موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
هذا الأحد الثالث من الزمن العادي غني المحتوى من خلال ثلاثة أمور، ولذلك فهو يستحق اهتمامنا وتأملنا. الأول: بداية رسالة يسوع العلنية ودعوة الرسل الأوائل؛ ثم الثاني: ختام أسبوع الصلاة من أجل وحدة المسيحيين؛ وأخيرًا: أحد كلمة الله.
بدأ يسوع رسالته ليس في المركز الديني في أورشليم، بل في "جليل الأمم"، وهي أرض حدودية، محتقرة وتعتبر غارقة في الظلمة. وبذلك تتحقق نبوءة أشعيا: "الشعب الجالس في الظلمة أبصر نورًا عظيمًا" (8: 9). الخلاص هو مبادرة من الله تقتحم ليلنا.
تبدأ كرازة يسوع بدعوة إلى التوبة: "توبوا"، يتبعها تبرير: "لأن ملكوت السماوات قد اقترب" (متى 4: 17ب). التوبة التي يطلبها يسوع ليست أمرًا أخلاقيًا بحتًا، بل هي دعوة لتغيير طريقة التفكير والعمل. فالحياة الجديدة لا تعتمد فقط على جهودنا، بل أساسًا على الإيمان بأن الله يعمل. في الواقع، ملكوت السماوات هنا، في متناول اليد، وهو يعمل بالفعل من خلال يسوع.
يسير يسوع على شاطىء بحيرة طبريا ويرى صيادين فيدعوهم. إنه لا يبحث عن "متخصصين في الدين"، بل يدعو عمّالاً متواضعين يبحثون عن خبزهم اليومي.
"هلمّ ورائي" أو "اتبعني". يفسر آباء الكنيسة، مثل أوريجانوس والقديس يوحنا فم الذهب، كلمة "اتبعني" كدعوة للاقتداء بالمسيح، واتباع مثاله في الحياة والمحبة والطاعة للآب. بينما يرى القديس أغسطينوس أن "اتبعني" تعني التخلي عن الـ"أنا"، وعن الأهواء والرغبات الخاصة، لاتباع مشيئة الله. أما بالنسبة للقديس توما الأكويني، فإن "اتبعني" تعني تمييز مشيئة الله وطاعتها، باتباع إرشاد الروح القدس.
إن "ترك الشباك والأب"، هو أكثر من مجرد تخلٍّ، إنه النتيجة الطبيعية لمن وجد شيئًا أعظم. تُترك الشباك، أي الماضي والضمانات، لاعتناق حرية جديدة.
من خلال دعوتهم ليكونوا "صيادي بشر"، لا يدمّر يسوع هوية التلاميذ، بل يرفعها: لقد كانوا صيادين، وسيظلون كذلك، ولكن بأفق جديد. "صيد البشر" يعني إخراجهم من المياه العميقة -رمز الموت والخطيئة والقلق- لإحضارهم إلى نور الحياة في الله.
ثانيًا، ختام أسبوع الصلاة من أجل وحدة المسيحيين.
هذه مبادرة مسكونية تعود إلى عام 1907، وانتشرت بعد ذلك في جميع أنحاء العالم مع تأسيس مجلس الكنائس العالمي عام 1948. هذا الأسبوع هو استجابة لصلاة يسوع من أجل وحدة المؤمنين به: "أيها الآب، ليكونوا واحدًا كما أننا نحن واحد، ليكونوا هم أيضًا واحداً فينا، ليؤمن العالم أنك أرسلتني" (يوحنا 17: 12). نحن مدعوون، كمسيحيين، للتألم بسبب انقساماتنا، وللصلاة والعمل من أجل المصالحة والوحدة بين المؤمنين بالمسيح.
علاوة على ذلك، فإن أي مبادرة حوار أصيل تحتاج إلى "السير على قدمين": الحقيقة والمحبة (راجع أفسس 4: 15). إن حوار الكنيسة الكاثوليكية مع الكنائس والجماعات المسيحية، وكذلك مع الأديان الأخرى، مدعو ليكون حوار حقيقة في المحبة. لا يمكن بناء علاقات حقيقية على الغموض والتسويات، بل فقط على هويات راسخة ومنفتحة في الوقت نفسه على الآخر وعلى حقيقته. يجب أن يكون الاحترام متبادلاً، مع تساوٍ في الحقوق والواجبات بين أطراف الحوار. هذه هي "المعاملة بالمثل" السليمة، كشرط ضروري لحوار حقيقي، ويحظى بالتالي بفرص نجاح.
أخيرًا، هناك أحد كلمة الله.
نحن مدينون للبابا فرنسيس بهذا الاحتفال الذي أقره في عام 2019. وهذه هي كلماته: "إن تخصيص يوم أحد من السنة الليتورجية لكلمة الله يسمح لنا، قبل كلّ شيء، أن نسمح للكنيسة بأن تعيش مجدّدًا عمل القائم من الموت الذي يفتح لنا أيضًا كنز كلمته حتى نتمكّن من أن نبشّر في العالم بهذا الغنى الذي لا ينضب. وتعود إلى الذهن، في هذا الصدد، تعاليم القدّيس أفرام: »من يستطيع أن يفهم، يا ربّ، كلّ غنى كلماتك؟ فما يفوق فهمنا هو أكثر بكثير مما يمكننا فهمه. إننا مثل العِطاش الذين يرتوون من النبع «(تعليقات حول الإنجيل الرباعي، 1، 18). من الجيّد، بالتالي، ألّا تفتقر حياة شعبنا أبدًا إلى هذه العلاقة الحاسمة مع الكلمة الحيّة التي لا يكلّ الربّ أبدًا من توجيهها إلى عروسه، حتى يتسنّى لها أن تنمو في المحبّة والشهادة للإيمان" (راجع الرسالة البابوية ”فتح أذهانهم “ رقم 2). لذلك، من المفيد لنا أن نتواصل يوميًا مع كلمة الله من خلال القراءة المتأنية لفصل من الكتاب المقدس، أو لإنجيل اليوم.
أيها الإخوة والأخوات، لنتبع يسوع كل يوم في تجديد مستمر للقلب والحياة، مغتذين بكلمته، وصائرين بناة للمصالحة والوحدة والأخوّة.