موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
«السردية السياحية» في معناها الحديث تتعدى كونها كتيّبًا ترويجيًا أو قائمة مواقع فقط، لتكون حكاية وطن تُصاغ بعناصرها الملموسة واللاملموسة معًا مثل المكان والناس، التاريخ والحضارة والتجربة والاحساس والمعنى على أرضٍ ما تزال تفاجئ العالم بما كُشف منها وما لم يُكشف بعد.
تبدأ الحكاية بالإنسان الأردني، فالكرم، وحسن الاستقبال، والاستعداد للمساعدة وإرشاد الغريب، ليست سمات اجتماعية فحسب، بل جزء أصيل من تجربة الزائر، وعنصرًا أساسيًا في ما يُعرف اليوم «التجربة» فهذا البعد الإنساني يتكامل مع بُعدٍ تعليميٍّ راسخ، إذ أصبحت المملكة وجهة مفضّلة للطلبة العرب والدوليين، مع أكثر من 55 ألف طالب وافد من 119 دولة، ما يعكس الثقة بالبنية الأكاديمية والاستقرار المجتمعي، ويعزّز صورة الأردن كبيئة معرفة وحوار وانفتاح.
أما الأرض، فهي نصّ مفتوح للحضارات. في الجنوب، فمثلاً تقف البترا بوصفها أيقونة السردية الأردنية، مدينة منحوتة في الصخر ومصنّفة ضمن عجائب الدنيا السبع الجديدة عام 2007، ولا تُقدَّم البترا اليوم كأثرٍ ساكن، بل كتجربة متجددة، جرى تطويرها عبر تحديث «البترا ليلًا» وتحسين المسارات وتوظيف تقنيات العرض، في مقاربة تربط الأسطورة بالابتكار وتحافظ في الوقت ذاته على روح المكان.
ويأخذ البعد الروحي مكانه العميق في هذه السردية عبر مواقع دينية شكّلت جزءًا من الذاكرة الإنسانية الجامعة؛ فمثلا موقع المعمودية على نهر الأردن، المدرج على قائمة التراث العالمي، إلى جبل نيبو، حيث يلتقي الإيمان بالتاريخ والجغرافيا. هنا، لا تُقدَّم السياحة الدينية كمسار منفصل، بل كجزء أصيل من هوية أرضٍ عُرفت تاريخيًا بـ«الأرض المقدسة»، التي شهدت الرسالات، والأنبياء، ومسارات الحج، واحتضنت التنوّع بوصفه واقعًا معيشًا.
وفي الطبيعة، يضيف البحر الميت بعدًا فريدًا للتجربة؛ أدنى نقطة على سطح الأرض وفضاء عالمي للاستشفاء والتأمّل، فيما تمنح العقبة السردية وجهها البحري، بشعابها المرجانية الغنية وتنوّعها البيئي اللافت، لتكتمل صورة الأردن كبلد يجمع الصحراء والبحر في مساحة واحدة. ولا تقل مدن الشمال ثراءً في هذه الحكاية؛ فعجلون تقدّم نموذجًا للسياحة البيئية حيث الغابات والمسارات الطبيعية تتقاطع مع التاريخ، وإربد تظهر كمدينة معرفة وثقافة نابضة بالحياة الجامعية، فيما تمثّل جرش درسًا حيًا في علم الآثار المفتوح، مدينة رومانية محفوظة بعناية تتيح للزائر أن يمشي داخل الزمن لا أن يكتفي بمشاهدته.
وإذا كانت هذه الأماكن الاستثنائية، وغيرها الكثير، تشكّل ركيزة أساسية في السردية الأردنية، فإن تقديمها للعالم لا ينبغي أن يقتصر على سرد التاريخ أو تعداد الحضارات التي مرّت بها فحسب.
المطلوب اليوم هو صياغة رواية معاصرة تنطلق من حاجات الزائر وتوقعاته واهتماماته فالمواقع، مهما عظمت قيمتها التاريخية، لا تكتمل جاذبيتها ما لم تُروَ ضمن سردية إنسانية وتجريبية تعكس روح المكان، وتربط الماضي بالحاضر، وتحوّل الزيارة من معرفة جامدة إلى تجربة حيّة ذات معنى.
من هنا، لا تكون زيارة الأردن محطة عابرة، بل تجربة طويلة الأمد بطبيعتها. هو بلد لا يُزار على عجل، بل يُمشى على أرضه بتؤدة، ويُتأمَّل في تفاصيله. زيارة الأردن هي السَيرٌ في الأرض المقدسة، وعيشٌ لتجربة إنسانية متكاملة، يدرك فيها الزائر أن ما رآه ليس سوى جزءٍ من الحكاية، وأن السردية الحقيقية لهذا البلد لا تنتهي بزيارة واحدة، بل تبدأ بها.
(الدستور الأردنية)