موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر الأحد، ١٦ مارس / آذار ٢٠٢٥

توبة وعودة إلى الحب والحنان

بقلم :
المطران كريكور كوسا - مصر
توبة وعودة إلى الحب والحنان

توبة وعودة إلى الحب والحنان

 

"أقوم وأمضي إلى أبي فأقول له: يا أبتِ إني خطئتُ إلى السماء وإليك" ( لوقا ١٥ : ١٨). الصوم هو استمرار لفعل التوبة، والتوبة تعني القيام المستمر والإرتماء في حضن الآب، حيث نكتشف في قلب الله حنانه غير المحدود في المحبة.

 

 

أقوم وأرجع إلى أبي

 

مع الأسف: نحن نتذمُر على الله ونقول، ربنا تركنا! والحقيقة نحن الذين نتركه ونبتعد عنه، ونذهب إلى حظيرة الخنازير لننغمس في وسخ الخطايا، ولنعيش حريتنا بحسب إرادتنا ومفهومنا الخاطئ. وعندما نفشل نرجع إلى ذواتنا ونكتشف حقيقة أبدية. إنّ محبة الله اللامتناهية في داخلنا ولا يمكن أن تتركنا أو تنقص قوتها وفعاليتها، بل على العكس يزداد تعمقنا في البحث عنها وإكتشافها.

 

ما أجمل حنان الله الآب والجلوس في حضنه الواسع الذي ينبض حناناً ورأفة. ما أجمل استقباله لنا، وقبول كل واحدِ منا، رغم ضعفنا البشري وكبريائنا وحقارتنا ومعاصينا. نعم هو أعظم معلم ومشجع لنا للنهوض على أرجلنا رغم تكرار سقوطنا بإرادتنا أثناء رحلتنا الأرضية. من أجل ذلك، تعالوا نسير بخطوات قوية وثابتة في التوبة لأن أبينا السماوي ينتظرننا ويداه مفتوحتان ليضمنا إلى صدره ويعانقنا، وبقبلاته الممزوجة بدموع الفرح تشجّعنا للبقاء معه، ولأن الحلة الأولى، القداسة التي نلناها يوم معموديتنا، تنتظر عودتنا، ورغم كثرة خطايانا المتكررة، بجسده ودمه يطهّرنا منها بشرط ندامتنا والاعتراف بها.

 

 

الغاية من التوبة

 

هو التعمق في اكتشاف أبعاد حب الله واتساع قلبه. فأنا، وأنتم، وكلنا علينا أن نقول مع الابن الضال، وكما نسميه أيضًا "الابن الشاطر": بذّرت أموال أبي التي أعطاني إياها من مواهب وعلم وصحة ومال و... وأسرفتها في العالم مع أصدقاء السوء لملذاتي الشخصية.

 

علينا أن نسأل أنفسنا بفحص الضمير يوميًا، بضمير حيّ، كيف سيستقبلني ويقابلني أبي الرؤوف، أبينا أجمعين الرحوم؟ نعم إنه سيراني من بعيد، وسيركض ويقع على عنقي ويقبلني طويلاً (لوقا ١٥: ٢٠)... هذا هو الحب، هذا هو رجاء الخاطئ .والقصد من التوبة هو اكتشاف غنى بيت الآب، أعني غنى الكنيسة المقدسة أمنّا، "الأُم والمعلمة"، فيها الكنوز والألئ والحلل التي لا تقدّر بثمن:

 

الحلة الأولى المعمودية، والثانية الخاتم علامة الشركة الدائمة مع الآب، والحذاء الجديد يؤدي إلى طريق جديدة، وحياة جديدة، وإذبحوا العجل المسمن (لوقا ١٥: ٢٢-٢٣)، الذبيحة إشارةً إلى وليمة الإفخارستيا، القداس الإلهي، حيث يُجَدّد ويُقدّم جسد الرب ودمه على مذابح كنائسنا على مدار اليوم، عملاً بوصية الرب يسوع: "إصنعوا هذا لذكري" (لوقا ٢٢: ١٩).

 

ومن أجمل ميزات التوبة الفرح... وهذا الفرح أكبر مُشَجّع لنا في رحلة الصوم... فرح أولاد الله التائبين إلى أبيهم السماوي والمجتمعين حول المذبح، المائدة السماوية، ليأكلوا ويشربوا جسد الرب ودمه، لكي يتطهروا من خطاياهم، ولا يقعوا فيها ثانية. يا له من فرح لا يوصف!

 

إنها طبيعة الكنيسة التائبة، المنتشرة على الأرض، والتي تعيش في الفرح الدائم، والفرح بالمسيح هو زاد الكنيسة وغذاءها في رحلة صومها وجهادها الروحي المقدس.

 

 

مثل الإبن الضال الذي سرده علينا يسوع له ثلاثة أركان :

 

الأول: حنان الآب أبوة الله لنا. وأشعيا النبي يشير بوضوح إلى هذه الأبوة قائلاً: "هاءَنذا والأبناء الذين اعطاني إياهم الرب" (أشعيا ٨: ١٨). وهذه الآية نفسها تكشف عن قلب الآب المحب وشوقه لرجوع ابنه "وإذ كان لم يزل بعيدًا رآه أبوه فتحنن وركض ووقع على عنقه وقبله" (لوقا ١٥: ٢٠).

 

الثاني: خطايا الابن الضال. وقد تحدّث عنها أشعيا النبي قائلاً: "فإذا قالوا لكم: إسألوا مستحضري الأرواح والعرّافين والمُهَمهمين أليس كل شعب يسأل آلهَته؟" (إشعيا ٨: ١٩). "ويعبُرُ في الأرض مظلوماً جائعاً، وفي جوعه يستشيطُ غضباً... وينظر إلى الأرض فإذا الشدة الظلمة وليل الضيق وديجور الإنحلال" (أشعيا ٨: ٢١-٢٢)، "الشعب السائر في الظلمة أبصر نوراً عظيماً، والمقيمين في بقعة الظلام أشرق عليهم النور" (أشعيا ٩: ١).

 

أليست هذه تصرفات الابن الضال؟

 

بدل أن يسأل أباه، سأل أصدقاءه الأشرار الذين قادوه للعرافين كأنه يتيم و ليس له أب أو إله.

 

الأرض التي ذهب إليها الإبن يقول عنها النبي أشعيا أنها أرض ضيقة، وجوع وظلام ويعيشون فيها غرباء مطرودين، وهذه نفس أوصاف الابن الضال، ذهب إلى أرض غريبة، إلى إستطبل للخنازير، وكان يشتهي أن يملأ بطنه منها وهو في حالة جوع .

 

الثالث: التوبة

 

1. توبة الإبن/ هي رجوع وخضوع للآب والتلمذة له. يقول النبي أشعيا: "أختم على التعليم في تلاميذه" (٨ : ١٦). فأشعيا يكشف لنا أن التوبة هي تلمذة لوصايا ربنا يسوع وهي في ذات الوقت شهادة. فالشخص التائب هو أكبر شاهد لعمل نعمة المسيح فيه، وفي عصرنا الحاضر الذي تعيش فيه الكنيسة وأبناءها يتوقف على قوة التوبة فيها، فالكنيسة التي ليس فيها توبة مستمرة هي كنيسة جامدة، أما الكنيسة التي يعيش أفرادها حياة التوبة والندامة فتكون شاهدة لعمل المسيح وتجذب إليها الآخرين لنيل الخلاص ونعمة.

 

2. والتوبة هي مخافة الرب وحياة القداسة. يقول لنا أشعيا النبي: "قدسوا ربَّ القوات وليكن هو خوفكم وفزعكم" (٨: ١٣). فكثيرون منّا في هذه الأيام يتحدثون عن التوبة! بمنتهى البساطة، التوبة هي دموع وأن تسمّر مخافة الله في القلب،  كقول داود النبي: "سمر خوفك في لحمي"، والقداسة هي ثمرة مخافة الرب، أما الاستهتار في التوبة فتجاهلها يؤدي إلى عدم المخافة وسرعة العودة للسقوط.

 

3. والتوبة هي السير في نور السيد المسيح. "الشعب السائر في الظلمة أبصر نورًا عظيمًا، الجالسون في بقعة الظلام أشرق عليهم النور" (أشعيا ٩: ١). هل يوجد تعبير للتوبة أجمل من تعبير أشعيا النبي: إنها الانتقال من الخطيئة إلى النعمة، ومن الظلمة إلى النور، ومن الموت إلى الحياة "لأن ابني هذا كان ميتاً فعاش، وكان ضالاً، اي كان في الظلام، فوجِد في النور" (لوقا ١٥ : ٢٤).

 

4. والتوبة فرح. "عظمت لها الفرح، يفرحون أمامك كإبتهاج الذين يتقاسمون الغنيمة" (أشعيا ٩: ٣). فدموع التوبة دموع مفرحة، وتعب الرجوع لحضن الآب ينتهي بفرح الأحضان والقبلات، وذبح العجل المُسمّن، وقد قال الأب عند استقبال ابنه: "ينبغي أن نفرح" (لوقا ١٥: ٢٣)، "إنه فرح الملائكة والأصدقاء والجيران" (لوقا ١٥: ٦)، وفرح الأب نفسه وفرح الابن والعائلة بأسرها.

 

إنّ أفراح التوبة هي ثمرة الروح القدس العامل في قلوبنا، وفي الكنيسة. لذلك كنيسة بلا توبة في حياة أفرادها هي كنيسة بلا فرح، والعكس صحيح، لأنه ليس هناك مصدر لفرح الروح القدس في الكنيسة إلاَّ توبة أولادها. فتعالوا في فترة الصوم نُفرُح الآب والسماء والملائكة والقديسين، وللكنيسة جمعاء بندامتنا وبتوبتنا وعودتنا إلى حضن الآب، الفاتح يديه المقدستين على مصرعيها يدعونا قاتلاً: "تعالوا إليَّ يا مباركة أبي".

 

ليست التوبة البعد عن الخطيئة وشرورها فقط، بل هي حياة جديدة مع المسيح يسوع: "لأنه قد ولِدَ لنا ولد، وأُعطي لنا ابن فصارت الرئاسة على كتفه، ودعي اسمهُ عجيبًا، مُشيرًا، إلهًا جبّارًا، أبا الأبد، رئيس السلام، وسلام لا إنقضاء له" (أشعيا ٩: ٥-٦)، ومن يعيش سلام المسيح، السلام الداخلي الفردي شخصيًا، والخارجي مع المجتمع والعالم، يبقى في سلام دائم، ولا يمكنه أن ينحاز إلى الخطيبة والابتعاد عن الله.