موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر الثلاثاء، ٣ مارس / آذار ٢٠٢٠

زمن الصوم فترة لقاء وملائمة

بقلم :
الأخت برونا بدر - الأردن
فيا يسوع الصائم، يا سيِّد الطبيعة، إقبل صومنا وجدّد مفاعيل النعمة فينا لنعبر بموتك وقيامتك إلى الفصح الأبدي

فيا يسوع الصائم، يا سيِّد الطبيعة، إقبل صومنا وجدّد مفاعيل النعمة فينا لنعبر بموتك وقيامتك إلى الفصح الأبدي

 

ذهب يسوع إلى جبل قرنطل، هناك حيث الهدوء والسكينة، حيث العزلة، حيث الله الآب، ليلتقيه بعد اعتماده في نهر الأردن وحلول الروح القدس عليه، ليصوم أربعينَ يومًا وأربعين ليلة، وليتأمل بصوت الآب الذي قال له: "أنت ابني الحبيب الذي عنك رضيت"، وليعيش "زمن اللقاء" بأبيه السماوي ويحيا "فترة ملائمة" ليلتقي بروح الله الذي حل عليه في العماد واقتاده نفسه ليجربه لنحيا نحن اختبار النعمة المخلِّصة لنا بالتحرر من الخطيئة بواسطة المعمودية.

 

وهذا دليل أنّ التجارب تأتي أحيانًا في قمة حياتنا الروحية وقوتها وحتى بعد امتلائنا من الروح القدس، وأحيانًا أخرى في قمة الضعف. وتأتي تجارب يسوع قبلَ وعندَ بداية رسالته العلنية في التبشير في ملكوت الله، أي عند البدء بمشروع الخلاص. وكان الشيطان يعلم أنه إذا أردت أن تفشل مشروعًا ما فابدأ بذكر سلبياته واحتمالات فشله. وكما ذكرنا آنفاً أنّ الروح القدس نفسه اقتادَّ يسوع ليجربه الشيطان، وفي ذلك دليل أنّ الله هو الذي يسمح بتجربتنا، ليختبر حريتنا التي جرحتها الخطيئة.

 

لا يجربنا الله فوق طاقتنا وأكثر من استطاعتِنا. يقول مار بولس: "لم تصبكم تجربهٌ إلاّ وهي على مقدار وسع الإنسان" (1 قورنتوس 13:10). فالله الأمين لا يمكن أن يسمح أن نجَرَب فوق طاقتنا بل يؤتينا مع التجربة وسيلة للخلاص بالقدرة على تحملها.

 

إنّ يسوع المسيح الذي يريد خلاص البشرية جمعاء، كان عليه أن يختبر مأساة الألم والتجربة ويشعر مع الإنسان شعور الخاطىء ويتضامن معه  ويخلصه من أعماق آثار الخطيئة وهذا ما نراه في الرسالة إلى العبرانيين: "وبما أنه هو نفسه قد ابتلي بالآلام فهو قادر على إغاثة المبتلين".

 

تجربة آدم الأول: 

 

تقول الآية: "أيقيناً قال الله: لا تأكلا من جميع أشجار الجنة؟"

 

تكمن التجربة هنا بكلمة أيقيناً قال الله؟ وفي هذا تشكيك بكلام الله، والخطيئة هي مخالفة لوصايا الله وقوله ومنذ بدء الخليقة والإنسان لا يثق بقول الله بل يميل إلى ما حرّمه الله ليستنتج بكبريائه ما يريد أن يخرج به. كثير من الأحيان ننسى أنَّ الله سمح لنا بالكثير وأغدق علينا بنعمه وعطاياه ولكننا ننظر إلى ما طلب منّا ان نتجنبه.

 

الخطيئة بالدرجة الأولى هي استعمال مغلوط للحرية وخاصةً عندما نكون لوحدنا ونرغب في الإستقلالية عن الله، أي البحث عن السعادة خارجًا عن الله والسير بعكس إرادته والإختباء منه والإعتداء على سيادته بارتكاب خطيئة الكبرياء. ويتدخل الشيطان ليجربنا من خلال: الشهوة، طيبة المأكل، العين، متعة للعيون (سراج الجسد هو العين)، الفكر، منيةٌ للتعقل.

 

هناك مقابلة بين تجارب يسوع وبعدها وخروج العبرانيين من أرض مصر وبعدها:

 

العبرانيون: كان الرب يسير أمامهم نهارًا في عمودٍ من غمام ليهديهم الطريق، وليلاً في عمودٍ من نار ليضيءَ لهم، وذلك لكي يسيروا نهاراً وليلاً ولم يبرح من أمامهم، وعبر الشعب العبراني البحر الأحمر بعد حضور الله وتدخله العجائبي، وبدأت تجارب الشعب العبراني في البرية، وجاع الشعب في البرية وشبعوا من المنِّ والسلوى، وتذمر الشعب ولدغته الحيات لأنهم لم يسمعوا كلمة الله، ثُمّ شفاهم الرب الإله بالسارية التي رفعها موسى في البرية. وفي وقت التجارب كان الشعب يشتاق إلى زمن العبودية (اللحم والشبع) وتقاعص عن المسير، وبعد عبور البحر الاحمر وعبور الصحراء اختار يشوع 12 رجلاً دعاهم أسباط إسرائيل الذين بني عليهم شعب الله المختار القديم.

 

يسوع المسيح: اقتاده الروح القدس إلى البرية ليجربه الشيطان، وعبر نهرَ الأردن في المعمودية بعد حضور الثالوث (صوت الآب وحضور الروح القدس، والابن في مياه الأردن). بدأت تجارب يسوع في البرية، جاع يسوع وشبع من كلمة الله ولم يتذمر من التجارب بل قاوم الحية الجهنمية بقوة كلمة الله وانتصر عليها وارتفع فوق سارية الصليب ليصير سبب خلاص للجميع. وفي وقت التجارب كان بين ناظريه رسالته الخلاصية ولم يثنيه شيءٌ عنها وبعد عبور نهر الأردن وعبور البرية بتجاربها اختار يسوع 12 رجلاً دعاهم رسلاً وهم الذين سيبني عليهم كنيسته؛ شعب الله المختار.

 

نستنتج من هذه المقابلة أن بعد كل معركة ومسيرة مع التجارب والإنتصار عليها هناك سفر للخروج.

 

تجارب يسوع الثلاث

 

التجربة الأولى: "إن كنت ابن الله، فقل كلمة فتصيرهذه الحجارة أرغفة"

 

وهذا ما سنسمعه من أفواه الذين سيهزأون من يسوع عند أقدام الصليب: "إن كنت ابن الله، انزل عن الصليب"، وبمعنى آخر يشكك الشيطان بالصوت الذي سمعه المسيح من السماء: "أنت ابني الحبيب الذي به سررت". وهو تشكيك في كيانه من الداخل، أي إن كنت ابن الله تستطيع أن تخلق وتحول الحجارة إلى خبز. ألم يحدث في البرية قديمًا أنّ الحجر أخرج ماءً (خروج 17:6) وكانت الصخرة هي المسيح (1كو10: 4) والشيطان يدرك ذلك لأنه لم يقل للمسيح أن يخرج ماءً، لأنه كان جائعًا.

 

وهذا ما نطلبه من الله أحياناً إن كنت حاضراً أظهر وجهك يا رب. لقد بدت ساعة الحاجة للطعام ملِّحة لكن يسوع أَخّر هذه الحاجة لماذا؟ لأنه رفض أن يحدد موقعه خارج الوضع البشري: إنه هنا كإنسان يخضع لمتطلبات الطبيعة، إنه شاهد لجوع آخر، يريد أن يحيا من كلمة الله، ويسوع يريد أن يرفع أنظارنا إلى صوب حاجة الروح لخبز الحياة.

 

التجربة الثانية: "إن كنت ابن الله ألقِ بنفسك إلى الأسفل لأنه مكتوبك يوصي ملائكته بك فعلى أيديهم يحملونك، لئلا تصدم بحجرٍ رجلك"

 

لقد بنى إبليس كلامه في هذه التجربة على الآيتين 11 و12 من المزمور 91 وذلك أنّ ثمة من كان يعتقد أنّ ماسيا في مجيئه سيشق السموات وينزل محملاً على أيدي الملائكة. يرفض يسوع هذا الطلب إذ قال للشيطان: "لا تجرب الرب إلهك" (تثنية 16:6). حذاري من الدخول في تجربة الشك بالله ونسيانه، وحذاري من أن نضعه تحت الإختبار لئلا تنطبق علينا الآية التي وردت في سفر أعمال الرسل لحننيا وسفيره: " لماذا اتفقتما على تجربة روح الرب".

 

التجربة الثالثة: "أعطيك هذا كله إن جثوت لي ساجدًا"

 

هنا يحل إله السلطة السياسية مع كل ما فيه من سحر وفتنه، محل الإله السامي، فيعود يسوع إلى سفر تثنية الإشتراع فيؤكد على تسامي الله، ويرفض يسوع صورة المسيا السياسي ويعتقد انّ قبولها عبادة للشيطان فيجيب يسوع: "للرب إلهك تسجد وإياه وحده تعبد". وليؤكد لنا ألا نكون أسيادًا في هذا العالم بل خدامًا. قال أحدهم: "من يعرف كيف يسجد أمام الله يعرف كيف يقف أمام الناس".

 

فيا يسوع الصائم، يا سيِّد الطبيعة، إقبل صومنا وجدّد مفاعيل النعمة فينا لنعبر بموتك وقيامتك إلى الفصح الأبدي.