موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
هذا العام يتزامن شهر رمضان المبارك لدى المسلمين مع زمن الصوم الأربعيني لدى المسيحيين، في مشهد روحي نادر يحمل دلالة عميقة. فالتقاطع الزمني بين صومين كبيرين في الديانتين الإسلامية والمسيحية لا يقتصر على الامتناع عن الطعام والشراب، بل يفتح أفقًا للتأمل في المعنى الأعمق للصوم بوصفه مدرسة أخلاقية مشتركة، تُهذّب الإنسان في كلمته ونظرته وموقفه من الآخر، وتعزّز اليقين بأنّ الأخوّة الأنسانيّة كنز علينا أن نعتني به وأن نسلّمه للأجيال المقبلة.
في هذا السياق، وفي الرسالة الأولى للبابا لاون الرابع عشر في زمن الصوم، تبرز دعوته إلى ما يمكن تسميته "صوم اللسان وصوم الأذن". فالصوم الحقيقي، في الرؤية المسيحية، لا يكتمل بالامتناع الجسدي وحده، بل يتحقق في ضبط الكلمة، وفي الامتناع عن النميمة والإدانة ونشر الشائعات. إن اللسان الذي يصوم عن التجريح، والأذن التي تصوم عن الإصغاء إلى الإشاعة، يسهمان في بناء بيئة إنسانية أكثر نقاءً وسلامًا. الكلمة قد تجرح أكثر من السيف، والإشاعة قد تهدم ثقةً بُنيت عبر سنوات. لذلك يصبح الصوم تمرينًا على المسؤولية الأخلاقية في الكلام والسماع. يقول قداسته: "أيّها الأعزّاء، لنطلب نعمة زمن أربعينيّ يجعل آذانَنا أكثر انتباهًا وإصغاءً إلى الله وإلى الأخيرين. ولنطلب قوّة في صَومٍ تشمل اللسان أيضًا، فيقلّ الكلام الذي يجرح ويتّسع المجال لسماع صوت الآخر".
وهذا المعنى يجد صداه الواضح في الإسلام، حيث يؤكد الحديث النبوي: "أنّ من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه". فالصوم في جوهره تربية للضمير، وتزكية للنفس، وضبط للجوارح. من هنا يلتقي الصومان في رؤية تعتبر أن الامتناع عن الطعام وسيلة، أما الغاية فهي إنسان أكثر صدقًا ورحمة ونقاءً.
ومن زاوية أخرى، يمكن قراءة كلمة جلالة الملكة رانيا العبدالله في نيودلهي قبل أيام، حول التواضع، بوصفها امتدادًا لمعنى الصوم الروحي. فالصوم ليس فقط امتناعًا عن الشهوات فحسب، بل هو أيضًا تحرّر من الكبرياء والاعتداد بالنفس. التواضع ليس ضعفًا، بل قوة أخلاقية تعترف بكرامة الآخر، وترفض النظرة الفوقية أو المشحونة بالكراهية. في عالم يميل إلى الاستقطاب وإلى تضخيم الذات، يصبح "الصوم عن الكبرياء" ضرورة روحية واجتماعية. قالت جلالتها: "لفهم التواضع، انظر إلى عكسه: الثقة المفرطة، التكبر، تضخيم القدرات الذاتية، والعجز عن التأمل وإعادة التقييم والاعتراف بنقاط ضعفنا".
في التقليد المسيحي، يُعدّ التواضع قلب الحياة الإنجيلية، إذ يرتبط بصورة المسيح الوديع والمتواضع القلب. وفي الإسلام، يحذّر القرآن من الكِبر ويدعو إلى عدم التبختر في الأرض. كلا التقليدين يربطان القرب من الله بالتواضع أمام الناس. وهنا يتجلى الصوم كمسار داخلي يعيد ترتيب علاقة الإنسان بذاته وبغيره، فيتعلم أن يرى في القريب أخًا لا خصمًا، وشريكًا في الإنسانية لا موضوعًا للحكم والإدانة.
ويكتسب هذا المعنى بُعدًا حواريًا في ضوء الرسالة السنوية التي يوجّهها الفاتيكان إلى المسلمين بمناسبة شهر رمضان، والتي تصدر عادة في الجمعة الأولى من الشهر. فهذه الرسالة لا تكتفي بالتهنئة، بل تؤكد على القيم المشتركة: الصلاة، والصوم، والصدقة، وخدمة الفقراء، والعمل من أجل السلام. إنها تعبير عن قناعة راسخة بأن الأديان، حين تعود إلى جوهرها الأخلاقي، تصبح جسرًا لا جدارًا.
إن تزامن الصومين هذا العام فرصة ثمينة لكي يتحوّل الصوم من عادة موسمية إلى التزام أخلاقي دائم: صوم عن الكلمة الجارحة، وعن الأذن المسرورة بالإشاعة، وعن القلب المتعالي. حينها فقط يصبح الصوم طريقًا إلى إنسان أكثر تواضعًا، ومجتمع أكثر رحمة، وعالم أكثر سلامًا.
كلّ رمضان وأنتم بخير. كلّ زمن أربعيني وأنتم بخير.