موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
النَّصُّ الإنْجيلي: (متى 4: 1-11)
1 ثُمَّ سارَ الرُّوحُ بِيَسوعَ إِلى البَرِّيَّةِ لِيُجَرِّبَه إِبليس. 2فصامَ أَربَعينَ يوماً وأَربَعينَ لَيلةً حتَّى جاع. 3فدَنا مِنه المُجَرِّبُ وقالَ له: ((إِن كُنتَ ابنَ الله، فمُرْ أَن تَصيرَ هذِه الحِجارةُ أَرغِفة)). 4فأَجابَه: ((مكتوبٌ: ليسَ بِالخُبزِ وَحدَه يَحيْا الإِنْسان بل بِكُلِّ كَلِمَةٍ تَخرُجُ مِن فَمِ الله)). 5فمَضى بِه إِبليسُ إِلى المدينَةِ المُقدَّسة وأَقامَه على شُرفَةِ الهَيكل، 6وقالَ لَه: ((إِن كُنتَ ابنَ الله فأَلقِ بِنَفسِكَ إِلى الأَسفَل، لأَنَّه مَكتوب: ((يُوصي مَلائكتَه بِكَ فعلى أَيديهم يَحمِلونَكَ لِئَلاَّ تَصدِمَ بِحَجرٍ رِجلَكَ)). 7فقالَ له يسوع ((مَكتوبٌ أَيضاً: لا تُجَرِّبَنَّ الرَّبَّ إِلهَكَ)). 8ثُمَّ مَضى بِه إِبليسُ إِلى جَبَلٍ عالٍ جدّاً وأَراهُ جَميعَ مَمالِكِ الدُّنيا ومَجدَها، 9وقالَ له: ((أُعطيكَ هذا كُلَّه إِن جَثوتَ لي سـاجداً)). 10فقالَ له يسوع: ((اِذهَبْ، يا شَيطان! لأَنَّه مَكتوب: لِلرَّبِّ إِلهِكَ تَسجُد وايَّاهُ وَحدَه تَعبُد)). 11ثُمَّ تَركَه إِبليس، وإِذا بِمَلائكةٍ قد دنَوا منهُ وأَخذوا يَخدُمونَه.
المُقَدِّمَة
يَصِفُ إِنْجِيلُ مَتَّى (4: 1–11) مَشْهَدَ تَجَارِبِ يَسُوعَ فِي الْبَرِّيَّةِ، حَيْثُ يَتَجَلَّى الصِّرَاعُ الْخَلَاصِيُّ بَيْنَ ٱبْنِ ٱللَّهِ وَٱلْمُجَرِّبِ. فَلَيْسَتِ التَّجْرِبَةُ حَدَثًا عَرَضِيًّا فِي بَدَايَةِ الرِّسَالَةِ، بَلْ مَرْحَلَةً جَوْهَرِيَّةً تَكْشِفُ هُوِيَّةَ ٱلْمَسِيحِ وَأَمَانَتَهُ لِلْآبِ وَثَبَاتَهُ فِي خُطَّةِ ٱلْفِدَاءِ. إِنَّ مَغْرِيَاتِ ٱلشَّيْطَانِ لَمْ تَكُنْ تَسْتَهْدِفُ إِشْبَاعَ حَاجَاتٍ بَشَرِيَّةٍ فَقَطْ، بَلْ كَانَتْ تُرِيدُ تَحْرِيفَ مَسَارِ ٱلْمَسِيحِ عَنْ طَرِيقِ ٱلطَّاعَةِ وَالصَّلِيبِ.
وَيُذَكِّرُنَا ٱلرَّسُولُ بُطْرُسُ بِأَنَّ "إِبْلِيسَ خَصْمَكُمْ كَأَسَدٍ زَائِرٍ يَرُودُ فِي طَلَبِ فَرِيسَةٍ لَهُ" (1 بطرس 5: 8)، مِمَّا يُظْهِرُ أَنَّ الصِّرَاعَ مَعَ الشَّرِّ هُوَ بُعْدٌ أَسَاسِيٌّ فِي تَدْبِيرِ ٱلْخَلَاصِ. وَفِي هَذَا السِّيَاقِ يُؤَكِّدُ ٱلْقِدِّيسُ أُوغُسْطِينُوس أَنَّ ٱلْمَسِيحَ "جُرِّبَ لَا لِيَتَعَلَّمَ ٱلطَّاعَةَ، بَلْ لِيُعَلِّمَنَا كَيْفَ نَنْتَصِرُ"، فَانْتِصَارُهُ لَيْسَ شَخْصِيًّا فَقَطْ، بَلْ نِيَابِيٌّ وَتَعْلِيمِيٌّ لِلْكَنِيسَةِ كُلِّهَا.
أَمَّا أُورِيجَانُس فَيَرَى فِي تَجَارِبِ ٱلْبَرِّيَّةِ إِعَادَةً لِمَشْهَدِ تَجْرِبَةِ آدَمَ وَإِسْرَائِيلَ، لَكِنْ مَعَ فَارِقٍ جَوْهَرِيٍّ: "فَحَيْثُ سَقَطَ ٱلْإِنْسَانُ ٱلْأَوَّلُ وَتَذَمَّرَ ٱلشَّعْبُ فِي ٱلصَّحْرَاءِ، ثَبَتَ ٱلْمَسِيحُ وَأَجَابَ بِكَلِمَةِ ٱللَّهِ، مُظْهِرًا أَنَّهُ ٱبْنُ ٱللَّهِ ٱلْمُطِيعُ ٱلَّذِي يُصَحِّحُ تَارِيخَ ٱلْعِصْيَانِ".
وَهَكَذَا تَحْتَلُّ ٱلتَّجْرِبَةُ دَوْرًا رَئِيسِيًّا فِي مَسِيرَةِ ٱلْخَلَاصِ، لِأَنَّهَا تُعْلِنُ أَنَّ ٱلنَّصْرَةَ عَلَى ٱلشَّرِّ لَا تَكُونُ بِٱلْقُوَّةِ ٱلْبَشَرِيَّةِ، بَلْ بِٱلثِّقَةِ بِٱلْآبِ وَبِٱلتَّمَسُّكِ بِكَلِمَتِهِ. وَمِنْ هُنَا يُدْعَى كُلُّ مُؤْمِنٍ، بِحُكْمِ بُنُوَّتِهِ ٱلْمَعْمُودِيَّةِ، إِلَى أَنْ يَشْتَرِكَ فِي هَذَا ٱلصِّرَاعِ ٱلرُّوحِيِّ، مُسْتَنِيرًا بِنَصْرَةِ ٱلْمَسِيحِ وَمُتَّحِدًا بِهِ، لِيَحْيَا فِي طَرِيقِ ٱلْفِدَاءِ وَٱلطَّاعَةِ. ومن هنا تكمن اهمية البحث في وقائع النص وتطبيقاته
أولا: وقائع النص الانجيلي (متى 4: 1-11)
1 ثُمَّ سارَ الرُّوحُ بِيَسوعَ إِلى البَرِّيَّةِ لِيُجَرِّبَه إِبليس
تُشِيرُ عِبَارَةُ "ثُمَّ" (Τότε) فِي النَّصِّ اليُونَانِيِّ إِلَى رَبْطٍ لَاهُوتِيٍّ عَمِيقٍ بَيْنَ مَشْهَدِ ٱلْمَعْمُودِيَّةِ (متى 3: 13–17) وَمَشْهَدِ ٱلتَّجْرِبَةِ (متى 4: 1–11). فَلَيْسَ ٱلِٱنْتِقَالُ زَمَنِيًّا فَقَطْ، بَلْ خَلَاصِيٌّ: فَبَعْدَ أَنْ أُعْلِنَ الآب عن هوية يَسُوعَ "ٱبْنِي ٱلْحَبِيبَ" وَنَزَلَ عَلَيْهِ ٱلرُّوحُ ٱلْقُدُسُ، يُقَادُ نَفْسُهُ بِهَذَا ٱلرُّوحِ إِلَى ٱلْبَرِّيَّةِ. وَكَمَا يُؤَكِّدُ أوغسطينوس: " لَمْ يُقَدَّمِ ٱلْمَسِيحُ إِلَى ٱلتَّجْرِبَةِ كَمَنْ سُحِبَ قَسْرًا، بَلْ كَمَنْ تَقَدَّمَ بِإِرَادَةٍ، لِيُعَلِّمَنَا أَنَّ ٱلرُّوحَ لَا يَقُودُنَا إِلَّا إِلَى ٱلنَّصْرَةِ"(PL 38, 61–63). فِي ٱلْمَعْمُودِيَّةِ أَكْمَلَ يَسُوعُ "كُلَّ بِرٍّ"، أَمَّا فِي ٱلتَّجْرِبَةِ فَكَانَ هَذَا ٱلْبِرُّ تَحْتَ ٱلِٱمْتِحَانِ. إِنَّهُ لَا يَقْتَرِحُ عَلَى يَسُوعَ أَنْ يَفْعَلَ أَشْيَاءً مُخَالِفَةً فَقَطْ، بَلْ أَنْ يَكُونَ غَيْرَ ذَاتِهِ: أَنْ يَكُونَ ٱبْنًا يُمْلِي عَلَى ٱلْآبِ شُرُوطَهُ، لَا ٱبْنًا يَحْيَا بِٱلثِّقَةِ وَٱلطَّاعَةِ. أَنْ يَسْتَعْمِلَ قُوَّتَهُ لِنَفْسِهِ، لَا أَنْ يَبْذُلَهَا خِلَاصًا لِلْآخَرِينَ. أَنْ يَسْتَعْجِلَ ٱلْمَجْدَ دُونَ ٱلصَّلِيبِ. هُنَا تَكْمُنُ خُطُورَةُ ٱلتَّجْرِبَةِ: إِنَّهَا مُحَاوَلَةُ فَصْلِ ٱلْمَسِيحِ عَنْ رِسَالَتِهِ، وَعَنْ هُوِيَّتِهِ. فَإِذَا أَنْكَرَ طَرِيقَ ٱلطَّاعَةِ، أَنْكَرَ بُنُوَّتَهُ عَمَلِيًّا. وَيَرَى إيريناوس أَنَّ ٱلْمَسِيحَ هُنَا يُعِيدُ مَسِيرَةَ آدَمَ: "فَكَمَا غُلِبَ ٱلْإِنْسَانُ ٱلْأَوَّلُ فِي جَنَّةٍ مُثْمِرَةٍ، غَلَبَ ٱلْمَسِيحُ فِي بَرِّيَّةٍ قَاحِلَةٍ" (PG 7, 932–940)، لِيُظْهِرَ أَنَّهُ آدَمُ ٱلْجَدِيدُ ٱلَّذِي يُصَحِّحُ ٱلسُّقُوطَ بِٱلطَّاعَةِ.
أَمَّا قَوْلُ ٱلْإِنْجِيلِ إِنَّهُ " سارَ الرُّوحُ بِيَسوعَ " فِي النَّصِّ اليُونَانِيِّ ἀνήχθη،(معناها أُصْعِدَ بِٱلرُّوحِ) فَيَدُلُّ عَلَى طَاعَةِ ٱلِٱبْنِ لِمُبَادَرَةِ ٱلرُّوحِ. وَفِي ذَلِكَ تَنَاغُمٌ ثَالُوثِيٌّ، إِذْ إِنَّ إِرَادَةَ ٱلرُّوحِ وَإِرَادَةَ ٱلْآبِ وَإِرَادَةَ ٱلِٱبْنِ وَاحِدَةٌ فِي تَدْبِيرِ ٱلْخَلَاصِ. وَيُشِيرُ أثناسيوس الرسولي إِلَى أَنَّ "ٱلَّذِي نَزَلَ عَلَيْهِ ٱلرُّوحُ لَمْ يَكُنْ يَحْتَاجُ إِلَيْهِ لِأَجْلِ نَفْسِهِ، بَلْ لِأَجْلِنَا، لِكَيْ يُقَدِّسَ طَبِيعَتَنَا وَيُجَدِّدَهَا" (PG 25, 108–112). فَذَهَابُهُ إِلَى ٱلْبَرِّيَّةِ هُوَ تَدْشِينٌ لِمَعْرَكَةِ ٱلْإِنْسَانِيَّةِ كُلِّهَا.
"ٱلْبَرِّيَّةُ"، فِي ٱلْمُخَيِّلَةِ ٱلْيَهُودِيَّةِ، مَكَانُ ٱلْعُزْلَةِ وَمَسْكَنُ ٱلشَّيَاطِينِ. وَيُعَلِّقُ يوحنا الذهبي الفم: "لَمْ يَذْهَبْ بِهِ ٱلرُّوحُ إِلَى مَدِينَةٍ وَلَا إِلَى مَجْمَعٍ، بَلْ إِلَى بَرِّيَّةٍ، لِكَيْ يَتَعَلَّمَ ٱلْمُؤْمِنُ أَنَّ ٱلنَّصْرَةَ لَا تَتَحَقَّقُ بِٱلتَّصْفِيقِ بَلْ فِي ٱلْخَفَاءِ" (PG 57, 205–208). فَٱلْمَعْرَكَةُ لَيْسَتْ عَرْضًا عَامًّا، بَلْ صِرَاعًا رُوحِيًّا عَمِيقًا.
وَٱلْفِعْلُ "لِيُجَرَّبَ" πειρασθῆναι يُظْهِرُ أَنَّ ٱلتَّجْرِبَةَ لَيْسَتْ حَدَثًا عَرَضِيًّا، بَلْ جُزْءًا مِنَ ٱلتَّدْبِيرِ ٱلْإِلَهِيِّ. وَيُؤَكِّدُ غريغوريوس النزينزي أَنَّ ٱلْمَسِيحَ "تَجَرَّبَ لَا كَمَنْ يُهْزَمُ، بَلْ كَمَنْ يُقَدِّسُ ٱلتَّجْرِبَةَ وَيُفَرِّغُهَا مِنْ سُلْطَانِهَا"(PG 36, 100–101). فَنَاسُوتُهُ جَعَلَ ٱلتَّجْرِبَةَ مُمْكِنَةً، وَنِيَابَتُهُ عَنَّا جَعَلَتْهَا ضَرُورِيَّةً، لِأَنَّهُ "شَابَهَنَا فِي كُلِّ شَيْءٍ مَا عَدَا ٱلْخَطِيئَةَ" (عِبْرَانِيِّينَ 4: 15).
أَمَّا "إِبْلِيسُ" (διάβολος) فَمَعْنَاهُ "ٱلْمُشْتَكِي" أَوِ "ٱلْمُفْتَرِي". وَيَرَى كيرلس الإسكندري أَنَّهُ "يُحَاوِلُ أَنْ يَفْصِلَ ٱلْإِنْسَانَ عَنْ ثِقَتِهِ بِٱللَّهِ، كَمَا فَعَلَ مَعَ آدَمَ"(PG 72, 401–404). لَكِنَّ ٱلْمَسِيحَ، بِطَاعَتِهِ وَٱسْتِنَادِهِ إِلَى ٱلْكَلِمَةِ، أَظْهَرَ أَنَّ سَيِّدَ هَذَا ٱلْعَالَمِ قَدْ دِينَ. إِذًا فَٱلتَّجْرِبَةُ لَيْسَتْ مَشْهَدًا أَخْلَاقِيًّا فَقَطْ، بَلْ إِعْلَانٌ عَنْ بَدْءِ ٱلْمَعْرَكَةِ ٱلْخَلَاصِيَّةِ بَيْنَ مَلَكُوتِ ٱللَّهِ وَمَمْلَكَةِ ٱلظُّلْمَةِ. وَكَمَا يَقُولُ مكسيموس المعترف: " فِي ٱلْبَرِّيَّةِ بَدَأَ ٱنْهِيَارُ مَمْلَكَةِ ٱلشَّرِّ، وَفِي ٱلصَّلِيبِ تَمَّ سُقُوطُهَا"(PG 90, 312–320).
2 فصامَ أَربَعينَ يوماً وأَربَعينَ لَيلةً حتَّى جاع
تُشِيرُ عِبَارَةُ "صَامَ" (ἐνήστευσεν) إِلَى الِٱمْتِنَاعِ عَنِ ٱلطَّعَامِ. وَلَمْ يَرِدْ لَفْظُ ٱلصَّوْمِ صَرَاحَةً فِي أَسْفَارِ مُوسَى ٱلْخَمْسَةِ، لَكِنَّ يَوْمًا وَاحِدًا كَانَ مُخَصَّصًا لِـ"يَوْمِ ٱلتَّكْفِيرِ" (لاويين 16: 29)، حَيْثُ كَانَ ٱلشَّعْبُ "يُذَلِّلُ نُفُوسَهُ" بِٱلِٱمْتِنَاعِ عَنِ ٱلطَّعَامِ وَبِمَظَاهِرِ ٱلتَّوْبَةِ: لُبْسِ ٱلْمِسْحِ، وَنَثْرِ ٱلرَّمَادِ، وَٱلصُّرَاخِ وَٱلتَّضَرُّعِ (أشعيا 22: 12). إِلَّا أَنَّ صَوْمَ ٱلْمَسِيحِ لَمْ يَكُنْ مُجَرَّدَ تَقْلِيدٍ نُسُكِيٍّ، بَلْ دُخُولًا فِي مَعْرَكَةٍ خَلَاصِيَّةٍ. وَيُعَلِّقُ يوحنا الذهبي الفم أَنَّ ٱلْمَسِيحَ "صَامَ لَا لِيُظْهِرَ قُدْرَتَهُ، بَلْ لِيُعَلِّمَنَا أَنَّ ٱلصَّوْمَ سِلَاحٌ فِي وَجْهِ ٱلتَّجْرِبَةِ"(PG 57, 205–210). فَفِي أَقْصَى مَا يَبْدُو ضَعْفًا بَشَرِيًّا، أَظْهَرَ ٱلْمَسِيحُ قُوَّةَ ٱلطَّاعَةِ، مُبَيِّنًا أَنَّ ٱلنَّصْرَةَ لَا تَقُومُ عَلَى ٱلشِّبَعِ ٱلْمَادِّيِّ، بَلْ عَلَى ٱلِٱتِّكَاءِ عَلَى كَلِمَةِ ٱللَّهِ.
أَمَّا عَدَدُ "أَرْبَعِينَ" فَيَحْمِلُ بُعْدًا رَمْزِيًّا كِتَابِيًّا عَمِيقًا. فَهُوَ عَدَدُ ٱلدِّينُونَةِ وَٱلتَّطْهِيرِ كَمَا فِي ٱلطُّوفَانِ (تكوين 7: 4)، وَعَدَدُ ٱلْعَهْدِ كَمَا فِي إِقَامَةِ مُوسَى أَرْبَعِينَ يَوْمًا عَلَى ٱلْجَبَلِ (خروج 34: 28)، وَعَدَدُ ٱلتَّنْقِيَةِ فِي بَرِّيَّةِ إِسْرَائِيلَ أَرْبَعِينَ سَنَةً (عدد 14: 34)، وَعَدَدُ ٱلْمَسِيرَةِ ٱلنُّبُوِّيَّةِ عِنْدَ إِيلِيَّا (1ملوك 19: 8). فَٱلْمَسِيحُ يَخْتَصِرُ تَارِيخَ إِسْرَائِيلَ وَيُعِيدُ تَحْقِيقَهُ فِي شَخْصِهِ. وَيُؤَكِّدُ إيريناوس أَنَّ ٱلْمَسِيحَ "أَعَادَ تَلْخِيصَ تَارِيخِ ٱلْإِنْسَانِ وَإِسْرَائِيلَ فِي نَفْسِهِ"(PG 7, 932–940). وَقَدْ رَأَتِ ٱلْكَنِيسَةُ فِي هَذِهِ ٱلْفَتْرَةِ ٱلْأَرْبَعِينِيَّةِ نَمُوذَجًا لِلصَّوْمِ ٱلْفِصْحِيِّ، فَتَكَرَّسَ ٱلصَّوْمُ ٱلْأَرْبَعِينِيُّ تَدْرِيجِيًّا فِي ٱلتَّقْلِيدِ ٱلْكَنَسِيِّ، وَثُبِّتَ فِي قَوَانِينِ ٱلْمَجَامِعِ، لَا سِيَّمَا فِي ٱلْمَجْمَعِ ٱلْمَسْكُونِيِّ ٱلْخَامِسِ (553م) وَٱلسَّادِسِ (القسطنطينية 680–681م)، كَتَعْبِيرٍ عَنْ ٱلِٱقْتِدَاءِ بِٱلْمَسِيحِ وَمُوسَى وَإِيلِيَّا. وَيُفَسِّرُ أوغسطينوس رَقْمَ أَرْبَعِينَ رَمْزِيًّا، إِذْ يَرَى أَنَّهُ "أَرْبَعُ مَرَّاتٍ عَشَرَة"، وَأَنَّ ٱلْعَشَرَةَ تَدُلُّ عَلَى ٱلْكَمَالِ ٱلْأَخْلَاقِيِّ، وَٱلْأَرْبَعَةَ عَلَى ٱلزَّمَانِ (فُصُولِ ٱلسَّنَةِ)، فَيُصْبِحُ ٱلرَّقْمُ 40 رَمْزًا لِكَمَالِ ٱلزَّمَنِ ٱلْإِنْسَانِيِّ ٱلْمُوَجَّهِ نَحْوَ ٱللَّهِ(PL 38, 1042–1045). أَمَّا قَوْلُ ٱلْإِنْجِيلِ "أَخِيرًا جَاعَ" (ὕστερον ἐπείνασεν)، فَيُشِيرُ إِلَى أَنَّ ٱلْجُوعَ ظَهَرَ بَعْدَ ٱنْقِضَاءِ ٱلْأَرْبَعِينَ يَوْمًا، مِمَّا يَدُلُّ عَلَى طَابِعٍ عَجَائِبِيٍّ فِي هَذَا ٱلصَّوْمِ. وَيُعَلِّقُ كيرلس الإسكندري أَنَّ ٱلْمَسِيحَ "سَمَحَ لِلطَّبِيعَةِ ٱلْبَشَرِيَّةِ أَنْ تَشْعُرَ بِٱلْجُوعِ فِي وَقْتِهِ، لِكَيْ لَا يُظَنَّ أَنَّ تَجَسُّدَهُ خِيَالٌ" (PG 72, 401–404).
فَعِبَارَةُ "جَاعَ" تُؤَكِّدُ حَقِيقَةَ ٱلنَّاسُوتِ. فَٱلْمَسِيحُ لَمْ يَكُنْ ظَاهِرًا فَقَطْ، بَلْ إِنْسَانًا حَقِيقِيًّا يَجُوعُ وَيَعْطَشُ وَيَتْعَبُ (يوحنا 4: 6–7). وَيُشِيرُ غريغوريوس النزينزي إِلَى هَذِهِ ٱلثُّنَائِيَّةِ قَائِلًا: "كَانَ يَجُوعُ كَإِنْسَانٍ، وَيُشْبِعُ ٱلْجِيَاعَ كَإِلَهٍ"(PG 36, 100). وَهَكَذَا "شَابَهَنَا فِي كُلِّ شَيْءٍ مَا عَدَا ٱلْخَطِيئَةَ" (عبرانيين 4: 15)، لِيَكُونَ رَئِيسَ كَهَنَةٍ يَرْثِي لِضَعْفِنَا. إِذًا فَصَوْمُ ٱلْمَسِيحِ لَيْسَ مَجَرَّدَ ٱمْتِنَاعٍ عَنِ ٱلطَّعَامِ، بَلْ إِعْلَانٌ عَنْ بَدْءِ ٱلْمَعْرَكَةِ ٱلْخَلَاصِيَّةِ، حَيْثُ ٱنْتَصَرَ فِي ٱلْبَرِّيَّةِ بِٱلطَّاعَةِ وَٱلتَّجَرُّدِ، لِيُعِيدَ لِلْإِنْسَانِ كَرَامَتَهُ وَيَقُودَهُ نَحْوَ ٱلْفِصْحِ.
3 فدَنا مِنه المُجَرِّبُ وقالَ له: إِن كُنتَ ابنَ الله، فمُرْ أَن تَصيرَ هذِه الحِجارةُ أَرغِفة
تُشِيرُ عِبَارَةُ "ٱلْمُجَرِّبُ" (ὁ πειράζων) إِلَى إِبْلِيسَ ٱلْمَذْكُورِ فِي ٱلْآيَةِ ٱلْأُولَى (4: 1)، أَيْ ذَلِكَ ٱلَّذِي يَقُومُ بِتَجْرِبَةِ ٱلْإِغْرَاءِ وَٱلدَّفْعِ نَحْوَ ٱلْخَطِيئَةِ. وَهُوَ يُدْعَى فِي ٱلتَّقْلِيدِ ٱلْكَنَسِيِّ "عَدُوَّ ٱلْجِنْسِ ٱلْبَشَرِيِّ". وَيُعَلِّقُ يوحنا الذهبي الفم أَنَّ ٱلشَّيْطَانَ "لَمْ يَقْتَرِبْ إِلَى ٱلْمَسِيحِ قَبْلَ أَنْ يَجُوعَ، لِكَيْ يَسْتَغِلَّ ٱلضَّعْفَ ٱلْبَشَرِيَّ"(PG 57, 207–210)، فَالتَّجْرِبَةُ تَسْتَهْدِفُ ٱللَّحْظَةَ ٱلَّتِي يَبْدُو فِيهَا ٱلْإِنْسَانُ أَكْثَرَ هَشَاشَةً. وَلَا يَقْتَصِرُ مَعْنَى "ٱلْمُجَرِّبِ" عَلَى هَذَا ٱلْمَشْهَدِ فَقَطْ، فَقَدْ وَاجَهَ يَسُوعُ مُجَرِّبِينَ آخَرِينَ طِيلَةَ خِدْمَتِهِ، كَٱلْفَرِّيسِيِّينَ وَٱلصَّدُّوقِيِّينَ ٱلَّذِينَ طَلَبُوا مِنْهُ آيَةً مِنَ ٱلسَّمَاءِ (متى 16: 1). إِلَّا أَنَّ هَذِهِ ٱلتَّجْرِبَةَ ٱلْأُولَى فِي ٱلْبَرِّيَّةِ تَبْقَى ٱلْأَسَاسَ، لِأَنَّهَا تُعِيدُ مَشْهَدَ تَجْرِبَةِ ٱلْبَدَايَةِ فِي جَنَّةِ عَدْنٍ (تكوين 3: 1–6). وَيَرَى إيريناوس أَنَّ ٱلْمَسِيحَ "نَقَضَ خِدَاعَ ٱلْحَيَّةِ بِطَاعَتِهِ، كَمَا حَلَّ عُقْدَةَ عِصْيَانِ آدَمَ"(PG 7, 1175–1180)، فَحَيْثُ دَخَلَ ٱلْمُجَرِّبُ إِلَى ٱلْعَالَمِ مُخَادِعًا، يَدْخُلُ ٱلْمَسِيحُ إِلَى ٱلْمُوَاجَهَةِ مُطِيعًا.
إِنَّ عِبَارَةَ "إِنْ كُنْتَ ٱبْنَ ٱللَّهِ" (متى 4: 3، 6) لَا تَأْتِي مُنْفَصِلَةً عَنْ حَدَثِ ٱلْمَعْمُودِيَّةِ، بَلْ تَرْتَدُّ مُبَاشَرَةً إِلَى صَوْتِ ٱلْآبِ فِي ٱلْأُرْدُنِّ: "أَنْتَ ٱبْنِيَ ٱلْحَبِيبُ، بِكَ رَضِيتُ (لوقا 3: 22؛ متى 3: 17). فَمَا أَعْلَنَهُ ٱلْآبُ عَلَنًا، يُحَاوِلُ ٱلشَّيْطَانُ أَنْ يُحَوِّلَهُ إِلَى مَوْضِعِ ٱمْتِحَانٍ وَتَشْكِيكٍ. هُنَا يَتَكَلَّمُ ٱلْمُجَرِّبُ بِلُغَةٍ مُلْتَبِسَةٍ: فَلَا يُنْكِرُ ٱلْبُنُوَّةَ صَرَاحَةً، بَلْ يَزْرَعُ "إِنْ" ٱلشَّرْطِيَّةَ لِيُدْخِلَ شَكًّا خَفِيًّا فِي هُوِيَّةِ ٱلِٱبْنِ وَفِي ثِقَتِهِ بِكَلِمَةِ ٱلْآبِ. إِنَّهُ يُحَاوِلُ أَنْ يَفْصِلَ بَيْنَ ٱلْهُوِيَّةِ وَٱلْأَمَانَةِ، بَيْنَ ٱلْبُنُوَّةِ وَٱلطَّاعَةِ. فَإِذَا كَانَ يَسُوعُ ٱبْنًا، فَلْيُثْبِتْ ذٰلِكَ بِقُوَّةٍ خَارِقَةٍ، لَا بِثِقَةٍ وَخُضُوعٍ لِمَشِيئَةِ ٱلْآبِ. وَهُنَا يَتَجَلَّى عُمْقُ ٱلتَّجْرِبَةِ: فَٱلشَّيْطَانُ لَا يُجَرِّبُ يَسُوعَ فِي جُوعِهِ فَقَطْ، بَلْ فِي عِلَاقَتِهِ بِٱلْآبِ. إِنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُحَوِّلَ ٱلْبُنُوَّةَ مِنْ عَطِيَّةٍ مُسْتَقِرَّةٍ إِلَى إِنْجَازٍ يُثْبَتُ بِٱلْقُدْرَةِ، وَأَنْ يُبَدِّلَ ٱلثِّقَةَ بِٱلْٱسْتِقْلَالِ. لٰكِنَّ يَسُوعَ يَرُدُّ لَيْسَ بِٱسْتِعْرَاضِ ٱلْقُوَّةِ، بَلْ بِٱلْٱسْتِنَادِ إِلَى ٱلْكَلِمَةِ: "مَكْتُوبٌ…". فَيُظْهِرُ أَنَّ ٱلْبُنُوَّةَ ٱلْحَقِيقِيَّةَ تُعَاشُ فِي ٱلطَّاعَةِ وَٱلِٱتِّكَالِ، وَعَلَى تِلْكَ ٱلْعِلَاقَةِ تَعْتَمِدُ حَيَاتُنَا كُلُّهَا. إِنَّ ٱلسُّؤَالَ "إِنْ كُنْتَ ٱبْنَ ٱللَّهِ" لَا يَزَالُ يُهْمَسُ فِي قَلْبِ كُلِّ مُؤْمِنٍ: هَلْ أَنْتَ وَاثِقٌ مِنْ هُوِيَّتِكَ؟ هَلْ تَثِقُ بِكَلِمَةِ ٱلْآبِ؟ وَٱلْجَوَابُ ٱلْمَسِيحِيُّ لَيْسَ فِي إِثْبَاتِ ٱلذَّاتِ، بَلْ فِي ٱلْثَّبَاتِ فِي ٱلْبُنُوَّةِ، وَفِي عَيْشِ عِلَاقَةِ ٱلثِّقَةِ وَٱلطَّاعَةِ، حَيْثُ تَصِيرُ ٱلْبَرِّيَّةُ مَكَانَ تَأْكِيدِ ٱلدَّعْوَةِ لَا مَكَانَ فَقْدَانِهَا.
أَمَّا عِبَارَةُ "إِنْ كُنْتَ ٱبْنَ ٱللَّهِ" فَتُشِيرُ إِلَى صَوْتِ ٱلْآبِ عِنْدَ ٱلْمَعْمُودِيَّةِ: "أَنْتَ ٱبْنِيَ ٱلْحَبِيبُ" (لوقا 3: 22؛ متى 3: 17). يَسْتَعْمِلُ ٱلشَّيْطَانُ هَذَا ٱلْإِعْلَانَ لِيُدْخِلَ شَكًّا خَفِيًّا فِي هُوِيَّةِ ٱلِٱبْنِ وَفِي عِلَاقَتِهِ بِٱلْآبِ. وعلى تلك العلاقة تعتمد حياتنا كلها. وَيُشِيرُ كيرلس الإسكندري إِلَى أَنَّ ٱلشَّيْطَانَ "لَا يُنْكِرُ ٱلْبُنُوَّةَ صَرَاحَةً، بَلْ يُحَاوِلُ أَنْ يُحَرِّفَ مَعْنَاهَا، دَافِعًا ٱلْمَسِيحَ إِلَى ٱسْتِعْمَالِهَا لِمَنْفَعَةٍ ذَاتِيَّةٍ"(PG 72, 404–408). فَالسُّؤَالُ لَيْسَ بَحْثًا عَنْ حَقِيقَةٍ، بَلْ إِغْرَاءٌ بِٱسْتِعْمَالِ ٱلْقُدْرَةِ خَارِجَ مَشِيئَةِ ٱلْآبِ. إِنَّ ٱلشَّيْطَانَ يَقُولُ ضِمْنًا: هَلْ يُمْكِنُ لِٱبْنِ ٱللَّهِ أَنْ يَجُوعَ؟ أَلَيْسَ مِنْ حَقِّهِ أَنْ يُحَوِّلَ ٱلْحِجَارَةَ خُبْزًا؟ وَهُنَا تَكْمُنُ جَوْهَرِيَّةُ ٱلتَّجْرِبَةِ: أَنْ يَتَّكِلَ ٱلِٱبْنُ عَلَى قُوَّتِهِ ٱلذَّاتِيَّةِ لَا عَلَى ٱلثِّقَةِ بِٱلْآبِ. وَيُعَلِّقُ غريغوريوس النزينزي: "كَانَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُحَوِّلَ ٱلْحِجَارَةَ خُبْزًا، لَكِنَّهُ ٱخْتَارَ أَنْ يَبْقَى جَائِعًا لِيُعَلِّمَنَا أَنَّ ٱلْحَيَاةَ لَيْسَتْ فِي ٱلْخُبْزِ وَحْدَهُ"(PG 36, 109–112).
وَتُشِيرُ عِبَارَةُ "فَقَالَ لَهُ" إِلَى مُخَاطَبَةٍ شَخْصِيَّةٍ حَقِيقِيَّةٍ، لَا إِلَى مُجَرَّدِ صِرَاعٍ دَاخِلِيٍّ. وَيُحَذِّرُ أوغسطينوس مِنْ تَصْوِيرِ ٱلتَّجْرِبَةِ كَخَيَالٍ، مُؤَكِّدًا أَنَّ "ٱلشَّيْطَانَ ٱقْتَرَبَ مِنَ ٱلْمَسِيحِ حَقِيقَةً، لَكِنَّهُ لَمْ يَجِدْ فِيهِ مَا يَخْتَطِفُهُ"(PL 38, 60–63). وَقَدْ يَتَشَكَّلُ ٱلْمُجَرِّبُ "فِي صُورَةِ مَلَاكِ نُورٍ" (2 قورنتس 11: 14)، لِيُخْفِيَ خِدَاعَهُ تَحْتَ مَظْهَرٍ مُقْنِعٍ.
أَمَّا قَوْلُهُ: "فَمُرْ أَنْ تَصِيرَ هَذِهِ ٱلْحِجَارَةُ أَرْغِفَةً" فَلَا يَقْتَصِرُ عَلَى إِشْبَاعِ ٱلْجُوعِ، بَلْ يَحْمِلُ إِغْرَاءً أَعْمَقَ: أَنْ يُصْبِحَ ٱلْمَسِيحُ مُصْلِحًا ٱجْتِمَاعِيًّا يُشْبِعُ ٱلْجِيَاعَ فَقَطْ، دُونَ أَنْ يَسِيرَ فِي طَرِيقِ ٱلصَّلِيبِ وَٱلْفِدَاءِ. وَيُفَسِّرُ مكسيموس المعترف أَنَّ ٱلتَّجْرِبَةَ تَسْتَهْدِفُ "تَحْوِيلَ ٱلْخَيْرِ ٱلطَّبِيعِيِّ إِلَى غَايَةٍ مُطْلَقَةٍ، بَدَلَ أَنْ يَكُونَ خَاضِعًا لِمَشِيئَةِ ٱللَّهِ"(PG 91, 1084–1088). إِذًا فَٱلتَّجْرِبَةُ تَدُورُ حَوْلَ ٱلثِّقَةِ: هَلْ يَتَّكِلُ ٱلِٱبْنُ عَلَى ذَاتِهِ أَمْ يَثِقُ بِٱلْآبِ؟ وَبِإِجَابَتِهِ ٱلْمُسْتَنِدَةِ إِلَى ٱلْكِتَابِ، أَظْهَرَ يَسُوعُ أَنَّ ٱلْبُنُوَّةَ لَيْسَتْ ٱمْتِيَازًا لِلْهَرُوبِ مِنَ ٱلْجُوعِ، بَلْ دَعْوَةً إِلَى ٱلطَّاعَةِ وَٱلثِّقَةِ حَتَّى ٱلنِّهَايَةِ.
4 فأَجابَه: مكتوبٌ: ليسَ بِالخُبزِ وَحدَه يَحيْا الإِنْسان بل بِكُلِّ كَلِمَةٍ تَخرُجُ مِن فَمِ الله
تُشِيرُ عِبَارَةُ "أَجَابَهُ" إِلَى أَنَّ يَسُوعَ يَرُدُّ عَلَى ٱلْمُجَرِّبِ بَوَصْفِهِ إِنْسَانًا، لَا بِٱسْتِعْمَالِ سُلْطَانِهِ ٱلْإِلَهِيِّ. فَهُوَ لَا يُظْهِرُ قُوَّتَهُ، بَلْ يَسْتَنِدُ إِلَى ٱلْكَلِمَةِ ٱلْمَكْتُوبَةِ.
تُظْهِرُ عِبَارَةُ "مَكْتُوبٌ" (γέγραπται) أَنَّ ٱلْمَسِيحَ يَعْتَبِرُ ٱلْكِتَابَ ٱلْمُقَدَّسَ سُلْطَةً نِهَائِيَّةً وَمُلْزِمَةً. إِنَّهُ يَقْتَبِسُ مِنْ سفر التثنية (8: 3): " لَيْسَ بِٱلْخُبْزِ وَحْدَهُ يَحْيَا ٱلْإِنْسَانُ، بَلْ بِكُلِّ مَا يَخْرُجُ مِنْ فَمِ ٱلرَّبِّ". وَبِهَذَا ٱلِٱقْتِبَاسِ يُقِرُّ يَسُوعُ بِوَحْيِ أَسْفَارِ مُوسَى وَبِصِدْقِهَا، مُؤَكِّدًا مَا سَيُصَرِّحُ بِهِ ٱلرَّسُولُ فِي الرسالة الثانية إلى تيموثاوس (3: 16): "كُلُّ مَا كُتِبَ هُوَ مِنْ وَحْيِ ٱللَّهِ". وَيُعَلِّقُ يوحنا الذهبي الفم أَنَّ ٱلْمَسِيحَ "لَمْ يَسْحَقِ ٱلشَّيْطَانَ بِقُدْرَتِهِ، بَلْ أَسْكَتَهُ بِٱلْكِتَابِ، لِيُعَلِّمَنَا أَنَّ ٱلْكَلِمَةَ سِلَاحُنَا"(PG 57, 208–210). َيَتَّضِحُ هُنَا مَا سَيُسَمِّيهِ ٱلرَّسُولُ "سَيْفَ ٱلرُّوحِ، أَيْ كَلِمَةَ ٱللَّهِ" (الرسالة إلى أهل أفسس 6: 17). فَٱلْمَسِيحُ يُوَاجِهُ ٱلتَّجْرِبَةَ لَا بِحِجَّةٍ عَقْلِيَّةٍ فَقَطْ، بَلْ بِإِعَادَةِ ٱلِٱتِّكَاءِ عَلَى كَلِمَةِ ٱللَّهِ. وَيُؤَكِّدُ أوغسطينوس أَنَّ "ٱلشَّيْطَانَ يُغْلَبُ لَا بِٱلْجِدَالِ، بَلْ بِٱلثَّبَاتِ فِي ٱلْكَلِمَةِ"(PL 38, 882–885). إِنَّ ٱلِٱقْتِبَاسَ مِنْ سفر التثنية (8: 3) يَرْبِطُ تَجْرِبَةَ ٱلْمَسِيحِ بِمَسِيرَةِ إِسْرَائِيلَ فِي ٱلْبَرِّيَّةِ، حَيْثُ أَجَاعَهُمُ ٱللَّهُ ثُمَّ أَطْعَمَهُمُ ٱلْمَنَّ لِيُعَلِّمَهُمْ أَنَّ ٱلْحَيَاةَ تَأْتِي مِنْهُ. وَيَرَى إيريناوس أَنَّ ٱلْمَسِيحَ "أَعَادَ مَا فَشِلَ فِيهِ إِسْرَائِيلُ، فَثَبَتَ حَيْثُ تَذَمَّرُوا"(PG 7, 1175–1180). فَهُوَ إِسْرَائِيلُ ٱلْجَدِيدُ ٱلَّذِي يَحْيَا بِكَلِمَةِ ٱللَّهِ. إِنَّ ٱلتَّجْرِبَةَ لَا تَدُورُ حَوْلَ شَرِّيَّةِ ٱلْخُبْزِ، فَٱلطَّعَامُ عَطِيَّةٌ صَالِحَةٌ، بَلْ حَوْلَ أَوْلَوِيَّةِ مَشِيئَةِ ٱلْآبِ. وَيُعَلِّقُ كيرلس الإسكندري أَنَّ ٱلْمَسِيحَ "لَمْ يَرْفُضِ ٱلْخُبْزَ، بَلْ رَفَضَ أَنْ يَسْتَعْمِلَ قُدْرَتَهُ لِمَنْفَعَةٍ خَاصَّةٍ خَارِجَ ٱلتَّدْبِيرِ ٱلْإِلَهِيِّ"(PG 72, 412–416). فَالتَّوْقِيتُ وَٱلْمَشِيئَةُ أَهَمُّ مِنَ ٱلْحَاجَةِ ذَاتِهَا.
يُظْهِرُ قَوْلُهُ "لَيْسَ بِٱلْخُبْزِ وَحْدَهُ" أَنَّ لِلْإِنْسَانِ بُعْدًا رُوحِيًّا لَا يُشْبِعُهُ ٱلطَّعَامُ ٱلْمَادِّيُّ. وَيُعَبِّرُ غريغوريوس النزينزي عَنْ هَذَا التَّوَازُنِ قَائِلًا: "كَانَ يَجُوعُ كَإِنْسَانٍ، لَكِنَّهُ كَانَ يُغَذِّي ٱلْعَالَمَ كَإِلَهٍ"(PG 36, 100–104). َفِيمَا بَعْدُ سَيُطْعِمُ ٱلْخَمْسَةَ آلَافٍ (متى 14: 13–21)، لَكِنَّهُ يُثَبِّتُ أَوَّلًا أَنَّ الْمَلَكُوتَ لَا يُبْنَى عَلَى ٱلْخُبْزِ فَقَطْ. إِنَّ ٱلرَّدَّ ٱلْمَسِيحِيَّ هُنَا هُوَ تَجْدِيدُ ٱلثِّقَةِ بِٱلْآبِ: "إِلَى ٱللَّهِ وَحْدَهُ تَطْمَئِنُّ نَفْسِي" (مزمور 62: 2).
"بِكُلِّ كَلِمَةٍ تَخْرُجُ مِنْ فَمِ ٱللَّهِ " النَّصُّ اليُونَانِيُّ: ἐπὶ παντὶ ῥήματι ἐκπορευομένῳ διὰ στόματος Θεοῦ تَرِدُ العِبَارَةُ فِي سِيَاقِ تَذْكِيرِ مُوسَى لِشَعْبِ إِسْرَائِيلَ بِتَدْبِيرِ ٱللَّهِ فِي ٱلْبَرِّيَّةِ: "فَذَلَّلَكَ وَأَجَاعَكَ وَأَطْعَمَكَ ٱلْمَنَّ… لِكَيْ يُعَلِّمَكَ أَنَّهُ لَيْسَ بِٱلْخُبْزِ وَحْدَهُ يَحْيَا ٱلْإِنْسَانُ، بَلْ بِكُلِّ مَا يَخْرُجُ مِنْ فَمِ ٱلرَّبِّ يَحْيَا ٱلْإِنْسَانُ" (سفر التثنية 8: 3). وَيَسْتَعِيدُهَا يَسُوعُ فِي مُوَاجَهَةِ ٱلتَّجْرِبَةِ، مُعْلِنًا أَنَّ مِحْوَرَ الْحَيَاةِ هُوَ كَلِمَةُ ٱللَّهِ لَا ٱلْخُبْزُ وَحْدَهُ. فَالْحَيَاةُ، حَسَبَ الْمَنْظُورِ الْكِتَابِيِّ، لَا تُسْتَمَدُّ مِنَ الْمَادَّةِ وَحْدَهَا، بَلْ مِنْ إِرَادَةِ ٱللَّهِ ٱلْمُعْلَنَةِ فِي كَلِمَتِهِ. فِي ٱلْبَرِّيَّةِ، أَعْطَى ٱللَّهُ ٱلْمَنَّ لِإِسْرَائِيلَ لِيُعَلِّمَهُمْ ٱلِٱعْتِمَادَ عَلَيْهِ. وَيُشِيرُ إيريناوس إِلَى أَنَّ ٱلْمَسِيحَ "أَعَادَ تَحْقِيقَ مَسِيرَةِ ٱلشَّعْبِ، فَثَبَتَ حَيْثُ تَذَمَّرُوا"(PG 7, 1175–1180). فَحَيْثُ رَأَى إِسْرَائِيلُ فِي ٱلْمَنِّ مُجَرَّدَ طَعَامٍ، رَأَى ٱلْمَسِيحُ فِي الْجُوعِ فُرْصَةً لِلثِّقَةِ. يُفَسِّرُ يوحنا الذهبي الفم أَنَّ ٱلْمَسِيحَ "لَمْ يَحْتَجْ إِلَى الْخُبْزِ بِلَا كَلِمَةٍ، بَلْ أَرَادَ أَنْ يُظْهِرَ أَنَّ الْكَلِمَةَ هِيَ خُبْزُ النَّفْسِ"(PG 57, 208–210). فَهُوَ لَا يُنْكِرُ أَهَمِّيَّةَ الْغِذَاءِ الْجَسَدِيِّ، بَلْ يُرَتِّبُهُ فِي سُلَّمِ الْأَوْلَوِيَّاتِ. وَهَذَا مَا سَيُعْلِنُهُ لاحِقًا: "أَنَا هُوَ خُبْزُ ٱلْحَيَاةِ» (يوحنا 6: 35)، حَيْثُ تَصِيرُ الْكَلِمَةُ الْمُتَجَسِّدَةُ غِذَاءً أَبَدِيًّا. ويُؤَكِّدُ أوغسطينوس أَنَّ "مَنْ يَتَغَذَّى بِالْكَلِمَةِ لَا يَخَافُ جُوعَ الْجَسَدِ"(PL 36, 749–752)، لِأَنَّ ٱلْكَلِمَةَ تُنَمِّي فِي الْإِنْسَانِ ثِقَةً عَمِيقَةً بِٱلْعِنَايَةِ ٱلْإِلَهِيَّةِ. فَالْمَسِيحُ يُعَلِّمُنَا أَنَّ مُقَاوَمَةَ التَّجْرِبَةِ تَبْدَأُ بِسُكْنَى الْكَلِمَةِ فِينَا، وَبِجَعْلِهَا مَرْجِعِيَّةً لِقَرَارَاتِنَا. إِذًا فَعِبَارَةُ "بِكُلِّ كَلِمَةٍ تَخْرُجُ مِنْ فَمِ ٱللَّهِ" لَيْسَتْ شِعَارًا نُسُكِيًّا فَقَطْ، بَلْ مَبْدَأَ حَيَاةٍ: الْخُبْزُ يُشْبِعُ لِوَقْتٍ، أَمَّا كَلِمَةُ ٱللَّهِ فَتُحْيِي إِلَى ٱلْأَبَدِ. وَهُنَا يَلْتَقِي لاهوتُ التَّجْرِبَةِ بِلاهوتِ الْإِفْخَارِسْتِيَّا: فَالَّذِي ثَبَتَ بِالْكَلِمَةِ فِي الْبَرِّيَّةِ، يُعْطِينَا نَفْسَهُ كَلِمَةً وَخُبْزًا فِي الْكَنِيسَةِ. فَطَعَامُ ٱلْجَسَدِ مُهِمٌّ، لَكِنَّ ٱلْخُضُوعَ لِمَشِيئَةِ ٱلْآبِ أَهَمُّ.
تُشِيرُ عِبَارَةُ "كَلِمَةٍ" ῥῆμα (كَلِمَة/قَوْلٌ) الى كَلِمَةٍ فَعَّالَةٍ حَيَّةٍ،
تُشِيرُ عِبَارَةُ "تَخرُجُ" ἐκπορευομέν بِصِيغَةِ المُضَارِعِ، أَيْ أَنَّهَا عَطَاءٌ مُسْتَمِرٌّ
تُشِيرُ عِبَارَةُ " فَمُ ٱللَّهِ " διὰ στόματος Θεοῦ الى تَعْبِيرٌ أَنْثُرُوبُومُورْفِيٌّ يُشِيرُ إِلَى مَصْدَرِ ٱلْوَحْيِ وَالسُّلْطَةِ. فَالْحَيَاةُ، حَسَبَ الْمَنْظُورِ الْكِتَابِيِّ، لَا تُسْتَمَدُّ مِنَ الْمَادَّةِ وَحْدَهَا، بَلْ مِنْ إِرَادَةِ ٱللَّهِ ٱلْمُعْلَنَةِ فِي كَلِمَتِهِ.
وَبِذَلِكَ يُعَلِّمُنَا ٱلْمَسِيحُ أَنَّ مُقَاوَمَةَ ٱلتَّجْرِبَةِ تَبْدَأُ بِمَعْرِفَةِ ٱلْكِتَابِ وَٱلسُّكْنَى فِيهِ، لِأَنَّ مَنْ يَجْهَلِ ٱلْكَلِمَةَ يَصِيرُ عُرْضَةً لِلْخِدَاعِ.
5 فمَضى بِه إِبليسُ إِلى المدينَةِ المُقدَّسة وأَقامَه على شُرفَةِ الهَيكل
تُشِيرُ عِبَارَةُ "فَمَضَى بِهِ" فِي الأَصْلِ اليُونَانِيِّ Τότε παραλαμβάνει αὐτὸν (معناها ثُمَّ "أَخَذَهُ") إِلَى أَنَّ ٱلْمُجَرِّبَ ٱصْطَحَبَ يَسُوعَ إِلَى مَوْضِعٍ آخَرَ. وَالفِعْلُ فَمَضَى بِهِ παραλαμβάνει يَدُلُّ عَلَى ٱلأَخْذِ وَالِٱصْطِحَابِ، لَا عَلَى ٱلإِكْرَاهِ الْقَسْرِيِّ. وَهُنَا يَظْهَرُ أَنَّ يَسُوعَ يَقْبَلُ ٱلدُّخُولَ فِي مَسِيرَةِ ٱلتَّجْرِبَةِ بِمَحْضِ إِرَادَتِهِ، كَمَا قَبِلَ فِيمَا بَعْدُ أَنْ يُسَلَّمَ وَيُقَادَ إِلَى ٱلْجَلْدِ وَٱلصَّلْبِ (راجع متّى 26: 2). وَيُعَلِّقُ يوحنا الذهبي الفم أَنَّ ٱلْمَسِيحَ "سَمَحَ لِلشَّيْطَانِ أَنْ يَقُودَهُ، لَا لِعَجْزٍ، بَلْ لِكَيْ يُظْهِرَ أَنَّ ٱلنَّصْرَةَ تَتَحَقَّقُ بِٱلثَّبَاتِ لَا بِٱلْهَرَبِ"(PG 57, 210–214). وَقَدْ رَأَى بَعْضُ ٱلشُّرَّاحِ أَنَّ ٱلِٱنْتِقَالَ قَدْ يَكُونُ بِصُورَةٍ رُؤْيَوِيَّةٍ أَوْ فِكْرِيَّةٍ، إِلَّا أَنَّ سِيَاقَ ٱلنَّصِّ يُوحِي بِحَدَثٍ وَاقِعِيٍّ، لِأَنَّهُ يَتَحَدَّثُ عَنْ مَوْضِعٍ مُحَدَّدٍ فِي "ٱلْمَدِينَةِ ٱلْمُقَدَّسَةِ".
تُشِيرُ ٱلْعِبَارَةُ "ٱلْمَدِينَةُ ٱلْمُقَدَّسَةُ" إِلَى أورشليم، مَرْكَزِ ٱلْعِبَادَةِ وَالْهُوِيَّةِ ٱلدِّينِيَّةِ لِشَعْبِ إِسْرَائِيلَ، وَٱلَّتِي دَعَاهَا ٱلْمَسِيحُ "مَدِينَةَ ٱلْمَلِكِ ٱلْعَظِيمِ" (متّى 5: 35). وَيُشِيرُ كيرلس الإسكندري إِلَى أَنَّ ٱلتَّجْرِبَةَ فِي ٱلْمَدِينَةِ ٱلْمُقَدَّسَةِ "تُظْهِرُ أَنَّ ٱلشَّرَّ لَا يَخْشَى ٱلأَمَاكِنَ ٱلْمُقَدَّسَةَ، بَلْ يَحَاوِلُ أَنْ يُحَوِّلَهَا إِلَى سَاحَةِ ٱسْتِعْرَاضٍ" (PG 72, 417–420).
الفِعْلُ "أَقَامَهُ" يَدُلُّ عَلَى وَضْعٍ أَوْ إِيقَافٍ، لَا عَلَى إِكْرَاهٍ بِقُوَّةٍ.
أَمَّا "شُرْفَةُ" َفِي اليُونَانِيَّةِ πτερύγιον، فهِيَ تَعْنِي "جَنَاحًا" أَوْ "نَاتِئًا مُرْتَفِعًا". وَيُرَجِّحُ ٱلْمُؤَرِّخُ يوسيفوس فلافيوس أَنَّ هَذَا ٱلْمَوْضِعَ كَانَ يَشْرُفُ عَلَى وَادِي قِدْرُونَ مِنِ ٱرْتِفَاعٍ شَاهِقٍ، وَيُقَدِّرُ بَعْضُهُمْ عُلُوَّهُ بِمِئَاتِ ٱلْأَمْتَارِ(Antiquitates Judaicae, XV, 11.5). وَقَدْ يَكُونُ ٱلْمَقْصُودُ أَحَدَ أَرْوِقَةِ مَا يُعْرَفُ بِـ"رِوَاقِ سُلَيْمَانَ".
أَمَّا "ٱلْهَيْكَلُ" في الأصل اليوناني ἱερός فَهُوَ قَلْبُ ٱلْعِبَادَةِ ٱلْيَهُودِيَّةِ، وَمَوْضِعُ ٱنْتِظَارِ مَجِيءِ ٱلْمَسِيحِ، كَمَا فِي سفر ملاخي 3: 1) . وَقَدْ جَدَّدَ هيرودس الكبير ٱلْهَيْكَلَ طَمَعًا فِي كَسْبِ رِضَا ٱلشَّعْبِ، وَأَشَارَ ٱلْيَهُودُ إِلَى ذَلِكَ فِي حِوَارِهِمْ مَعَ يَسُوعَ (يوحنا 2: 20). يَطْلُبُ ٱلشَّيْطَانُ مِنَ ٱلْمَسِيحِ أَنْ يُلْقِيَ نَفْسَهُ مِنَ ٱلشُّرْفَةِ، مُسْتَنِدًا إِلَى ٱلْمَزْمُورِ 91، لِيُظْهِرَ نَفْسَهُ أَمَامَ ٱلْجُمُوعِ كَمَسِيحٍ عَجَائِبِيٍّ. إِنَّهَا تَجْرِبَةُ ٱلْمَجْدِ بِغَيْرِ صَلِيبٍ، وَتَجْرِبَةُ ٱسْتِعْمَالِ ٱلْقُدْرَةِ لِكَسْبِ ٱلشُّهْرَةِ. وَيُعَلِّقُ أوغسطينوس أَنَّ ٱلشَّيْطَانَ "يَقْتَبِسُ ٱلْكِتَابَ، لَكِنَّهُ يَفْصِلُهُ عَنْ رُوحِهِ، فَيَصِيرُ ٱلنَّصُّ أَدَاةَ خِدَاعٍ"(PL 37, 1170–1175). إِنَّ ٱلْمَفَارَقَةَ هُنَا عَمِيقَةٌ: فِي ٱلْمَوْضِعِ ٱلْأَقْدَسِ، تَحْدُثُ تَجْرِبَةُ ٱلْكِبْرِيَاءِ ٱلرُّوحِيَّةِ. وَيُؤَكِّدُ مكسيموس المعترف أَنَّ ٱلشَّيْطَانَ "يُحَاوِلُ أَنْ يَجْعَلَ ٱلتَّقْوَى ذَرِيعَةً لِتَجْرِبَةِ ٱللَّهِ"(PG 91, 1092–1096). فَلَيْسَتِ ٱلتَّجْرِبَةُ دَائِمًا فِي ٱلْبَرِّيَّةِ، بَلْ قَدْ تَحْدُثُ فِي قَلْبِ ٱلْهَيْكَلِ. إِذًا فَٱلْمَسِيحُ يَرْفُضُ أَنْ يَكُونَ مَسِيحًا ٱسْتِعْرَاضِيًّا، وَيَخْتَارُ طَرِيقَ ٱلطَّاعَةِ ٱلْخَفِيَّةِ. وَهُنَا يَتَأَكَّدُ ٱلْمَبْدَأُ: لَا تَخْلُو ٱلْتَّجَارِبُ حَتَّى فِي أَقْدَسِ ٱلْأَمَاكِنِ، لِأَنَّ ٱلْمَعْرَكَةَ حَقِيقَتُهَا فِي ٱلْقَلْبِ.
6 وقالَ لَه: إِن كُنتَ ابنَ الله فأَلقِ بِنَفسِكَ إِلى الأَسفَل، لأَنَّه مَكتوب: يُوصي مَلائكتَه بِكَ فعلى أَيديهم يَحمِلونَكَ لِئَلاَّ تَصدِمَ بِحَجرٍ رِجلَكَ
تُشِيرُ عِبَارَةُ "ٱبْنَ ٱللَّهِ" إِلَى لَقَبِ يَسُوعَ ٱلَّذِي أُعْلِنَ عِنْدَ مَعْمُودِيَّتِهِ (متّى 3: 17)، وَٱلَّذِي يَسْتَعْمِلُهُ ٱلشَّيْطَانُ هُنَا أَدَاةً لِلتَّجْرِبَةِ. فَهُوَ يُعِيدُ صَدَى تَجْرِبَةِ إِسْرَائِيلَ فِي ٱلْبَرِّيَّةِ عِنْدَ مَسَّةَ وَمَرِيبَةَ، حِينَ قَالُوا: "هَلِ ٱلرَّبُّ فِي وَسْطِنَا أَمْ لَا؟" (خروج 17: 7). جَوْهَرَ ٱلتَّجْرِبَةِ: لَيْسَ ٱلسُّقُوطَ ٱلْجَسَدِيَّ، بَلْ ٱمْتِحَانَ ٱلْآبِ. ابليس يُحَاوِلُ أَنْ يُحَوِّلَ ٱلْعِلَاقَةَ ٱلْبَنَوِيَّةَ مِنْ ثِقَةٍ إِلَى ٱخْتِبَارٍ، وَمِنْ أَمَانَةٍ إِلَى تَحَدٍّ. كَأَنَّهُ يَقُولُ إِنْ كُنْتَ ٱبْنًا، فَتَأَكَّدْ بِنَفْسِكَ. إِنْ كَانَ ٱلْآبُ يُحِبُّكَ، َلْيُثْبِتْ ذٰلِكَ عَلَنًا. إِرْمِ نَفْسَكَ، وَسَتَرَى هَلْ يَتَدَخَّلُ أَمْ لَا. هُنَا تَنْقَلِبُ ٱلْمَعَادَلَةُ: بَدَلَ أَنْ يَكُونَ ٱلِٱبْنُ مُتَّكِلًا عَلَى ٱلْآبِ، يُصْبِحُ ٱلْآبُ مُجْبَرًا عَلَى إِثْبَاتِ نَفْسِهِ أَمَامَ ٱلِٱبْنِ. وَهَذَا هُوَ جَوْهَرُ ٱلتَّجْرِبَةِ: أَنْ يَسْتَبْدِلَ ٱلثِّقَةَ بِٱلشَّرْطِ. وَيُعَلِّقُ إيريناوس أَنَّ ٱلْمَسِيحَ "ثَبَتَ كَٱبْنٍ أَمِينٍ حَيْثُ تَذَمَّرَ ٱلشَّعْبُ وَشَكَّ"(PG 7, 1175–1180)، فَهُوَ إِسْرَائِيلُ ٱلْجَدِيدُ ٱلَّذِي لَا يُجَرِّبُ ٱللَّهَ بَلْ يَثِقُ بِهِ.
تُشِيرُ عِبَارَةُ "فَأَلْقِ بِنَفْسِكَ إِلَى ٱلْأَسْفَلِ" الى دعوة ٱلشَّيْطَانُ للْمَسِيحَ إِلَى طَرْحِ نَفْسِهِ مِنْ شُرْفَةِ ٱلْهَيْكَلِ، أَيْ إِلَى مَجَازَفَةٍ مُتَعَمَّدَةٍ طَمَعًا فِي حِمَايَةٍ إِلَهِيَّةٍ عَجَائِبِيَّةٍ. إِنَّهَا تَجْرِبَةُ ٱلْمَجْدِ ٱلْعَلَنِيِّ وَٱلشُّهْرَةِ ٱلْمَسِيحَانِيَّةِ دُونَ صَلِيبٍ. وَيَقُولُ ايرونيموس: "هَذِهِ هِيَ كَلِمَاتُ إِبْلِيسَ دَائِمًا، يَتَمَنَّى ٱلسُّقُوطَ لِلْجَمِيعِ" (PL 26, 36–40)، فَهُوَ يُقَدِّمُ ٱلْمَجْدَ ٱلسَّهْلَ عِوَضَ ٱلطَّاعَةِ ٱلصَّابِرَةِ.
تُشِيرُ عِبَارَةُ " لِأَنَّهُ مَكْتُوبٌ" الى أستناد ٱلشَّيْطَانُ إِلَى ٱلْكِتَابِ ٱلْمُقَدَّسِ، مُقْتَبِسًا مِنْ سفر المزامير (91: 11–12): "يُوصِي مَلَائِكَتَهُ بِكَ… عَلَى أَيْدِيهِمْ يَحْمِلُونَكَ". وَهُنَا تَتَجَلَّى خُطُورَةُ ٱلِٱقْتِبَاسِ ٱلْمُجَرَّدِ عَنِ ٱلسِّيَاقِ. فَٱلْمَزْمُورُ هُوَ نَشِيدُ ثِقَةٍ لِلْمُتَّكِلِينَ عَلَى ٱللَّهِ فِي ٱلضِّيقَاتِ، لَا وَعْدًا بِحِمَايَةٍ لِمَنْ يَدْخُلُ ٱلْخَطَرَ عَمْدًا. وَيُؤَكِّدُ أوغسطينوس أَنَّ "ٱلشَّيْطَانَ يَعْرِفُ ٱلْكِتَابَ، لَكِنَّهُ يَقْرَؤُهُ بِغَيْرِ رُوحِهِ" (PL 37, 1170–1175)، فَيُحَرِّفُ مَعْنَاهُ لِيَجْعَلَ مِنَ ٱلثِّقَةِ تَجْرِبَةً لِلَّهِ. وَمِنَ ٱلْمُهِمِّ أَنَّ ٱلشَّيْطَانَ لَمْ يُكْمِلِ ٱلْمَزْمُورَ، ٱلَّذِي يَنْتَهِي بِٱلْوَعْدِ: "يَدْعُونِي فَأُجِيبُهُ… أُرِيهِ خَلَاصِي" (مز 91: 15–16)، وَهُوَ وَعْدٌ بِٱلنَّصْرَةِ عَلَى ٱلشَّرِّ نَفْسِهِ. وَيُشِيرُ يوحنا الذهبي الفم إِلَى أَنَّ ٱلْمَسِيحَ "جِيبُ ٱلشَّيْطَانَ بِنَصٍّ آخَرَ، لِأَنَّ ٱلْكِتَابَ لَا يُفَسَّرُ بِجُزْءٍ مُجْتَزَإٍ بَلْ بِكُلِّيَّتِهِ" (PG 57, 212–215).
يُشِيرُ ذِكْرُ"مَلَائِكَتَهُ" إِلَى وَظِيفَتِهِمْ كَـ"أَرْوَاحٍ مُكَلَّفِينَ بِٱلْخِدْمَةِ" (الرسالة إلى العبرانيين 1: 14). وَيُصَوِّرُ ٱلنَّصُّ صُورَةً أُبَوِيَّةً: حِمَايَةً كَحِمَايَةِ وَالِدَيْنِ لِطِفْلٍ فِي مَكَانٍ وَعِرٍ. لَكِنَّ هَذِهِ ٱلْحِمَايَةَ لَا تَعْنِي ٱلْتَّجْرِبَةَ ٱلْمُتَعَمَّدَةَ لِلَّهِ. وَيُؤَكِّدُ مكسيموس المعترف أَنَّ ٱلْإِيمَانَ "لَا يَفْرِضُ عَلَى ٱللَّهِ أَنْ يَتَدَخَّلَ، بَلْ يَثِقُ بِهِ فِي مَشِيئَتِهِ"(PG 91, 1096–1100). إِنَّ ٱلنَّصْرَةَ فِي هَذِهِ ٱلتَّجْرِبَةِ تُسْبِقُ ٱلنَّصْرَةَ ٱلْكُبْرَى فِي أورشليم نَفْسِهَا، حَيْثُ لَمْ يُلْقِ يَسُوعُ نَفْسَهُ مِنْ شُرْفَةِ ٱلْهَيْكَلِ، بَلْ سَلَّمَ نَفْسَهُ عَلَى ٱلصَّلِيبِ. فَٱلْمَجْدُ ٱلْحَقِيقِيُّ لَا يَأْتِي بِٱلِٱسْتِعْرَاضِ، بَلْ بِٱلطَّاعَةِ حَتَّى ٱلْمَوْتِ. إِذًا، يَتَبَيَّنُ أَنَّ ٱلشَّيْطَانَ يَتَلَاعَبُ بِٱلْكَلِمَةِ ٱلْمُقَدَّسَةِ، مجزِّئًا إِيَّاهَا وَمُخْرِجًا إِيَّاهَا عَنْ مَعْنَاهَا ٱلْجَوْهَرِيِّ. أَمَّا ٱلْمَسِيحُ فَيُجِيبُ بِٱلْكَلِمَةِ ٱلْمُتَكَامِلَةِ، مُثَبِّتًا أَنَّ ٱلثِّقَةَ لَيْسَتْ فِي ٱمْتِحَانِ ٱللَّهِ، بَلْ فِي ٱلِٱسْتِسْلَامِ لِمَشِيئَتِهِ. وَبِذٰلِكَ تعَلِّمُنَا الآية أَنَّ ٱلْإِيمَانَ لَيْسَ طَلَبَ آيَاتٍ تُثْبِتُ حُضُورَ ٱللَّهِ، بَلْ هُوَ ٱلثِّقَةُ بِحُضُورِهِ حَتَّى إِنْ لَمْ تَظْهَرِ ٱلْآيَاتُ.
7 فقالَ له يسوع مَكتوبٌ أَيضاً: لا تُجَرِّبَنَّ الرَّبَّ إِلهَكَ
تُشِيرُ عِبَارَةُ "فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: مَكْتُوبٌ أَيْضًا" إِلَى أَنَّ ٱلْمَسِيحَ يُقَاوِمُ ٱلتَّجْرِبَةَ بِٱلِٱرْتِكَازِ عَلَى ٱلْكِتَابِ ٱلْمُقَدَّسِ، كَمَا فَعَلَ فِي ٱلتَّجْرِبَةِ ٱلْأُولَى. فَهُوَ لَا يُجَادِلُ ٱلشَّيْطَانَ بِمَنْطِقٍ بَشَرِيٍّ، بَلْ يُفَسِّرُ ٱلْكِتَابَ بِٱلْكِتَابِ، مُظْهِرًا أَنَّ ٱلْوَحْيَ يُفْهَمُ فِي كُلِّيَّتِهِ لَا فِي ٱجْتِزَائِهِ. وَيُعَلِّقُ يوحنا الذهبي الفم أَنَّ ٱلْمَسِيحَ "لَمْ يَكْتَفِ بِدَحْضِ ٱلِٱقْتِبَاسِ، بَلْ قَابَلَ ٱلنَّصَّ بِنَصٍّ آخَرَ، لِيُعَلِّمَنَا أَنَّ ٱلْكَلِمَةَ تُفَسِّرُ ٱلْكَلِمَةَ" (PG 57, 214–218).
تُشِيرُ عِبَارَةُ "لَا تُجَرِّبَنَّ ٱلرَّبَّ إِلَهَكَ" الى إقتباس يَسُوعُ مِنْ سفر التثنية (6: 16)، حَيْثُ يُذَكِّرُ مُوسَى ٱلشَّعْبَ بِحَادِثَةِ مَسَّةَ وَمَرِيبَةَ (خروج 17: 2–7)، إِذْ "جَرَّبُوا ٱلرَّبَّ" بِشَكِّهِمْ وَتَذَمُّرِهِمْ. فَتَجْرِبَةُ ٱللَّهِ تَعْنِي وَضْعَهُ فِي مَوْضِعِ ٱلِٱمْتِحَانِ، أَيْ مُحَاوَلَةَ إِجْبَارِهِ عَلَى ٱلتَّدَخُّلِ لِإِثْبَاتِ حُضُورِهِ أَوْ أَمَانَتِهِ. وَيُؤَكِّدُ إيريناوس أَنَّ ٱلْمَسِيحَ "لَمْ يُعِدْ خَطَأَ ٱلشَّعْبِ فِي ٱلْبَرِّيَّةِ، بَلْ أَظْهَرَ طَاعَةَ ٱلِٱبْنِ ٱلَّذِي لَا يَشُكُّ فِي أَبِيهِ"(PG 7, 1175–1180).
إِنَّ "تَجْرِبَةَ ٱلرَّبِّ" تَعْنِي أَنْ يُعَرِّضَ ٱلْإِنْسَانُ نَفْسَهُ لِلْخَطَرِ عَمْدًا، ثُمَّ يُرْغِمَ ٱللَّهَ عَلَى إِنْقَاذِهِ. إِنَّهَا ثِقَةٌ مَزِيفَةٌ، لِأَنَّهَا لَا تَنْطَلِقُ مِنْ طَاعَةٍ بَلْ مِنْ تَحَدٍّ. وَيَقُولُ أوغسطينوس: "ٱلْإِيمَانُ لَا يُجَرِّبُ ٱللَّهَ، بَلْ يَتَّكِلُ عَلَيْهِ" (PL 37, 1237–1240). فَالَّذِي يَضَعُ يَدَهُ فِي ٱلنَّارِ ثُمَّ يَطْلُبُ حِمَايَةً إِلَهِيَّةً، لَا يَعِيشُ بِٱلْإِيمَانِ بَلْ بِٱلِٱسْتِهْتَارِ. إِنَّ ٱلشَّيْطَانَ أَرَادَ أَنْ يَجْعَلَ مِنَ ٱلْوَعْدِ ٱلْإِلَهِيِّ ذَرِيعَةً لِإِجْبَارِ ٱللَّهِ عَلَى عَمَلٍ عَجَائِبِيٍّ، فِي حِينِ أَنَّ ٱللَّهَ يُرِيدُنَا أَنْ نَحْيَا بِٱلْإِيمَانِ لَا بِٱلْمُشَاهَدَةِ. وَيُشِيرُ مكسيموس المعترف إِلَى أَنَّ "ٱلْفَرْقَ بَيْنَ ٱلْإِيمَانِ وَٱلتَّجْرِبَةِ هُوَ أَنَّ ٱلْأَوَّلَ يَسْلَمُ ٱلْأَمْرَ لِلَّهِ، أَمَّا ٱلثَّانِي فَيُحَاوِلُ ٱلسَّيْطَرَةَ عَلَيْهِ"(PG 91, 1096–1100). إِنَّ ٱلْمَفَارَقَةَ ٱلْجَوْهَرِيَّةَ فِي ٱلنَّصِّ هِيَ أَنَّ ٱلشَّيْطَانَ يَعْرِفُ ٱلْكَلِمَةَ وَلَا يُطِيعُهَا، أَمَّا ٱلْمَسِيحُ فَيَعْرِفُهَا وَيَحْيَاهَا. وَهُنَا يَتَجَلَّى مَا يُعْلِنُهُ الرسالة إلى العبرانيين (4: 12): "إِنَّ كَلَامَ ٱللَّهِ حَيٌّ وَفَعَّالٌ، أَمْضَى مِنْ كُلِّ سَيْفٍ ذِي حَدَّيْنِ". فَالْكَلِمَةُ لَيْسَتْ مَعْرِفَةً ذِهْنِيَّةً فَقَطْ، بَلْ قُوَّةً تُقَوِّمُ ٱلْقَلْبَ وَتُرْشِدُ ٱلْإِرَادَةَ. وَبِذَلِكَ يَكُونُ ٱنْتِصَارُ ٱلْمَسِيحِ فِي هَذِهِ ٱلتَّجْرِبَةِ إِعْلَانًا مُسْبَقًا لِٱنْتِصَارِهِ عَلَى ٱلصَّلِيبِ: فَهُوَ لَمْ يُجَرِّبِ ٱلْآبَ لِيُخَلِّصَهُ مِنَ ٱلْآلَامِ، بَلْ أَطَاعَهُ حَتَّى ٱلْمَوْتِ. وَهَكَذَا يُعَلِّمُنَا أَنَّ ٱلطَّاعَةَ هِيَ جَوْهَرُ ٱلْبُنُوَّةِ، وَأَنَّ ٱلْإِيمَانَ يَثِقُ بِٱللَّهِ دُونَ أَنْ يَشْتَرِطَ عَلَيْهِ آيَةً.
8 ثُمَّ مَضى بِه إِبليس إِلى جَبَلٍ عالٍ جدّاً وأَراهُ جَميعَ مَمالِكِ الدُّنيا ومَجدَها
تُشِيرُ عِبَارَةُ "جَبَلٍ" إِلَى الرَّمْزِيَّةِ الْعَمِيقَةِ لِلْجَبَلِ فِي إِنْجِيلِ إنجيل متى. فَٱلْجَبَلُ هُوَ مَوْضِعُ ٱلْإِعْلَانِ وَٱلشَّرِيعَةِ: عَلَى جبل سيناء تَسَلَّمَ مُوسَى ٱلشَّرِيعَةَ، وَعَلَى جبل نيبو عَايَنَ أَرْضَ ٱلْمَوْعِدِ (تثنية 34: 1). وَفِي مَتَّى نَجِدُ ٱلْعِظَةَ عَلَى ٱلْجَبَلِ (متّى 5–7)، وَٱلتَّجَلِّيَ عَلَى جَبَلٍ عَالٍ (متّى 17: 1)، وَالإِرْسَالِيَّةَ الْعُظْمَى أَيْضًا عَلَى جَبَلٍ (متّى 28: 16). لِذَلِكَ يَضَعُ مَتَّى ٱلتَّجْرِبَةَ الثَّالِثَةَ عَلَى جَبَلٍ فِي خِتَامِ ٱلْمَسَارِ، لِأَنَّهَا ذُرْوَةُ ٱلِٱمْتِحَانِ: سُلْطَانٌ وَمَجْدٌ بِدُونِ صَلِيبٍ. أَمَّا إنجيل لوقا فَيَجْعَلُ أُورُشَلِيمَ خِتَامَ ٱلتَّجْرِبَةِ، لِأَنَّ أُورُشَلِيمَ هِيَ مِحْوَرُ بَدَايَةِ خِدْمَةِ ٱلْمَسِيحِ وَنِهَايَتِهَا فِي لُوقَا (لوقا 24: 47–53). أَمَّا عَنْ تَحْدِيدِ ٱلْجَبَلِ، فَقَدِ ٱقْتُرِحَ جبل نيبو أَوْ جبل طابور أَوْ جبل حرمون، إِلَّا أَنَّ ٱلتَّقْلِيدَ الْكَنَسِيَّ يُشِيرُ إِلَى جبل قرنطل قُرْبَ أَرِيحَا. وَبِالنَّظَرِ إِلَى عَدَمِ وُجُودِ جَبَلٍ يُرَى مِنْهُ "جَمِيعُ مَمَالِكِ ٱلدُّنْيَا"، رَأَى بَعْضُ ٱلشُّرَّاحِ أَنَّ ٱلرُّؤْيَةَ ذِهْنِيَّةٌ رَمْزِيَّةٌ، أَيْ كَشْفٌ شَامِلٌ لِمَجْدِ ٱلسُّلْطَانِ ٱلْعَالَمِيِّ.
تُشِيرُ عِبَارَةُ "أَرَاهُ جَمِيعَ مَمَالِكِ ٱلدُّنْيَا وَمَجْدَهَا" إِلَى ٱلثَّرْوَةِ وَٱلسُّلْطَانِ وَٱلْبَهَاءِ ٱلزَّمَنِيِّ. وَيُعَلِّقُ يوحنا الذهبي الفم أَنَّ ٱلشَّيْطَانَ "لَمْ يُظْهِرِ الْمَمَالِكَ فَقَطْ، بَلْ زَيَّنَهَا بِٱلْمَجْدِ لِيُغْرِيَ ٱلنَّفْسَ"(PG 57, 218–222). فَٱلتَّجْرِبَةُ هُنَا لَيْسَتْ فِي ٱلْمَشْهَدِ، بَلْ فِي ٱلْوَعْدِ: سُلْطَانٌ بِدُونِ طَاعَةٍ، وَمُلْكٌ بِدُونِ عِبَادَةٍ لِلَّهِ. إِنَّ ٱلشَّيْطَانَ يَعْرِضُ عَلَى يَسُوعَ أَنْ يَتَسَلَّمَ سُلْطَانَ ٱلْعَالَمِ مُقَابِلَ ٱلسُّجُودِ لَهُ. وَيُؤَكِّدُ أوغسطينوس أَنَّ "ٱلْمَسِيحَ رَفَضَ مَمَالِكَ ٱلْأَرْضِ، لِأَنَّهُ جَاءَ لِيُؤَسِّسَ مَمْلَكَةً لَيْسَتْ مِنْ هَذَا ٱلْعَالَمِ"(PL 41, 411–415). فَبَيْنَ "مَمَالِكِ ٱلدُّنْيَا" وَ"مَلَكُوتِ ٱللَّهِ» تَقُومُ مُفَاضَلَةٌ جَوْهَرِيَّةٌ. إِنَّ خُبْثَ ٱلتَّجْرِبَةِ يَكْمُنُ فِي أَنَّ ٱلشَّيْطَانَ يَعْرِضُ تَسْخِيرَ سُلْطَانِهِ "لِتَقَدُّمِ ٱلْمَلَكُوتِ ٱلْمَسِيحَانِيِّ". أَيْ أَنَّهُ يَقْتَرِحُ وَسِيلَةً غَيْرَ إِلَهِيَّةٍ لِغَايَةٍ يَبْدُو أَنَّهَا إِلَهِيَّةٌ. وَيُشِيرُ مكسيموس المعترف إِلَى أَنَّ ٱلشَّرَّ "يَسْتَعْمِلُ ٱلْغَايَاتِ ٱلصَّالِحَةَ لِيُبَرِّرَ ٱلْوَسَائِلَ ٱلْفَاسِدَةَ"(PG 91, 1100–1104). إِلَّا أَنَّ يَسُوعَ يَرْفُضُ ٱلسِّيَادَةَ ٱلْأَرْضِيَّةَ، لِأَنَّ رِسَالَتَهُ هِيَ بَشَارَةُ ٱلْفُقَرَاءِ، كَمَا أَعْلَنَ: "ٱلْفُقَرَاءُ يُبَشَّرُونَ" (متّى 11: 5). فَمَلَكُوتُهُ لَا يُبْنَى بِٱلسَّيْطَرَةِ ٱلسِّيَاسِيَّةِ، بَلْ بِٱلصَّلِيبِ وَٱلْخِدْمَةِ.
فِي هَذِهِ ٱلتَّجْرِبَةِ يَظْهَرُ ٱلِٱخْتِيَارُ ٱلْحَاسِمُ: مَجْدٌ زَمَنِيٌّ سَرِيعٌ، أَوْ طَرِيقُ ٱلصَّلِيبِ ٱلْمُتَوَاضِعُ. وَيُلَخِّصُ أثناسيوس الرسولي هَذَا ٱلْمَعْنَى بِقَوْلِهِ إِنَّ ٱلْمَسِيحَ "لَمْ يَأْتِ لِيَأْخُذَ مَا لِلشَّيْطَانِ، بَلْ لِيَسْلُبَهُ بِٱلطَّاعَةِ حَتَّى ٱلْمَوْتِ (PG 25, 116–120). إِذًا فَٱلْجَبَلُ فِي ٱلتَّجْرِبَةِ يُصْبِحُ صُورَةً لِجَبَلِ ٱلْجُلْجُلَةِ: فَهُنَاكَ رُفِضَ ٱلسُّجُودُ لِلشَّيْطَانِ، وَهُنَاكَ تَمَّ ٱلسُّجُودُ لِلْآبِ حَتَّى ٱلنِّهَايَةِ. وَبِذَلِكَ يَتَجَلَّى أَنَّ ٱلْمَلَكُوتَ لَا يُؤَسَّسُ بِٱلْقُوَّةِ، بَلْ بِٱلْحُبِّ ٱلْمُطِيعِ.
9 وقالَ له: أُعطيكَ هذا كُلَّه إِن جَثوتَ لي سـاجداً
تُشِيرُ عِبَارَةُ "أُعْطِيكَ هٰذَا كُلَّهُ" إِلَى ٱلْعَرْضِ ٱلَّذِي يُقَدِّمُهُ ٱلشَّيْطَانُ لِيَسُوعَ: سُلْطَانًا سِيَاسِيًّا عَلَى مَمَالِكِ ٱلْعَالَمِ. وَفِي إنجيل لوقا (4: 6) يَقُولُ: "لِأَنَّهُ سُلِّمَ إِلَيَّ وَأَنَا أُولِيهِ مَنْ أَشَاء". إِنَّهُ يَعْرِضُ مَسِيحًا دُنْيَوِيًّا يُحَقِّقُ تَوَقُّعَاتِ ٱلْجَمَاهِيرِ: مَلِكًا مُنْتَصِرًا بِلاَ صَلِيبٍ. إِلَّا أَنَّ سُلْطَانَ ٱلشَّيْطَانِ سُلْطَانٌ مُؤَقَّتٌ وَمُهَدَّدٌ؛ فَقَدْ أَعْلَنَ ٱلْمَسِيحُ: "رَأَيْتُ ٱلشَّيْطَانَ سَاقِطًا كَالْبَرْقِ" (لوقا 10: 18)، وَسَمَّى سَاعَةَ ٱلظُّلْمَةِ "سُلْطَانَ ٱلظُّلْمَةِ" (لوقا 22: 53)، أَيْ سُلْطَانًا مَحْدُودَ ٱلزَّمَنِ. أَمَّا سُلْطَانُ ٱلْمَسِيحِ فَهُوَ مُسْتَمَدٌّ مِنَ ٱلْآبِ: "قَدْ سَلَّمَنِي أَبِي كُلَّ شَيْءٍ" (لوقا 10: 22). تَكْمُنُ ٱلتَّجْرِبَةَ بٱلْمُسَاوَمَةُ: أَنْ يَحْيَا يَسُوعُ "حَيَاةً كَامِلَةً" فِي مَنْطِقِ ٱلْعَالَمِ—قُوَّةً، سُلْطَانًا، مَجْدًا—لٰكِنْ بِثَمَنٍ ٱلتَّنَازُلِ عَنْ ٱلطَّاعَةِ ٱلْمُطْلَقَةِ لِلْآبِ. إِنَّهَا تَجْرِبَةُ ٱلْمَسِيحِ ٱلْمَلِكِ بِلَا صَلِيبٍ. تَجْرِبَةُ ٱلْمَجْدِ بِلَا طَاعَةٍ. تَجْرِبَةُ ٱلِٱمْتِلَاكِ بِلَا بَذْلٍ. ٱلشَّيْطَانُ لَا يَطْلُبُ مِنْ يَسُوعَ أَنْ يَفْعَلَ شَرًّا فَاضِحًا فِي ٱلظَّاهِرِ، بَلْ أَنْ يَقْبَلَ مَنْطِقًا آخَرَ لِلْخَلَاصِ: خَلَاصًا بِٱلسُّلْطَةِ لَا بِٱلْمَحَبَّةِ، وَبِٱلْهَيْمَنَةِ لَا بِٱلْخِدْمَةِ. هُنَا تَتَجَلَّى خُطُورَةُ ٱلتَّجْرِبَةِ: أَنْ يُسَاوِمَ ٱلشَّرَّ لِيَصِلَ إِلَى خَيْرٍ ظَاهِرٍ. لٰكِنَّ ٱلْمَسِيحَ يَكْشِفُ أَنَّ ٱلطَّرِيقَ إِلَى ٱلْمَلَكُوتِ لَا يَمُرُّ بِعِبَادَةِ ٱلشَّرِّ وَلَوْ لِلَحْظَةٍ. وَيُعَلِّقُ أوغسطينوس أَنَّ ٱلشَّيْطَانَ "يَعِدُ بِمَا لَا يَمْلِكُ، أَمَّا ٱلِٱبْنُ فَيَمْلِكُ بِمَا أُعْطِيَ لَهُ مِنَ ٱلْآبِ"(PL 41, 411–415). إِنَّ جَوْهَرَ ٱلتَّجْرِبَةِ هُوَ أَنْ يَكُونَ يَسُوعُ ٱلْمَسِيحَ ٱلَّذِي يَتَوَقَّعُهُ ٱلْيَهُودُ: مَلِكًا سِيَاسِيًّا قَوِيًّا دُونَ أَنْ يَحْتَمِلَ ٱلْآلَامَ وَٱلْمَوْتَ. وَهُنَا يَتَكَرَّرُ ٱلْمَغْزَى: مَجْدٌ بِلاَ صَلِيبٍ، وَمُلْكٌ بِلاَ طَاعَةٍ.
يَضَعُ ٱلشَّيْطَانُ شَرْطًا وَاحِدًا: ٱلسُّجُودَ لَهُ " إِنْ جَثَوْتَ لِي سَاجِدًا". وَالفِعْلُ اليُونَانِيُّ προσκυνήσῃς يَدُلُّ عَلَى ٱلسُّجُودِ أَوْ ٱلِٱنْحِنَاءِ مَعَ ٱلِٱعْتِرَافِ بِالسِّيَادَةِ. وَٱلسُّجُودُ فِي ٱلْكِتَابِ ٱلْمُقَدَّسِ عِبَادَةٌ لَا تَلِيقُ إِلَّا بِٱللَّهِ وَحْدَهُ (راجع متّى 2: 2؛ 28: 17). وَيُحَذِّرُ ٱلرَّسُولُ فِي الرسالة الأولى إلى كورنثوس (10: 20) مِنْ أَنَّ مَا يُذْبَحُ لِلْأَوْثَانِ "إِنَّمَا يُذْبَحُ لِلشَّيَاطِينِ". فَٱلسُّجُودُ لِلشَّيْطَانِ هُوَ شِرْكٌ رُوحِيٌّ يُنَاقِضُ ٱلْوَصِيَّةَ ٱلْأُولَى. وَيُعَلِّقُ إيريناوس أَنَّ ٱلتَّجْرِبَةَ هُنَا "كَانَتْ لِتَفْصِلَ ٱلْمُلْكَ عَنِ ٱلْعِبَادَةِ، أَيْ أَنْ يَكُونَ ٱلْمُلْكُ بِلاَ ٱللَّهِ"( PG 7, 1178–1182). وَيُضِيفُ يوحنا الذهبي الفم أَنَّ ٱلشَّيْطَانَ "يَطْلُبُ ٱلْقَلِيلَ فِي ٱلظَّاهِرِ، لِيَأْخُذَ ٱلْكُلَّ فِي ٱلْحَقِيقَةِ" (PG 57, 222–226)؛ فَسُجُودٌ وَاحِدٌ يَعْنِي تَحَوُّلَ ٱلْقَلْبِ عَنْ ٱلْآبِ. تَقُومُ ٱلتَّجْرِبَةُ عَلَى عِبَادَةِ ٱلشَّيْطَانِ مُقَابِلَ ٱلسُّلْطَانِ وَٱلْمَجْدِ. إِنَّهَا مُعَادَلَةٌ خَادِعَةٌ: رِبْحُ ٱلْعَالَمِ مُقَابِلَ خُسْرَانِ ٱلنَّفْسِ (راجع متّى 16: 26). وَيُؤَكِّدُ مكسيموس المعترف أَنَّ ٱلْمَسِيحَ "فَضَّلَ ٱلْفَقْرَ وَٱلطَّاعَةَ عَلَى مَجْدٍ زَائِلٍ، لِأَنَّ ٱلْمَجْدَ ٱلْحَقِيقِيَّ يَأْتِي مِنَ ٱلْآبِ"(PG 91, 1104–1108). فَيَسُوعُ يُظْهِرُ بِوَسَائِلِ ٱلْفَقْرِ وَٱلتَّجَرُّدِ أَنَّهُ ٱبْنُ ٱللَّهِ حَقًّا، لَا بِٱلْعَظَمَةِ ٱلظَّاهِرَةِ. وَيَبْقَى ٱلشَّيْطَانُ حَتَّى ٱلْيَوْمِ يَجْعَلُ "أَمْجَادَ هٰذَا ٱلْعَالَمِ" وَحُبَّ ٱلرِّيَاسَةِ فَخًّا لِٱصْطِيَادِ ٱلنُّفُوسِ، وَاعِدًا بِرِبْحٍ زَمَنِيٍّ عَلَى حِسَابِ ٱلْخَلَاصِ ٱلْأَبَدِيِّ. وَهُنَا تَتَجَلَّى ٱلْمُفَارَقَةُ ٱلْكُبْرَى: سُلْطَانٌ يُعْرَضُ بِسُجُودٍ لِلشَّيْطَانِ، وَسُلْطَانٌ يُنَالُ بِٱلطَّاعَةِ لِلَّهِ حَتَّى ٱلصَّلِيبِ. وَبِرَفْضِهِ ٱلسُّجُودَ، يُثَبِّتُ ٱلْمَسِيحُ أَنَّ ٱلْمَلَكُوتَ لَا يُؤَسَّسُ بِٱلْقُوَّةِ ٱلسِّيَاسِيَّةِ، بَلْ بِٱلْعِبَادَةِ ٱلْحَقِيقِيَّةِ: "لِلرَّبِّ إِلَهِكَ تَسْجُدُ وَإِيَّاهُ وَحْدَهُ تَعْبُدُ".
10 فقالَ له يسوع: اِذهَبْ، يا شَيطان! لأَنَّه مَكتوب: لِلرَّبِّ إِلهِكَ تَسجُد وايَّاهُ وَحدَه تَعبُد
تَرِدُ عِبَارَةُ "ٱذْهَبْ" فِي الأَصْلِ اليُونَانِيِّ Ὕπαγε، وَمَعْنَاهَا: "ٱنْسَحِبْ، ٱمْضِ بَعِيدًا". وَهِيَ صِيغَةُ أَمْرٍ حَاسِمَةٌ تُعَبِّرُ عَنْ رَفْضٍ قَاطِعٍ. لَا يُجَادِلُ ٱلْمَسِيحُ هُنَا، بَلْ يُصْدِرُ حُكْمًا. وَقَدِ ٱسْتَعْمَلَ ٱلتَّعْبِيرَ نَفْسَهُ مَعَ بُطْرُسَ: "ٱنْسَحِبْ وَرَائِي يَا شَيْطَانُ" (متّى 16: 23)، عِنْدَمَا حَاوَلَ أَنْ يُثْنِيَهُ عَنْ طَرِيقِ ٱلْآلَامِ. فَهُنَا يَظْهَرُ أَنَّ ٱلتَّجْرِبَةَ قَدْ تَتَجَدَّدُ عَلَى لِسَانِ أَصْدِقَاءِ الرَّبِّ، كُلَّمَا سَعَوْا إِلَى مَلَكُوتٍ بِلاَ صَلِيبٍ. وَيُعَلِّقُ يوحنا الذهبي الفم أَنَّ ٱلْمَسِيحَ "لَمْ يَدْعُ بُطْرُسَ شَيْطَانًا مِنْ حَيْثُ ٱلْجَوْهَرِ، بَلْ مِنْ حَيْثُ ٱلْفِكْرِ ٱلَّذِي يُعَارِضُ مَشِيئَةَ ٱللَّهِ"(PG 57). فَكُلُّ فِكْرٍ يُرِيدُ ٱلْمَجْدَ بِدُونِ ٱلطَّاعَةِ يُصْبِحُ عَثْرَةً.
تشير عِبَارَةُ " يَا شَيْطَانُ" ٱلْكَلِمَةُ اليُونَانِيَّةُ Σατανᾶς مُشْتَقَّةٌ مِنَ الْعِبْرِيَّةِ הַשָּׂטָן، وَمَعْنَاهَا "ٱلْمُقَاوِم" أَوْ "ٱلْمُشْتَكِي"الى ٱلْخَصْم ٱلَّذِي يَرْفَعُ ٱلدَّعْوَى عَلَى أَبْنَاءِ ٱللَّهِ، كَمَا يَرِدُ فِي سِفْرِ سفر أيوب (1: 12) . وَيُؤَكِّدُ أوغسطينوس أَنَّ ٱسْمَهُ يَكْشِفُ عَمَلَهُ: "إِنَّهُ يُقَاوِمُ ٱلْحَقَّ وَيَتَّهِمُ ٱلْبَشَرَ، لَكِنَّهُ يَغْلِبُهُ ٱلْحَقُّ"(PL 37). فَرَدُّ ٱلْمَسِيحِ هُوَ رَفْضٌ لِكُلِّ مُقَاوَمَةٍ تُرِيدُ أَنْ تَفْصِلَ ٱلْمُلْكَ عَنِ ٱلطَّاعَةِ وَٱلْعِبَادَةِ.
تشير عِبَارَةُ "لِأَنَّهُ مَكْتُوبٌ" إلى إسْتِنادِ ٱلْمَسِيحُ إِلَى سفر التثنية (6: 13):"لِلرَّبِّ إِلَهِكَ تَسْجُدُ وَإِيَّاهُ وَحْدَهُ تَعْبُدُ". ِنَّ ٱلْكِتَابَ ٱلْمُقَدَّسَ هُوَ سِلَاحُ ٱلْمُؤْمِنِ فِي ٱلْمُوَاجَهَةِ ٱلرُّوحِيَّةِ، كَمَا يُؤَكِّدُ الرسالة إلى العبرانيين (4: 12): " كَلَامُ ٱللَّهِ حَيٌّ وَفَعَّالٌ". وَيُشِيرُ إيريناوس إِلَى أَنَّ ٱلْمَسِيحَ "غَلَبَ ٱلْمُجَرِّبَ بِٱلْكَلِمَةِ ٱلْمَكْتُوبَةِ، لِيُعِيدَ ٱلْإِنْسَانَ إِلَى ٱلطَّاعَةِ ٱلْأُولَى"((PG 7.
تشير عِبَارَةُ "تَسْجُدُ… وَتَعْبُدُ" الى ٱلسُّجُودُ، (προσκυνέω) يَدُلُّ عَلَى ٱلْخُضُوعِ ٱلْكَامِلِ، وَٱلْعِبَادَةُ (λατρεύω) عَلَى ٱلْخِدْمَةِ ٱلْمُخْلِصَةِ. وَفِي ٱلْكِتَابِ ٱلْمُقَدَّسِ يَتَّخِذُ ٱلسُّجُودُ مَعْنًى لِيتُورْجِيًّا وَرُوحِيًّا عَمِيقًا: ٱلْمَجُوسُ "جِئْنَا لِنَسْجُدَ لَهُ" (متّى 2: 2)، وَٱلتَّلَامِيذُ "سَجَدُوا لَهُ" (متّى 28: 17). أَمَّا ٱلسُّجُودُ لِلشَّيَاطِينِ فَهُوَ عِبَادَةُ أَوْثَانٍ (1 كورنثوس 10: 20). فَالْفَرْقُ جَوْهَرِيٌّ بَيْنَ عِبَادَةِ ٱلْحَقِّ وَعِبَادَةِ ٱلْبَاطِلِ. وَقَدْ عَرَفَ ٱلْإِنْسَانُ ٱلْعِبَادَةَ مُنْذُ فَجْرِ ٱلتَّارِيخِ، سَوَاءٌ فِي صُورَتِهَا ٱلْوَثَنِيَّةِ أَوِ ٱلْإِيمَانِيَّةِ. وَفِي ٱلْعَهْدِ ٱلْقَدِيمِ كَانَ ٱلسُّجُودُ يَتَجَلَّى فِي ٱلتَّوَاضُعِ وَخَلْعِ ٱلنِّعَالِ وَٱلْخُضُوعِ. أَمَّا ٱلْمَسِيحُ فَقَدْ أَعَادَ ٱلْعِبَادَةَ إِلَى جَوْهَرِهَا: عِبَادَةٌ "بِٱلرُّوحِ وَٱلْحَقِّ"(يوحنا 4: 23)، لَا مُجَرَّدَ طُقُوسٍ خَارِجِيَّةٍ. وَيُؤَكِّدُ كيرلس الإسكندري أَنَّ ٱلْمَسِيحَ "أَظْهَرَ أَنَّ سِيَادَتَهُ لَا تَقُومُ عَلَى ٱلْخُضُوعِ لِلشَّيْطَانِ، بَلْ عَلَى ٱلطَّاعَةِ لِلْآبِ"( PG 72). بِرَفْضِهِ ٱلسُّجُودَ، يُثَبِّتُ ٱلْمَسِيحُ أَنَّ مَلَكُوتَهُ لَا يُؤَسَّسُ بِٱلسُّلْطَانِ ٱلسِّيَاسِيِّ، بَلْ بِٱلطَّاعَةِ وَٱلصَّلِيبِ. فَهُوَ يَخْتَارُ ٱلتَّوَاضُعَ وَٱلْفَقْرَ عَلَى مَجْدِ ٱلْعَالَمِ. وَهَكَذَا يُحَوِّلُ ٱلْمَعْرَكَةَ مِنْ صِرَاعٍ عَلَى ٱلسُّلْطَانِ إِلَى إِعْلَانٍ لِحَقِّ ٱلْعِبَادَةِ: ٱللَّهُ وَحْدَهُ مُسْتَحِقٌّ ٱلسُّجُودَ. وَلَا يَزَالُ ٱلشَّيْطَانُ حَتَّى ٱلْيَوْمِ يُغْرِي بِأَمْجَادِ ٱلْعَالَمِ وَحُبِّ ٱلرِّيَاسَةِ، وَاعِدًا بِرِبْحِ ٱلْعَالَمِ عَلَى حِسَابِ ٱلنَّفْسِ. أَمَّا ٱلْمَسِيحُ فَيَدْعُونَا إِلَى عِبَادَةٍ صَادِقَةٍ، تُظْهِرُ بُنُوَّتَنَا لِلَّهِ فِي ٱلطَّاعَةِ وَٱلْمَحَبَّةِ.
11 ثُمَّ تَركَه إِبليس، وإِذا بِمَلائكةٍ قد دنَوا منهُ وأَخذوا يَخدُمونَه
تُشِيرُ عِبَارَةُ "فَتَرَكَهُ" إِلَى اِنْقِطَاعِ ٱلشَّيْطَانِ عَنْ تَجْرِبَةِ يَسُوعَ "إِلَى حِينٍ" (لوقا 4: 13). فَالْهَزِيمَةُ لَيْسَتْ نِهَائِيَّةً فِي سِيرِ ٱلتَّجَارِبِ، بَلْ هِيَ تَأْجِيلٌ لِمَعْرَكَةٍ أُخْرَى. سَيَعُودُ "سَيِّدُ هَذَا ٱلْعَالَمِ" (يوحنا 14: 30) فِي سَاعَةِ ٱلظُّلْمَةِ، فِي بُسْتَانِ جَثْسَيْمَانِي وَعَلَى ٱلصَّلِيبِ. إِلَّا أَنَّهُ "لَيْسَ لَهُ شَيْءٌ" فِي ٱلْمَسِيحِ، لِأَنَّ ٱلطَّاعَةَ ٱلْكَامِلَةَ تُغْلِقُ بَابَ ٱلسُّلْطَانِ عَلَى ٱلشَّرِّيرِ. وَيُعَلِّقُ أوغسطينوس أَنَّ ٱلشَّيْطَانَ "يَنْسَحِبُ لَا لِأَنَّهُ يَتُوبُ، بَلْ لِأَنَّهُ يُهْزَمُ"(PL 38). فَكُلُّ تَجْرِبَةٍ لَهَا حَدٌّ وَنِهَايَةٌ (رؤيا 2: 10)، أَمَّا أَمَانَةُ ٱللَّهِ فَدَائِمَةٌ.
تُشِيرُ عِبَارَةُ "وَإِذَا مَلَائِكَةٌ قَدْ دَنَوْا مِنْهُ" إِلَى رُسُلِ ٱللَّهِ وَعَلَامَةِ حُضُورِهِ ٱلْعَامِلِ. فَٱلْمَلَائِكَةُ رَافَقُوا ٱلْمَسِيحَ فِي مَحَطَّاتِ حَيَاتِهِ ٱلْخَلَاصِيَّةِ: أَعْلَنُوا ٱلْحَبَلَ لِمَرْيَمَ (لوقا 1: 35)، وَطَمْأَنُوا يُوسُفَ (متّى 1: 20)، وَبَشَّرُوا ٱلرُّعَاةَ بِمِيلَادِهِ (لوقا 2: 11)، وَوَجَّهُوا ٱلْعَائِلَةَ إِلَى مِصْرَ (متّى 2: 13)، وَقَوَّوْهُ فِي جَثْسَيْمَانِية (لوقا 22: 43). وَيُؤَكِّدُ يوحنا الذهبي الفم أَنَّ ٱلْمَلَائِكَةَ لَمْ يَتَدَخَّلُوا قَبْلَ ٱلْمَعْرَكَةِ، "لِكَيْ لَا يُظَنَّ أَنَّ ٱلْمَسِيحَ ٱنْتَصَرَ بِمُعُونَةٍ خَارِجِيَّةٍ، بَلْ بَعْدَ أَنْ أَظْهَرَ ٱلْغَلَبَةَ بِٱلطَّاعَةِ"(PG 57).
ٱلْفِعْلُ "يَخْدُمُونَهُ" (διηκόνουν) يُشِيرُ إِلَى خِدْمَةٍ حَقِيقِيَّةٍ، وَرُبَّمَا إِلَى تَقْدِيمِ ٱلطَّعَامِ. فَٱلْمَسِيحُ ٱلَّذِي رَفَضَ أَنْ يُحَوِّلَ ٱلْحِجَارَةَ إِلَى خُبْزٍ لِنَفْسِهِ، يَنَالُ ٱلْعَوْنَ مِنْ ٱللَّهِ فِي وَقْتِهِ. وَكَأَنَّ ٱللَّهَ يُؤَكِّدُ أَنَّ مَنْ يَثِقُ بِهِ لَا يُخْزَى. وَيَتَرَدَّدُ صَدَى ذَلِكَ فِي ٱلصَّلَاةِ ٱلرَّبَّانِيَّةِ: "أُرْزُقْنَا ٱلْيَوْمَ خُبْزَنَا ٱلْيَوْمِيَّ (متّى 6: 11). فَٱلطَّاعَةُ تَسْبِقُ ٱلْعَطِيَّةَ، وَٱلْإِيمَانُ يَفْتَحُ بَابَ ٱلْعِنَايَةِ. وَيُعَلِّقُ إيرونيموس:"ٱلتَّجْرِبَةُ تَسْبِقُ لِتَتْبَعَهَا ٱلنُّصْرَةُ، وَتَأْتِي ٱلْمَلَائِكَةُ فَتَخْدِمُ لِتُثْبِتَ كَرَامَةَ ٱلْمُنْتَصِرِ"(PL 26). وَيَسْتَحْضِرُ ٱلنَّصُّ مَشْهَدَ حَمَاةِ بُطْرُسَ ٱلَّتِي "نَهَضَتْ وَأَخَذَتْ تَخْدِمُهُ" (متّى 8: 15)، فَالْخِدْمَةُ هِيَ ثَمَرَةُ ٱلشِّفَاءِ وَٱلنِّعْمَةِ. كَذَلِكَ هُنَا، خِدْمَةُ ٱلْمَلَائِكَةِ تُعْلِنُ أَنَّ ٱلنِّعْمَةَ تَتْبَعُ ٱلْجِهَادَ. إِنَّ ٱنْتِصَارَ ٱلْمَسِيحِ يَفْتَحُ بَابًا لِخِدْمَةِ ٱلسَّمَاءِ. فَكُلَّمَا قَاوَمَ ٱلْمُؤْمِنُ ٱلتَّجْرِبَةَ، ٱنْفَتَحَ أَمَامَهُ عَوْنُ ٱللَّهِ. وَكَمَا يَقُولُ الرسالة إلى العبرانيين (1: 14)، ٱلْمَلَائِكَةُ "أَرْوَاحٌ مُرْسَلَةٌ لِلْخِدْمَةِ مِنْ أَجْلِ ٱلَّذِينَ سَيَرِثُونَ ٱلْخَلَاصَ". فَٱلتَّجْرِبَةُ لَيْسَتِ ٱلْكَلِمَةَ ٱلْأَخِيرَةَ؛ بَلِ ٱلْخِدْمَةُ وَٱلْمَجْدُ. وَمَنْ يَثْبُتُ فِي ٱلْجِهَادِ يَخْتَبِرُ تَعْزِيَةَ ٱللَّهِ. هَكَذَا يَتَحَوَّلُ ٱلصِّرَاعُ إِلَى مَدْخَلٍ لِلشَّرِكَةِ، وَٱلْمُقَاوَمَةُ إِلَى سَبَبٍ لِحُضُورِ ٱلنِّعْمَةِ.
ثانِيًا: تَطْبيقَات النَّصِ الإنْجيلي (متى 4: 1-11)
بَعد دِراسة وَقَائِع النَّصِّ الإنْجيلي وتَحْليله (متى 4: 1-11)، نَسْتنْتج أنَّه يَتمَحور حَول تَجارب يسوع.
ومِن هنا نَتساءل مَا هو وَاقِع التَّجْرِبَةِ؟ كَيْفَ وَاجَهَ يَسُوعُ التَّجْرِبَةَ؟ كَيْفَ نُوَاجِهُ التَّجْرِبَةَ؟
ما هو واقعُ التَّجْرِبَةِ؟
التَّجْرِبَةُ كَوَاقِعٍ بَشَرِيٍّ
وُجِدَتِ ٱلتَّجْرِبَةُ مُنْذُ وُجُودِ ٱلْإِنْسَانِ عَلَى ٱلْأَرْضِ. فَمُنْذُ ٱلْبِدَايَةِ يَعْمَلُ ٱلشَّيْطَانُ بِٱلْوَسْوَسَةِ وَٱلْخِدَاعِ، كَمَا يُحَذِّرُ الرسالة الثانية إلى أهل قورنتس:"لِئَلَّا يَخْدَعَنَا ٱلشَّيْطَانُ، فَإِنَّنَا لَا نَجْهَلُ مَكَايِدَهُ"(2: 11). وَيَصِفُهُ الرسالة الأولى لبطرس بِأَنَّهُ "كَٱلْأَسَدِ ٱلزَّائِرِ يَرُودُ فِي طَلَبِ فَرِيسَةٍ"(5: 8). وَيُشِيرُ ٱلرَّسُولُ بُولُسُ إِلَى بُعْدٍ آخَرَ لِلتَّجْرِبَةِ حِينَ يَتَكَلَّمُ عَنْ "شَوْكَةٍ فِي ٱلْجَسَدِ" (2 قورنتس 12: 7)، وَهِيَ تَجْرِبَةٌ سُمِحَ بِهَا لِأَجْلِ ٱلتَّوَاضُعِ. فَٱلتَّجْرِبَةُ لَيْسَتْ دَائِمًا سُقُوطًا، بَلْ قَدْ تَكُونُ مِجَالَ تَنْقِيَةٍ وَنُضْجٍ. وَقَدْ حَذَّرَ ٱلرَّبُّ نَفْسُهُ مِنْ "أَسْبَابِ ٱلْعَثَرَاتِ" (متّى 18: 7)، مُؤَكِّدًا أَنَّ وُجُودَهَا وَاقِعٌ، لَكِنَّ ٱلْمَسْؤُولِيَّةَ تَقَعُ عَلَى مَنْ يَكُونُ حَجَرَ عَثْرَةٍ.
الصِّرَاعُ ٱلدَّاخِلِيُّ
يَكْشِفُ الرسالة إلى أهل رومية (7: 14–25) عَنْ عُمْقِ ٱلصِّرَاعِ ٱلدَّاخِلِيِّ فِي ٱلْإِنْسَانِ: "ٱلْخَيْرَ ٱلَّذِي أُرِيدُهُ لَا أَفْعَلُهُ…" (7: 14-25). فَٱلتَّجْرِبَةُ تَلْتَقِي بِضُعْفِنَا، وَتَجِدُ فِي طَبِيعَتِنَا ٱلْمَجْرُوحَةِ سَاحَةً لِلصِّرَاعِ. وَيُعَلِّقُ أوغسطينوس أَنَّ ٱلْمُعْرِكَةَ "لَيْسَتْ بَيْنَ ٱلْجَسَدِ وَٱلرُّوحِ كَخَلِيقَتَيْنِ، بَلْ بَيْنَ إِرَادَتَيْنِ فِي قَلْبٍ وَاحِدٍ" ( Confessiones, VIII PL 32). فَٱلتَّجْرِبَةُ تَبْدَأُ مِنَ ٱلْخَارِجِ، لَكِنَّهَا تَسْتَقِرُّ فِي ٱلْقَلْبِ.
مَرَاحِلُ ٱلتَّجْرِبَةِ
ثلاث مَرَاحِلُ ٱلتَّجْرِبَةِ : ٱلْإِغْرَاءُ ٱلْخَارِجِيُّ ، تَأْثِيرُهُ عَلَى ٱلْإِرَادَةِ مِنَ ٱلدَّاخِلِ، وٱتِّخَاذُ ٱلْقَرَارِ. ٱلتَّجْرِبَةُ فِي ذَاتِهَا لَيْسَتْ خَطِيئَةً؛ ٱلْخَطِيئَةُ هِيَ ٱلْقَبُولُ وَٱلِٱنْجِرَارُ. وَيُؤَكِّدُ يوحنا الذهبي الفم أَنَّ "ٱلتَّجْرِبَةَ تُظْهِرُ ٱلْإِنْسَانَ، لَكِنَّهَا لَا
التَّجْرِبَةُ وَٱلِٱخْتِبَارُ
ٱلشَّيْطَانُ يُجَرِّبُ لِيُسْقِطَ، أَمَّا ٱللَّهُ فَيَخْتَبِرُ لِيُنَقِّي. فِي سفر التكوين (22: 2) يَخْتَبِرُ ٱللَّهُ إِبْرَاهِيمَ، لَا لِيُهْلِكَهُ بَلْ لِيُظْهِرَ أَمَانَتَهُ. ٱلتَّجْرِبَةُ إِغْرَاءٌ بِٱلشَّرِّ؛ أَمَّا ٱلِٱخْتِبَارُ فَامْتِحَانٌ لِلْأَمَانَةِ. وهناك أَمْثِلَةٌ كِتَابِيَّةٌ: سُقُوطُ آدَمَ وَحَوَّاءَ (تكوين 3: 1–6)، دُخُولُ ٱلشَّيْطَانِ فِي يَهُوذَا (لوقا 22: 3)، غَرْبَلَةُ ٱلرُّسُلِ (لوقا 22: 31)، خَطِيئَةُ حَنَانِيَّا وَسَفِّيرَةَ (أعمال 5: 3). لَكِنَّ الرسالة الأولى إلى أهل قورنتس (10: 13) يُؤَكِّدُ: "ٱللَّهُ أَمِينٌ… يُؤْتِيكُمْ مَعَ ٱلتَّجْرِبَةِ وَسِيلَةَ ٱلْخُرُوجِ".
تَجْرِبَةُ ٱلْمَسِيحِ فِي تَدْبِيرِ ٱلْخَلَاصِ
إِنَّ تَجْرِبَةَ يَسُوعَ لَيْسَتْ حَدَثًا عَرَضِيًّا، بَلْ جُزْءٌ مِنْ مَعْرَكَةِ ٱلْخَلَاصِ ٱلَّتِي أُعْلِنَتْ فِي سفر التكوين (3: 15) "هُوَ يَسْحَقُ رَأْسَكِ". وَيُؤَكِّدُ الرسالة الأولى ليوحنا (3: 8): "ظَهَرَ ٱبْنُ ٱللَّهِ لِيُبْطِلَ أَعْمَالَ إِبْلِيسَ"، لِذَلِكَ كَانَ لَابُدَّ أَنْ يَغْلِبَهُ أَوَّلًا فِي ٱلْبَرِّيَّةِ. وَبِحَسَبِ الرسالة إلى العبرانيين (2: 18)، فَهُوَ "قَادِرٌ أَنْ يُعِينَ ٱلْمُجَرَّبِينَ"، لِأَنَّهُ ٱخْتَبَرَ ٱلْمُعَانَاةَ بِنَفْسِهِ. وَيَقُولُ غريغوريوس النزينزي: "مَا لَمْ يَتَّخِذْهُ لَمْ يَشْفِهِ" (Epistola 101 (PG 37).)؛ فَبِتَجْرِبَتِهِ شَفَى ضُعْفَنَا.
نستنتج مما سبق أنَّ، ٱلتَّجْرِبَةُ وَاقِعٌ بَشَرِيٌّ، لَكِنَّهَا لَيْسَتْ قَدَرًا حَتْمِيًّا. هِيَ مِجَالُ صِرَاعٍ بَيْنَ ٱلْخِدَاعِ وَٱلْحَقِّ، بَيْنَ ٱلْإِرَادَةِ ٱلذَّاتِيَّةِ وَٱلطَّاعَةِ. ٱلشَّيْطَانُ يُغْرِي لِيُفْصِلَنَا عَنِ ٱللَّهِ، أَمَّا ٱللَّهُ فَيَسْمَحُ بِٱلتَّجْرِبَةِ لِيُثَبِّتَنَا فِيهِ. وَبِٱنْتِصَارِ ٱلْمَسِيحِ، لَمْ تَعُدِ ٱلتَّجْرِبَةُ كَلِمَةَ ٱلنِّهَايَةِ، بَلْ أَصْبَحَتْ طَرِيقًا إِلَى ٱلنُّضْجِ وَٱلْمَجْدِ.
2) كَيْفَ وَاجَهَ يَسُوعُ التَّجْرِبَةَ؟
جُرِّبَ يَسُوعُ فِي البَرِّيَّةِ فِي أَحْلَكِ الظُّرُوفِ، إِذْ كَانَ وَحِيدًا، مُتْعَبًا، وَجَائِعًا بَعْدَ صَوْمِهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا. جَرَّبَهُ الشَّيْطَانُ عَلَى ثَلَاثِ دَفَعَاتٍ، مُحَاوِلًا أَنْ يَخْتَبِرَ مَوْقِفَهُ البُنُوِيَّ تِجَاهَ أَبِيهِ السَّمَاوِيِّ، مِنْ خِلَالِ بَثِّ أَفْكَارِهِ المَسْمُومَةِ: تَشْكِيكٍ، وَإِثَارَةِ شَهَوَاتٍ، وَوَعْدٍ بِمَجْدٍ سَرِيعٍ.
أَمَّا يَسُوعُ فَأَظْهَرَ الطَّرِيقَةَ الَّتِي اعْتَمَدَهَا كَابْنِ اللهِ لِيَكُونَ المَسِيحَ الحَقَّ، إِذِ اخْتَارَ العَلَاقَةَ وَالطَّاعَةَ البُنُوِيَّةَ، وَعَبَّرَ عَنْهَا بِطَرِيقِ آلَامِهِ وَمَوْتِهِ وَقِيَامَتِهِ، كَمَا وَرَدَ فِي الكُتُبِ المُقَدَّسَةِ: "بَدَأَ يَسُوعُ مِنْ ذلِكَ الحِينِ يُظْهِرُ لِتَلَامِيذِهِ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَذْهَبَ إِلَى أُورَشَلِيمَ وَيُعَانِيَ آلَامًا شَدِيدَةً مِنَ الشُّيُوخِ وَعُظَمَاءِ الكَهَنَةِ وَالكَتَبَةِ وَيُقْتَلَ وَيَقُومَ فِي اليَوْمِ الثَّالِثِ" (مَتَّى 16: 21). فَقَدْ رَفَضَ يَسُوعُ أَنْ يَكُونَ مَسِيحًا سِيَاسِيًّا أَرْضِيًّا كَمَا كَانَ يَنْتَظِرُ كَثِيرُونَ، وَاخْتَارَ أَنْ يَكُونَ المَسِيحَ المُتَأَلِّمَ الطَّائِعَ.
أ) تَجَارِبُ آدَمَ فِي الفِرْدَوْسِ
إِنَّ التَّجَارِبَ الثَّلَاثَ الَّتِي وَاجَهَهَا السَّيِّدُ المَسِيحُ وَغَلَبَهَا، هِيَ عَيْنُهَا الَّتِي وَاجَهَتْ آدَمَ فِي الفِرْدَوْسِ وَسَقَطَ فِيهَا (التَّكْوِين 3: 1–6).
1. شَهْوَةُ الجَسَدِ: جَرَّبَ إِبْلِيسُ آدَمَ بِالأَكْلِ مِنَ الشَّجَرَةِ، فَأَكَلَ وَعَصَى. وَجَرَّبَ يَسُوعَ بِتَحْوِيلِ الحِجَارَةِ إِلَى خُبْزٍ، فَامْتَنَعَ وَأَطَاعَ. آدَمُ غُلِبَ بِالأَكْلِ، وَالمَسِيحُ غَلَبَ بِالِامْتِنَاعِ. وَيُعَلِّقُ إيريناوس أَنَّ الْمَسِيحَ "أَعَادَ تَصْحِيحَ عِصْيَانِ آدَمَ بِطَاعَتِهِ" (Adversus Haereses, V, 21 PG 7, 1175–1180). فَهُنَا يَتَأَسَّسُ لاهوتُ الثِّقَةِ: لَيْسَ الاتِّكَالُ عَلَى الذَّاتِ، بَلْ عَلَى الآبِ.
2. شَهْوَةُ العَيْنِ: كَانَتِ الشَّجَرَةُ "بَهْجَةً لِلْعُيُونِ". وَأُرِيَ يَسُوعُ "جَمِيعَ مَمَالِكِ الدُّنْيَا وَمَجْدَهَا". آدَمُ انْبَهَرَ بِالمَنْظُورِ،
أَمَّا المَسِيحُ فَرَفَضَ مَجْدًا لَا يَمُرُّ بِمَشِيئَةِ الآبِ.
3. كِبْرِيَاءُ الحَيَاةِ: قَالَتِ الحَيَّةُ: "تَصِيرَانِ كَآلِهَةٍ" (التَّكْوِين 3: 5). وَقَالَ الشَّيْطَانُ لِيَسُوعَ: "أَلْقِ بِنَفْسِكَ إِلَى الأَسْفَلِ" (مَتَّى 4: 6). آدَمُ أَرَادَ التَّأَلُّهَ بِاسْتِقْلَالٍ، وَالمَسِيحُ أَظْهَرَ ثِقَتَهُ الكَامِلَةَ بِالآبِ. وَهَكَذَا ظَهَرَ يَسُوعُ آدَمَ الجَدِيدَ. فَمَا سَقَطَ فِيهِ آدَمُ الأَوَّلُ، غَلَبَ فِيهِ آدَمُ الثَّانِي. دَخَلَ آدَمُ المَعْرَكَةَ فَهُزِمَ، أَمَّا المَسِيحُ فَدَخَلَهَا فَانْتَصَرَ.
ب) تَجَارِبُ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الصَّحْرَاءِ
أَظْهَرَ مَتَّى الإِنْجِيلِيُّ أَنَّ يَسُوعَ هُوَ إِسْرَائِيلُ الجَدِيدُ الَّذِي مَرَّ فِي البَرِّيَّةِ وَانْتَصَرَ حَيْثُ سَقَطَ الشَّعْبُ.
- فِي تَجْرِبَةِ المَنِّ (خُرُوج 16) تَذَمَّرَ الشَّعْبُ مِنَ الجُوعِ، أَمَّا يَسُوعُ فَقَالَ: "لَا بِالخُبْزِ وَحْدَهُ يَحْيَا الإِنْسَانُ".
- فِي مَسَّةَ وَمَرِيبَةَ (خُرُوج 17) جَرَّبَ الشَّعْبُ الرَّبَّ، أَمَّا يَسُوعُ فَقَالَ: "لَا تُجَرِّبِ الرَّبَّ إِلَهَكَ".
- فِي العِجْلِ الذَّهَبِيِّ (خُرُوج 32) سَجَدُوا لِصَنَمٍ، أَمَّا يَسُوعُ فَأَعْلَنَ: "لِلرَّبِّ إِلَهِكَ تَسْجُدُ وَإِيَّاهُ وَحْدَهُ تَعْبُدُ".
وَهَكَذَا ظَهَرَ يَسُوعُ مُوسَى الجَدِيدَ أَيْضًا، الَّذِي صَامَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا وَأَرْبَعِينَ لَيْلَةً، لَكِنَّهُ أَعْظَمُ مِنْ مُوسَى، لِأَنَّهُ أَتَمَّ الطَّاعَةَ كُلَّهَا.
وَاجَهَ يَسُوعُ التَّجْرِبَةَ: لَا بِقُوَّةٍ اسْتِعْرَاضِيَّةٍ، بَلْ بِطَاعَةٍ بُنُوِيَّةٍ. لَا بِمَجْدٍ سَرِيعٍ، بَلْ بِطَرِيقِ الصَّلِيبِ. لَا بِاسْتِعْمَالِ قُدْرَتِهِ لِنَفْسِهِ، بَلْ بِالثِّقَةِ الكَامِلَةِ بِأَبِيهِ. وَهَكَذَا كَانَ انْتِصَارُ البَرِّيَّةِ بَدَايَةَ طَرِيقِ الآلَامِ، وَمُقَدِّمَةَ الانْتِصَارِ الأَعْظَمِ عَلَى الصَّلِيبِ.
ج) تَجَارِبُ يَسُوع
التَّجْرِبَةُ الأُولَى: حَاجَةٌ جَسَدِيَّةٌ "إِشْبَاعُ الجُوعِ"
تَشْتَدُّ شَهْوَةُ الإِنْسَانِ لِلطَّعَامِ عِنْدَ الجُوعِ، وَهِيَ لَحْظَةُ ضَعْفٍ لِلْجَسَدِ. فَقَدِ اسْتَغَلَّ الشَّيْطَانُ جُوعَ يَسُوعَ بَعْدَ صَوْمِهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا (مَتَّى 4: 2) لِيُجَرِّبَهُ، قَائِلًا: "إِنْ كُنْتَ ابْنَ اللهِ، فَمُرْ أَنْ تَصِيرَ هذِهِ الحِجَارَةُ أَرْغِفَةً" (مَتَّى 4: 3). إِنَّ الشَّيْطَانَ يُرِيدُ أَنْ يُشَكِّكَ يَسُوعَ فِي مَحَبَّةِ الآبِ لَهُ، وَكَأَنَّهُ يَقُولُ: إِنْ كَانَ اللهُ أَبَاكَ حَقًّا، وَهُوَ إِلَهٌ صَالِحٌ مُحِبٌّ، فَلِمَاذَا يَتْرُكُكَ جَائِعًا؟ إِذًا حَوِّلِ الحِجَارَةَ إِلَى خُبْزٍ. وَيُعَلِّقُ إيرونيموس: "إِنَّ إِبْلِيسَ بِهذِهِ التَّجَارِبِ كُلِّهَا يُرِيدُ أَنْ يَعْرِفَ هَلْ هُوَ ابْنُ اللهِ أَمْ لَا". فَكَأَنَّ الشَّيْطَانَ يَتَسَاءَلُ: أَهَلِ الآبُ قَادِرٌ أَنْ يُعِيلَ ابْنَهُ؟ بَلْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، كَأَنَّهُ يَهْمِسُ فِي أُذُنِ يَسُوعَ: أَنْتَ جَائِعٌ، وَيَجِبُ عَلَى الآبِ أَنْ يُطِيعَكَ!
كان جَوَابُ يَسُوعَ الطَّاعَةُ وَالِاتِّكَالُ. اتَّكَلَ يَسُوعُ عَلَى الآبِ، وَأَجَابَ مُسْتَشْهِدًا بِالكَلِمَةِ الإِلَهِيَّةِ: "لَا بِالخُبْزِ وَحْدَهُ يَحْيَا الإِنْسَانُ، بَلْ بِكُلِّ مَا يَخْرُجُ مِنْ فَمِ الرَّبِّ يَحْيَا الإِنْسَانُ" (تَثْنِيَةِ الاِشْتِرَاعِ 8: 3). رَفَضَ الرَّبُّ يَسُوعُ أَنْ يُؤَمِّنَ لِنَفْسِهِ الطَّعَامَ بِمُعْجِزَةٍ، لِيُثْبِتَ أَنَّهُ يَعِيشُ عَلَى "خُبْزِ السَّمَاءِ"، أَيْ كَلِمَةِ اللهِ، الَّتِي تُغَذِّي حَيَاةَ الابْنِ وَتُوَجِّهُ طَاعَتَهُ. وَهَكَذَا أَثْبَتَ أَنَّهُ "ابْنُ اللهِ" بِقَدْرِ مَا يُحَقِّقُ طَاعَتَهُ لِلآبِ. إِنَّهُ لَا يُرِيدُ أَنْ يَسْتَعْمِلَ بُنُوَّتَهُ لِمَنْفَعَةٍ شَخْصِيَّةٍ، بَلْ لِتَحْقِيقِ مَشِيئَةِ الَّذِي أَرْسَلَهُ. فَهُنَا يَتَأَسَّسُ لاهوتُ الثِّقَةِ: لَيْسَ الاتِّكَالُ عَلَى الذَّاتِ، بَلْ عَلَى الآبِ.
كن أَسْلُوبُ يَسُوعُ فِي الغَلَبَةِ أن اِعْتَزَمَ أَنْ يَقْهَرَ إِبْلِيسَ لَا بِالجَبَرُوتِ (تَحْوِيلِ الحِجَارَةِ إِلَى خُبْزٍ)، بَلْ بِالتَّوَاضُعِ وَالِالْتِجَاءِ إِلَى كَلِمَةِ اللهِ. وَيُعَلِّقُ يوحنا الذهبي الفم: "إِنَّنَا نَغْلِبُ الشَّيْطَانَ لَا بِصُنْعِ المُعْجِزَاتِ، بَلْ بِالِاحْتِمَالِ وَطُولِ الأَنَاةِ، دُونَ طَلَبِ المَجْدِ البَاطِلِ".
فَالمَسِيحُ أَشْبَعَ الجُمُوعَ بِمُعْجِزَةٍ، وَلَكِنَّهُ لَمْ يَعْمَلْ مُعْجِزَةً لِنَفْسِهِ، مَعَ أَنَّهُ كَانَ جَائِعًا. إِنَّهُ لَا يُرِيدُ أَنْ يَنْحَصِرَ فِي ذَاتِهِ، بَلْ يُسَلِّمُ كُلَّ شَيْءٍ لِلآبِ. وَقَدْ أَعْلَنَ ذَلِكَ صَرَاحَةً قَائِلًا: "فَقَدْ نَزَلْتُ مِنَ السَّمَاءِ لَا لِأَعْمَلَ بِمَشِيئَتِي، بَلْ بِمَشِيئَةِ الَّذِي أَرْسَلَنِي" (يُوحَنَّا 6: 38).
أَرَادَ إِبْلِيسُ أَنْ يَجْذِبَ المَسِيحَ إِلَى الِاهْتِمَامِ بِالمَادِّيَّاتِ، أَمَّا المَسِيحُ فَحَوَّلَ المَادِّيَّاتِ إِلَى رُوحِيَّاتٍ. أَرَادَ أَنْ يَجْعَلَ الجُوعَ حُجَّةً لِلعِصْيَانِ، أَمَّا يَسُوعُ فَجَعَلَ الجُوعَ مَجَالًا لِلطَّاعَةِ. مِنْ لَا يَتَغَذَّى بِكَلِمَةِ اللهِ لَا يَحْيَا. وَالحَيَاةُ الحَقِيقِيَّةُ لَيْسَتْ فِي إِشْبَاعِ الجَسَدِ فَقَطْ، بَلْ فِي الخُضُوعِ لِمَشِيئَةِ الآبِ.
خُلَاصَةٌ القول فِي التَّجْرِبَةِ الأُولَى، أَظْهَرَ يَسُوعُ أَنَّ الجُوعَ لَا يُبَرِّرُ العِصْيَانَ، والضَّعْفَ لَا يُبَرِّرُ اسْتِعْمَالَ القُدْرَةِ لِلنَّفْسِ، والبُنُوَّةَ تَتَجَلَّى فِي الطَّاعَةِ لَا فِي اسْتِعْرَاضِ القُوَّةِ. وَهَكَذَا انْتَزَعَ سِلَاحَ الشَّيْطَانِ، الَّذِي يَقُومُ عَلَى اسْتِعْمَالِ مَشِيئَةِ الإِنْسَانِ بَعِيدًا عَنْ مَشِيئَةِ اللهِ.
التَّجْرِبَةُ الثَّانِيَةُ: حَاجَةٌ نَفْسِيَّةٌ الأَمَانُ
اِسْتَغَلَّ الشَّيْطَانُ حَاجَةَ الإِنْسَانِ إِلَى الأَمَانِ، فَجَرَّبَ يَسُوعَ بِأَنْ يَطْرَحَ نَفْسَهُ إِلَى الأَسْفَلِ، مُتَحَدِّيًا قَوَانِينَ الجَاذِبِيَّةِ وَحُدُودَ الطَّبِيعَةِ البَشَرِيَّةِ، قَائِلًا: "إِنْ كُنْتَ ابْنَ اللهِ فَأَلْقِ بِنَفْسِكَ إِلَى الأَسْفَلِ، لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: أَوْصَى مَلَائِكَتَهُ بِكَ لِيَحْفَظُوكَ فِي جَمِيعِ طُرُقِكَ، وَعَلَى أَيْدِيهِمْ يَحْمِلُونَكَ لِئَلَّا تَصْدِمَ بِحَجَرٍ رِجْلَكَ" (مَزْمُور 91: 11–12؛ مَتَّى 4: 6). وَيَرَى يوحنا الذهبي الفم أَنَّ الشَّيْطَانَ "يَسْتَعْمِلُ حَتَّى النُّصُوصَ الْمُقَدَّسَةَ لِيُخْفِيَ خِدَاعَهُ" Homiliae in Matthaeum, Hom. 13 (PG 57, 207–210).
اِسْتَخْدَمَ الشَّيْطَانُ كَلِمَةَ اللهِ بِطَرِيقَةٍ مُضَلِّلَةٍ وَمُحَرَّفَةٍ، فَجَعَلَهَا أَسَاسًا لِلتَّجْرِبَةِ. فَقَدِ اقْتَبَسَ المَزْمُورَ وَلَكِنَّهُ لَمْ يُكْمِلْهُ، لِأَنَّ البَاقِي لَيْسَ فِي مَصْلَحَتِهِ. وَيُعَلِّقُ إيرونيموس قَائِلًا: "يُفَسِّرُ الشَّيْطَانُ المَكْتُوبَ تَفْسِيرًا خَاطِئًا... كَانَ يَلِيقُ بِهِ أَنْ يُكْمِلَ ذَاتَ المَزْمُورِ المَوَجَّهَ ضِدَّهُ: “تَطَأُ الأَسَدَ وَالأُفْعَى، تَدُوسُ الشِّبْلَ وَالتِّنِّينَ" (مَزْمُور 91: 13). إِنَّهُ يَتَحَدَّثُ عَنْ مَعُونَةِ المَلَائِكَةِ كَمَنْ يُخَاطِبُ شَخْصًا ضَعِيفًا مُحْتَاجًا إِلَى العَوْنِ، لَكِنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ أَنَّهُ سَيُدَاسُ بِالأَقْدَامِ.
أَرَادَ الشَّيْطَانُ أَنْ يَدْفَعَ يَسُوعَ إِلَى تَجْرِبَةِ أَبِيهِ السَّمَاوِيِّ، أَيْ أَنْ يُرْغِمَ اللهَ عَلَى التَّدَخُّلِ لِإِثْبَاتِ حُضُورِهِ وَحِمَايَتِهِ. كَأَنَّهُ يَقُولُ: أَلْقِ بِنَفْسِكَ، وَهَكَذَا تُجْبِرُ الآبَ عَلَى أَنْ يُخَلِّصَكَ إِنْ كَانَ أَبًا حَقِيقِيًّا! إِنَّهَا تَجْرِبَةُ اسْتِعْرَاضِ القُدْرَةِ، وَطَلَبِ المَجْدِ البَاطِلِ، وَتَجَنُّبِ طَرِيقِ الصَّلِيبِ. فَلَوْ أَلْقَى يَسُوعُ بِنَفْسِهِ وَنَزَلَتِ المَلَائِكَةُ فَحَمَلَتْهُ أَمَامَ الجُمُوعِ، لَآمَنَ بِهِ كَثِيرُونَ انْبِهَارًا، لَا إِيمَانًا. لَكِنَّ يَسُوعَ رَفَضَ أَنْ يَكُونَ مَسِيحًا اسْتِعْرَاضِيًّا، وَأَعْلَنَ أَنَّ طَرِيقَهُ هُوَ طَرِيقُ الصَّلِيبِ، لَا طَرِيقُ الإِبْهَارِ.
كان جَوَابُ يَسُوعَ الثِّقَةُ لَا التَّحَدِّي: "لَا تُجَرِّبِ الرَّبَّ إِلَهَكَ" (مَتَّى 4: 7؛ تَثْنِيَةِ الاِشْتِرَاعِ 6: 16). إِنَّهُ يُمَيِّزُ بَيْنَ الثِّقَةِ وَالتَّحَدِّي. الثِّقَةُ تُسَلِّمُ الأَمْرَ لِلَّهِ، أَمَّا التَّحَدِّي فَيُحَاوِلُ فَرْضَ الشُّرُوطِ عَلَيْهِ. كَانَ يَسُوعُ قَادِرًا أَنْ يَفْعَلَ كُلَّ شَيْءٍ، لَكِنَّهُ حَافَظَ عَلَى مَوْقِفِهِ البُنُوِيِّ، مُرَكِّزًا عَلَى خُطَّةِ الآبِ، لَا عَلَى إِثْبَاتِ نَفْسِهِ. فَالْبُنُوَّةُ تُعَاشُ فِي الطَّاعَةِ الْخَفِيَّةِ لا فِي الْمَجْدِ الظَّاهِرِ.
لَمْ تَكُنْ هذِهِ التَّجْرِبَةُ مُنْحَصِرَةً فِي البَرِّيَّةِ، بَلْ رَافَقَتْ يَسُوعَ طِيلَةَ خِدْمَتِهِ: "أَعْطِنَا آيَةً مِنَ السَّمَاءِ" (لُوقَا 11: 29). "مَاذَا تُرِينَا مِنْ آيَةٍ؟" (يُوحَنَّا 2: 18). "انْزِلْ عَنِ الصَّلِيبِ!" (مَتَّى 27: 42). هِيَ نَفْسُ الفِكْرَةِ: أَثْبِتْ قُدْرَتَكَ، وَأَجْبِرِ اللهَ عَلَى أَنْ يُظْهِرَ حِمَايَتَهُ. لَكِنَّ يَسُوعَ بَقِيَ أَمِينًا، حَتَّى وَهُوَ مُسَمَّرٌ عَلَى الصَّلِيبِ، لَمْ يُجَرِّبِ الآبَ، بَلْ سَلَّمَ رُوحَهُ فِي يَدَيْهِ.
هذِهِ هِيَ التَّجْرِبَةُ الدَّائِمَةُ فِي حَيَاتِنَا: تَجْرِبَةُ فَقْدَانِ الثِّقَةِ بِاللهِ. "لَوْ كَانَ اللهُ مَوْجُودًا، لَمَا حَدَثَ لِي هذَا!" إِنَّهَا تَجْرِبَةُ الإِلْحَادِ العَمَلِيِّ، أَيْ تَجْرِبَةُ الشَّكِّ فِي حُضُورِ اللهِ وَمَحَبَّتِهِ عِنْدَ الأَلَمِ. لَكِنَّ إِيمَانَنَا يُعْلِنُ أَنَّ يَسُوعَ "عِمَّانُوئِيلُ — اللهُ مَعَنَا"، وَأَنَّهُ غَلَبَ هذِهِ التَّجْرِبَةَ بِالثَّبَاتِ وَالأَمَانَةِ حَتَّى النِّهَايَةِ.
فِي التَّجْرِبَةِ الثَّانِيَةِ، أَظْهَرَ يَسُوعُ أَنَّ الأَمَانَ لَا يُبْنَى عَلَى اسْتِعْرَاضِ القُدْرَةِ، والثِّقَةَ لَا تَعْنِي تَجْرِبَةَ اللهِ، والبُنُوَّةَ الحَقِيقِيَّةَ تَتَجَلَّى فِي الطَّاعَةِ وَالثَّبَاتِ. فَرَفْضُهُ أَنْ يُلْقِيَ بِنَفْسِهِ إِلَى الأَسْفَلِ كَانَ إِعْلَانًا أَنَّ طَرِيقَهُ لَيْسَ طَرِيقَ القُفْزِ إِلَى المَجْدِ، بَلْ طَرِيقَ النُّزُولِ إِلَى الأَلَمِ مِنْ أَجْلِ خَلَاصِ الإِنْسَانِ.
التَّجْرِبَةُ الثَّالِثَةُ: حَاجَةٌ ٱجْتِمَاعِيَّةٌ "السُّلْطَةُ الأَرْضِيَّةُ"
ٱلشَّيْطَانُ هُوَ "رَئِيسُ هٰذَا ٱلْعَالَمِ" (يُوحَنَّا 12: 31)، وَهُوَ يُغْوِي ٱلْمُؤْمِنِينَ بِمَلَذَّاتِ وَأَمْجَادِ هٰذَا ٱلْعَالَمِ ٱلْبَاطِلَةِ ٱلزَّائِلَةِ، وَثَمَنُ ذٰلِكَ هُوَ ٱلسُّجُودُ لَهُ، أَيْ ٱلتَّبَعِيَّةُ ٱلْكَامِلَةُ ٱلَّتِي تَبْلُغُ حَدَّ ٱلْعِبَادَةِ. إِنَّهُ "كَذَّابٌ وَأَبُو ٱلْكَذِبِ" (يُوحَنَّا 8: 44)، فَيَعِدُ بِعَالَمٍ فَانٍ، وَيُقَدِّمُ مَجْدًا زَائِلًا.
وَقَدِ ٱسْتَغَلَّ ٱلشَّيْطَانُ هٰذِهِ ٱلْفِكْرَةَ لِيُجَرِّبَ يَسُوعَ، فَأَرَاهُ "جَمِيعَ مَمَالِكِ ٱلدُّنْيَا وَمَجْدَهَا"، وَقَالَ لَهُ: "أُعْطِيكَ هٰذَا كُلَّهُ إِنْ جَثَوْتَ لِي سَاجِدًا" (مَتَّى 4: 8–9). كَأَنَّ ٱلشَّيْطَانَ يُطَبِّقُ ٱلْمَثَلَ ٱلْعَامِّيَّ: "حَسَنَةٌ وَأَنَا سَيِّدُكَ". إِنَّهُ يُوَهِمُ أَنَّ ٱلطَّرِيقَ إِلَى ٱلْمُلْكِ لَا يَمُرُّ بِٱلصَّلِيبِ، بَلْ بِسُجُودٍ سَرِيعٍ يُقَابِلُهُ مَجْدٌ فَوْرِيٌّ. وَهٰذَا هُوَ عَيْنُهُ طَلَبُ ٱلْيَهُودِ مُعَاصِرِي يَسُوعَ، إِذْ أَرَادُوهُ "مَلِكًا لِهٰذَا ٱلْعَالَمِ"، مُتَزَعِّمًا حَرَكَةً سِيَاسِيَّةً تُحَرِّرُهُمْ مِنَ ٱلِٱحْتِلَالِ ٱلرُّومَانِيِّ، كَمَا جَاءَ: "وَعَلِمَ يَسُوعُ أَنَّهُمْ يَهُمُّونَ بِٱخْتِطَافِهِ لِيُقِيمُوهُ مَلِكًا، فَٱنْصَرَفَ وَعَادَ وَحْدَهُ إِلَى ٱلْجَبَلِ" (يُوحَنَّا 6: 15). أَرَادَ ٱلشَّيْطَانُ أَنْ يُشَكِّكَ يَسُوعَ فِي عِلَاقَتِهِ بِٱلْآبِ: هَلْ سَيُرْشِدُكَ ٱللَّهُ؟ هَلْ طَرِيقُهُ هُوَ ٱلْأَفْضَلُ؟
كان جَوَابُ يَسُوعَ ٱلْعِبَادَةُ لِلَّهِ وَحْدَهُ. فَأَجَابَهُ يَسُوعُ بِحَزْمٍ، مُسْتَشْهِدًا بِكَلِمَةِ ٱللَّهِ: "لِلرَّبِّ إِلٰهِكَ تَتَّقِي وَإِيَّاهُ تَعْبُدُ" (تَثْنِيَةِ ٱلِٱشْتِرَاعِ 6: 13). لَمْ يَنْخَدِعْ يَسُوعُ بِٱلْوَعْدِ ٱلْكَاذِبِ، لِأَنَّهُ يَعْرِفُ أَنَّ سُلْطَانَهُ لَا يُسْتَمَدُّ مِنَ ٱلشَّيْطَانِ، بَلْ مِنَ ٱلْآبِ، كَمَا صَرَّحَ: "جَمِيعُ مَا هُوَ لِي فَهُوَ لَكَ، وَمَا هُوَ لَكَ فَهُوَ لِي" (يُوحَنَّا 17: 10). وَيُعَلِّقُ إيرونيموس قَائِلًا: "إِنَّ إِبْلِيسَ لَا يَمْلِكُ ٱلْعَالَمَ كُلَّهُ لِيُعْطِيَ مَمَالِكَهُ، بَلِ ٱللَّهُ هُوَ ٱلَّذِي يَهَبُ ٱلْمُلْكَ لِمَنْ يَشَاءُ".وَيَتَحَقَّقُ فِي ٱلْمَسِيحِ قَوْلُ ٱلْمَزْمُورِ: "أَنْتَ ٱبْنِي، أَنَا ٱلْيَوْمَ وَلَدْتُكَ. سَلْنِي فَأُعْطِيَكَ ٱلْأُمَمَ مِيرَاثًا، وَأَقَاصِيَ ٱلْأَرْضِ مُلْكًا لَكَ" (مَزْمُور 2: 7–8).
رَفَضَ يَسُوعُ ٱلْمُلْكِيَّةَ ٱلْأَرْضِيَّةَ، أَوْ "ٱلْمَسِيحَانِيَّةَ ٱلسِّيَاسِيَّةَ"، بِمَا فِيهَا مِنْ عُنْفٍ وَسَيْطَرَةٍ تُعَاكِسُ مَشِيئَةَ ٱللَّهِ. وَفَضَّلَ أَنْ يَكُونَ "ٱلْعَبْدَ ٱلْفَقِيرَ ٱلْمُتَأَلِّمَ"، كَمَا أَظْهَرَ ذٰلِكَ فِي غَسْلِ أَقْدَامِ تَلَامِيذِهِ (يُوحَنَّا 13: 1–20). ٱخْتَارَ ٱلصَّلِيبَ ٱلَّذِي كَانَ "عِثَارًا لِلْيَهُودِ وَحَمَاقَةً لِلْوَثَنِيِّينَ"(1 قُورِنْتُس 1: 23). إِنَّ تَجْرِبَةَ ٱلسُّلْطَةِ هِيَ تَجْرِبَتُنَا نَحْنُ أَيْضًا؛ إِنَّهَا تَجْسِيدٌ لِمَيْلِنَا إِلَى ٱلسَّيْطَرَةِ، وَفَرْضِ ٱلرَّأْيِ، وَتَقْدِيمِ ٱلْمَصْلَحَةِ ٱلْخَاصَّةِ عَلَى ٱلْحَقِّ. وَيُؤَكِّدُ مكسيموس المعترف أَنَّ الْمَسِيحَ "رَدَّ السُّلْطَانَ إِلَى مَوْضِعِهِ الصَّحِيحِ، تَحْتَ عِبَادَةِ اللهِ وَحْدَهُ" (Ambigua, PG 91, 1088–1092.). فَالْمُلْكُ الْحَقِيقِيُّ يَمُرُّ عَبْرَ الْقَلْبِ الْمُطِيعِ لا عَبْرَ الْخُضُوعِ لِلشَّيْطَانِ.
وَاجَهَ يَسُوعُ ٱلتَّجَارِبَ ٱلثَّلَاثَ بِكَلِمَةِ ٱللَّهِ، مُسْتَشْهِدًا مِنْ سِفْرِ تَثْنِيَةِ ٱلِٱشْتِرَاعِ. فَظَهَرَ خَادِمًا لِلَّهِ، خَاضِعًا تَمَامَ ٱلْخُضُوعِ لِمَشِيئَتِهِ. بِهٰذَا "رَبَطَ ٱلْقَوِيَّ" لِيَسْتَرِدَّ أَمْتِعَتَهُ (مَرْقُس 3: 27). وَكَانَ ٱنْتِصَارُهُ فِي ٱلصَّحْرَاءِ ٱسْتِبَاقًا لِٱنْتِصَارِهِ عَلَى ٱلصَّلِيبِ، إِذْ أَظْهَرَ طَاعَتَهُ ٱلْبَنَوِيَّةَ حَتَّى ٱلنِّهَايَةِ. صَارَ "رَئِيسَ كَهَنَةٍ رَحِيمًا أَمِينًا" (عِبْرَانِيِّينَ 2: 17)، وَ"قَادِرًا عَلَى إِغَاثَةِ ٱلْمُبْتَلَيْنَ" (عِبْرَانِيِّينَ 2: 18). وَيُعَلِّقُ غريغوريوس الكبير قَائِلًا: "يَسُوعُ يَغْلِبُ تَجَارِبَنَا بِتَجَارِبِهِ".
فِي ٱلتَّجَارِبِ ٱلثَّلَاثِ ٱخْتَارَ يَسُوعُ ٱلِٱسْتِمَاعَ إِلَى ٱلْآبِ وَحْدَهُ، ٱلْثِّقة بِٱلْآبِ بِغَيْرِ شُرُوطٍ، وعِبَادَتَهُ دُونَ غَيْرِهِ. نَسْتَنْتِجُ أَنَّ ٱلشَّيْطَانَ يُغْرِينَا مِنْ خِلَالِ أَجْسَادِنَا وَأَرْوَاحِنَا، لَكِنَّهُ يَبْقَى "كَذَّابًا وَأَبَا ٱلْكَذِبِ" (يُوحَنَّا 8: 44)، وَوُعُودُهُ وَهْمٌ. أَمَّا يَسُوعُ ٱلْمَسِيحُ فَهُوَ صَاحِبُ ٱلسُّلْطَانِ ٱلْحَقِيقِيِّ، ٱلَّذِي يَفِي بِوُعُودِهِ، وَيُدْخِلُنَا مَلَكُوتَهُ لَا عَبِيدًا لِلسُّلْطَةِ، بَلْ أَبْنَاءً فِي ٱلْحُرِّيَّةِ.
3) كَيْفَ نُوَاجِهُ التَّجْرِبَةَ؟
التَّجْرِبَةُ فِي حَدِّ ذَاتِهَا لَيْسَتْ خَطِيئَةً؛ إِنَّمَا نَخْطَأُ حِينَ نَسْتَسْلِمُ لَهَا وَنَعْصِي اللهَ. لِذٰلِكَ قَالَ الآبَاءُ: "لَيْسَ الخَطَأُ أَنْ تَحُومَ الطُّيُورُ حَوْلَ رُؤُوسِنَا، بَلِ الخَطَأُ أَنْ تَتَّخِذَ الطُّيُورُ مِنْ رُؤُوسِنَا أَوْكَارًا لَهَا". وَفِي الوَاقِعِ، تَدْخُلُ التَّجْرِبَةُ فِي مَخَطَّطِ اللهِ الَّذِي لَا يُرِيدُنَا أَنْ نَسْقُطَ، بَلْ أَنْ يَمْتَحِنَ مَحَبَّتَنَا وَأَمَانَتَنَا (أَيُّوب 1–2). وَهِيَ شَرْطٌ ضَرُورِيٌّ لِظُهُورِ الفَضِيلَةِ المُجَرَّبَةِ، كَمَا يَقُولُ الرَّسُولُ: "لأَنَّهُ لابُدَّ مِنَ الشِّقَاقِ فِيمَا بَيْنَكُمْ لِيَظْهَرَ فِيكُمْ ذَوُو الفَضِيلَةِ المُجَرَّبَةِ" (1 قُورِنْتُس 11: 19).
وَلَا يُمْكِنُ أَنْ تَخْلُوَ حَيَاتُنَا فِي غُرْبَتِنَا الأَرْضِيَّةِ مِنَ المِحْنَةِ أَوِ التَّجْرِبَةِ، لأَنَّ تَقَدُّمَنَا الرُّوحِيَّ يَتِمُّ — فِي وَجْهٍ مِن وُجُوهِهِ — عَبْرَ التَّجْرِبَةِ. وَفِي هٰذَا الصَّدَدِ يَقُولُ القِدِّيسُ أُوغُسْطِينُوسُ: "لَا أَحَدَ يَقْدِرُ أَنْ يَعْرِفَ نَفْسَهُ إِلَّا إِذَا مَرَّ بِالتَّجْرِبَةِ، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُكَلَّلَ بِالمَجْدِ إِلَّا إِذَا غَلَبَ… وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَغْلِبَ إِلَّا إِذَا جَاهَدَ… وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُجَاهِدَ إِلَّا إِذَا تَعَرَّضَ لَهُ أَعْدَاءٌ وَتَجَارِبُ" (أُوغُسْطِينُوس، CCL 39، 766).
إِنَّ التَّجْرِبَةَ تُـمَكِّنُ الإِنْسَانَ مِنَ الِانْتِقَالِ مِنَ "الحُرِّيَّةِ المَعْرُوضَةِ" إِلَى "الحُرِّيَّةِ المَعَاشَةِ"، وَمِنَ "الِاخْتِيَارِ" إِلَى "العَهْدِ". فَاللهُ يَسْمَحُ بِالتَّجَارِبِ، وَلَكِنَّهُ يُعِينُنَا عَلَى الخُرُوجِ مِنْهَا مُمْتَلِئِينَ مِنَ الرُّوحِ القُدُسِ، وَأَكْثَرَ قُوَّةً وَصَلَابَةً وَخِبْرَةً وَتَوَاضُعًا، إِذْ نُدْرِكُ ضُعْفَنَا وَنَثِقُ بِوُعُودِ اللهِ، مُخْتَبِرِينَ قُوَّتَهُ وَنَصْرَتَهُ عَلَى الشَّيْطَانِ وَأَسْلِحَتِهِ. وَلِنَتَعَلَّمْ مِنَ المَسِيحِ كَيْفَ نُوَاجِهُ التَّجْرِبَةَ؛ فَتِلْمِيذُ المَسِيحِ يَسِيرُ عَلَى خُطَاهُ، وَيَقْتَدِي بِسِيرَتِهِ وَانْتِصَارِهِ.
يُمْكِنُنَا نُوَاجِهُ التَّجْرِبَةَ التَّغَلُّبُ عَلَيها بما يلي:
1) التَّسَلُّحُ بِالرُّوحِ القُدُسِ
يَمْنَحُنَا الرَّبُّ يَسُوعُ رُوحَهُ القُدُّوسَ كَيْ يُعِينَنَا فِي ضُعْفِنَا: "فَإِنَّ الرُّوحَ أَيْضًا يَأْتِي لِنَجْدَةِ ضُعْفِنَا" (رُومَة 8: 26). وَيَكُونُ مُرْشِدَنَا وَمُعَزِّينَا فِي التَّجَارِبِ وَالشَّدَائِدِ، لِأَنَّ اللهَ أَمِينٌ: "لَمْ تُصِبْكُمْ تَجْرِبَةٌ إِلَّا وَهِيَ عَلَى مِقْدَارِ وُسْعِ الإِنْسَان… بَلْ يُؤْتِيكُمْ مَعَ التَّجْرِبَةِ وَسِيلَةَ الخُرُوجِ مِنْهَا بِالقُدْرَةِ عَلَى تَحَمُّلِهَا" (1 قُورِنْتُس 10: 13). وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ أُوغُسْطِينُوسُ: "فَإِنْ جُرِّبْنَا مَعَ المَسِيحِ، فَمَعَهُ سَوْفَ نَنْتَصِرُ عَلَى إِبْلِيس. كَانَ بِوُسْعِهِ أَنْ يَمْنَعَ الشَّيْطَانَ مِنَ الاقْتِرَابِ مِنْهُ، وَلَكِنَّهُ لَوْ لَمْ يُجَرَّبْ لَمَا عَلَّمَكَ كَيْفَ تَنْتَصِرُ حِينَ تُجَرَّبُ" (أُوغُسْطِينُوس، CCL 39، 766).
وَيُوصِينَا بُولُسُ الرَّسُولُ قَائِلًا: "تَسَلَّحُوا بِسِلَاحِ اللهِ لِتَسْتَطِيعُوا مُقَاوَمَةَ مَكَايِدِ إِبْلِيس" (أَفَسُس 6: 10–12). وَهٰذَا السِّلَاحُ هُوَ دِرْعُ البِرِّ، وَخُوذَةُ الخَلَاصِ، وَتُرْسُ الإِيمَانِ، وَ"سَيْفُ الرُّوحِ أَي كَلِمَةُ اللهِ" (أَفَسُس 6: 11–17؛ اِشَعْيَاء 59: 17). وَيُذَكِّرُنَا بُطْرُسُ الرَّسُولُ: "إِنَّ إِبْلِيسَ خَصْمَكُمْ كَالأَسَدِ الزَّائِرِ… فَقَاوِمُوهُ رَاسِخِينَ فِي الإِيمَان" (1 بُطْرُس 5: 8–10). وَهٰكَذَا نَجَاهِدُ: "جَاهِدْ فِي الإِيمَانِ جِهَادًا حَسَنًا" (1 طِيمُوثَاوُس 6: 12).
2) التَّسَلُّحُ بِالكِتَابِ المُقَدَّسِ
عَادَ يَسُوعُ إِلَى الكِتَابِ المُقَدَّسِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فِي دَحْضِهِ تَجَارِبَ الشَّيْطَانِ، وَكَانَ فِي كُلِّ مَرَّةٍ يَقُولُ: "مَكْتُوبٌ…" (مَتَّى 4: 4، 7، 10). وَيَقُولُ كَاتِبُ الرِّسَالَةِ إِلَى العِبْرَانِيِّينَ: "إِنَّ كَلَامَ اللهِ حَيٌّ نَاجِعٌ، أَمْضَى مِنْ كُلِّ سَيْفٍ ذِي حَدَّيْن" (عِبْرَانِيِّينَ 4: 12). لِذٰلِكَ فَعَلَى تِلْمِيذِ المَسِيحِ أَنْ يَدْحَرَ المُجَرِّبَ مُسْتَعِينًا بِكَلِمَةِ اللهِ، لِيَخْتَبِرَ "مَا هِيَ مَشِيئَةُ اللهِ… مَا هُوَ صَالِحٌ وَمَا هُوَ مَرْضِيٌّ وَمَا هُوَ كَامِلٌ" (رُومَة 12: 2). وَيَبْقَى الوَعْدُ لِمَنْ يُصْغِي: "إِنِّي أُعَلِّمُكَ وَأُرْشِدُكَ فِي الطَّرِيقِ الَّذِي تَسْلُكُهُ، وَأَكُونُ نَاصِحًا لَكَ" (مَزْمُور 32: 8). وَمِنْ هُنَا يَدْعُونَا بُولُسُ أَنْ نَتَسَلَّحَ: "تَسَلَّحُوا بِسِلَاحِ الله… وَاحْمِلُوا تُرْسَ الإِيمَان… وَاتَّخِذُوا لَكُمْ خُوذَةَ الخَلَاص وَسَيْفَ الرُّوح، أَي كَلِمَةَ الله" (أَفَسُس 6: 11–17). وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ أَنْطُونِيُوسُ عَلَى كَلِمَاتِ الرَّبِّ: "اِذْهَبْ يَا شَيْطَانُ"، فَيَقُولُ إِنَّهَا "مِنْحَةٌ" لِلْمُؤْمِنِينَ، يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يَنْطِقُوا بِهَا بِسُلْطَانٍ، "فَإِذَا سَمِعَتِ الشَّيَاطِينُ مِنَّا كَلِمَاتٍ كَهذِهِ تَهْرُبُ بِقُوَّةِ الرَّبِّ الَّذِي ٱنْتَهَرَهَا". وَيُشَدِّدُ البَابَا فَرَنْسِيسُ فِي رِسَالَتِهِ لِعَامِ 2017 عَلَى أَنَّ "الصَّوْمَ هُوَ الزَّمَنُ المُنَاسِبُ لِنَتَجَدَّدَ فِي لِقَائِنَا بِالمَسِيحِ الحَيِّ فِي كَلِمَتِهِ، وَالأَسْرَارِ، وَالقَرِيبِ".
3) الالْتِجَاءُ إِلَى الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ
ٱسْتَعَدَّ يَسُوعُ لِمُجَابَهَةِ تَجَارِبِ إِبْلِيسَ بِالصَّوْمِ: "صَامَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا وَأَرْبَعِينَ لَيْلَةً" (مَتَّى 4: 2). وَيُعَلِّمُنَا أَنَّ ٱلِانْتِصَارَ عَلَى التَّجْرِبَةِ يَحْتَاجُ إِلَى جِهَادٍ رُوحِيٍّ، لأَنَّ "صِرَاعَنَا لَيْسَ مَعَ اللَّحْمِ وَالدَّمِ، بَلْ مَعَ أَصْحَابِ الرِّئَاسَةِ وَالسُّلْطَان… وَالأَرْوَاحِ الخَبِيثَةِ» (أَفَسُس 6: 12).
إِنَّ العَدُوَّ يَهَاجِمُ القَلْبَ عَبْرَ ٱمْتِلَاءِ البَطْنِ، وَبِالصَّوْمِ نَنْزِعُ مِنْهُ سِلَاحَهُ الَّذِي هُوَ مَلَذَّاتُ العَالَمِ؛ فَالصَّوْمُ زُهْدٌ عَنْ أَمْجَادِ الدُّنْيَا وَمَلَذَّاتِهَا، وَتَدْرِيبٌ عَلَى الحُرِّيَّةِ وَتَهْذِيبٌ لِلرَّغَبَاتِ. وَيُؤَكِّدُ يَسُوعُ: "هٰذَا الجِنْسُ لا يَخْرُجُ إِلَّا بِالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ" (مَتَّى 17: 21). وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ أُوغُسْطِينُوسُ: "عِنْدَمَا يَتَزَايَدُ صِرَاعُ المُجَرِّبِ، يَلْزَمُنَا أَنْ نَصُومَ، حَتَّى يَقُومَ الجَسَدُ بِوَاجِبِهِ المَسِيحِيِّ فِي حَرْبِهِ ضِدَّ شَهَوَاتِ العَالَمِ". فَالصَّوْمُ يَرْفَعُ وَعْيَنَا الرُّوحِيَّ، وَيُوقِظُ دَاخِلَنَا حَيَاةَ الرُّوحِ القُدُسِ، وَيَجْعَلُنَا أَكْثَرَ تَوَاضُعًا وَثِقَةً بِاللهِ. فَالصَّوْمُ إِنْكَارٌ لِلذَّاتِ؛ فَهَلْ نُقَدِّمُ فِي صِيَامِنَا بَعْضَ التَّضْحِيَاتِ؟ وَهَلْ نَفْرِضُ عَلَى أَنْفُسِنَا بَعْضَ الإِمَاتَاتِ الطَّوْعِيَّةِ؟
يُعَلِّمُنَا يَسُوعُ ايضًا التَّمَسُّكُ بِالصَّلَاةِ. إَنَّ الصَّلَاةَ ضَرُورِيَّةٌ لِمُجَابَهَةِ تَجَارِبِ إِبْلِيسَ: "ٱسْهَرُوا وَصَلُّوا لِئَلَّا تَقَعُوا فِي التَّجْرِبَةِ" (مَتَّى 26: 41). فَاللهُ "يَسْبُرُ القُلُوبَ وَيَخْتَبِرُهَا" (1 تَسَالُونِيقِي 2: 4)، وَيَسْمَحُ بِالتَّجْرِبَةِ فَقَطْ وَلا يَتْرُكُنَا فِيهَا دُونَ مَعُونَةٍ، بَلْ يُؤْمِنُ مَعَهَا مَخْرَجًا (1 قُورِنْتُس 10: 13). أَمَّا المُجَرِّبُ فَيُثِيرُ مَكَايِدَهُ فِي العَالَمِ الَّذِي "قَدْ وُضِعَ كُلُّهُ فِي الشِّرِّيرِ" (1 يُوحَنَّا 5: 19)، وَيَسْتَغِلُّ خُصُوصًا مَوَاطِنَ الضَّعْفِ كَالطَّمَعِ وَمَحَبَّةِ المَالِ الَّتِي تُسْقِطُ كَثِيرِينَ فِي شَرَكِ التَّجْرِبَةِ (1 طِيمُوثَاوُس 6: 9). لِذٰلِكَ نَطْلُبُ أَلَّا نَدْخُلَ فِي التَّجْرِبَةِ، كَمَا عَلَّمَ يَسُوعُ تَلَامِيذَهُ فِي الصَّلَاةِ الرَّبَّانِيَّةِ: "وَلا تُدْخِلْنَا فِي التَّجْرِبَةِ، لٰكِنْ نَجِّنَا مِنَ الشِّرِّيرِ"(مَتَّى 6: 13). فَالصَّلَاةُ شَرِكَةٌ وَاتِّحَادٌ بِاللهِ؛ وَهِيَ مِنْ أَقْوَى أَسْلِحَةِ المُؤْمِنِ لِمُقَاوَمَةِ الشَّيْطَانِ، لأَنَّهَا تَرْبِطُنَا بِاللهِ الَّذِي تَرْتَعِبُ أَمَامَهُ قُوَى الظُّلْمَةِ. وَمِنْ هُنَا يَتَكَامَلُ الصَّوْمُ وَالصَّلَاةُ مَعًا، كَمَا قَالَ الرَّبُّ: «هٰذَا الجِنْسُ لا يَخْرُجُ إِلَّا بِالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ» (مَتَّى 17: 21).
وَقَدِ ٱلْتَجَأَ يَسُوعُ نَفْسُهُ إِلَى الصَّلَاةِ فِي أَقْسَى تَجَارِبِهِ فِي أُورُشَلِيمَ، لَا سِيَّمَا فِي بُسْتَانِ جَثْسَيْمَانِي، حِينَ تَجَلَّتْ تَجْرِبَةُ الأَلَمِ وَهَوْلِ المَوْتِ، فَقَالَ: "يَا أَبَتِ، إِنْ شِئْتَ فَٱصْرِفْ عَنِّي هٰذِهِ الكَأْس… وَلٰكِنْ لا مَشِيئَتِي، بَلْ مَشِيئَتُكَ!" (لُوقَا 22: 42). فَهُنَا تَبْلُغُ الصَّلَاةُ قِمَّتَهَا: لَيْسَتْ هُرُوبًا مِنَ الصَّلِيبِ، بَلْ تَسْلِيمًا مُحِبًّا لِلآبِ، وَثَبَاتًا فِي طَرِيقِ الخَلَاصِ. إِنَّ الصَّوْمَ يُفْرِغُ القَلْبَ مِنَ التَّعَلُّقِ بِالعَالَمِ، وَالصَّلَاةَ تَمْلَؤُهُ بِاللهِ؛ فَمَنْ يُفْرِغْ نَفْسَهُ لِلرَّبِّ، يَمْتَلِئْ مِنْ قُوَّتِهِ، وَمَنْ يَثْبُتْ فِي الشَّرِكَةِ مَعَهُ، يَغْلِبِ التَّجْرِبَةَ بِمَحَبَّةٍ وَطَاعَةٍ. فَهَلْ نُكَرِّسُ رُبْعَ سَاعَةٍ فِي الأُسْبُوعِ لِلصَّلَاةِ وَالتَّأَمُّلِ وَالسَّيْرِ عَلَى خُطَى السَّيِّدِ المَسِيحِ؟
5) الالْتِجَاءُ إلى السَّهَرُ
يُوصِينَا يَسُوعُ أَنْ نَكُونَ دَائِمًا عَلَى حَذَرٍ مِنْ هَجَمَاتِ الشَّيْطَانِ، فَيَقُولُ: "فَٱحْذَرُوا أَنْ يُثْقِلَ قُلُوبَكُمُ السُّكْرُ وَالقُصُوفُ وَهُمُومُ الحَيَاةِ الدُّنْيَا، فَيُبَاغِتَكُم ذٰلِكَ اليَوْمُ كَأَنَّهُ الفَخُّ" (لُوقَا 21: 34–35). وَيُلَفِتُ بُولُسُ الرَّسُولُ إِلَى أَهَمِّيَّةِ الحَذَرِ قَائِلًا: "حَاذِرْ أَنْتَ مِنْ نَفْسِكَ لِئَلَّا تُجَرَّبَ أَنْتَ أَيْضًا" (غَلَاطِيَة 6: 1). وَيُؤَكِّدُ مَتَّى الإِنْجِيلِيُّ أَنَّ التَّجْرِبَةَ آتِيَةٌ لَا مَحَالَةَ، لِذٰلِكَ يَدْعُونَا إِلَى اليَقَظَةِ وَالِاسْتِعْدَادِ، قَائِلًا: "الرُّوحُ مُنْدَفِعٌ، وَأَمَّا الجَسَدُ فَضَعِيفٌ" (مَتَّى 26: 41).
وَقَدْ رَبَطَ مَتَّى الإِنْجِيلِيُّ بَيْنَ العِمَادِ وَالتَّجْرِبَةِ (مَتَّى 3: 13–4: 11)، لِيُظْهِرَ أَنَّ المُؤْمِنَ، بِمَعْمُودِيَّتِهِ، يَصِيرُ ابْنًا لِلهِ، وَيَدْخُلُ فِي جِهَادٍ رُوحِيٍّ قَدْ سَبَقَ المَسِيحُ وَغَلَبَ فِيهِ. فَلَا يَبْقَى لَنَا إِلَّا أَنْ نَجْعَلَ هٰذَا الاِنْتِصَارَ وَاقِعًا مَلْمُوسًا فِي حَيَاتِنَا، بِقُوَّةِ صَلِيبِهِ المُنْقِذِ، وَمَوْتِهِ المُحْيِي، وَقِيَامَتِهِ المَجِيدَةِ.
وَبِاخْتِصَارٍ، فَالمَسِيحُ هُوَ الطَّرِيقُ: فِيهِ ٱعْتُمِدْنَا، وَفِيهِ نِلْنَا قُوَّةَ الرُّوحِ القُدُسِ، وَفِيهِ نَصُومُ وَنَزْهَدُ عَنِ العَالَمِ، وَفِيهِ نُقْتَادُ إِلَى التَّجَارِبِ غَيْرَ هَيَّابِينَ، وَفِيهِ نَغْلِبُ وَنَخْرُجُ مِنَ التَّجَارِبِ مُنْتَصِرِينَ. لِذٰلِكَ يَجِبُ عَلَى كُلِّ تِلْمِيذٍ لِيَسُوعَ أَنْ يَنْتَظِرَ مُجَابَهَةً مُمَاثِلَةً لِمُجَابَهَةِ الرَّبِّ لِلتَّجْرِبَةِ، وَأَنْ يَتَمَتَّعَ بِغَلَبَةٍ مُمَاثِلَةٍ أَيْضًا. فَنَحْنُ فِي حَرْبِنَا ضِدَّ الشَّيْطَانِ وَتَجَارِبِهِ لَا نُحَارِبُ بِقُوَّتِنَا، بَلْ المَسِيحُ الغَالِبُ يَغْلِبُ فِينَا. إِنَّهُ قَدْ حَطَّمَ أَسْلِحَةَ إِبْلِيسَ وَقُوَّتَهُ لِحِسَابِ الإِنْسَانِ الجَدِيدِ وَالخَلِيقَةِ الجَدِيدَةِ الَّتِي هُوَ رَأْسُهَا، كَمَا وَعَدَنَا قَائِلًا: "تُعَانُونَ الشِّدَّةَ فِي العَالَمِ، وَلٰكِنْ ثِقُوا: إِنِّي قَدْ غَلَبْتُ العَالَمَ" (يُوحَنَّا 16: 33). وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ أُوغُسْطِينُوسُ قَائِلًا: "وَمَعَ المَسِيحِ أَنْتَ جُرِّبْتَ، لِأَنَّ المَسِيحَ مِنْكَ أَخَذَ لِنَفْسِهِ جَسَدًا، وَمِنْ ذَاتِهِ وَهَبَ لَكَ الخَلَاصَ. مِنْكَ لَهُ التَّجْرِبَةُ، وَمِنْهُ لَكَ النَّصْرُ". فَإِنْ جُرِّبْنَا مَعَهُ، فَمَعَهُ نَنْتَصِرُ عَلَى إِبْلِيسَ.
الخُلاصَة
كَانَتْ تَجَارِبُ يَسُوعَ مِنْ قِبَلِ إِبْلِيسَ فِي بَدْءِ خِدْمَتِهِ عَلَى الأَرْضِ إِغْرَاءً حَقِيقِيًّا لَهُ، لٰكِنَّ يَسُوعَ انْتَصَرَ عَلَى قُوَى الجَحِيمِ، وَاسْتَرَدَّ الفِرْدَوْسَ الَّذِي فَقَدَهُ آدَمُ الأَوَّلُ. وَيُلَخِّصُ التَّعْلِيمُ المَسِيحِيُّ لِلْكَنِيسَةِ الكَاثُولِيكِيَّةِ تَجْرِبَةَ يَسُوعَ بِقَوْلِهِ: "إِنَّ التَّجْرِبَةَ فِي الصَّحْرَاءِ تُظْهِرُ يَسُوعَ مَسِيحًا مُتَوَاضِعًا يَتَغَلَّبُ عَلَى إِبْلِيسَ بِانْصِيَاعِهِ الكُلِّيِّ لِتَصْمِيمِ الخَلَاصِ الَّذِي أَرَادَهُ الآبُ" (التَّعْلِيمُ المَسِيحِيُّ لِلْكَنِيسَةِ الكَاثُولِيكِيَّةِ، 566).
اقْتَرَحَ الشَّيْطَانُ عَلَى يَسُوعَ فِي الصَّحْرَاءِ كُلَّ شَيْءٍ: الحَيَاةَ، وَالسُّلْطَةَ، وَالنَّجَاحَ. لٰكِنَّ جَوْهَرَ التَّجْرِبَةِ كَانَ فِي أَنْ يَتَوَلَّى يَسُوعُ السُّلْطَةَ بِنَفْسِهِ دُونَ اللُّجُوءِ إِلَى الآبِ السَّمَاوِيِّ، مَانِحِ الحَيَاةِ وَمُوَزِّعِ المَوَاهِبِ. أَرَادَ الشَّيْطَانُ أَنْ يَسْتَقِلَّ يَسُوعُ عَنْ أَبِيهِ وَيَنْفَصِلَ عَنْهُ، لٰكِنَّ يَسُوعَ قَاوَمَ هٰذِهِ التَّجَارِبَ بِاللُّجُوءِ إِلَى الطَّاعَةِ للهِ، الَّذِي "أَيَّدَ بِشَهَادَتِهِ بِآيَاتٍ وَأَعَاجِيبَ وَمُعْجِزَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ وَبِمَا يُوَزِّعُ الرُّوحُ القُدُسُ مِنْ مَوَاهِبَ كَمَا يَشَاءُ" (عِبْرَانِيِّينَ 2: 4).
وَلَمْ تَكُنْ تَجَارِبُ يَسُوعَ فِي الصَّحْرَاءِ إِلَّا البِدَايَةَ؛ فَسَيُجَرَّبُ مِنْ جَدِيدٍ فِي أُورُشَلِيمَ، حَيْثُ سَتَحْصُلُ المُجَابَهَةُ الحَقِيقِيَّةُ فِي سَاعَةِ الآلامِ، إِذْ "دَخَلَ الشَّيْطَانُ فِي يَهُوذَا المَعْرُوفِ بِالإِسْخَرْيُوطِيِّ" (لُوقَا 22: 3). إِنَّ تَجْرِبَةَ يَسُوعَ هِيَ تَجْرِبَةُ البَشَرِيَّةِ كُلِّهَا، وَهِيَ تَجْرِبَتُنَا نَحْنُ أَيْضًا؛ فَنَحْنُ نَمِيلُ أَحْيَانًا إِلَى الشَّكِّ فِي الرَّبِّ لِأَنَّهُ لَا يُظْهِرُ ذَاتَهُ حَسَبَ مَشِيئَتِنَا، فَنَضَعُ ثِقَتَنَا فِي "آخَرِينَ". أَمَّا جَوَابُ يَسُوعَ فَكَانَ قَاطِعًا: لَا أَحَدَ سِوَى اللهِ!
وَتُظْهِرُ التَّجَارِبُ الثَّلَاثُ أَنَّ المَسِيحَ هُوَ آدَمُ الجَدِيدُ الَّذِي يَنْتَصِرُ حَيْثُ سَقَطَ الأَوَّلُ؛ إِسْرَائِيلُ الجَدِيدُ الَّذِي يَثْبُتُ فِي البَرِّيَّةِ حَيْثُ تَذَمَّرَ الشَّعْبُ؛ الِابْنُ الحَبِيبُ الَّذِي يُجَسِّدُ بُنُوَّتَهُ فِي طَاعَةٍ ثَالُوثِيَّةٍ كَامِلَةٍ. وَيُلَخِّصُ القِدِّيسُ أَثَنَاسِيُوسُ الرَّسُولِيُّ المَشْهَدَ بِقَوْلِهِ إِنَّ المَسِيحَ "دَخَلَ مَعْرَكَتَنَا لِيُعِيدَ لَنَا مَا فَقَدْنَاهُ". فَمَا بَدَأَ فِي البَرِّيَّةِ يَبْلُغُ ذُرْوَتَهُ فِي الجُلْجُلَةِ: فِي البَرِّيَّةِ رُفِضَ طَرِيقُ السُّلْطَانِ السَّهْلِ، وَفِي الصَّلِيبِ تَثَبَّتَ طَرِيقُ الفِدَاءِ. إِذًا فَالتَّجْرِبَةُ لَيْسَتْ حَادِثَةً مَعْزُولَةً فِي بَدَايَةِ الرِّسَالَةِ، بَلْ بَرْنَامَجًا لِكُلِّ مَسِيرَةِ الخَلَاصِ: الخُبْزُ يُقَابِلُ الجُوعَ، الهَيْكَلُ يُقَابِلُ المَجْدَ، المَمَالِكُ تُقَابِلُ السُّلْطَانَ؛ وَالإِجَابَةُ دَائِمًا هِيَ: الطَّاعَةُ وَالعِبَادَةُ للهِ وَحْدَهُ. وَهٰكَذَا تَصْبِحُ التَّجْرِبَةُ نُقْطَةَ انْطِلَاقِ بَشَارَةِ المَلَكُوتِ، لِأَنَّ المَلَكُوتَ لَا يُبْنَى بِالقُوَّةِ وَلَا بِالِاسْتِعْرَاضِ، بَلْ بِالطَّاعَةِ وَالصَّلِيبِ. وَيُؤَكِّدُ اللَّاهُوتِيُّ كْلُود تَاسَّان أَنَّ هٰذِهِ التَّجَارِبَ "هِيَ المِثَالُ الأَسَاسِيُّ لِحَيَاةِ المُؤْمِنِ".
إِنَّ تَجَارِبَ يَسُوعَ تُقَدِّمُ لَنَا مِثَالًا يُحْتَذَى بِهِ: فَقَدْ وَاجَهَ التَّجْرِبَةَ وَلَمْ يَسْتَسْلِمْ لَهَا، بَلْ تَغَلَّبَ عَلَيْهَا مِنْ أَجْلِنَا. وَكَمَا يَقُولُ كَاتِبُ الرِّسَالَةِ إِلَى العِبْرَانِيِّينَ: "لَيْسَ لَنَا عَظِيمُ كَهَنَةٍ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَرْثِيَ لِضُعْفِنَا؛ لَقَدِ ٱمْتُحِنَ فِي كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَنَا مَا عَدَا الخَطِيئَةَ" (عِبْرَانِيِّينَ 4: 15). لِذٰلِكَ فَهُوَ يَعْرِفُ تَجَارِبَنَا، وَهُوَ قَادِرٌ وَمُسْتَعِدٌّ أَنْ يُعِينَنَا؛ فَلْنَطْلُبْ مِنْهُ القُوَّةَ عِنْدَمَا نَتَعَرَّضُ لِلتَّجْرِبَةِ. إِذْ يَدْعُونَا ٱنْتِصَارُ يَسُوعَ عَلَى التَّجَارِبِ إِلَى أَنْ نَسِيرَ عَلَى خُطَاهُ، وَنَعِيشَ بُنُوَّتَنَا فِي طَاعَةٍ وَثِقَةٍ وَتَسْلِيمٍ كَامِلٍ لِلآبِ.
دُعَاء
أَيُّهَا الآبُ السَّمَاوِيُّ، يَا مَنْ أَرْسَلْتَ ٱبْنَكَ ٱلْحَبِيبَ إِلَى ٱلْبَرِّيَّةِ لِيَغْلِبَ ٱلْمُجَرِّبَ بِٱلطَّاعَةِ وَٱلتَّوَاضُعِ،
اِمْلَأْنَا بِرُوحِكَ ٱلْقُدُّوسِ، لِكَيْ تَكُونَ لَدَيْنَا ٱلثِّقَةُ ٱلْكَامِلَةُ بِكَ، وَنَثْبُتَ فِي إِتْمَامِ مَشِيئَتِكَ، وَنَنْبُذَ كُلَّ مَا يُعَارِضُهَا فِي أَفْكَارِنَا وَأَقْوَالِنَا وَأَعْمَالِنَا.
اِمْنَحْنَا ٱلْقُوَّةَ لِنُقَاوِمَ ٱلتَّجَارِبَ، وَٱلنِّعْمَةَ لِنَنْتَصِرَ عَلَيْهَا، حَتَّى نَبْقَى أَبْنَاءً أُمَنَاءَ لَكَ، عَلَى مِثَالِ ٱبْنِكَ ٱلَّذِي كَانَ أَمِينًا لَكَ مِنْ بَدَايَةِ رِسَالَتِهِ حَتَّى نِهَايَتِهَا وَهُوَ مُسَمَّرٌ عَلَى ٱلصَّلِيبِ.
عَلِّمْنَا أَنْ نَحْيَا لَا بِٱلْخُبْزِ وَحْدَهُ، بَلْ بِكُلِّ كَلِمَةٍ تَخْرُجُ مِنْ فَمِكَ، وَأَنْ نَعْبُدَكَ وَحْدَكَ، وَنَتَّكِلَ عَلَيْكَ وَحْدَكَ، وَنَثِقَ بِمَحَبَّتِكَ ٱلَّتِي لَا تَخِيبُ. لَكَ ٱلْمَجْدُ وَٱلْقُوَّةُ وَٱلْكَرَامَةُ إِلَى ٱلْأَبَدِ. آمِينَ.
قِصَّةُ الْمَلِكِ يُوشَافَاط وَالتَّجْرِبَة
تُقَدِّمُ لَنَا قِصَّةُ الْمَلِكِ يُوشَافَاط فِي ٱلْعَهْدِ ٱلْقَدِيمِ نَمُوذَجًا حَيًّا لِفَهْمِ سِرِّ ٱلتَّجْرِبَةِ وَالِٱنْتِصَارِ عَلَيْهَا. فَقَدْ كَانَ يُوشَافَاط مَلِكًا بَارًّا عَلَى يَهُوذَا، يَسْلُكُ فِي طُرُقِ ٱلرَّبِّ، وَيُثَبِّتُ ٱلْعَدَالَةَ وَٱلْعِبَادَةَ ٱلصَّحِيحَةَ. وَلَكِنَّ قَدَاسَتَهُ لَمْ تَحْمِهِ مِنَ ٱلتَّجْرِبَةِ، بَلْ عَلَى ٱلْعَكْسِ: أَثَارَتْ بَرُّهُ عَدَاوَةَ ٱلْأُمَمِ، فَٱجْتَمَعَ عَلَيْهِ جَيْشٌ عَظِيمٌ لِيُحَارِبَهُ (2 أَخْبَارِ ٱلْأَيَّامِ 20: 1). إِذًا، لَمْ تَكُنِ ٱلتَّجْرِبَةُ دَلِيلًا عَلَى غِيَابِ ٱللهِ، بَلْ كَانَتْ سَمَاحًا إِلَهِيًّا بِٱلِٱخْتِبَارِ.
فَمَاذَا فَعَلَ يُوشَافَاط؟ لَمْ يَلْجَأْ إِلَى ٱلْقُوَّةِ ٱلْبَشَرِيَّةِ، وَلَا إِلَى ٱلْحِيلِ ٱلسِّيَاسِيَّةِ، بَلْ "جَعَلَ وَجْهَهُ لِيَطْلُبَ ٱلرَّبَّ" (2 أَخْبَارِ 20: 3). نَادَى بِٱلصَّوْمِ، وَجَمَعَ ٱلشَّعْبَ، وَوَقَفَ فِي بَيْتِ ٱلرَّبِّ يُصَلِّي قَائِلًا: "يَا رَبُّ، لَيْسَ فِينَا قُوَّةٌ أَمَامَ هٰذَا ٱلْجَيْشِ ٱلْكَثِيرِ… وَلَكِنَّ عُيُونَنَا نَحْوَكَ" (2 أَخْبَارِ 20: 12). هُنَا يَتَجَلَّى جَوْهَرُ ٱلِٱنْتِصَارِ: ٱلِٱعْتِرَافُ بِٱلضَّعْفِ، وَٱلتَّسْلِيمُ ٱلْكَامِلُ لِلرَّبِّ.
فَتَدَخَّلَ ٱللهُ، وَلَمْ يَكُنِ ٱلنَّصْرُ بِسَيْفٍ وَلَا بِرُمْحٍ، بَلْ بِتَسْبِيحٍ وَثِقَةٍ. إِذْ قَالَ لَهُمُ: "لَيْسَتِ ٱلْحَرْبُ لَكُمْ بَلْ لِلَّهِ" (2 أَخْبَارِ 20: 15). وَخَرَجُوا إِلَى ٱلْمَعْرَكَةِ يُسَبِّحُونَ ٱلرَّبَّ، فَأَزَالَ ٱللهُ ٱلْعَدُوَّ مِنْ أَمَامِهِمْ، وَعَادَ يُوشَافَاط وَشَعْبُهُ لَيْسَ فَقَطْ مُنْتَصِرِينَ، بَلْ حَامِلِينَ غَنَائِمَ كَثِيرَةً (2 أَخْبَارِ 20: 25–30). إِنَّهُ ٱنْتِصَارٌ مُضَاعَفٌ: نَجَاةٌ وَبَرَكَةٌ.
هٰذِهِ ٱلْقِصَّةُ تُمَهِّدُ لِمَا سَيُحَقِّقُهُ ٱلْمَسِيحُ. فَكَمَا دَخَلَ يُوشَافَاط ٱلْمَعْرَكَةَ وَاثِقًا بِٱلرَّبِّ، كَذٰلِكَ دَخَلَ ٱلْمَسِيحُ مَعْرَكَةَ ٱلْبَرِّيَّةِ، لِيَقْتَحِمَ سُلْطَةَ ٱلشَّيْطَانِ، "رَئِيسِ هٰذَا ٱلْعَالَمِ". وَكَمَا يَقُولُ ٱلرَّبُّ:" كَيْفَ يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ أَنْ يَدْخُلَ بَيْتَ ٱلْقَوِيِّ وَيَنْهَبَ أَمْتِعَتَهُ إِنْ لَمْ يَرْبِطِ ٱلْقَوِيَّ أَوَّلًا؟" (مَتَّى 12: 29). فَٱلْمَسِيحُ رَبَطَ «ٱلْقَوِيَّ» فِي ٱلْبَرِّيَّةِ، وَأَكْمَلَ ٱلنَّصْرَ عَلَى ٱلصَّلِيبِ، حَيْثُ حُطِّمَتْ أَسْلِحَةُ ٱلْخَطِيئَةِ وَٱلْمَوْتِ.