موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
مُقدّمة
تفتتح الكنيسة الكاثوليكية أوّل أيام السنة بالعام الميلاديّ، بعيد مريميّ له بُعد أموميّ خاص، إذ يلي مباشرة الاحتفال بعيد تجسد الابن السماوي، وهو مريمّ أمّ الله. لذا أيها القراء الأفاضل، نستظل، منذ البدء، برداء مريم في مسيرتنا الكتابيّة لمتابعة مسيرتنا فيما بين العهدين. تدعونا القراءات سلسلتنا في بدء هذا العام بالتركيز على كلمة إلهيّة خاصة وهي "البركة" الّتي نالتها بشريتنا بدون استحقاق من قلب الله الفيّاض بالحب. ففي الـمقطع الأوّل من العهد الأوّل، سنتناقش حول لفظ البركة بحسب سفر العدد (عد 6: 22- 27). سنسمع فيه الصوت الإلهيّ، مانحًا فيض بركاته الإلهيّة. وبالمقطع الثاني (لو 2: 16- 21) سنتوقف أمام أيقونة بشرية وهي مريم الّتي كالأمّهات اليهوديات تتبع الشريعة وتحمل ابنها لختانه وإعطائه الاسم في اليوم الثامن من ولادته. من خلال مريم البتول والأمّ نكتشف قلب المتأمل في الأحداث البشرية بعين إلهيّة. نهدف في مقالنا هذا بالتأمل في البركات الإلهيّة الّتي تستمر حتى يومنا هذا ونتتبعها لنتحقق منها في حياتنا من خلال ذُروتها الّتي كشفها الله في "اسم يسوع" ابنه.
1. سيّل البركات الإلهيّة (عد 6: 22- 27)
يُدهشنا كاتب سفر التكوين وهو يعلن عما يقوله الرّبّ بصوت جهوري يحمل حب خاص نحو بني إٍسرائيل شعبه والّذي يتجدد في كل شعوب الأرض اليوم. يعلن الرب "البركات الإلهيّة" الّتي يمنحها لكلّ إنسان بمجانيّة أيّ دون أن يطلب هذا الإنسان من الله. لفظ بركة في الكتاب المقدس له أهميّة خاصة إذ يعني من جذره العبري "قول الخير". أيّ حينما تخرج كلمات إلهيّة أو بشريّة تتسمّ بالقول الخيّر والصالح لـمَن يتوجه له الحوار. في صيغة البركة الّتي يكشفها كاتب سفر العدد والّتي نسمع فيها صوت الرّبّ، بمبادرته الأوّلى قائلاً لموسى: «كَلِّمْ هارونَ وبَنيه وقلْ لَهم: كذا تُباركونَ بَني إِسْرائيل فتَقولونَ لَهم: "يُبارِكُكَ الرَّبَّ ويَحفَظُكَ، ويُضيءُ الرَّب بِوَجهِه عَلَيكَ ويَرحَمُكَ، وَيرفَعُ الرَّبّ وَجهَه نَحوَكَ. ويَمنَحُكَ السَّلام", فيَجعَلونَ اسمي على بَني إِسْرائيل، وأَنا أُبارِكُهُم» (22: 22- 27).
نعلم أن هارون وبنيه يمثلون الأصل الكهنوتي بالعهد الأوّل. لذّا حينما توجه الرّبّ لموسى قائد بني إسرائيل، أمره بأن يعطي إشارة البدء لكهنة بني إسرائيل للمبادرة بإعلان بركاته الشموليّة لكلّ الشعب. فالكهنة بمثابة وسطاء الرّبّ الّذين من خلال دورهم تصل بركات الله لكل الشعب. في واقع الأمر أعطى اللاهوتيين عنوان لهذا المقطع وهو "البركة الإلهيّة" إلّا إننا نجد في هذه الآيات المتميزة سيل جارف من البركات الإلهيّة إذ تشمل كلمات الرّبّ: البركة والحفظ أي حراسته لكل إنسان، ثمّ استنارته بوجهه الإلهي الـمُشع بالرحمة؛ وارتكاز وجه الرّبّ على كلّ الإنسان فيصير مركز اهتمامه وبنهاية قوله يعلن منحه لسّلامه الإلهي. حينما نقرأ هذه الكلمات تنشرح اليوم قلوبنا كمؤمنين لنقبل هذه المبادرة المجانيّة الّتي يفيضها الرّبّ علينا نحن شعبه والّذين ننتمي إليه في عصرنا الحالي، إذ تتجدد فينا ثمار بركاته.
هذه البركة ليست بجديدة فقد منحها الله منذ الخلق حينما منحها الله لأوّل زوجيّن بحسب كلمات كاتب سفر التكوين: «وبارَكَهمُ اللهُ وقالَ لهم: "اِنْموا واَكْثُروا وأمْلأُوا الأَرضَ"» (تك 1: 28). ويحضر في ذهننا أيضًا وعد الرّبّ لأَبْرام: «اِنطَلِقْ مِن أَرضِكَ [...] وأنا أَجعَلُكَ أُمَّةً كَبيرة وأُبارِكُكَ وأُعظِّمُ اسمَكَ، وتَكُونُ بَركَة وأُبارِكُ مُبارِكيكَ، وأَلعَنُ لاعِنيكَ وَيتَبَارَكُ بِكَ جَميعُ عَشائِرِ الأَرض» (تك 12: 1- 3). هكذا نحن مدعوين اليوم ليس فقط بقبول السيّل الفيّاض من البركات الإلهيّة بل بدورنا نبارك الرّبّ والقريب معًا. فالرّبّ اليوم يدعونا لنكون وسائط تعلن بركاته الإلهيّة أينما وجدنا.
2. الانقلاب (عد 6: 22- 26)
نفهم على ضوء مقطع سفر العدد الكثير من المبادرات الإلهيّة الّتي استمرت أيضًا بالعهد الثاني. حينما لم يستطع إسرائيل الحفاظ على هذه البركات الإلهيّة بتتبع الشريعة، بادر الله من جديد بتجديد هذه البركة من خلال حدث هام وهو الّذي قام بالانقلاب إيماني كبير نتلمسه فيما بعد حينما نكتشف أن نعمة الشريعة وصلت لذروتها في بنوة يسوع، فلا تصير علاقتنا بالله معتمدة فقط على الشريعة بل على نعمة البنوة الّتي كُشفت في يسوع ابن الله (راج لو 22: 42) وابن الإنسان (راج لو 5: 23). وهذا ما يعلنه بولس لاحقًا بقوله: «أَبًّا، يا أَبَتِ!» (روم 8: 15 وأيضًا راج غلا 4: 4- 5).
3. قلب أمومي (لو 2: 19)
هذا اليوم الـمُميز في حياة كلّ أسرة عبريّة كما يعرضه المقطع الثاني بالمقال بحسب إنجيل لوقا (2. 16- 21) وهو يوم ختان الابن الذكر الّذي تزدهر فيه عنصر البنوة والأمومة معًا. ففي اليوم الثامن من ولادة ابن الله، لا يغيب على لوقا الإنجيلي أن يكشف لنا وجه آخر بخلاف تركيزه على يسوع وهو أمومّة مريم إذ يروي في نهاية سرده لزيارة الرعاة البسطاء، الّذي تعمقنا فيها بالمقال السابق، بإشارة خاصة ترتكز على أمّ الطفل السماويّ فيقول: «كانَت مَريمُ تَحفَظُ جَميعَ هذهِ الأُمور، وتَتَأَمَّلُها في قَلبِها» (2 :19). هذا القلب الأمومي هو قلب مُتدرب على رؤية أمور حياة ابنها وتأملها في قلبها. فليس هناك قلب كقلب الأمّ الّتي تحوي بنطرتها التأملية حياة ورسالة ومستقبل أبنائها. وها نحن مدعوين اليوم أن نلجأ لمريم أمّ يسوع وأمنا أن تتضرع لأجلنا حتى نتمكن في حياتنا بالتأمل في كلمة ابنها في هذا العام. القدرة على التمتع بقلب يسعى للحياة الأبدية، هذه القدرة لا تأتي من فراغ بل من قلب مُتأمل يعرف كيف يصمت ويقرأ الأحداث البشرية بعين إلهيّة مثل مريم الأمّ. مريم هي الأيقونة الّتي حملت لنا ذُروة البركات الإلهيّة من خلال المقطع الثاني الّذي اخترناه بالعهد الثاني بحسب إنجيل لوقا (2: 16- 21) وهو يمثل ثورة جذريّة وتشمل بركة البركات الإلهيّة الّتي منحها الرّبّ لنا وهي مريم "أمّ الله" الأيقونة الحيّة.
4. يسوع: ذُروة البركات الإلهيّة (لو 2: 21)
في ختام المقطع بحسب إنجيل لوقا يكشف الإنجيلي عن وصف ختان يسوع بحسب الشريعة الموسويّة. نعلم أنّ الابن في الشريعة اليهودية لا يُعطى له الاسم إلا في اليوم الثامن من ولادته وهو يوم ختانه وهذا اليوم له صفات خاصة بحسب الشريعة، بالأخص للابن البكر والذكر. هكذا روى لوقا بالإصحاح الأوّل هذا الحدث الضروري بحسب الأمر الإلهي لمريم، حينما قال لها ملاك الرّبّ: «فَستحمِلينَ وتَلِدينَ ابناً فسَمِّيهِ يَسوع» (لو 1: 31). هذا الاسم الّذي ليس له صلة بالأسرة أو بالنسل بل هو اسم "يسوع"، أيّ مخلص، وقد أُعطيّ من العلاء.
"اسم يسوع" الّذي منحه الله لابنه، هو ذُروة البركات الإلهيّة بالعهد الجديد فيروي لوقا هذه البركة قائلاً: «ولَـمَّا انقَضَت ثَمانِيَةُ أَيَّامٍ فحانَ لِلطِّفْلِ أَن يُختَن، سُمِّيَ يسوع، كما سَمَّاهُ الـمَلاكُ قَبلَ أَن يُحبَلَ بِـه» (لو 2: 21). العلي هو الّذي يُوجه حياتنا البشرية، منذ يوم ختان ابنه من خلال "اسم يسوع"، نحو الملكوت. مدعوين اليوم لقبول "اسم يسوع" كبركة إلهيّة تغني حياتنا وتحملها لعمق حي في العلاقة بالله الآب. وخلاصنا حقًا يكمن في ليس فقط انتمائنا لاسم يسوع بل في قبوله كمخلص وهذا هو معنى اسم يسوع: مخلص. يتجدد اليوم تحقق "اسم يسوع" على حياتنا وقلوبنا واسرنا وعالمنا البشري حاملاً الخلاص من العقبات الّتي تعرقل مسيرة وصولنا إليه.
الخلّاصة
يُفتتح هذا العام بقراءة خاصة تحمل فيضُ من البركات الإلهيّة ومصدرها الله إذ وصلّ بنا إلى ذروتها في تسميّة ابنه "يسوع". تتبعنا بمقالنا هذا كيف بدأ الرّبّ بمنح البركة للإنسان بالعهد الأوّل منذ الخلق وجددها بعدة أشكال مع ابرام، ثمّ في نصنا اليوم بسفر العدد (6: 22- 27). هذا الفيض الّذي لا يُحصى للبركات الرّبّ والّذي يشمل كلّ تاريخ الخلاص. لذا مدعوين بأوّل أيام هذا العام أن نتقدم بقلوب واثقة ومفتوحة لقبول الكلمة الإلهيّة مثل مريم. نعم هذه البركة اليوم يجددها الرّبّ في بشريتنا وفي الكنيسة وفي كل أسرة فكل أمّ وكلّ أب مدعويّن لمنح البركة الإلهيّة، لأبنائهم فهما مُشاركين لله في الخلق والأبناء هم علامة حيّة لبركته الإلهيّة. وأيضًا الأبناء مدعويّن لمنح البركة لأباءهم. فهذه البركة هي بمثابة قناة حياة تسري في حياتنا ونَبثَّها الواحد للآخر فنصير مُباركين من الله ومباركين للآخرين أي بالكلام الخيّر والصالح عنهم ومعهم. ونصل إلى ذُروة البركات الممنوحة لبشريتنا من خلال اسم يسوع لذا نستعين في ختام هذا المقال بقول بولس إلى أهل فيلبيّ: «لِذلِك رَفَعَه اللهُ إِلى العُلى ووَهَبَ لَه الاَسمَ الَّذي يَفوقُ جَميعَ الأَسماء. كَيما تَجثُوَ لاسمِ يسوع كُلُّ رُكبَةٍ في السَّمَواتِ وفي الأَرْضِ وتَحتَ الأَرض» (في 2: 9- 10). أطيّب الأمنيّات، القراء الأفاضل، بسنة مباركة تحت رعاية مريم أمّنا وباسم يسوع نحياها بقلب متأمل في الأحداث البشريّة بعين إلهيّة، متجهين نحو الملكوت.