موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
حين يُذكر السلام في الأردن، لا يمكن فصله عن مفهوم المواطنة، فالتجربة الأردنية لم تبنِ الاستقرار على التوازنات الأمنية وحدها، بل على عقد اجتماعي واضح جوهره أن المواطن، بغضّ النظر عن دينه أو أصله هو أساس الدولة، وركيزتها الأخلاقية والسياسية. من هنا، لم يكن السلام في الأردن حالة ظرفية، بل نتيجة طبيعية لفلسفة حكم ربطت بين الكرامة الإنسانية، والمواطنة المتساوية، الحياة التشاركية.
لقد شدّد جلالة الملك عبد الله الثاني، في أكثر من مناسبة، على أن «قوة الأردن الحقيقية تكمن في وحدته الوطنية، وفي مواطنيه الذين يشكّلون نسيجًا واحدًا»، وهذا تأكيد بأن المواطنة ليست شعارًا، بل ممارسة يومية تقوم على العدالة، وسيادة القانون، واحترام التعدد، وهذه الرؤية لم تبقَ حبيسة الخطاب، بل انعكست سياسات عامة حافظت على تماسك المجتمع في منطقة تمزقها الصراعات.
وبوصفه دولة حديثة التكوين، أدرك الأردن مبكرًا أن السلام الداخلي هو ثقافة اجتماعية ترى في الاختلاف مصدر غنى وبالذات في الفترات التي تصاعدت فيه النزاعات الطائفية والهويات الفرعية، برز النموذج الأردني كحالة مغايرة؛ حيث ارتبط السلام بالمواطنة. وقد لخّص دولة عبد الرؤوف الروابدة هذه المعادلة بدقة حين قال إن العلاقة بين مكوّنات المجتمع الأردني «لم تُبنَ يومًا على أساس ديني، بل على أساس المواطنة والانتماء»، وهذه قراءة لواقع يومي يتجلى في المدارس والجامعات، وفي المناسبات الوطنية والدينية، وفي تفاصيل الحياة المشتركة.
الفهم العميق والصحيح للمواطنة مكّن الأردن من أداء دور إنساني استثنائي، فعلى الرغم من محدودية موارده، استضاف الأردن عبر العقود موجات لجوء متعاقبة من فلسطين ولبنان والعراق وسوريا، ويستضيف اليوم ما يزيد على 3.5 مليون لاجئ وفق تقديرات رسمية ودولية. لم يكن ذلك مجرد استجابة طارئة، بل ترجمة عملية لقناعة راسخة بأن كرامة الإنسان تسبق كل الحسابات.
أكد جلالة الملك عبدالله الثاني في أكثر من خطاب دولي أن الأردن «سيبقى ملاذًا آمنًا لمن يحتاج الحماية، دون أن يفرّط في استقراره أو هويته الوطنية»، رابطًا بين الواجب الإنساني وحماية الدولة، وبين السلام الداخلي والمسؤولية الإقليمية. هذا التوازن الدقيق هو ما منح الأردن احترامًا دوليًا متزايدًا، وجعل صوته مسموعًا في أكثر الملفات حساسية.
ولا يمكن فصل هذا المسار عن الدور التاريخي للعائلة الهاشمية، التي حملت مسؤولية السلام كالتزام أخلاقي وسياسي، بدءًا من الوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس، مرورًا بالدفاع المستمر عن الحقوق الفلسطينية، وصولًا إلى الدعوة لحلول سياسية عادلة تحفظ كرامة الإنسان. فالسلام، كما يقدمه الأردن هو موقف أخلاقي واضحاً ومستمر.
وهنا تبرز مسؤولية الإعلام بوصفه شريكًا في حماية هذا النموذج. فالإعلام قادر إما على ترسيخ قيم المواطنة والحياة التشاركية أو على تقويضها (من خلال خطاب التحريض والانقسام)، ومن هنا، تصبح حماية السردية الوطنية، سردية السلام المرتبط بالمواطنة، واجبًا مهنيًا لا يقل أهمية عن أي دور أمني أو سياسي.
أثبتت التجربة الأردنية، والتاريخ يشهد أن السلام الحقيقي لا يُفرض، بل يُبنى، يُبنى حين يشعر المواطن أنه شريك، وحين تُدار الاختلافات بالحكمة، وحين تتحول المحبة من قيمة أخلاقية إلى ثقافة ومن ثم سياسة اجتماعية ملموسة ومحسوسة. بهذا المعنى، لا يقدّم الأردن للعالم مثالًا مثاليًا يكون ضرباً من الخيال، بل نموذجًا واقعيًا قابلًا للفهم والتطبيق.
الاردراك بأن السلام ليس غياب النزاعات، بل حضور المواطنة، ولا يكون بالخطابات، بل بالممارسة اليومية التي تحمي الدولة والمجتمع معًا. وهذه هي القوة الحقيقية في أردننا بأننا ورغم كل يحيط بنا من ظروف سياسية تفرض نفسها إلا أننا عُرفنا بأننا مساحة اتزان وبلد استقرار في عالم فقد توازنه.
حمى الله الوطن
(الدستور الأردنية)