موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر الأربعاء، ٢٣ فبراير / شباط ٢٠٢٢

"الرمَّاد رمز التوبة" بين النبي يوئيل وكاتِبُ الإنجِيلُ الأوّل

بقلم :
د. سميرة يوسف سيداروس - إيطاليا
"الرمَّاد رمز التوبة" بين النبي يوئيل وكاتِبُ الإنجِيلُ الأوّل

"الرمَّاد رمز التوبة" بين النبي يوئيل وكاتِبُ الإنجِيلُ الأوّل

 

سِلسلة قِراءات كِتابيّة بين العَهدَّين (يؤ 2: 12- 18؛ مت 6: 1- 18)

 

 

مُقدّمة

 

نستلهم مقالنا هذا من خلال الطقس الليتورجي بالطقس اللاتيني والذي يطلق عليه الليتورجيين بطقس "أربعاء الرماد". إذ يبدأ زمن الإستعداد الأربعيني بهذا اليوم. على المستوى الكتابي "يوم أربعاء الرماد" له "رمز التقشف والتوبة". فالرماد الذي يوضع على رأس أو على جبهة كل عضو من أعضاء جماعة المؤمنين ما هو إلا رمز للارتداد والتوبة وجذوره سنفهمها على ضوء قرأتنا لنص بالعهد الأوّل من النبي يوئيل (2: 12- 18) وبالعهد الثاني من إنجيل متى (6: 1- 16). وهذا الطقس لا يمكن إستباقه أو تأجيله. فيتم معايشته في اليوم ذاته وفقط. يقع أربعاء الرماد في هذا العام في الثاني من أبريل لعامنا 2022. تحديد هذا اليوم يرتبط بعيد القيامة. يحمل أربعاء الرماد رمز قوي جدًا مما يشير إلى هشاشة كل إنسان أمام الله. الرماد، التراب، الطين، ... كلها مواد ترتبط بالأرض. الرماد من الناحية الكتابية، يحمل رمز الموت، وهو حقيقة عقيمة لا يمكن أن يصبح مكانًا خصبًا بدون التدخُل الإلهي. إن بدء رحلتنا الروحية في الزمن الأربعيني الكبير بهذا الطقس يحمل معنى قوى إذ فيه يتم إستدعاء قوة روح الله حتى تُوَّلِد الحياة، حيث يبدو أن الموت وحده هو السائد فقط. رحلة سيتم عبورها من خلال العبور بالنار والماء الجديدان لعيد قيامة الرّبّ. ولكن هناك الجديد ال1ي أضافه يسوع بحسب قلب عظته الأولى لدى متى كما سنكتشف على ضوء قرأتنا لآيات يوئيل النبي.

 

 

1. مفهوم "الإرتداد-التوبة" (2: 12- 18)

 

نص النبي يوئيل بقسم الأنبياء بالعهد الأوّل، يقدم دعوة مُلحة للإرتداد أي تغيير الفكر والقلب بحسب ما يرضي الله. الإرتداد هو لفظ يتمحور حول التأكيد على أن الله يتميز  بسمات خاصة ويلخصها النبي يوئيل في «فإِنَّه حَنونٌ رَحيم طَويلُ الأَناة كَثيرُ الرَّحمَة» (2: 13ب). بحسب الصفات الأساسية لإله بني إسرائيل بحسب ما نادى به موسى مُعلنًأ حقيقة الرّبّ  بسفر الخروج فقال: «الرَّبُّ الرَّبّ! إِلهٌ رَحيمٌ ورَؤُوف، طَويلُ الأَناةِ كَثيرُ الَرَّحمَة والوَفاء، يَحفَظُ الَرَّحمةَ لأُلوَف، وَيحتَمِلُ الإثمَ والمَعصِيَةَ والخَطيئَة، ولكنَّه لا يَتُركُ دونَ عِقابٍ شَيئاً» (34: 6-7). في قلب دعوة النبي يوئيل يكمن ندائه النبوي التي تشير بعودة الإنسان إلى الله بكل قلبه باطنيّاً وبأعماله الخارجية - صيام وبكاء ونوح -بحسب عادات ومن النبي. ففي التوبة والإرتداد عن الحياة الأوّلي تظهر أمانة الإنسان الداخلية لإله. وهذا ينمّ على أن العلاقة بين الإلهي والبشري لا تعتمد على خطيئة الإنسان بقدر ما تعتمد  على وجه الله الذي هو الحب والوفاء. تظهر محبة الرّبّ للإنسان في غيرته الإلهية على شعبه وهو عنصر هام . هذا عنصر آخر تضعه الليتورجيا في بداية مسيرة الإستعداد للزمن الأربعيني دعوة إلى عدم النظر إلى الذات والخطيئة الشخصية، بل إلى الله وإلى رحمته.

 

من خلال كلمات النبي يوئيل وهو أحد الأنبياء الصغار، مدعويين أن نعيش الزمن الأربعيني بقلب متجدد ياغيّاً  لما يقوله الرَّبّ: «إِرجعوا إِلَيَّ بكُلِّ قُلوبِكم وبِالصَّوم والبُكَاءَ والِآنتِحاب» (2: 12).حينما يدعوا النبي بأفعال الأمر من خلال قوله: «وأَوصوا بصَومٍ مُقَدَّس ونادوا بِآحتِفال إِجمَعوا الشَّعبَ وقَدِّسوا الجَماعَة وآجمَعوا الشُّيوخ  وآجمَعوا الأطفالَ وراضِعي الأَثْداء ولْيَخرُجِ العَريسُ مِن مُخدَعِه والعَروسُ مِن خِدرِها.  بَينَ الرِّواقِ والمَذبَح  لِيَبْكِ الكَهَنَةُ خُدَّامُ الرَّبّ  ولْيَقولوا: "أَشفِقْ ياربُّ على شَعبِكَ ولا تَجعَلْ ميراثَكَ عاراً فتَسخَرُ مِنهُمُ الأُمَم  لِماذا يُقالُ في الشُّعوبِ: أَينَ إِلهُهم"» (15- 17).

 

معايشة زمن التوبة من خلال الصلاة والصوم هو إتحاد بين الروح والجسد البشري في التوجه للرّبّ وتجديد العلاقة معه. بالفعل نادى النبي بهذه الرسالة بسبب خطايا الشعب إلا أن الذلة تصير مكان للقاء الرّبّ والتقرب منه وطلب رحمته. بهذه الكلمات يكشف لنا النبي عن جذور الصوم والصدقة والصلاة التي سيعلنها متى لاحقًا لحماعته التي من أصل يهودي وصارت مسيحية بالمعمودية.

 

 

2. إنجيل ثلاثيّة حرف "الصَّاد" (مت 6: 1- 18)

 

يتميز النص الثاني من العهد الجديد، بشكل خاص، باستكمال حديثنا عن الفضائل الإبشرية التي تساعدنا على السير في مسيرة التوبة والإرتداد التي أعلنها سابقًا يوئيل النبي. من خلال قرائتنا لمقطع الإنجيل المأخوذ من عظة يسوع على الجبل (6: 1-18) وهي العظة الأوّلى من خمس عظات تُلخص تعليم يسوع بحسب مار متى. نُطلق على هذا الصفحة، من وجهة نطرنا، إنجيل الثلاثة "صاد". والسبب هو أن الثلاث تعاليم تبدأ بذات الحرف؛ حيث يتحدث يسوع إلى تلاميذه بتعليم جديد عن الصدقة والصوم والصلاة. في قرائتنا الأولى، يتسلط موضوع واحد يربط الثلاث "صَّاد" بموضوع "التوبة" أي الارتداد، وهو الذي سيتم تسليط الضوء عليه خلال الأربعين يومًا حتى يتم إحتفالنا بقيامة الرّبّ (راج غل 2: 12-18). الارتداد كما نوهنا قبلاً، هو بمثابة مسيرة العودة إلى الله، مع إشارة خاصة إلى ممارسة الصوم خاصة يوم أربعاء الرماد والجمعة العظيمة. سنتكتشف أن وقت الزمن الأربعيني هو "الوقت المناسب" للتوبة والعودة إلى الله لكل شخص مُعمد. مقطع الإنجيل يتعلق بموضوع العدل، الذي يشير إلى تحقيق إرادة الله في حياة الإنسان. في الآيات الأخيرة بالإصحاح الخامس، دعا يسوع تلاميذه ليعيشوا "العدل الساميّ" (راج مت 5: 20). وهي صورة متمثلة في التطويبات أي الطُرق المـمُفرحة. طريقة لعمل مشيئة الله لا تعتمد على مكافأة ما يجب الحصول عليها، ولكن على علاقة مجانية مع الله.

 

 

3. الصوم، الصدقة، الصلاة (مت 6: 1- 18)

 

تشير الممارسات الثلاثة: الصدقة والصلاة والصوم، وهي موضوعات سنقرأها كبيراً بشكل أكثر عمقًا في كتب العهد الأوّل، والتي تترك صدى كبير في مسيرتنا بالزمن الأربعيني على الأبعاد الأساسية للحياة البشرية والتي تتمثل في: العلاقة بالآخرين (بمعايشة الصدقة) وبالله (بمعايشة الصلاة) وبالأشياء (بمعايشة الصوم). وكل هذا ينمي علاقة الإنسان بذاته بل تدعونا هذه الإشارات إلى ترك مساحة باطنية للنمو في علاقاتنا. إذ يساعدنا على ترك ترك مساحة للإنسان الأخر، القريب في ممارسة فضيلة الصدقة للأكثر إحتياجًا. وهو ما يسير إلى التخلي عن شيء يحتاجه القريب مما يعني الاعتراف بأنه موجود في حياتي. إذن مشاركة الآخر في الخيرات التي أنعم الرّبّ بها على الإنسان مع أخوته البشريين.

 

مساحة للآخر العظيم وهو الرّبّ من خلال ممارسة فضيلة الصلاة. أما بالنسبة لممارسة فضيلة الصلاة فهي المكان الذي يفسح المؤمن من خلاله لله في حياته. إنها مسألة تكريس "وقت لللقاء الرّبّ" للتعرف عليه حاضرًا في حياتنا، والحكم على النفس وحياة المرء أمامه وكلمته. أخيرًا، يدعونا الصوم إلى التعرف على أنفسنا وعلى نوعية جوعنا الحقيقي الذي لا يتمثل فقط في الطعام المادي، والاستجابة لاحتياجاتنا، ولكن في إطعامنا من  كلمة الله وفي أعمق رغباتنا.

 

 

4. تعبير "في الخفاء" (6: 4، 6، 18)

 

نقرأ في هذه الآيات بنصنّا المتّاوي سمة خاصة تتضح في تعبير كتابي يقتصر عليها متى الإنجيل "في الخفاء". إذ يؤكد يسوع أن سمات العدل الراقي الذي يتجسد في الصلاة، والصوم، والصدقة لا يتوجب ممارستهم أمام الناس، ولا يجب المبالغة بهم أو التظاهر في ممارستهم، ولكن يضع الإنجيلي على لسان يسوع ضوء لاهوتي جديد أمامنا إذ متى رغب المؤمن معايشة هذه الفضائل لا بد وأنّ يتم "في الخفاء" أي أمام الله والله فقط (مت 6: 1). يظهر تعبير "في الخفاء" ثلاث مرات (مت 6:  4، 6، 18). يظهر ذات التعبير في نهاية سرد الثلاث توصيات الفضائلية بكشف كيفية تجسيد طريقة عملية لمعايشة إرادة الله، أي العدل في حياة الإنسان الإيمانية. الصلاة، الصوم والصدقة فهي الفضائل التي  كانت بالعهد الأوّل صور لثلاث ممارسات أساسية للتدين في زمن يسوع. هذه الممارسات الثلاث التي تعتبر ذات قيمة للغاية أمام الله يمكن تلويثها وفقدان معناها عند إمكانية القيام بها أمام الناس، إذ ينتهي بها الأمر في التظاهر أمام الناس. وهنا ظهرت براعة الإنجيلي بتميزه في إستخدام تعبير "في الخفاء"، إذ يعلن أنّ يسوع لا يشير فقط إلى التواضع الذي يمكن أن يحارب به صورة للرياء والنفاق. دعوة متى على لسان يسوع تتمحور في دعوتنا إلى النظر إلى ما نعيشه في الخفاء على أنه حقيقة أنفسنا وحياتنا. ما نعيشه في الخفاء، من أعمال حب وممارسات تدل على التوبة إذ يشير إلى كل ما هو أصيل وحقيقي. يؤكد الإنجيل، أن كل حياة بشرية، بجميع أبعادها، ينبغي أن نتعلم أن نعيشها "في الخفاء" أي في حقيقة قلوبنا. يجب القيام ببدء الزمن الأربعيني "في الخفاء" لننمو، تحت عمل الروح القدس، وتصير الحقيقة الأعمق عن أنفسنا مُعاشة أمام الرّبّ وليس أمام الناس.

 

 

الخلّاصة

 

نسمع كثيراً بالإعلانات التليفزيونية 3 × 1 وهذا المقال يقترب من هذا الفكر، مشيراً بأن الثلاث فضائل الصدقة والصوم والصلاة، جوهر مقالنا اليوم والتي تحدث عنهم، بالعهد الثاني، يسوع بحسب إنجيل متى، والذي تتبعنا جذوره بالعهد الأوّل من خلال نص يوئيل النبي أن الثلاث فضائل مصدرهم هو الرغبة في الارتداد أي توبة الفكر والقلب وإتخاذ مشاعره القلبية الرحيمة وطريقة فكره الإلهي. أودّ أن أختتم معكم مقالنا هذا عن التوبة والإقتراب من العلاقة بالرّبّ والقريب والذات بتعبير نموذجي أستعين فيه بكلمات مار بولس: «فها هُوَذا الآنَ وَقتُ القَبولِ الحَسَن، وها هُوَذا الآنَ يَومُ الخَلاص» (2كو 6: 2). تحوي كلمات مار بولس توسل للمؤمنين حتى يسمحوا لأنفسهم بالمصالحة مع الله، وما علينا أن نقبل كلماته بالإضافة لكلمات يوئيل ويسوع بحسب النصوص التي نوهنا عنها لنغتنم اللحظة المناسبة حتى تصير لنا. ويمكنا ربط ما ورد بهذا المقال برمز الرماد الملموس بكنائسنا التي تعيش اليوم زمن الإستعداد في مغامرة روحية. تهدف إلى قيادتنا نحن المؤمنين لنصير متجدين بالكامل للاحتفال بعيد فصح الرّبّ.