موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر الأربعاء، ٢٨ يناير / كانون الثاني ٢٠٢٦

المرأة في مواجهة اقتصاد الذكاء الاصطناعي: فجوة رقمية أم فرصة للتمكين الاقتصادي؟

د. مارسيل جوينات

د. مارسيل جوينات

د. مارسيل جوينات :

 

في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم بفعل الذكاء الاصطناعي والتقدم الرقمي، يبرز تمكين المرأة اقتصاديًا كأحد الملفات الأكثر إلحاحًا، ليس فقط من منظور العدالة الاجتماعية، بل باعتباره ركيزة أساسية للنمو الاقتصادي المستدام. فقد غيّر الذكاء الاصطناعي طبيعة العمل، وأعاد رسم خريطة الوظائف، وفرض واقعًا جديدًا تتحول فيه المهارات الرقمية من خيار إضافي إلى شرط أساسي للمشاركة الفاعلة في سوق العمل.

 

تشير إحصاءات دولية حديثة إلى أن النساء لا يشكّلن سوى نحو 29٪ من القوى العاملة في مجال الذكاء الاصطناعي عالميًا، مقابل 71٪ للرجال، ما يعكس فجوة واضحة في أحد أسرع القطاعات نموًا وأكثرها تأثيرًا على اقتصاد المستقبل. هذه الفجوة لا تقتصر على التوظيف فحسب، بل تمتد إلى فرص التدريب، والوصول إلى التقنيات المتقدمة، والمشاركة في مراكز صنع القرار التكنولوجي. وفي المقابل، تظهر بيانات أخرى أن النساء أكثر عرضة لتأثيرات الأتمتة، إذ تعمل نسبة تُقدّر بنحو 30٪ من النساء في وظائف مهددة بالاستبدال بالتقنيات الذكية، مقارنة بنسبة أقل بكثير لدى الرجال، ما يضع المرأة أمام تحدٍ مزدوج يتمثل في خطر الإقصاء من سوق العمل الرقمي وصعوبة اللحاق بالمهارات الجديدة المطلوبة.

 

ورغم هذه التحديات، تكشف الأرقام عن فرص واعدة إذا ما تم الاستثمار فيها بالشكل الصحيح. ففي بعض برامج التدريب الرقمي وحاضنات الأعمال التقنية، وصلت نسبة مشاركة النساء إلى ما يقارب 45–50٪، بل وتجاوزت في بعض المبادرات نسب مشاركة الرجال، ما يؤكد أن الفجوة ليست في القدرة أو الكفاءة، بل في إتاحة الفرص والموارد. كما تشير تقارير اقتصادية إلى أن تقليص الفجوة الرقمية بين الجنسين يمكن أن يضيف مليارات الدولارات إلى الناتج المحلي الإجمالي العالمي خلال العقد المقبل، وهو ما يجعل تمكين المرأة رقميًا استثمارًا اقتصاديًا بامتياز.

 

الذكاء الاصطناعي يفرض اليوم مجموعة جديدة من المهارات المطلوبة، مثل تحليل البيانات، والتعامل مع الخوارزميات، وفهم أدوات الأتمتة، إضافة إلى المهارات الناعمة كالتفكير النقدي والقدرة على التعلم المستمر. غير أن وصول النساء إلى هذه المهارات لا يزال غير متكافئ، خاصة في الدول النامية، حيث تتداخل العوامل الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لتحد من مشاركة المرأة في التعليم التقني والتخصصات الرقمية. ويضاف إلى ذلك التحيز الخوارزمي في بعض أنظمة الذكاء الاصطناعي، التي قد تعكس أنماطًا تاريخية من عدم المساواة، ما يهدد بإعادة إنتاج الفجوة الجندرية بدل تقليصها.

 

في المقابل، يتيح الاقتصاد الرقمي فرصًا غير مسبوقة للمرأة، أبرزها العمل عن بُعد، وريادة الأعمال الرقمية، والوصول إلى أسواق عالمية دون قيود جغرافية. وتشير بيانات منصات العمل الحر إلى أن نسبة النساء العاملات عبر الإنترنت في تزايد مستمر، خاصة في مجالات التسويق الرقمي، والتصميم، وتحليل البيانات، ما يعكس قدرة المرأة على التكيف مع متطلبات الاقتصاد الجديد إذا ما توفرت البيئة الداعمة.

 

إن التحدي الحقيقي لا يكمن في سرعة تطور الذكاء الاصطناعي بحد ذاته، بل في قدرة السياسات التعليمية والاقتصادية على مواكبة هذا التطور بشكل عادل وشامل. فتمكين المرأة اقتصاديًا في عصر الذكاء الاصطناعي يتطلب استراتيجيات واضحة تركز على التعليم الرقمي المبكر، والتدريب المستمر، ودعم المشاريع التقنية النسائية، وضمان بيئات عمل مرنة وآمنة. ومن دون ذلك، قد تتحول الثورة التكنولوجية إلى عامل جديد يعمّق الفجوة بدل أن يكون أداة للتمكين.

 

في المحصلة، يقف العالم اليوم أمام مفترق طرق: إما استثمار الذكاء الاصطناعي كقوة دافعة لتمكين المرأة وتعزيز مشاركتها في الاقتصاد الرقمي، أو القبول باستمرار فجوة جندرية قد تحرم الاقتصادات من نصف طاقتها البشرية. الأرقام واضحة، والفرص متاحة، ويبقى القرار في كيفية توجيه هذا التحول التكنولوجي ليكون أكثر شمولًا وإنصافًا.