موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
الرِّسَالة
قُوَّتي وتَسْبِحَتي الربُّ
أدباً ادَّبَني الربُّ، وإلى المَوْتِ لَمْ يُسلمني
فصل من رسالة القديس بولس الرسول الأولى إلى أهل كورنثوس (1 كو ٨: ٨-١٣، ٩: ١-٢)
يا إخوة، إنّ الطعامَ لا يقرِّبُنا إلى الله، فإنّنا إن أكلنا لا نزيدُ، وإن لم نأكل لا ننقُص ولكنْ أنظروا أن لا يكونَ سلطانُكم هذا مَعثرةً للضعفاء. لأنّه إن رآك أحدٌ يا من له العِلمُ مُتَّكِئاً في بيتِ الأوثان، أفلا يتقوّى ضميرُه، وهو ضعيفٌ، على أكلِ ذبائح الأوثان، فيهلكُ بسببِ علمك الأخُ الضعيفُ الذي مات المسيحُ لأجلِه. وهكذا، إذ تخطِئون إلى الإخوةِ وتجرحون ضمائرَهم، وهي ضعيفة، إنما تُخطئِون إلى المسيح. فلذلك، إن كان الطعامُ يُشَكِّكُ أخي فلا آكلُ لحمًا إلى الأبد لئلا أُشكِّكَ أخي. ألستُ أنا رسولا؟ ألستُ أنا حُراً؟ أما رأيتُ يسوعَ المسيحَ ربَّنا؟ ألستم أنتم عملي في الربّ؟ وإن لم أكن رسولاً إلى الآخرين فإنّي رسولٌ إليكم، لأنّ خاتَمَ رسالتي هو أنتم في الربّ.
الإنجيل
فصل شريف من بشارة القديس متى (متى 25: 31–46)
قال الربُّ متى جاء ابن البشر في مجدهِ وجميعَ الملائكة القديسين معهُ فحينئذٍ يجلس على عرش مجدهِ * وتُجمَع اليهِ كلُّ الأُمم فيميّزَ بعضَهم من بعضٍ كما يميّزُ الراعي الخرافَ من الجداء * ويُقيم الخرافَ عن يمينهِ والجداء عن يسارهِ * حينئذٍ يقولُ الُملكَ للذينَ عن يمينهِ تعاَلوُا يا مباركي ابي رِثوا المُلكَ الُمعَدَّ لكم منذ انشاء العاَلم * لانّي جُعتُ فأَطعمتموني وعطِشت فسقيتموني وكنتُ غريبًا فآويتموني * وعُريانًا فكسَوْتموني ومريضًا فَعُدتموني ومحبوسًا فأَتيتم اليَّ . حينئذٍ يجُيبهُ الصديقون قائلين يا ربُّ متى رأَيناك جائعًا فأَطعمناك او عطشانَ فسقيناك * ومتى رأَيناك غريبًا فآويناك او عُريانًا فكسوناك * ومتى رأَيناك مريضًا او محبوسًا فأَتينا اليك * فيُجيب الملك ويقول لهم الحقُّ اقول لكم بما انَّـكم فَعَلتم ذلك بأحد اخوتي هؤلاء الصغار فبي فعلتموهُ * حينئذٍ يقول ايضًا للذين عن يسارهِ اذهبوا عنّي يا ملاعينُ الى النار الابديَّة الُمعَدَّةِ لإبليسَ وملائـِكتَهِ * لانّي جُعت فلم تُطعِموني وعطشت فلم تَسقوني * وكنت غريبًا فلم تُؤووني وعُريانًا فلم تـَكسوني ومريضًا ومحبوسًا فلم تَزوروني * حينئذٍ يجُيبونهُ هم ايضًا قائلين يا ربُّ متى رأَيناك جائعًا او عطشانَ او غريبًا او عُريانًا او مريضًا او محبوسًا ولم نَخدِمكَ * حينئذٍ يجُيبهم قائلاً الحقَّ اقول لكم بما اَّنـكم لم تفعلوا ذلك بأَحد هؤُلاء الصغار فبي لم تفعلوهُ * فيذهب هؤُلاء الى العذابِ الابديّ والصدّيقون الى الحياة الابديَّة .
بسم الأب والأبن والروح القدس الإله الواحد أمين.
هذا الأحد هو "أحد مرفع اللحم" لأنّه اليوم الأخير الذي يُسمح فيه بأكل اللحوم، تُرفع بعده عن المائدة، لندخل أسبوعًا إعداديًّا للصوم الأربعينيّ، الذي يستمرّ حتّى أحد الفصح المقدّس. والكنيسة تُذكّرُنا بواسطة النصّ الإنجيليّ بهدفٍ من أهداف الصوم، ألا وهو كسر النفس وتليينها وجعلها قريبة من الآخر، لتقترب من الله. لأنّ المحبّة وحدها هي التي تُقرّبنا من السيّد له المجد، وبها وحدها يتعرّف الله علينا.
يُعرف هذا اليوم أيضًا بـ "أحد الدينونة"، إذ نقرأ فيه إنجيل الدينونة كما ورد في متى (25: 31 – 46 ) وهنا، يُحاكم يسوع البشر على أساس المحبة، فهو قاضٍ عادل وهو وحده يعرف الحقّ والباطل، ويعرف مكنونات القلوب.
إن المقياس الوحيد للدينونة لا يكمن في علاقة الإنسان بالله، بقدر ما هو علاقة الإنسان بأخيه الإنسان. لأنّ الطريق الوحيد الذي يقودنا إلى الله يمرُّ بأخينا الإنسان "من لا يُحبّ أخاه يبق في الموت" (1يو14:3). غدًا، نمتنع عن أكل اللحوم، وهذا الامتناع غايته توفير المال وإعطاؤه للمحتاجين من إخوتنا محبّةً بهم، لأنّه إذا جاع واحد من الإخوة لا نأكل بل نطعمه هو. وهذا أهمّ تعبير عن الشركة القائمة بين أعضاء الكنيسة جسد المسيح.
وفي هذا السياق، يصف القدّيس العظيم إسحق السريانيّ كيف يجب أن يكون القلب رحيمًا.
في الرسالة يحكي الرسول عن أكل اللحم المقدّم ضحايا للأوثان، مشدّداً على أنّ ضعيف الإيمان أو قليل المعرفة يعثر إذا رأى مَن يعتبرهم متقدّمين عليه بالإيمان والمعرفة يأكلون، إمّا لأنّه لا يعود يجد مشكلة في أكل اللحم المقدّم للأوثان، أو لأنّه يقع في دينونتهم. أمّا اليوم، فلم يعد هناك لحم مقدّم للأوثان، فما قيمة هذا الكلام؟ اليوم قيمة هذا الكلام مضاعفة. مَن مِنَ الناس لا يعثر عندما يرى الناس تنهش لحم بعضها البعض؟ هذا كلام قد يشمئزّ منه الكثيرون، وقد يسأل البعض: ما معنى هذا الكلام؟
ينهش واحدنا الآخر عندما لا يحبّه كَنفسِه. والمحبّة ليست في الأقوال فقط، بل في الأفعال. كثيرون لا يحكون إلا عن المحبّة، ويتصرّفون بكياسة ما بعدها كياسة، لكنّهم غير مستعدّين للتخلّي عن قشّة، حتّى ولو كانت تُنقذ غريقاً. ما معنى محبّتهم؟ أين هم من قول الرسول: "إن كان أكل اللحم يُعثر أخي فلا آكل إلى الأبد".
ينهش الناس بعضهم البعض عندما يدينون احدهم الآخر لمجرّد أنه سمع عنه خبراً أو أصابه شكّ أو وجد في ذلك منفعة لذاته.
أما إنجيل الدينونة ذاك اليوم الذي سينتهي فيه العالم ويدان فيأتي السيد بمجد ليدين العالم، في المرة الأولى أتى السيد متواضعاً كطفل في مغارة ليسلّم وصاياه للإنسان ويعلمه المحبة المخفية وراء الصليب، اليوم سيأتي كديان ليمثل أمامه الأحياء والأموات فيفصلهم إلى أبرار وأشرار.
الدينونة ستكون وفق أعمال المحبة فالحياة المسيحية ليست حياة نظرية بل حياة عملية في عمقها "ليس كل من يقول يا رب يا رب يدخل ملكوت السموات" (متى21:7) ويقول بولس الرسول: "لأن ليس الذين يسمعون الناموس هم أبرار عند الله بل الذين يعملون بالناموس هم يُبرَّرون" (رو13:2)، ويقول يعقوب الرسول: "لكن هل تريد أن تعلم أيها الإنسان الباطل أن الإيمان بدون أعمال ميت" (يع20:2)، هذا ما يميز الحياة المسيحية عن أي دين آخر بأنه يطابق بين الإيمان والحياة.
إخوتي، نتواجد اليوم في فترة التريودي بفترة التهيئة للصوم الأربعيني وكل تعليم الكنيسة ينصب على التنقية الداخلية للمؤمن وتجديدها، وخصوصاً بما يسمى سر الاعتراف، لنصل إلى القيامة المقدسة أنقياء القلب والعقل، وهذا النقاء يضمن لنا ملكوت السموات، فنسمع صوت الرب يقول: "تعالوا يا مباركي أبي رثوا الملكوت المعد لكم منذ تأسيس العالم" (متى34:25).
تدعو الكنيسة الأحد الثالث قبل الصَّوم أحدَ الدينونة، وهذا لأنّ القراءة الإنجيليّة التي تُتلى فيه تضع السَّيّدَ في وسط فريقَيْن، يؤلّف الفريق الأوّل "الأبرار أو الصّالحين" والفريق الثاني "الأشرار"، ليدين بينهما.
أوَّلاً على القارئ أن يعي الإطارين اللّذَين يوضع فيهما هذا الإنجيل. الإطار الأوّل هو مكانه ضمن أناجيل آحاد التريودي الـمُمهِّدة للصّوم (المسار العموديّ)؛ أمّا الإطار الثاني فهو وجوده ضمن سلسلة من الرِّوايات والأمثال المتتالية التي تتناول موضوع الدينونة بشكل عامّ (المسار الأفقيّ) في إنجيل متّى. فضمن السياق الأخير سيأتي الديّان كلصٍّ وسَيَدين على حسب يقظة وسهر العبد المؤتَمَن.
هذا يندرج ضمن إطار السَّهَر الرّوحيّ. أمّا بشأن إدراج هذا الإنجيل في ترتيب الآحاد الـمُهيّئة للصّوم، فهذا الإنجيل هو الثالث على التوالي. هذه الآحادُ تَحُثُّ المؤمن على التوبة بدءًا بالتواضُع (أحد الفرّيسيّ والعشّار) ومن ثمَّ الرّجوع إلى الله الناتج عن التَّواضُع والتخلّي عن النعيم الأرضيّ (أحد الابن الضَّالّ) وهذا ما سيقودنا إلى المحبّة (أحد الدينونة) التي هي ثمر التواضع والتوبة.
هل سيدينُنا يسوع؟ بالطبع لا! فهو القائل: "فقد جئتُ لا لأدين العالَم بل لأخلِّصَ العالَم" (يو 12: 47). فمن يدينُ إذَن؟ الكلمة التي قالها يسوع وبشّر بها هي التي تدين (يو 12: 48). كيف؟ لأنَّ كلمة يسوع المسيح هي المحبّة بحدّ ذاتها! "أحبّوا بعضكم بعضاً كما أنا أحببتُكُم" و"الله محبّة" إذ أخلى ذاته من أجل البشر، ذلك الذي لا حاجةَ لهُ أن يتجسَّد ويتألَّم من أجل خلاص الجنس البشريّ السّاقط. هذه هي المحبّة التي ستدين. فلننظُر كيف. في إطار إنجيل متّى مطلوبٌ من الإنسان التخلّي عن نفسه والعمل والسهر على الوزنات (الرّوحيّة) التي ستوصل الإنسان إلى الله؛ "فماذا ينتفع الإنسان إذا خسر نفسه وربح العالَم كلَّه؟" (مر 8: 36). فكما فعل المسيحُ الذي أحبّ العالَم، إذ تخلّى عن نفسه ونفَّذ المخطَّط الإلهيّ لخلاص البشر (وهذا ما ندعوه سرّ التدبير الإلهيّ)، كذلك الإنسان مَدعوٌّ لإخلاء نفسه عن الشهوات والرّغبات ملتصقاً بالمسيح وساعياً لاقتتناء محبَّته، أي أن ينسى نفسه وينفتح على الأخ القريب، أي على الآخَر بالكلّيّة وبالمطلق. بهذا يستعيدُ الإنسانُ صورة الله فيه ويرتقي إلى المثال، أي إلى نقل مركز الاهتمام من نفسه إلى الآخرين وبالتالي إلى المسيح، والعكس صحيح. الخلاص ليس فرديًّا! من يسعَ لخلاصٍ فرديّ يهلكْ!.
على المسيحيّ أن لا يمتنع فقط عمّا يراه خطأ، ولكن عمّا يجعل الآخر يتعثّر، أي أن يهتمّ بأن لا يعثِر أحدًا، لأنّه مسؤول عن حياة الآخرين الروحيّة.
الطروباريات
طروبارية القيامة على اللحن الثالث
لتفرح السماويّات، ولتبتهج الأرضيّات، لأنّ الربّ صنع عزّاً بساعده، ووطيء الموت بالموت، وصار بكر الأموات، وأنقذنا من جوف الجحيم، ومنح العالم الرحمة العظمى.
قنداق أحد مرفع اللّحم باللّحن الأوّل
إذا أتيتَ يا اللهُ على الأرضِ بمجدٍ، فترتعدُ مِنكَ البرايا بأسرها، ونهرُ النّارِ يجري أمامَ عرشك، والصحف تُفتَحُ والخفايا تُشَهَّر. فنجِّني من النّار التي لا تُطفأ، وأهِّلني للوقوفِ عن يمينِك، أيُّها الدَّيّانُ العادِل.