موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر الثلاثاء، ٢٨ يوليو / تموز ٢٠٢٠

معوَّقٌ يَمشي

بقلم :
ميشيل فرنسيس - فرنسا
ومَن قالَ لكَ أنَّكَ عاجزٌ عن تحقيقِ ذلكَ؟ إنَّك قادرٌ على فعلِ الكَثيرِ!

ومَن قالَ لكَ أنَّكَ عاجزٌ عن تحقيقِ ذلكَ؟ إنَّك قادرٌ على فعلِ الكَثيرِ!

 

صاحَ الدِّيكُ في قريةِ النَّاعسةِ، إحدى قُرى صعيدِ مصر، يُخبرُ الأنامَ النَّائِمينَ بأنَّ الشَّمسَ مُشرفةٌ على الظُّهورِ، وستُرسلُ خُيوطَها الذَّهبيَّةَ لتلُفَّ البشرَ بِنورِها ودفئِها.

 

وبعدَ بِضعِ دقائقَ دبَّتِ الحياةُ في النَّاعسةِ، وانطلقَ الرِّجالُ والنِّساءُ والشُّبَّانُ والشَّابَّاتُ كلٌّ إلى عملِهِ الخاصِّ.

 

وهذا الشَّابُ الوسيمُ الذي اسمُهُ جميلٌ هوَ في ربيعِ عُمرِهِ، كانَ في كلِّ شروقٍ للشَّمسِ يُظهرُ رَغبةً في أن يتغيَّرَ واقعُهُ يَومًا ما، فهوَ يَسيرُ على كُرسيٍّ مُتحرِّكٍ منذُ مدَّةٍ طويلةٍ.

 

وفي أحدِ الأيامِ كانَ جميل ينظرُ إلى البعيدِ، فاقتربَ منهُ رجلٌ طاعنٌ في السِّنِّ، هزيلُ الجسمِ، وقالَ لهُ: أيُّها الفتى الوسيمُ، أينَ أجدُ طبيبَ القريَةِ؟

 

فأجابَ جميل وهوَ منزعجٌ: إنَّي لا أعرفُ شَيئًا، لكن إذا أردتَ أن تحملَ بلاءً جديدًا، فاذهب إلى الطَّبيبِ!

 

اقتربَ الشَّيخُ مِن جميل سائلًا: لماذا تقولُ هذا يا وَلدِي؟

 

لزمَ جميل الصَّمتَ، وارتسمَت على مُحيَّاهُ علاماتُ الغضبِ والألم، إلّا أنَّ الشَّيخَ أصرَّ أن يعرفَ السَّببَ. فقالَ جميل: ذاتَ يومٍ كُنتُ مَحمومًا، هكذا قيلَ لي، فحملَني والدي إلى الطَّبيبِ، ولأنَّ حرارتي كانَت مُرتفعةً قرَّرَ الطَّبيبُ أن يحقُنَني إبرةً في العضلِ لِسُرعةِ مفعولِها، فأخطأَ موضِعَ الإبرةِ وسرَّعَ بِوَضعي هذا. ثم دمعَت عَيناهُ وأجهشَ بِالبكاءِ، فاقتربَ الشَّيخُ منهُ وربَّتَ على كتفِهِ مواسيًا، ثمَّ قالَ لَهُ: إذا كُنتَ منزعجًا لأنَّكَ لا تَستطيعُ أن تفعلَ شيئًا، ففكَّرَ في أمرٍ تفعلُهُ، يا ولدي.

 

أجابَ جميل: وماذا أستطيعُ أن أعملَ أنا المُعوَّقُ؟

 

قالَ الشَّيخُ: لماذا تحتقرُ نفسَكَ، فهل الإعاقةُ أنَّكَ لا تستطيعُ أن تَمشي؟

 

أجابَ جميل، بصوتٍ مُتهدِّجٍ كأنَّهُ صوتُ ناي في مَهبِّ الرِّيحِ: أن أمشي يعني أنَّني أستطيعُ أن أكونَ فاعلًا في حياتي، وقادِرًا على خدمَةِ الآخرينَ، وهذا يَمنحُني الثِّقةَ بِنَفسي ويدفعُني لأصُارعَ ما في الحياةِ مِن قسوَةٍ.

 

فقالَ الشَّيخُ: ومَن قالَ لكَ أنَّكَ عاجزٌ عن تحقيقِ ذلكَ؟ إنَّك قادرٌ على فعلِ الكَثيرِ.

 

هدأَ صوتُ النَّاي وهدأَت رياحُ الغضبِ في نفسِ جميل.

 

وقالَ: كيفَ يكونُ ذلكَ؟

 

أجابَ الشَّيخُ: فكِّر في أن تقومَ بشَيءٍ بسيطٍ في واقعِكَ هذا، تُعبِّرُ مِن خلالِهِ عَن رغبتِكَ في العملِ وخدمةِ الآخرينَ.

 

ثمَّ أعلمَ جميل الشَّيخَ عن مكانِ الطَّبيبِ، وودَّعَهُ شاكرًا، ورفعَ طرفَهُ إلى الأفقِ يُفكِّرُ في ما يستطيعُ أن يفعلَ وهوَ في هذا الظَّرفِ. وبعدَ عِدَّةِ أيَّامٍ وصلَ إلى فكرةٍ وأطلقَ العنانَ لِصوتِهِ وقالَ بأعلى ما فيهِ مِن قوَّةٍ: وجدتُها! وجدتُها! ثمَّ فطنِ لِنفسِهِ وضحكَ على ما فعلَ، وقالَ: لقد سمعتُ بأنّ مركزًا في المدينة يساعد على تأهيل الأشخاص المعوّقين كي يتعلّموا مهنةً ما.

 

ذهبَ جميل إلى جوارِ والدِهِ وقالَ لهُ: أرغب أن أتعلمّ مهنة الخياطة في مركزِ الأملِ، الذي في المدينة.

 

فقالَ الأبُ: سأتقصّى عن الأمر وأعلمك.

 

قالَ جميل: شُكرًا يا والدي.

 

وبعدَ أن استفسرَ والدُهُ سجّله في المركز. وكان جميل يقضي خمسة أيام في المركز ويرجع يومين إلى البيت. وكانَ يتعلّم ويعملُ بكلِّ كدٍّ وجدٍّ والفرحُ يغمرُهُ. وبعدَ أن أنهى سنتيّ التكوين، فتحَ محلاً للخياطَةِ الرجاليّة في قريته. ولأنّه يحب مهنته فقد ذاع صيته في القرى المجاورة وبات العديد من الشباب والرجال يقصدونه.

 

وبعدَ خمسِ سنوات، في صباح الاثنين، أتى صحفيٌّ يعملُ في الإذاعَةِ والتلفازِ لزيارتِه. وأجرى معه حديثا لينشره عن انخراط الأشخاص المعوّقين في المجتمع. وبعد أن انتهى الحديث قال له الصحفيّ سيُذاع لقاؤنا في مساء يوم الجمعة. كانَ جميلٌ متشوقًا لسماعِ هذا اللقاء، خصوصًا أنّه أعلمَ جميع من يرتادونه وخصوصًا مريم، تلك الفتاة التي قابلها في مركز الأمل وكانت في قسم تعلّم الخياطة أيضًا.

 

وبعد طول انتظار، ها هو مساء الجمعة، فأدارَ جميل المذياعَ على البرنامجِ، وإذا بالمُذيعِ يقولُ: أهلًا وسهلًا بكُم أيُّها الإخوةُ والأخواتُ في برنامجِكُم (وجهٌ جديدٌ للحَياة) واليومَ سنخبركم قصة جميل الخيّاط، ثمَّ بدأ بنشر الحديث المسجّل..

 

أمَّا جميل فشعر بالفخر والإطراء وتذكّر كلامَ الشيخِ الذي زارهُ منذ سنواتٍ. رفعَ عينَيهِ نحوَ الأُفُقِ ينظرُ وهوَ يتأمَّلُ في مُستقبَلٍ جَديدٍ، وَطالَ تأمُّلُهُ، وإذا صوتُ الدِّيكِ يوقِظُهُ، لكن ماذا يحملُ لهُ هذهِ المرَّةَ؟؟؟

 

من كتاب (نعم للحياة( ميشيل فرنسيس