موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
في اليوم الخمسين
في ذلك الزّمان، ما كان النّاس يعرفون لا القراءة ولا الكتابة، أما العدَّ والحِسابَ الشفهي، فكانوا كلُّهم يتقنونه. هذا العيد، هو عدداً، يوم الخمسين بعد القيامة، الّذي تعتبره الكنيسة منذ القرن السابع، بعد عيد الميلاد وعيد القيامة، ثالث أكبر الأعياد الدّينيّة السنويّة، ولو أنّه لم تتألّف حوله عادات أو احتفالات خارجية خاصة مثل الميلاد والقيامة. فهل عيد العنصرة هو فقط عيدٌ صامت، داخل الكنيسة؟ كلا وألف كلا، إذ بحسب النّصوص المقرّرة لهذا العيد، هو الوحيد الّذي يَحدثُ بضجيج وعجيج، سواء في الطبيعة أو في النفوس، التي حلَّ عليها: يسوع كان وعد تلاميذه، أنه لن يتركهم يتامى. وطلب منهم قبل صعوده: إبقوا في أورشليم إلى أن تُلبَسوا قوّةً من الأعالي (لو 49:24). وها هو اليوم يُتمِّم وعدَه، ويرسل لهم الرّوح، مصحوبا بعلامات خارجيّة. فيصبحوا شهودا له في كل العالم. هذا الوعد تمّ بهذه الطريقة: "إنطلق من السّماء بغتة دوِّيٌ كما من هبوب ريحٍ عاصفة. وظهرت ألسنة كأنها من نار، انقسمت، فوقفهم، على كلٍّ واحدٍ منهم لسان، فامتلأُوا كلهم من الرّوح القدس، وراحو يتكلمون بلغاتٍ عديدة". هم الصيادين أو الفلاحين، الذين ما كانوا زاروا مدرسة ولا تعلموا أيّ لغة إلى جانب لغتهم الأم، أعطاهم الروح فَهْمَ والنُّطق بكل لغات الجماهير القادمة إلى أورشليم، من حوض البحر المتوسط، وهي عِدَّة. فحيثما يحلُّ الرّوح القدس، يحدث شيء فعّال في العالم: حتّى الأبواب المُغلقة تنفتح. كل هذه الأوصاف هي مجازيّة، أي لا تُفْهم بالوصف الحرفي، ولكن بالمعنى. فهذه الأوصاف الخارجية هي دلالة على المفعول الذي نتج في نفوس التّلاميذ. هذه المفاعيل ما هي محصورةٌ على التّلاميذ وحدهم، بل وأيضا على كلِّ تلميذٍ، يفتح قلبه لهذا الرّوح. مِن هنا ضرورة فهم سرّ التثبيت. إذ الرّوح القدس يحرِّك النفوس، كما المفتاح لتشغيل السّيارة، فتبدأ تتحرّك.
هذا العيد إذن ، يتّصف بعلامات، ما ذُكِرَت ولا حواها عيد آخر، رآها وسمعها الكثيرون، الّذين كانوا قريبين من الرُّسل. أول علامة هي الضؤ البريق، الذي يُذكِّرنا بالبريق السّماوي، الذي ظهر على جبل سيناء، حينما سلّم الله لوحة العشر وصايا لموسى ورافقكم مدة 40 سنة كعامودٍ مُضيء في الصحراء، إلى أن وصلوا أرض الميعاد. وامّا مفعوله فكانت شجاعة خارقة، تحلّوا بها، ساعة حلول الروح القدس عليهم، إذ قد دبّت فيهم حياةٌ جديدة، هي تلك الحياة، التي نفخها الله في آدم وحواء، فصارا من تراب بشراً أحياء. هذا الروح نفسه اخترق الرّسل الخائفين، والمختبئين في ملجأ، لا يَظهرون علانية، خوفاً على حياتهم، حتى لا يحدث لهم ما حدث لسيّدِهم. أَمَا هَرَبَ قسمٌ منهم حين أتى الجنود وأمسكوا سيّدهم في بستان الجسمانية، أو أيضا قدام الصليب؟ فراحو يبشّرون علنا،وواثقين من أنفسهم، بما كانوا خائفين التبشير به، أو لم يفهموه حين كان يكلِّمهم به، وأعطاهم فهم لغات الشعوب المتجمهرة قدامهم، والمذكورة في أعمال الرسل، كأنهم شعب واحد. ألسنا اليوم بأمسّ الحاجة لهذا الرّوح؟ فانضم إليهم في تلك الساّعة، أكثر من ثلاثة آلاف نفس، آمنوا بأقوالهم المقنِعة وتعمّدوا (أعمال 42:2). هذه الشجاعة ما كانت برزت فيهم، لو لم يحلَّ عليهم الروح القدس. إذن ساعة حلول الرّوح القدس، هي ساعةَ تأسيس الكنيسة وانطلاقها في العالم، أي ساعة وِلادتها. فمنذ ذلك اليوم، ولولا مرافقة قوّته لها، لما كبرت ولا تغلغلت، ولا تجدّدت، على يد بعض القديسين، والرهبانيات التي أسسوها فيها: كالقديس بندكتس أو فرنسيس أو إجناسيوس دي لويولا، مؤسس اليسوعيّين، أو أيضا بعد انعقاد مجامع مسكونية، قوّت الإيمان الشعبي فيها، رغم كل المقاومات والإضطهادات، التي تعرَّضت لها، من عهد نيرون في البداية إلى عهد الشيوعية في القرن الماضي، في كلِّ أرجاء المعمورة. وهي اليوم تُعد أكبرَ مجموعة دينيّة، تعترف بالمسيح. إن روح يسوع في الكنيسة هو أقوى من أيّ روحٍ أخر.
لذلك جرت العادة من تاريخ قديم، أن يباشر الأساقفة تقريبا في جميع أنحاء العالم، بعد عيد العنصرة، بجولاتهم الرّاعوية في أبرشياتهم، وذلك لمنح سرِّ التثبيت، أي الإحتفال بعيد عنصرة خاص للشبيبة في الرّعايا، وتزويد الكنيسة بمؤمنين ورسل جدد.
في صلاة قانون الإيمان نقول: ونؤمن بالرّوح القدس، الرّبِّ المُحيي، المنبثق من الآب والإبن. هذه العبارة تقول لنا ما هو، بل من هو الرّوح القدس، الذي يجب أن نؤمن به. لكنه يبدو عيدا جافّا، وليس لكلّ عقل، فالكثيرون لا يفهمون، لا محتواه ولا مضمونه، لذا، فإن عدد الّذين يحتفلون به في الكنيسة هم أقلِّيّة، بينما الكثيرون، لأنه عيد بطالة، وغالبا ما يقع في أيام الرّبيع الذّهبية، فهم يفرحون على أنه يوم عطلة، ويستغلُّونه لرحلة جميلة أو عزومة مع الأصحاب.
الكنيسة إذن تحتفل يوم الخمسين بعد القيامة، بعيد العنصرة، أي بعيد حلول أو كما نقول عن المسيح، عيد تجسّده، أي ولادة الرُّوح القُدس، الّذي وعده يسوع لتلاميذه، والذي هو اختتام عيد الفصح، الذي تُعيّده الكنيسة، لأهمِّيتِة، لمدة سبع آحاد متتالية، يتم الإختتام بهذا العيد، الذي هو مبدئيّا، يوم بداية استلامه إدارة العالم، الذي خّلصه يسوع بموته، ليقوده إلى كماله النّهائي. إنّ حيويّة الكنيسة، وكلَّ ما يتمُّ فيها اليوم، يتمُّ تحت إرشاد ومفعول الرّوح القدس، لأنه هو الآن المسؤول المباشر، عن ملكوت الله على الأرض. نعم نحن نعيش منذ يوم العنصرة، تحت ظلِّ الرّوح القدس. من ثمارهم تعرفونهم، كان يسوع قد قال. وها بولس يُعدِّد ثمار الرّوح في العالم، بقوله: وأمّا ثمر الرّوح فهو، محبّة، فرح، سلام، طول أناة، لطف، صلاح، إيمان، وداعة تعفّف (غلاط 5: 22-23). وبالمقابل نقول اليوم، إنّ كل ما يحدث في الرّعايا من جمعيّات خيرية، وخدمات اجتماعية، كالدّفاع عن المهضومة حقوقهم، وحركات روحية، وأعمال سلمية، هو أيضا من ثمار الروح العامل في الكنيسة. فعيد الرّوح القدس يقول لنا: إنَّ إحياء الإيمان في الكنيسة، لتبقى جامعة، مقدّسة ورسولّية، وموزِّعةً لأسرار الخلاص: "حيث نفخه فيهم بعد قيامته وقال لهم: خذوا الروح القدس! من غفرتم لهم خطاياهم تُغفر لهم. منح الأسرار تبدأ كلُّها بالدُّعاءِ إلى الرّوح القدس، وتجديد المجتمع بل تحسين العالم لا تزال كلُّها ممكنة، وذلك بمفعول نار روحِ قُدْسٍ جديدة، فيولد كلُّ شيء من جديد. نعم إنَّ أحوج ما تجتاج إليه الكنيسة اليوم، هم رجال ممتلئين من الرّوح القدس، مُتحلِّين بروح رسوليّة، همُّهم التّبشير بكلمة الله من على المنابر، وفي العائلات ومكان العمل، محافظين على تعليم الوصايا قولاً وعملا ً. فهكذا لا يكون قبولهم لسرَّ التثبيت باطلا، إذ التثبيت يمنح صاحبة، قوّة الإعتراف بالإيمان علنا، دون خوف ولا وجل
فليبق دعانا وصلاتنا: أرسل لنا يا رب روحك القدوس ليجدِّد وجه الأرض.
أما تقول إحدى ترانيم العيد: روح الرّبِّ يملأ الأرض. نعم هو كالهواء الذي نحن نتنفّسه، وهو موجود في كلِّ مكان. فنحن إذن نمتلك كنزا لا يُثَمَّن لحياتنا، وللأسف كثيرون هم الّذين لا يعرفونه. فهم لنقل، كأهل أثينا، الّذين تجمّعوا في السّوق العام أمام بولس، حيث كَثُرَتْ تماثيل ومعابد الآلهة الوثنية، وكان بين هذه الهياكل الكثيرة، هيكل مكتوب عليه: هيكل الإله الغير معروف، خوفا منهم أنّهم نسَوا واحدا. فأوضح لهم بولس بخطابه، أن هذا الإله الغير معروف لهم، هو الإله الحقيقي، الذي جاء ليبشِّرهم به. فاستأهزؤا منه. هل نقول أن هذا الإله الغيرَ معروف، هو الرّوح القدس للكثيرين منّا؟ كفي مثل هذه القصة للأطفال: سمكة أرادت أن تعرف ما هو الماء، فراحت تسأل كل سمكة في طريقها: ما هو الماء؟ لكن ولا سمكة قدرت أن تُفسِّر لها حتى التقت بسمكة قديمة عجوز، فقالت لها هذه: اغطسي إلى قعر البحر هذا، وهناك ستلاقين سمكة أقدم مني، فاسأليها، فهي عندها الجواب. فسُرَّت السمكة الصغيرة بهذا الجواب، وراحت تغطس وتغطس في العُمق، إلى أن وصلت إلى قعر البحر، ووجدت فعلا السمكة الكهلة، كما قيل لها، فحيّتها السمكة الصغيرة وسألت: أنت صاحبة علم وخبرة كبيرة، فهل بوسعك أن تقولي لي ما هو الماء؟ فضحكت السمكة القديمة من هذا السّؤال وقالت لها: يا غبيّة! أنت تعيشي وتتجوّلي وتروحي وتجيئي في الماء، ولا تعرفي ما هو الماء؟ فلولا الماء لما كنتِ سمكة!
فهذا هو الله لنا، قريب منا بروحه، به نحيا ونتحرّك، ونوجد كما نحن، يقول بولس. وإن كرازة بطرس، يوم عيد العنصرة، وقعت على جرح المستمعين، القادمين إلى أورشليم. فمنهم من تأثّر في العمق وطلب الإنضمام إلى جوقة الرّسل. لكن ما هو شعورنا نحن اليوم، حينما نسمع عن هذا الحماس القديم، هل بقى منه شيء في أيّامنا؟ بالطبع لا. بل نلاحظ تراجعاً كبيراً في حماس الناس للإيمان، إذا ما قارنّاه بالحماس الّذي يذكره كتاب أعمال الرّسل. لا مبالاة واضحة للدّين والتزاماته. وممكن أنه بعد كرزة جمييلة عن مفعول نعمة الرّوح القدس، أنك تلاحظ الكثيريين ينظرون إلى الساعة في معصمهم، أكثر من أن يُغمصوا العيون ويبرهنون عن تأثّرهم وتأَمُّلِهم بما سمعوا.
كذلك من الحماس لتجديدات المجمع الفاتيكاني الثاني، الذي كانت غايته تجديد الكنيسة بمفعول عنصرة جديدة، ما عاد يُرى منه إلا هنا وهناك بصيص بلا مفعول. فمن لا يخطر على باله موقف بطرس، الذي قال لسيّده. لقد اشتغلنا الليلة كلَّها وما اصطدنا شيئاً (لو 4:5). لكن روح الله يهب من حيث لا نعرف.
السنين الأخيرة بسبب التغييرات المناخية على الطبيعة، فحيثما يهبُّ ريح، يتحوّل إلى أعاصير مُدمِّرة. لكن حيث يهبُّ الرّوح القدس، فلا يحدث إلا الخير والتجديد: أرسل روحك علينا يا رب، فيتجدد وجه الأرض. لا نعرف من أين يهبّ، لكن حيثما هو يهب، يحدث تجديد: فتعال أيها الرّوح وأدخل فينا واملأنا بنعمتك