موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر الإثنين، ٥ يناير / كانون الثاني ٢٠٢٦

ثلاث نساء تَحدّين يسوع

بقلم :
رمزي ناري - الأردن
قراءة تأمليّة في الإيمان الجريء

قراءة تأمليّة في الإيمان الجريء

 

حين يواجه يسوع إيمانًا حقيقيًا، لا يظلّ كما كان.

 

هذا ما تخبرنا به قصص ثلاث نساءٍ اقتربن منه لا بوصفهّن خصومًا، بل بوصفهّن محتاجات. نساءٌ لم يأتين للاعتراض، بل للمخاطرة؛ لم يـأتين لإثبات موقف، بل لانتزاع حياة.

 

في مواجهة هذا الإيمان الجريء، استجاب يسوع بطرائق أربكت من حوله، وكأنّ المشهد كلّه كان يُعاد ترتيبه من جديد.

 

لسنا غرباء عن قصص معارضة يسوع: الفريسيون، معلّمو الشريعة، المتديّنون الحذرون. لكنّ الأناجيل تحفظ لنا نوعًا آخر من المواجهة؛ مواجهة لا تنبع من العداء، بل من الحاجة الملحّة، ومن إيمانٍ يرفض أن يعود خائبًا.

 

ثلاث نساءٍ، مهمّشات كلّ واحدة بطريقتها، تجرّأن على كسر الحدود: حدود العِرق، والطهارة، والقرابة، فكان الردّ الإلهي أوسع من كلّ توقّع.

 

 

المرأة الكنعانيّة: الإيمان الذي لا يتراجع

 

في أحد أكثر الحوارات إرباكًا في إنجيل متّى، تقف امرأةٌ في مواجهة يسوع. لا تخاطبه من موقعٍ آمن، ولا من داخل الجماعة، بل من خارج كلّ الدوائر المسموح بها. هي كنعانيّة. اسمٌ وحده كافٍ ليستحضر تاريخًا طويلًا من العداوة والنبذ.

 

تصرخ. لا تهمس. تطلب شفاء ابنتها، وكأنّ الألم قد منحها حقّ الكلام. يصمت يسوع. يصمت طويلًا بما يكفي ليُحرج التلاميذ، فيطالبونه بصرفها. ثمّ يأتي الردّ: كلمات قاسية، جارحة، تكاد تُغلق الباب نهائيًا.

 

لكنّ المرأة لا تنسحب. في لحظةٍ نادرة، يتحوّل الحوار إلى ما يشبه المبارزة، لا بين ضعفٍ وقوّة، بل بين إيمانٍ وحدود. تلتقط المرأة الصورة التي يرسمها يسوع، وتعيد استخدامها، لا لتُهينه، بل لتُصرّ. حتى الكلاب تأكل من الفتات.

 

هنا، يتغيّر كلّ شيء. لا لأنّ المرأة غلبت يسوع، بل لأنّ إيمانها كشف عمق الرسالة التي جاء بها. إيمانٌ لا يطالب بالمكانة، بل يثق بالرحمة.

 

كانت امرأةً بلا حقوق، بلا اسم، بلا امتيازات. ومع ذلك، عرفت ما لم يعرفه كثيرون: أنّ هذا الرجل هو أكثر من معلّم، وأكثر من نبيّ.

 

لم تتراجع. فاستجاب يسوع.

 

 

المرأة النازفة: حين يطهِّر الضعف القوّة

 

اللقاء الثاني أكثر صمتًا، وأكثر وجعًا. امرأةٌ أنهكها النزيف اثنتي عشرة سنة، لا جسدًا فقط، بل وجودًا كاملًا. في مجتمع يقيس الطهارة باللمس، كانت هي مصدر الخطر. كلّ اقترابٍ منها يُعدّ تهديدًا. اثنتا عشرة سنة من العزلة. من المراقبة من بعيد. من الحياة على الهامش.

 

تأتي يسوع من الخلف. لا تطلب، لا تصرخ، لا تجادل. كلّ ما تريده أن تلمس طرف الثوب. إيمانها ليس خطابًا، بل حركة صغيرة يائسة.

 

وحين يحدث الشفاء، لا يترك يسوع الأمر يمرّ بصمت. يتوقّف. يسأل. يبحث. وكأن الجسد الذي شُفي يحتاج أن يُعاد إلى العلن، إلى المجتمع، إلى الكرامة.

 

ما كان ينبغي أن يحدث –بحسب الشريعة– هو أن تُنجِّس المرأة يسوع. لكن ما حدث هو العكس.

 

لم يكن الشفاء جسديًا فقط، بل استعادة اسم: «يا ابنتي». في تلك الكلمة، عاد كلّ شيء إلى مكانه.

 

 

مريم: الإيمان الذي يعرف قبل أن يرى

 

القصّة الثالثة مختلفة في ظاهرها، لكنها لا تقلّ جرأة. في عرسٍ بسيط في قانا الجليل، ينفد الخمر. مشكلة اجتماعيّة محرجة، لكنّ مريم تراها قبل الجميع. لا تشرح، لا تُلحّ، تقول فقط: ليس لهم خمر.

 

يردّ يسوع بردّ يبدو قاسيًا، متحفّظًا، كأنّه يضع مسافة بينه وبين الطلب. لكن مريم لا تدخل في جدال. تلتفت إلى الخدّام وتقول جملة واحدة، وكأنها تعرف النتيجة مسبقًا: افعلوا ما يقوله لكم.

 

هي لا تعرف كيف سيتدخّل، لكنها واثقة أنّه سيفعل. وحين يتحوّل الماء إلى خمر، لا يقدّم الإنجيل شرحًا تقنيًا، بل يتركنا أمام الدهشة. وكأنّ الخليقة نفسها تعرّفت إلى صوت خالقها.

 

قال أحد الآباء: «نَظرَتْ المياه إلى وجه خالقها، فاحمرّت خجلًا».

 

 

ما الذي تعلّمنا إيّاه هؤلاء النساء؟

 

في عالمٍ لم يكن يُنصت للنساء، ولا للغرباء، ولا للمنبوذين، اختار الله أن يستجيب للإيمان حيثما وُجد، لا حيثما توقّعه الناس.

 

لكنّ ما يجمع هؤلاء النساء ليس الهامش فقط، بل الإصرار. إيمانٌ لا يقبل الجواب السريع، ولا الحلّ السهل، ولا العودة خالي الوفاض.

 

هذا النوع من الإيمان مُرهق. غير مريح. ويصعب الدفاع عنه. ربما لأنّ قوّة الله –كما يقول بولس– لا تظهر في الاكتمال، بل في الضعف. في الإصرار، في السؤال المتكرّر، في القرع الذي لا يتوقّف.

 

هكذا جاءت هؤلاء النساء: بلا ضمانات، بلا يقينٍ كامل، لكن بثقةٍ لا تعرف التراجع. وهكذا، فُتح الباب.