17).

 

كَذَلِكَ يَعْتَبِرُ دُخُولُ الأُمَمِ إِلَى الكَنِيسَةِ تَحْقِيقًا لِنُبُوءَةِ عَامُوس (أَعْمَال 15: 16–18).  وَمَعَ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ لا الفِصْحُ وَلا العُنْصُرَةُ يُسَمَّيَانِ فِي خَارِجِ الطَّقْسِ "يَوْمَ الرَّبِّ"، إِنَّمَا بَقِيَتْ هَذِهِ العِبَارَةُ حَامِلَةً رَجَاءَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَنْتَظِرُونَ عَوْدَته المَمْجَّدَةَ.

 

ج) مَجِيءُ الرَّبِّ الثَّانِي فِي آخِرِ الأَزْمِنَةِ

 

سَيَأْتِي يَسُوعُ المُمَجَّدُ فِي آخِرِ الأَزْمِنَةِ، حَامِلًا السِّمَاتِ الَّتِي أَوْرَدَهَا دَانِيَالُ عَن ابْنِ الإِنْسَانِ، وَعَلَى النَّحْوِ نَفْسِهِ الَّذِي أَنْبَأَ بِهِ هُوَ ذَاتُهُ (لُوقا 17: 24-26). وَفِي هَذَا السِّيَاقِ، يُرَدِّدُ يَسُوعُ أَوْصَافَ العَهْدِ القَدِيمِ التَّقْلِيدِيَّةَ الَّتِي تَتَّصِلُ بِـ ظُهُورَاتِ اللهِ وَعَلَامَاتِ آخِرِ الأَزْمِنَةِ، وَخَاصَّةً فِي الرُّؤْيَا الإِزَائِيَّةِ فِي مَتَّى 24.

 

وَنُصَادِفُ فِي هَذَا المَقْطَعِ مَجْمُوعَةً مِنَ العَنَاصِرِ الرُّؤْيَوِيَّةِ: العَنَاصِرُ الحَرْبِيَّةُ: «سَتَسْمَعُونَ بِحُرُوبٍ وَأَخْبَارِ حُرُوبٍ» (مَتّى 24: 6–8)، العَنَاصِرُ الكَوْنِيَّةُ: «تُظْلِمُ الشَّمْسُ، وَالقَمَرُ لَا يُعْطِي ضِيَاءَهُ» (مَتّى 24: 29)، اِنْتِفَاضَةُ الوَثَنِيِّينَ وَرُؤْيَا «رِجْسِ الخَرَابِ» (مَتّى 24: 15)، فَرْزُ الدَّيْنُونَةِ عَلَى غِرَارِ أَيَّامِ نُوحٍ (مَتّى 24: 37–43)، الطَّابِعُ الفُجَائِيُّ لِمَجِيءِ اليَوْمِ الآتِي (مَتّى 24: 44)، وَيُعْتَبَرُ مَجِيءُ ابْنِ الإِنْسَانِ فِي مَجْدِهِ بَعْدَ القِيَامَةِ أَمْرًا جَدِيدًا بِالنِّسْبَةِ إِلَى العَهْدِ القَدِيمِ؛ فَهُوَ مَجِيءٌ مُتَعَلِّقٌ بالمَسِيحِ القَائِمِ وَالمُمَجَّدِ (مَتّى 24: 30–31). وَقَدْ اسْتُخْدِمَتْ صُوَرٌ رُؤْيَوِيَّةٌ مُمَاثِلَةٌ فِي نُصُوصِ العَهْدِ الجَدِيدِ الأُخْرَى. فَيَذْكُرُ بُولُسُ الرَّسُولُ: صَوْتُ البُوقِ وَنِدَاءُ رَئِيسِ المَلَائِكَةِ (1 تِسَالُونِيكِي 4: 16–17)، وَيُذَكِّرُ أَنَّ ذَلِكَ اليَوْمَ سَيَأْتِي كَاللِّصِّ، جَالِبًا آلَامًا مَبْرِحَةً (1 تِسَالُونِيكِي 5: 3)، وَأَنَّهُ سَيُسَجِّلُ النَّصْرَ النِّهَائِيَّ لِلْمَسِيحِ عَلَى جَمِيعِ أَعْدَائِهِ (1 قُورِنْتُس 15: 24–28). وَيُضِيفُ الرَّسُولُ أَيْضًا أَنَّهُ يَوْمَ القِيَامَةِ العَامَّةِ، سَيَقُومُ الأَمْوَاتُ، وَسَيُلاَقِي الأَحْيَاءُ الرَّبَّ عِنْدَ مَجِيئِهِ (1 تِسَالُونِيكِي 4: 16–17).

 

وَيَحْتَفِظُ سِفْرُ الرُّؤْيَا بِمَجْمُوعَةٍ مِنَ العِبَارَاتِ الرُّؤْيَوِيَّةِ: عِبَارَاتٌ حَرْبِيَّةٌ: غَضَب، جُنُود، هُتَاف، نَصْر (رُؤْيَا 19)، عِبَارَاتٌ قَضَائِيَّةٌ: "رَأَيْتُ عَرْشًا عَظِيمًا أَبْيَضَ… وَدِينَ الأَمْوَاتُ" (رُؤْيَا 20: 11–12)، عِبَارَاتٌ كَوْنِيَّةٌ: "سَمَاءٌ جَدِيدَةٌ وَأَرْضٌ جَدِيدَةٌ" (رُؤْيَا 21: 1). وَبِاخْتِصَارٍ، فَإِنَّ نَصْرَ اللهِ الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ العَهْدُ القَدِيمُ فِي يَوْمِ الرَّبِّ سَيَتَجَلَّى كُلِّيًّا فِي العَهْدِ الجَدِيدِ بِوَاسِطَةِ ابْنِهِ يَسُوعَ المَسِيحِ. إِذْ عِنْدَ ذَلِكَ اليَوْمِ: سَيَتِمُّ تَجْدِيدُ كُلِّ شَيْءٍ (أَعْمَال 3: 20)، وَسَتُتَحَوَّلُ أَجْسَادُنَا إِلَى شِبْهِ جَسَدِهِ المُمَجَّدِ (فِيلِبِّي 3: 20–21)، وَسَيَكْمُلُ الخَلَاصُ الَّذِي نَنْتَظِرُهُ بِالإِيمَانِ (1 بُطْرُس 1: 4–5).

 

د) أَثَرُ مَجِيءِ الرَّبِّ عَلَى حَيَاتِنَا اليَوْمِيَّةِ

 

إِنَّ الغَايَةَ الأُولَى لِـمَجِيءِ الرَّبِّ الأَوَّلِ هِيَ أَنْ يُخَلِّصَنَا مِنْ خَطَايَانَا، وَأَنْ يُقَدِّمَ لَنَا حَيَاتَهُ الإِلَهِيَّةَ، لِنُصْبِحَ عَلَى شِبْهِهِ، قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نَحْيَا تَجَدُّدًا دَائِمًا، وَأَنْ نَحْمِلَ قَلْبًا كَقَلْبِهِ، يَنْبِضُ بِالحَيَاةِ وَلَا يَتَوَقَّفُ أَبَدًا.

 

وَلِمَجِيءِ الرَّبِّ أَثَرٌ عَمِيقٌ فِي حَيَاتِنَا الحَاضِرَةِ، فَهُوَ الَّذِي يُوَجِّهُ سُلُوكَ المُؤْمِنِ وَيُحَدِّدُ تَصَرُّفَاتِهِ. فَالمَجِيءُ الثَّانِي يَحْمِلُ مَعَهُ كَشْفًا لِقِيمَةِ الأَشْخَاصِ وَالأَعْمَالِ، كَمَا يَقُولُ بُولُسُ الرَّسُولُ: "سَيَظْهَرُ عَمَلُ كُلِّ وَاحِدٍ، فَيَوْمُ اللهِ سَيُعْلِنُهُ، لأَنَّهُ فِي النَّارِ سَيُكْشَفُ ذلِكَ اليَوْمُ، وَهذِهِ النَّارُ سَتَمْتَحِنُ قِيمَةَ عَمَلِ كُلِّ وَاحِدٍ" (1 قُورِنْتُس 3: 13).

 

وَفِي يَوْمِ الرَّبِّ سَيَتِمُّ فَهْمُ مَعْنَى الأَفْعَالِ البَشَرِيَّةِ، فَيُحَذِّرُ الرَّسُولُ قَائِلًا:"لَا تُدِينُوا أَحَدًا قَبْلَ الأَوَانِ، قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ الرَّبُّ، فَهُوَ الَّذِي يُنِيرُ خَفَايَا الظُّلُمَاتِ وَيَكْشِفُ نِيَّاتِ القُلُوبِ، وَعِنْدَئِذٍ يَنَالُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ اللهِ مَا يَسْتَحِقُّهُ مِنَ الثَّنَاءِ" (1 قُورِنْتُس 4: 5).

 

وَيُفْضِي المَجِيءُ الثَّانِي أَيْضًا إِلَى تَقْيِيمِ ثِقَلِ هَذَا العَالَمِ الزَّائِلِ، كَمَا يُصَرِّحُ بُولُسُ الرَّسُولُ: "وَالَّذِينَ يَسْتَفِيدُونَ مِنْ هَذَا العَالَمِ كَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَفِيدُونَ حَقًّا، لأَنَّ صُورَةَ هَذَا العَالَمِ فِي زَوَالٍ" (1 قُورِنْتُس 7: 31).

 

وَيُحَافِظُ المَجِيءُ الثَّانِي عَلَى المُؤْمِنِينَ فِي رَجَاءِ المُخلِّصِ:"مُنْتَظِرِينَ السَّعَادَةَ المَرْجُوَّةَ وَتَجَلِّيَ مَجْدِ إِلَهِنَا العَظِيمِ وَمُخَلِّصِنَا يَسُوعَ المَسِيحِ" (طِيطُس 2: 13).

 

وَيَتَقَبَّلُ المُؤْمِنُ الاِضْطِهَادَاتِ وَالآلَامَ بِـ فَرَحٍ كَمُقَدِّمَةٍ لِـيَوْمِ المَسِيحِ، كَمَا يُعَلِّمُ بُطْرُسُ الرَّسُولُ: "اِفْرَحُوا بِقَدْرِ مَا تُشَارِكُونَ المَسِيحَ فِي آلَامِهِ، حَتَّى إِذَا تَجَلَّى مَجْدُهُ تَكُونُوا فِي فَرَحٍ وَابْتِهَاجٍ… لأَنَّ رُوحَ المَجْدِ وَرُوحَ اللهِ يَسْتَقِرُّ عَلَيْكُمْ" (1 بُطْرُس 4: 13–14). وَيُؤَكِّدُ بُولُسُ أَنَّ اللهَ هُوَ الَّذِي يَقُودُ عَمَلَ الخَلَاصِ إِلَى تَمَامِهِ: "إِنِّي عَلَى يَقِينٍ بِأَنَّ ذَلِكَ الَّذِي بَدَأَ فِيكُمْ عَمَلًا صَالِحًا سَيُتِمُّهُ إِلَى يَوْمِ المَسِيحِ يَسُوعَ" (فِيلِبِّي 1: 6)، وَهُوَ أَيْضًا الَّذِي يُثَبِّتُ المُؤْمِنِينَ: "وَهُوَ الَّذِي يُثَبِّتُكُمْ إِلَى النِّهَايَةِ، حَتَّى تَكُونُوا بِلَا عَيْبٍ يَوْمَ رَبِّنَا يَسُوعَ المَسِيحِ" (1 قُورِنْتُس 1: 8).

 

وَيَبْقَى الإِكْلِيلُ الأَبَدِيُّ مَوْعِدًا لِكُلِّ مَنْ يَشْتَاقُ ظُهُورَ الرَّبِّ، كَمَا اعْتَرَفَ بُولُسُ فِي نِهَايَةِ سِيرَتِهِ:
"قَدْ أُعِدَّ لِي إِكْلِيلُ البِرِّ، الَّذِي يُجَازِينِي بِهِ الرَّبُّ الدَّيَّانُ العَادِلُ فِي ذَلِكَ اليَوْمِ، وَلَيْسَ لِي وَحْدِي، بَلْ لِجَمِيعِ الَّذِينَ أَحَبُّوا ظُهُورَهُ" (2 طِيمُوثَاوُس 4: 8). وَتَتَجَذَّرُ هَذِهِ الثِّقَةُ المَسِيحِيَّةُ أَيْضًا فِي كِتَابِ الرُّؤْيَا وَفِي رِسَالَةِ يُوحَنَّا:
"أَجَلْ، اثْبُتُوا فِيهِ الآنَ، يَا بَنِيَّ، فَإِذَا ظَهَرَ نَكُونُ مُطْمَئِنِّينَ، وَلَنْ نَخْزَى فِي بُعْدِنَا عَنْهُ عِنْدَ مَجِيئِهِ" (1 يُوحَنَّا 2: 28). هَكَذَا يُصْبِحُ المَجِيءُ الثَّانِي لَا مَصْدَرَ رُعْبٍ، بَلْ مَنْبَعَ رَجَاءٍ، وَدَافِعًا لِحَيَاةٍ مُقَدَّسَةٍ، وَحَضًّا دَائِمًا عَلَى السَّهَرِ، وَالأَمَانَةِ، وَثَبَاتِ القَلْبِ فِي طَرِيقِ الخَلاصِ.

 

 

الخُلاصَةُ

 

حَثَّ السَّيِّدُ المَسِيحُ تَلَامِيذَهُ عَلَى ضَرُورَةِ السَّهَرِ الدَّائِمِ فِي انْتِظَارِ عَوْدَتِهِ الَّتِي لَا يُعْلَنُ وَقْتُهَا، لِأَنَّ الرَّبَّ لَمْ يُعَيِّنْ سَاعَةَ مَجِيئِهِ. وَيَعْنِي السَّهَرُ هُنَا اليَقَظَةَ الوَاعِيَةَ الَّتِي تُشَكِّلُ أَحَدَ أَسَاسِيَّاتِ الإِيمَانِ بِـ يَوْمِ الرَّبِّ، وَهُوَ مَا يُمَيِّزُ المَسِيحِيَّ فِي مُوَاجَهَةِ جُحُودِ آخِرِ الأَزْمِنَةِ، وَيُحَثُّهُ عَلَى البَقَاءِ مُسْتَعِدًّا لِاسْتِقْبَالِ المَسِيحِ الآتِي.

 

وَمَا دَامَتِ الحَيَاةُ الحَاضِرَةُ مُحَاطَةً بِالتَّجَارِبِ، فَإِنَّهَا تُعْتَبَرُ مُقَدِّمَةً لِمَا سَيَأْتِي فِي آخِرِ الدَّهْرِ. وَلِهَذَا، يَجِبُ أَنْ تُمارِسَ اليَقَظَةَ المَسِيحِيَّةُ نَفْسَهَا يَوْمًا بِيَوْمٍ فِي الكِفَاحِ ضِدَّ الشِّرِّيرِ، وَفْقًا لِمَا عَلَّمَنَا إِيَّاهُ الرَّبُّ يَسُوعُ فِي الصَّلَاةِ الرَّبِّيَّةِ: "وَلَا تُدْخِلْنَا فِي التَّجْرِبَةِ" (مَتَّى 6: 11). إِذْ يَسْعَى إِبْلِيسُ لِإِهْلَاكِ مَنْ يَقَعُ فِي شِبَاكِهِ، فَيُصْبِحُ السَّهَرُ حَاجَةً مُلِحَّةً تَتَطَلَّبُ صَلَاةً دَائِمَةً، وَقَنَاعَةً رُوحِيَّةً، وَحِفَاظًا عَلَى نَقَاوَةِ القَلْبِ. لِنُهَيِّئْ أَنْفُسَنَا — لَا لِلْعِيدِ — بَلْ لِصَاحِبِ العِيدِ، وَلْنَعِشْ أَيَّامَنَا فِي رُوحِ تَجَدُّدٍ وَتَوَقُّعٍ صَادِقٍ لِـمَجِيءِ الرَّبِّ فِي حَيَاةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَّا.

 

وَيَبْقَى السُّؤَالُ المِحْوَرِيُّ: هَلْ نَهْتَمُّ بِمَجِيءِ المَسِيحِ؟

 

إِنَّ مَجِيئَهُ الثَّانِي هُوَ أَهَمُّ حَدَثٍ فِي مَصِيرِنَا، لِأَنَّ نَتَائِجَهُ أَبَدِيَّةٌ. وَلَا يُمْكِنُنَا أَنْ نُؤَجِّلَ الاسْتِعْدَادَ لَهُ، لِأَنَّنَا لَا نَعْلَمُ مَتَى سَيَأْتِي. وَطُوبَى لِذَلِكَ الخَادِمِ الَّذِي يَجِدُهُ سَيِّدُهُ مُنْصَرِفًا إِلَى عَمَلِهِ (لُوقا 12: 43)، فَيَسْتَطِيعُ أَنْ يُشَارِكَ فِي مَوْكِبِ انْتِصَارِ الرَّبِّ.

 

وَنَخْتِمُ تَأَمُّلَنَا بِكَلِمَاتِ البَابَا القِدِّيسِ يُوحَنَّا بُولُسِ الثَّانِي، الَّذِي رَبَطَ السَّهَرَ بِالِاسْتِعْدَادِ لِلنِّدَاءِ الأَخِيرِ: "فَاسْهَرُوا إِذًا، لِأَنَّكُمْ لَا تَعْلَمُونَ أَيَّ يَوْمٍ يَأْتِي رَبُّكُمْ".  ثُمَّ يُضِيفُ قَائِلًا: "تُذَكِّرُنِي هَذِهِ الكَلِمَاتُ بِالنِّدَاءِ الأَخِيرِ الَّذِي سَيَحِلُّ فِي اللَّحْظَةِ الَّتِي يُرِيدُهَا الرَّبُّ. أَرْغَبُ أَنْ أَسْتَجِيبَ لِذَلِكَ النِّدَاءِ، وَأَنْ يَكُونَ كُلُّ مَا فِي حَيَاتِي سَبِيلًا لِلاسْتِعْدَادِ لِتِلْكَ اللَّحْظَةِ. لَا أَعْلَمُ مَتَى سَيَأْتِي، وَلَكِنِّي أَضَعُ تِلْكَ اللَّحْظَةَ بَيْنَ يَدَي وَالِدَةِ مُعَلِّمِي يَسُوعَ، كَمَا أَضَعُ كُلَّ شَيْءٍ بَيْنَ يَدَيْهَا: "كُلِّي لَكِ!"

 

 

الدُّعَاءُ

 

أَيُّهَا الآبُ السَّمَاوِيُّ،

أَيْقِظْ قُلُوبَنَا وَأَفْكَارَنَا لِنَسْتَعِدَّ لِمَجِيءِ ابْنِكَ يَسُوعَ، مُخَلِّصِنَا وَدَيَّانَنَا،

بِالسَّهَرِ وَالصَّلَاةِ وَاتِّبَاعِ وَصَايَاهُ،

حَتَّى إِذَا جَاءَ يَجِدَنَا فَرِحِينَ بِقُدُومِهِ، مُرَحِّبِينَ بِنُورِ حَقِيقَتِهِ.

"كَمَا تَشْتَاقُ الأَيِّلُ إِلَى جَدَاوِلِ المِيَاهِ، كَذلِكَ تَشْتَاقُ إِلَيْكَ نَفْسِي يَا اللهُ"(مَزْمُور 42: 1).

وَلْنُنْشِدْ بِقُلُوبٍ مُشْتَعِلَةٍ: "نَحْنُ سَاهِرُونَ وَمَصَابِيحُنَا مُشْتَعِلَةٌ، نَنْتَظِرُ عَوْدَتَكَ أَيُّهَا الرَّبُّ يَسُوعُ" آمِينَ.

 

 

خَبَرٌ وَعِبْرَةٌ

 

وَضَعَتْ إِحْدَى المَجَلَّاتِ الإِيطَالِيَّةِ عُنْوَانًا لافِتًا لِلانْتِبَاهِ فِي زَمَنِ المَجِيءِ، عُنْوَانًا قَدْ يَسْتَوْقِفُنَا جَمِيعًا وَيَبْقَى رَاسِخًا فِي أَذْهَانِنَا: "A Dio interessa la nostra vita" أَيْ: "حَيَاتُنَا تَهُمُّ اللهَ!!"

 

إِنَّ يَسُوعَ يَسِيرُ مَعَنَا لِأَنَّ حَيَاتَنَا تَهُمُّ الآبَ السَّمَاوِيَّ. فَهُوَ لَا يَرْبَحُ شَيْئًا مِنَّا، وَلَا يَسْعَى إِلَى مَصْلَحَةٍ خَاصَّةٍ، بَلْ لِأَنَّهُ يَحْمِلُ لَنَا عَطِيَّةً عَظِيمَةً يُرِيدُ أَنْ يَمْنَحَنَا إِيَّاهَا. فَلَوْ تَرَكَنَا وَتَخَلَّى عَنَّا، لَضَعْنَا فِي هَذَا العَالَمِ وَنَهَلَكْ، َلَأَصْبَحْنَا بِلَا قَائِدٍ، بِلَا مُرْشِدٍ، بِلَا مَنْ يُرَافِقُنَا فِي الطَّرِيقِ.

 

إِنَّ مَجِيءَ يَسُوعَ يُوحِي لَنَا بِهَذِهِ الحَقِيقَةِ العَمِيقَةِ: "هَلْ تَنْسَى المَرْأَةُ رَضِيعَهَا…؟ فَأَنَا لَنْ أَنْسَاكِ" (إِشَعْيَاء 49: 15). وَلِكَيْ يُؤَكِّدَ اللهُ عِنَايَتَهُ، يُتَابِعُ قَائِلًا: "هَا أَنَذَا قَدْ نَقَشْتُكِ عَلَى كَفَّيَّ" (إِشَعْيَاء 49: 16).

 

وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ اسْمَنَا مَكْتُوبٌ عَلَى يَدِ اللهِ.  فَنَحْنُ—بِمَفْهُومِ البَشَرِ—لَا نُسَجِّلُ أَهَمَّ الأُمُورِ عَلَى وَرَقٍ قَدْ يُفْقَدُ، بَلْ نَكْتُبُهَا عَلَى أَيْدِينَا لِكَيْ لَا نَنْسَاهَا. وَهَكَذَا يَفْعَلُ اللهُ مَعَنَا: اسْمَاؤُنَا مَنْقُوشَةٌ عَلَى كَفِّهِ.

 

وَمَعْجِزَةُ وُجُودِنَا هِيَ أَنَّ حَيَاتَنَا قَيِّمَةٌ فِي عَيْنَيْ اللهِ، وَلِذَلِكَ يَقُولُ لَنَا يَسُوعُ: "هَاءَنَذَا مَعَكُمْ طَوَالَ الأَيَّامِ إِلَى نِهَايَةِ العَالَمِ" (مَتَّى 28: 20). إِنَّ خَطَرَ العَالَمِ اليَوْمَ يَكْمُنُ فِي أَنْ نَنْسَى أَنَّ اللهَ مَعَنَا، وَأَنْ نَفْقِدَ الإِدْرَاكَ بِأَنَّ حَيَاتَنَا تَهُمُّ اللهَ، وَأَنَّهُ يَسِيرُ فِي وَسَطِنَا، يُرَافِقُنَا وَيَحْمِلُنَا فِي حِزَانِهِ.