موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر الخميس، ١٢ فبراير / شباط ٢٠٢٦

تميّيز الــiota بين كاتبي سفر سيراخ والإنجيل الأول

بقلم :
د. سميرة يوسف سيداروس - إيطاليا
سِلسلة قِراءات كِتابيّة بين العَهدَّين (سي 15: 16- 20؛ مت 5: 17- 37)

سِلسلة قِراءات كِتابيّة بين العَهدَّين (سي 15: 16- 20؛ مت 5: 17- 37)

 

الأحد الخامس من الزّمن العاديّ (أ)

 

الـمُقدّمة

 

سنتعمق في هذا الـمقال بسلسلتنا فيما بين العهدّين بين قرائتين يحملانا كلّيهما على التميّيز. ففي العهد القديم حيث تأتينا كلمات ابن سيراخ لتكشف الحريّة الحقّة النابعة من التميّيز الدقيق (سي 15: 16-20). ثم في العهد الجديد تأتينا كلمات يسوع في العظة الأوّلى بحسب بشارة متّى (مت 5: 17-37) للتوقف أمام كلّ ما هو صغير وبسيط. يهدف كلا الكاتبين إلى التمسك بنعمة التميّيز والنمو من خلالها في الإيمان بالرّبّ من خلال حريتنا البشريّة فهي بمثابة الـمعيار الّذي يحملنا على التميّيز لأدق الأشياء والحروف مثل حرف الـ iotaفي اللغة العبريّة والّتي ستصير مثل قوي يحمل رسالة لّاهوتيّة ذات قيمة لنا اليّوم وتحملنا للتميّيز في أصغر الأشياء لنؤهل للـملكوت.

 

 

1. حريّتيّ أم حريّتك؟ (سي 15: 16-20)

 

في حديث الحكيم سيراخ عن الرّبّ يكشف بأنّه الإله الـمُتميز حيث يعلن بإنّه هو الـمانح الحريّة لكلّ إمرء بقوله: »وَضَعَ [الرَّبَ] أَمامَكَ النَّارَ والـماء فتَمُدّ يَدَكَ إِلى ما شِئتَ. الحَياةُ والـمَوتُ أَمامَ النَّاس فما أَعجَبَهم يُعْطى لَهم. إِنَّ حِكمَةَ الرَّبَ عَظيمة وهو قَوِيٌّ قَديرٌ يَرى كُلَّ شيَء. وعَيناه إِلى الَّذينَ يَتَّقونَه وهو يَعلَمُ كُل أَعْمالِ الإِنْسان. لم يُوصِ أَحَدًا أَن يَكونَ كافِرًا ولا أَذِنَ لأَحَدٍ أَن يَخطَأ« (سي 15: 16-20). هناك إرادتيّن يعملان معًا، الإرادة الإلهيّة الّتي تمنح بسخاء وتعطي والأخرى البشريّة الّتي عليها أنّ تتوقف لتُميّيز قبل أنّ تختار شيئًا مما هو أمامها. وهنا تأتينا رسالة الحكيم بأبوّة إلهيّة لا توصف حيث أنّ الحكمة هي الّتي تقوده، فهي معه منذ الأزّل. وعيناه الّتي ترافق مَن يتقيّه ويعمل بمشورته. وهنا تلعب حريّة الإنسان باختيارها لـما يتماشى مع الإرادة الإلهيّة أو العكس. تأتي نعمة التميّيز لترافق مَن ينتمي للرّبّ حيث إنّه يختار الحياة والـماء وكلّ ما هو خيّر وصالح لأنّه يقوم بإستشارة الرّبّ في كلّ أموره. الحريّة الإلهيّة هي بمثابة قضيب القطار الّذي لا يسير على قضيب بمفرده، وهنا تأتي عظمة إلهنا حيث يشارك الإنسان بحريته ليختار فيصير القصيب الآخر ليُتتممّ الـمشيئة الإلهيّة في حياته وبحريته دون إجبار. وهنا يكمن السِرّ الّذي يعلنه الله للحكيم سيراخ في التميّيز الّذي يختاره بحريّة الإنسان ليكون فيما هو للرّبّ. وهذا ما سنراه لاحقًا بشكل واضح في كلمات يسوع حيث يعطينا لفظ iota ليساعدنا حقًا على التميّيز.

 

 

2. أنا وأنت والـ !iota(مت 5: 17- 27)

 

يتناول يسوع في حديثه بمقالنا هذا، والّذي نستكمل ما قمنا بتفسيره في الـمقاليّن السابقيّن، وهو مقطع طويل سنتناول فيه بعض النقاط اللّاهوتيّة. لازلنا جالسيّن مع الجمع على جبل التطّويبات، نصغي إلى تعليم يسوع في أوّل عظة له بحسب إنجيل متّى. بعد أنّ قدم يسوع التسّع تطويبات (راج مت 5: 1-12)، كاشفًا العكس تمامًا لـما هو بشريّ بحسب الـمخطط الإلهيّ الّذي آتى خصيصًا ليعلنه لنا بوضوح وبدون أي غموض. ثمّ من خلال الإستعارتيّن الـملح والنّور (راج 5: 13- 16)، أرشدنا يسوع لنعبر من الظّلام إلى النّور.

 

في هذا الـمقطع الجديد والـمُطّول (مت 5: 17- 27) يفتتح يسوع خطبته التعليميّة بإرشادنا من خلال مثليّن عمليّن، وإستعانته بحرف من الحروف الأبجديّة العبريّة وهو حرف الــ iota قائلاً: »الحَقَّ أَقولُ لَكم: لن يَزولَ حَرْفٌ أَو نُقَطَةٌ مِنَ الشَّريعَة حَتَّى يَتِمَّ كُلُّ شَيء، أَو تزولَ السَّماءُ والأَرض.  فمَن خالفَ وَصِيَّةً مِن أَصْغَرِ تِلكَ الوَصايا وعَلَّمَ النَّاسَ أَن يَفعَلوا مِثْلَه، عُدَّ الصَّغيرَ في مَلَكوتِ السَّمَوات. وأَمَّا الَّذي يَعمَلُ بِها ويُعَلـمُها فذاكَ يُعَدُّ كبيراً في ملكوتِ السَّمَوات« (مت 5: 18-20). حرف الــ iota هو ما يشبه الـفصلة "،" في اللغة العربيّة. يدعونا يسوع للتميّيز العميق فكلّ ما هو صغير نطيعه أو نخالفه من الكلمة الإلهيّة له قيمته وعظمته في ملكوت السّموات، يكتمل فكر الحكيم الّذي يكشف عن حريّة الإنسان متى أطاع ومتى خالف، وهنا بالرغم من أنّ هذا الحرف iota بالرغم من صغره، فهو بالكاد قد لا يظهر في الكلمة ولكن لا تُفهم الكلمة بدونه. بهذا الـتشّبيه يشير علينا يسوع بتأكيده بأنّه كـمتمم للشريعة والكتب الـمقدسة بالعهد القديم، كما أشرنا بالـمقال السابق، فحضوره وتجسده لن يلغي أي حرف منها بالرغم من صغره. وبهذا يحمل لنا رسالة ذات قيمة لّاهوتيّة في حياتنا كمؤمنين بالرّبّ وهو أنّ أصغر الأشياء الّتي نحياها بناء على كلمة الرّبّ هي الّتي تجعل لنا مكان في الـملكوت. مدعويّن في علاقتنا بالرّبّ أنّ ننتبه ونُميّز أصغر القرارات اليوميّة لأنها تحملنا على طاعة أو مخالفة كلمة الله. يتحاور يسوع مع جمع ينتمي للديانة اليهوديّة ويُقدّر أهميّة الشريعة وبهذا يؤكد يسوع بأنّ طاعتنا لكلمة الله بالكتاب الـمقدّس بعهديّه وسيلة ضروريّة لتحملنا للملكوت في حالة إختيارنا بحريّة بأنّ نطيع ونقرر بناء على أصغر الحروف والكلمات الّتي يكشفها لنا الرّبّ.

 

 

3. زيّادة البرّ! (مت 5: 20)

 

تأتي خلاصة تعليم يسوع في هذا الـمقطع بالتركيز على لفظ خاص يوجهه لنا كمستمعيّن ومؤمنيّن به قائلاً:  »فإِنِّي أَقولُ لكم: إِن لم يَزِدْ بِرُّكُم على بِرِّ الكَتَبَةِ والفِرِّيسيِّين، لا تَدخُلوا مَلكوتَ السَّموات« (مت 5: 20). جاء في كتب الشريعة الإنتبهاه للعيش برّوح البرّ اليهوديّ النقيّ. وهنا يأتي يسوع حاملاً الجديد داعيًا إيانا بعدم الإكتفاء بالعيش برّوح البرّ العاديّ بل مدعويّين لتجاوزه من خلال الزيّادة. يحمل لفظ "يَزِدْ بِرُّكُم" على إننا مدعويّين بعدم الإكتفاء بإتباع البرّ في نطاقه الضيق بل نسعى إلى ما وراءه. وهذا ما حمله يسوع في تعليمه وتجسّده وذاته أيضًا. إذ علينا بالإبداع والنمو في إيماننا من خلال فضيلة البرّ الّتي تزيد وتنمو بناء على علاقتنا بالرّبّ مصدر ومنبع كلّ برّ.

 

 

4. القديم أم الجديد؟ (مت 5: 21-33)

 

يتكرر على لسان يسوع، في هذا الـمقطع الأخير، بحسب متّى تعبير هام ليساعدنا مع الجمع للإنتقال من الإيمان بالشريعة، وهو ما يشبه الإيمان السطحيّ، لقبول رسالة جديدة وهي الّتي آتى يسوع حاملاً إياها لنا بقوله: »سَمِعتُم ... أَمَّا أَنا فأَقولُ لكم «(مت 5: 20. 27. 30. 33). وهنا يأتي الإكتمّال والإتمّام، دون أنّ يلغيّ يسوع أي شيء بل يضيف. وهنا يبدع معلمنا يسوع في أنّ يستمر ما أوحى به الله بالـماضي، ليستكمله برسالته الخلاصيّة الجديدة الّتي تصل إلى ذروتها في ذاته.

 

وبشكل عمليّ وليس كلمات نظريّة يحاور يسوع قلوبنا لتغيير مسار حياتنا فنصير أهلاً للـملكوت من خلال التوبة العمليّة والتغيير من حياة ماضية مشوبة بالخطيئة إلى حياة بارّة تحملنا للـملكوت. فسنبرهن على هذه النقطة اللّاهوتيّة الّتي يكررها متّى على لسان يسوع لتوضيحها بأحد تعاليمه. حينما يعلمنا يسوع قائلاً:

 

سَمِعتُم أَيضاً أَنَّه قِيلَ لِلأَوَّلين: ”لا تَحْنَثْ، بل أَوفِ لِلرَّبِّ بِايْمانِكَ

 

أَمَّا أَنا فأَقولُ لكم: لا تَحلِفوا أَبداً، لا بِالسَّماءِ فهِيَ عَرشُ الله، ولا بِالأَرضِ فهيَ مَوْطِئُ قدَمَيْه، ولا بِأُورَشليم فهيَ مَدينةُ الـملِكِ العَظيم. ولا تَحلِفْ بِرأسِكَ فأَنتَ لا تَقدِرُ أَن تَجعَلَ شَعرةً واحِدَةً مِنه بَيضاءَ أَو سَوداء. فلْيَكُنْ كلامُكم: نعم نعم، ولا لا. فما زادَ على ذلك كانَ مِنَ الشِّرِّير (مت 5: 33- 37).

 

تعليم يسوع يستعيد أحدى كلمات الرّبّ العشر «لا تَلفُظِ اِسمَ الرَّبِّ إِلهِكَ باطِلاً، لأَنَّ الرَّبَّ لا يُبَرِّئُ الَّذي يَلفُظُ اِسمَه باطِلاً» (خر 20: 7). تركيز يسوع على عدم التلفظ باِسم الله بالباطل موجهًا تعليمه بصيغة الجمع (لنا) ثمّ بصيغة الـمفرد (ليّ ولك) ليشير إلى الإستمرار في إيماننا بالرّبّ كآخر عظيم ولا نستمر في ترديد إسمه القدّوس في كلّ كبيرة وصغيرة طالبين الآخرين بأنّ يُصدّقوا ما أعلناه. نعم إنّ الرّبّ هو آخر ولكنه آخر إلهي وعظيم ليس بإنسان! مدعويّن بالإنتباه بأنّ قُرب الله وحبّه لنا لا يجعلنا نعتبره إنسانًا مثلنا، فهو خالقنا ونحن مخلوقيّن. وبنهاية هذا الـمقطع والنص عامة يدعونا يسوع إلى الوضوح "نعم نعم، ولا لا؛ دون زيادة في الكلام. الإقتصار في كلماتنا أفضل إذ لا يحملنا على تكرار أو إضافة ما لا يدعونا للإيمان. فكلمة واحدة بل حرف واحد من الرّبّ يكفي لنمو إيماننا به والإستمرار في الإيمان به كـمٌتتم ومُكمل لكتب العهد القديم.

 

 

الخلّاصة

 

تعمقنا في هذا الـمقال من خلال كلمات يشوع ابن سيراخ (15: 16- 20) الّذي كشف لنا عن أهميّة الحريّة الناضجة بشريًا إذ تتفاعل مع الـمشئية الإلهيّة وتتمكن من إختيار ما يُتمم المخطط الإلهي العظيم من خلال نعمة التميّيز. يتناغم ما كشفه سيراخ بالعهد القديم مع ما يكشفه لنا يسوع اليّوم بالعهد الجديد من خلال مقطع خاص بالعظة الأوّلى بحسب متّى (5: 17- 37) والّذي يفتتحه بتعليمه عن الــ iota كما أشرنا بأعلاه. التميّيز في صغره وبساطته هو أساسيّ بل جوهري في إيماننا فالقليل منه يجعلنا ندخل في الـمشيئة الإلهيّة ويمنحنا الفهم لنعرف كيف ندخل الـملكوت ببساطة حياتنا وتعميق إيماننا معتمديّن على التميّيز في أصغر الحروف وأبسط الكلمات الّتي يتواصل بها الرّبّ معنا اليّوم. دُمتم في تميّيز مستمر منطلقين من الــ iota وهي أصغر الحروف بكلمات الرّبّ بالعهد القديم.