موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر الأربعاء، ٥ ابريل / نيسان ٢٠٢٣

ماذا عن الغباء الاصطناعي؟!

بشار جرار

بشار جرار

بشار جرار :

 

هو أخطر مما وصفه مالك تويتر وتيسلا وسبيس إكس ونيورالينك وشركة بورنيغ المتخصصة في بناء الأنفاق الذكية وصديقة البيئة، عبر تقنيات الهندسة الجيولوجية.. ليس وحده الذكاء الاصطناعي «خطرا وجوديا» على البشرية وإنما الغباء الاصطناعي أيضا. بل هو أكثر خطورة لأنه من صنع يدي البعض، لا مستوردا ولا مفروضا. يخلق الإنسان ذكيا بالضرورة. بذكاء -الحد الأدنى فيه- يفوق -كما سأوضح لاحقا- أكثر برامج الذكاء الاصطناعي تعقيدا..

 

بعيدا عن القارئين والسامعين، بعض الناس يصر على ادعاء الغباء ولا أقول الابتلاء به. باستثناء من رفع عنهم القلم، كل عاقل ذكي بالضرورة. ذكاء الإنسان فردا وجماعات، وراثي طبيعي، طبعا بتفاوت تقتضيه حكمة إعمار الأرض. الإنسان مجبول على كونه عاقلا حتى ما قبل البلوغ والرشد.

 

بعض هذا الذكاء فطريّ وبعضه الآخر سهل الاكتساب. وكم من الناس رزقهم الله دونما طلب أو عناء، فكان كالرزق الذي يسعى إليه. الذكاء نعمة ربانية وتكريم إلهي. مما يقضي بلوم وإدانة كل من يرفض النعمة والتكريم. الرفض في بعض الحالات إساءة لأسماء الجلالة وصفاتها، والعياذ بالله.

 

قرأت عدة كتب متخصصة في عالم الذكاء الاصطناعي المعروف اختصارا ب «آي إيه»، «آرتيفيشال إنتيلجينس». أحدثها صدر في حزيران العام الماضي للبروفيسور روبرت جيه ماركس بعنوان: أنت لا منافس لك.. أنت الإنسان يقصد الكاتب. أكثر ما تأثرت به وأول ما شدني إلى الكتاب ما خطّه المؤلف تحت بند التكريس. «إليك وحدك يا من قلت: أنا هو..» يقصد اقتباسا مما ورد في الكتب المقدسة جميعها، عن تجلي الله عز وجل، في نار العلّيقة في طور سيناء لكليم الله، سيدنا موسى. جدير الذكر أن مؤلف الكتاب خدم في مواقع أمريكية عسكرية وأمنية حساسة، في القطاعين العام والخاص. وضع خلاصة خبرته دون أن يفشي سرا واحدا أو يتفاخر بأنه «كاشف الأسرار» و «العارف ببواطن الأمور»! ومن الذكاء الحقيقي التواضع. «من اتّضع ارتفع».

 

وكما «رأس الحكمة مخافة الله»، فإن أولى بذار الذكاء وثماره معرفة في الأصل ثلاثية: الذات وخالقها وعدوها. وقد قيل في تعريف الإنسان «هو ذلك المخلوق العارف بنفسه». معرفة الذات رحلة طويلة، البعض يمضي العمر كله دون إدراكها. كثيرون في المقابل الذين يزعمون معرفة ما هو أكثر تحديا لذكاء الإنسان. أعني بذلك معرفة الله الحق، حقّ المعرفة. وكشف الشيطان الرجيم وأدواته وألاعيبه.

 

وأي الأزمان أفضل من أزمنة الصوم فروضا وطاعات، لنيل مكرمات ونفحات ربانية هي -بحسب مؤلف الكتاب- أصل الذكاء ونبعه الذي لا ينضب. لن يفلح قوم ولا عمل لم يتصل بمصدر الطاقة، الطاقة الحقيقية الأصلية المتجددة المستدامة. الطاقة النورانية التي تزيد ولا تنقص..

 

من الذكاء الطبيعي، إخضاع كل ما نحن بصدده من اختيارات وقرارات في حياتنا الشخصية والمهنية لما هو أكثر كفاءة من «جي بي إس» كقارئ لإحداثيات الحركة ومرشد لماسك مقود الحافلة. من الذكاء -لا نقيضه- التمسّك والتعلق لا بل التشبّث بتلك البوصلة الخالدة ذات المصنعية الذاتية، إن جاز التعبير. بمعنى إنها بوصلة ربانية منحها الله تكريما لخلقه كافة، دونما تمييز. هي دليل الجلال والكمال، كمال عدله ورحمته، وجلال كراماته ومكرماته، سبحانه.

 

(الدستور الأردنيّة)