موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

الرئيسية /
روح وحياة
نشر الأحد، ٣١ أكتوبر / تشرين الأول ٢٠٢١
العائلة والكبرياء: فليتعالَ المتخاصمون عن كبريائهم، بهذا يعود الدفء إلى البيوت المتنازعة

الأب الياس كرم :

 

يدعو القدّيس يوحنّا الذهبيّ الفم الزوج والزوجة لأن يجعلا بيتهما كنيسةً صغيرةً: "ليكن بيتكم كلّه كنيسة". هذا يتحقّق بصَلاتهما وصومهما ومشاركتهما كلاهما في حياة الكنيسة، واحترام كلٍّ منهما للآخر، وبتشديد بعضهما البعض في فعل المحبّة وعيش الفضائل، فيكونان مثالاً لعائلتهما.

 

هذا منطق القدّيسين والكنيسة، أمّا منطق أهل الأرض فعكس ذلك، فلا صلاة ولا صوم ولا مشاركة في الكنيسة أو إحترام متبادل، بل بغض وحسد وكره ونميمة، والفضائل عندهم لا قيمة لها أو مكانة.

 

انا لا أنفي وجود مَن يسعى من الملتزمين بالكنائس والصلوات، إلى عيش الكلمة بصدق وأمانة، وإلى مقاربة الكلمة الإلهيّة بخشوع وتقوى، وبصدق مطلق، ويترجمون ذلك عبر اللياقة والترتيب في معاملة بعضهم بعضًا ضمن العائلة الواحدة.

 

لكن بالمقابل لكل قاعدة شواذ، كثيرون يأمّون الكنائس ودور العبادة، يصلّون ويتعبّدون لله، وهم بعيدون من تطبيق التعاليم السماوية. فكم هناك من عداوة بين الأزواج، وبين الأهل والأولاد، وبين الأخوة أنفسهم، الذين يزايدون بمحبتهم وتضرعهم لله، ويتقاتلون فيما بينهم على حفنة من الأموال.

 

فيما مضى كان الأخوة يتقاسمون الميراث، أمّا اليوم فبات الميراث يتقاسمهم. كثرٌ يدّعون الفهم والإيمان والثقة بالله، ولا ثقة لهم بإخوتهم من لحمهم ودمهم، وهذا عائد إلى التكبّر والإستعلاء وادّعاء المعرفة والتباهي، وهم من داخلهم كالقبور المكلّسة.

 

الطمع أعمى قلوبهم، والمال بهرهم، ويذهبون إلى الكنيسة يصلّون ويتضرعون، ناسين أنّ الله براءٌ من هذا النوع من الصلوات.

 

الله فاحص القلوب والكلى، يعرف نوايا كلّ شخص يصلّي علانية ويصوم، وأمّا في نفسه يحمل الكره والتعصب والضغائن للآخرين، ولأهل بيته أولًا. والله عارف الناس أجمعين، الصالحين منهم والطالحين.

 

لست في هذه السطور ديّانًا للناس، إنما أحاول توصيف بعض الأوضاع التي نشهد عليها أو نحاول معالجتها، عند بعض الملتزمين كنسيًا دون سواهم. وقد علّمنا الإنجيل كيفية التعامل بين الإخوة بقوله: "وإن أخطأ إليك أخوك فاذهب وعاتبه بينك وبينه وحدكما. إن سمع منك فقد ربحت أخاك، وإن لم يسمع، فخذ معك أيضا واحدا أو اثنين، لكي تقوم كل كلمة على فم شاهدين أو ثلاثة، وإن لم يسمع منهم فقل للكنيسة. وإن لم يسمع من الكنيسة فليكن عندك كالوثني والعشار" (متى ١٨: ١٥- ١٧).

 

يذهب إليه منفردًا حتى لا يتحوّل العِتاب إلى نوعٍ من التشهير، ولكي يعطي له الفرصة لمراجعة نفسه بلا عناد. يذهب إليه ليحمله إلى التوبة لله لا للاعتذار له. بهذا يطلب المؤمن سلامة حياة أخيه في الرب وليس معاقبته.

 

كم من وثني وعشّار بيننا وفي مجتمعاتنا وبيئتنا؟ كم من عائلة مفككة لأسباب تافهة، ناسين أن: "كُلُّ مَمْلَكَةٍ مُنْقَسِمَةٍ عَلَى ذَاتِهَا تُخْرَبُ، وَكُلُّ مَدِينَةٍ أَوْ بَيْتٍ مُنْقَسِمٍ عَلَى ذَاتِهِ لاَ يَثْبُتُ" (متى 12: 25).

 

الإنقسام في العائلات سببه في أغلب الأحيان المال، ولذلك حذّرنا يسوع في إنجيله من عبادة المال بقوله: "لاَ يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يَخْدِمَ سَيِّدَيْنِ، لأَنَّهُ إِمَّا أَنْ يُبْغِضَ الْوَاحِدَ وَيُحِبَّ الآخَرَ، أَوْ يُلاَزِمَ الْوَاحِدَ وَيَحْتَقِرَ الآخَرَ. لاَ تَقْدِرُونَ أَنْ تَخْدِمُوا اللهَ وَالْمَالَ"(متى 6: 24). لا يستطيع أحد أن يحيا في النور والظلمة معًا. فالمال سيد قاسٍ يجعل من يعبده يتخلى عن الله وعن ضميره وعن أحبائه.

 

التفكك العائلي بات عند الكثيرين أمرٌ طبيعي، والطلاق بات أمرًا مستسهلًا في عقول بعض المتزوجين، وهذا كلّه ناتج عن قساوة القلب وعدم الإحترام وانتفاء الحوار، بالإضافة إلى الخيانات الزوجية الناتجة عن طلب اللذة والشهوة المتفاقمة والخطيئة المستفحلة. أو بسبب النفور المتعدد الأسباب، فضلًا عن المال الذي هو علّة العلل.

 

مؤسسة الزواج والعائلة باتت مهددة بالدمار الشامل، وما نعيشه اليوم في لبنان يسرّع الإنهيار، بسبب الأوضاع المعيشية والإجتماعيّة والنفسيّة، وهنا تكمن قوة الإيمان والإلتزام بالتعاليم الكنسيّة والروحيّة عمومًا. فمن فهم أن الله محبة، عرف أن يضحّي ويسامح ويصبر ويتأنى. فالحوار أساسي وضروري بين الزوجين أولًا، وبين كافة أفراد الأسرة ثانيًا.

 

إنه من دواعي الإستقرار العائلي أن يشعر الرجل مع زوجته، بأتعابها وأوجاعها ومشاعرها ويتحاور معها، يسمعها ويصغي إليها، والعكس صحيح، تقدّر أتعابه ونجاحاته وجهده المتواصل لأجل عائلته. كذلك يجب على الإخوة والأخوات أن يتنازلوا عن كبريائهم وأطماعهم وعنادهم وتشبصهم، وأن يؤآزروا بعضهم بعضًا، وبهذا يعرف الناس أنهم تلاميذ ذاك الذي عُلق على خشبة، وبذل نفسه حتى الموت، موت الصليب.

 

فليتعالَ المتخاصمون عن كبريائهم، ولينصتوا إلى كلام الحق، وبهذا يعود الدفء إلى البيوت المتنازعة، وتستقر أرواح الآباء والأمهات تحت التراب في الراحة الأبدية.

 

 

(النشرة اللبنانية)