موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر السبت، ٣ يناير / كانون الثاني ٢٠٢٦

عائلات مريم: الرجاء مرساة العائلة في عالمٍ مضطرب

صورة تجمع مجموعة عائلات مريم بعد القداس في كنيسة قلب يسوع - تلاع العلي

صورة تجمع مجموعة عائلات مريم بعد القداس في كنيسة قلب يسوع - تلاع العلي

الأب رفعت بدر :

 

مع بداية عام 2026، وبعد انقضاء سنة اليوبيل 2025 التي دُعينا فيها إلى التأمل في فضيلة الرجاء الذي لا يُخيّب، تبرز العائلة المسيحية مجددًا كمساحة أساسية لاختبار هذا الرجاء وتجسيده في واقعٍ يزداد اضطرابًا وتعقيدًا.

 

في زمن تتكاثر فيه الأزمات السياسية والاقتصادية، وتتعاظم الضغوط النفسية والاجتماعية، تبدو العائلة وكأنها سفينة صغيرة في بحرٍ هائج. غير أن الإيمان المسيحي لا يترك العائلة وحيدة في هذا الإبحار، بل يضعها في قلبٍ يتّسع للجميع: قلب يسوع الأقدس، القلب المحبّ الذي لا يستثني أحدًا، ولا يضيق بالخطأة، بل يبقى مفتوحًا لاستقبال كل من يطلب الرحمة والشفاء.

 

تحمل "عائلات مريم" اسمًا ليس رمزيًا فحسب، بل لاهوتيًا ووجوديًا. فمريم، التي نحتفل بها في مطلع السنة كوالدة الإله، تقودنا إلى جوهر العائلة المقدسة: يسوع ومريم ويوسف، ثلاثة معًا دائمًا. هذا الحضور المشترك ليس تفصيلًا عابرًا في رواية الميلاد، بل رسالة عميقة مفادها أن العائلة، مهما اشتدت العواصف، مدعوة لأن تبقى متحدة، متجذرة في المحبة.

 

العائلة المقدسة واجهت بدورها عواصف قاسية: تهديد، تهجير، خوف، وهروب. وفي طريقها إلى مصر، مرّت بغزة، حيث لا تزال الكنيسة هناك تحمل اسم كنيسة العائلة المقدسة، كعلامة تضامن مع كل عائلة مهجّرة أو متألمة في عالم اليوم. إنها صورة تختصر واقع ملايين العائلات التي تصارع أمواج الحياة اليومية، وتبحث عمّن يهدّئ العاصفة.

 

في هذا السياق، تكتسب صورة مريم سيدة الرجاء بعدًا خاصًا. فقد عُرض في الفاتيكان مؤخرًا مجسّم للعذراء تحمل الطفل يسوع بيد، وفي اليد الأخرى مرساة مغروسة في الأرض، رمزًا للرجاء الثابت. المرساة هنا ليست مجرد رمز فني، بل دعوة واضحة: من دون الرجاء، تنجرف العائلة؛ ومع الرجاء، مهما اشتدت الرياح، يبقى الثبات ممكنًا.

 

ولا يمكن الحديث عن الرجاء من دون التوقف عند السلام، العطش العميق الذي ينهش عالمنا اليوم، بدءًا من الأسرة الصغيرة وصولًا إلى الأسرة الدولية. في أول يوم من السنة، ذكّر البابا لاون بأن السلام الحقيقي يبدأ من الداخل، من القلوب والبيوت، قبل أن يُترجم في السياسات والقرارات الكبرى.

 

فكم من عائلة تهدمت لا بسبب الفقر أو المرض، بل بسبب غياب السلام، وتصاعد لغة العنف والكراهية والصمت القاتل. وكم هو مؤلم أن تكون بعض أكثر الوثائق قسوة في الحياة الرعوية هي قرارات بطلان الزواج، التي تكشف "فشل" العائلة في حماية وحدتها الداخلية.

 

من هنا، تصبح رسالة عائلات مريم رسالة عدوى إيجابية: لا الاكتفاء بالفرح الداخلي واللقاءات المغلقة، بل نقل اختبار اللقاء مع الله إلى العائلات البعيدة، المجروحة، المنقسمة. فالرجاء إن لم يُشارك، يخبو. وكما يذكّر القديس أغسطينوس، الذي يكثر البابا من الاستشهاد به: "إن أردتم أن تجذبوا الآخرين إلى السلام، فليكن السلام فيكم أولًا". لا يمكن لعائلة أن تنشر السلام وهي تعيش في صراعات مستمرة. السلام لا يُصدَّر، بل يُولد أولًا في القلب، ثم في البيت، ثم يشعّ في الحي والمجتمع.

 

وإلى جانب العواصف التقليدية، تواجه العائلات اليوم تحديات جديدة، أبرزها تلك المرتبطة بعصر الذكاء الاصطناعي وسوء استخدامه، خاصة من قبل الأبناء. تحديات أخلاقية وتربوية تتطلب صبرًا وحكمة وتمييزًا، لا قرارات متسرعة ولا خوفًا أعمى. هنا أيضًا، تُدعى العائلة إلى أن تضع "عُقدها" في قلب يسوع، وأن تلجأ إلى مريم حلاّلة العقد، طلبًا للسلام الداخلي أولًا.

 

في عالمٍ يميل إلى التفكك، تبقى العائلة الملتزمة علامة رجاء. وتبقى "عائلات مريم" مدعوة لأن تواصل مسيرتها في بحر هذا العالم، لا بثقة زائفة، بل بإيمان عميق بمن يهدّئ العاصفة بكلمة، وبأمّ تحمل ابنها بيد، ومرساة الرجاء باليد الأخرى.

 

يا مريم، سيدة الرجاء، صلّي لأجل عائلاتنا.

 

ولتكن هذه السنة سنة سلام متجذّر، لا عابر.