موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
الأحد الأوّل من زمن الـمجئ (أ)
الـمُقدّمة
اختتمنا بالـمقال السابق، من خلال إحتفالنا بعيد يسوع ملك الكون، السنة الليتورجيّة بحسب العام (ج). ومع زمن الـمجئ، بهذا الـمقال، سنبدأ العام الليتورجي (أ)، الّذي يُهيئنا كمؤمنيّن من خلال سلسلتنا فيما بين العهدّين بالإستنارة من خلال الـمصابيح الأربعة في هذه الأسابيع الّتي تسبق سرّ تجسد الرّبّ؟ من خلال كلّ مقال سنستلم مصباح جديد من خلال الكلمة الإلهيّة، ليضيء حياتنا وقلوبنا ويجعلنا نتمكن من حمل نور هذا الـمصباح من إسبوع لآخر لنمير لنا الطّريق للوصول إلى بيت لحم، مكان لقائنا بالطفل الإلهي، حامليّن مصابيحنا الّتي ستنير طريقنا إليه. في هذا الزّمن سنتعمق في القراءات الطقسيّة لزمن الـمجئ بملء وغنى روحيّ بين نبؤة أشعيا والإنجيل الـمتّاويّ. في هذا الـمقال الأوّل سنستعد لحمل مصباح التأهب أي الإستعداد من خلال قرائتنا لمقطع العهد الأوّل لأشعيا (2: 1- 5) والّذي يدعونا للسير في نور الرّبّ. ويتوازى معه نص متّى (24: 37- 44) حيث يعلمنا يسوع معنى التأهب والإستعداد بشكل يناسب حياتنا اليوميّة والعمليّة.
1. نور الرّبّ (اش 2: 1- 5)
النبي أشعيا وهو أحد الأنبياء الكبار بسبب كثرة إصحاحات نبؤته الّتي تصل إلى ستة وستون إصحاحًا. عاش أشعيا بالقرن الثامن قبل الـميلاد، وتنبأ في مملكة الجنوب-يهوذا وعاصمتها أورشليم. يسرد علينا كلمة الرّبّ إليه الّذي تنبأ بها على بني إسرائيل بمملكة الجهوب قائلاً: «يَكونُ في آخرِ الأَيَّام أَنَّ جَبَلَ بَيتِ الرَّبِّ يُوَطَّدُ في رَأسِ الجِبالِ وَيرتَفعُ فَوقَ التِّلال. وتَجْري إِلَيه جَميعُ الأُمَم وتَنطَلِقُ شُعوبٌ كَثيرةٌ وتَقول: هَلُمُّوا نَصعَدْ إِلى جَبَلِ الرَّبّ إِلى بَيتِ إِلهِ يَعْقوب وهو يُعَلِّمُنا طُرُقَه فنَسيرُ في سُبُلِه لأَنَّها مِن صِهْيونَ تَخرُجُ الشَّريعَة ومِن أُورَشَليمَ كَلِمَةُ الرَّبّ» (اش 2: 2- 3).
منذ القرن الثامن ق. م.، تحمل كلمات النبيّ خبر سّار وهو أنّ من قلب أورشليم أي مملكة الجنوب ستخرج "الشّريعة" ومنها أيضًا تُعلن "كلمة الرّبّ". مما يشير أنّ هناك مسيرة للخروج مِن قِبل كلّ إنسان ليلتقي بالرّبّ في حياته وهو مدعو لهذه الخطوة ليتأهب لطريق جديد إفتتحه الآب قبل تجسد يسوع الابن. وبناء على هذه الكلمات، تأتينا دعوة النبيّ في ختام هذا الـمقطع بالبدء الفعليّ في الخروج من الّذات بقوله: «هَلُمُّوا يا بَيتَ يَعْقوب لِنَسِرْ في نورِ الرَّبّ» (اش 5: 5). هذا هو هدف النبيّ، إذ حمل لنا كلمة الرّبّ الـمُطمئنة كمصباح يساعدنا للإستعداد على السيّر في نور الرّبّ الّذي سنلتقي به إنسانًا وإلهًا في حياتنا وتاريخنا البشريّ.
2. التحذير من اللامبالاة (مت 24: 37- 39أ)
تحمل الأناجيل الإزائية نبرة إسكاتولوجيّة قبل البدء في رواية الإنجيليّين الثلاثة أحداث آلام وموت وقيامة الرّبّ. نرتكز منهجيّة متّى الإنجيلي في الإصحاحيّن الرابع والعشرون والخامس والعشرون على تعاليم يسوع الّتي تخبرنا بنهاية الإيام قبل إتمامه سرّه الفصحي. بعد أنّ حاور الكثيريّن من الصدوقيّين والفريسيّن، يناقش يسوع تلاميذه، الـمُتمثلين فينا اليّوم، مُسلمًا إيانّا مصباح التأهب ومحذراً إيانا، من جديد، من الوقوع في الأفخاخ الكاذبة الّتي ستعلن بإسمه.
يُشبّه يسوع في تعليمه بأنّ الأزمنة الأخيرة، الّتي سيتم فيها مجيء ابن الإنسان، تُشبه زمن نوح (راج تك 6- 9) حيث: «فكَما كانَ النَّاسُ، في الأَيَّامِ التي تَقَدَّمَتِ الطُّوفان، يَأكُلونَ ويَشرَبونَ ويَتزَّوجونَ ويُزَوِّجونَ بَناتِهِم، إِلى يَومَ دخَلَ نوحٌ السَّفينَة، وما كانوا يَتَوَقَّعونَ شَيئاً، حتَّى جاءَ الطُّوفانُ فجَرَفهم أَجمَعين» (مت 24: 38- 39أ). اللامبالاة في الحياة اليوميّة، وعدم إدراك أنّ حياتنا كما أنّ لها بداية ستكون لها نهاية أيضًا. في أيام نوح لم يتوقع معاصريه تحقيق كلامه لأنّه غريب. كيف سيتم الطوفان، لماذا عليهم بالإستعداد بالدخول في الفلك، ... إلخ. معاصريّ نوح لم يتوقعون شيئًا من كلامه معهم. لهذا تم جرفهم في تيار الطوفان وماتوا جميًعا.
اليوم كمسيحييّن ماذا نتوقع من تعاليم الرّبّ لنا؟ أن نحيا حياة وكأنها لن تنتهي؟ أم نبدأ في التأهب والإستعداد للقاء الّذي سيغير حياتنا حقيقة من خلال اللقاء بالرّبّ. كلمات يسوع بالرغم من صعوبتها في واقعها إلّا إنها حقيقة حيث يحذرنا من اللامبالاة وخاصة الروحيّة الّتي تفقدنا علاقتنا حقًا بالرّبّ.
3. السهر الباطنيّ (مت 24: 39ب- 44)
إستبق يسوع تلعيمه بنظرته على ما عاشه نوح وعدم توقع معاصريه من وقوع الطزفان حقًا. ولهذا يستكمل يسوع تعليمه بناء على ما إستبقه الرّبّ في زمن نوح سيتممه في زمن يسوع في محيئة الثاني قائلاً: «فكذلكَ يَكونُ مَجيءُ ابنِ الإِنسان: يَكونُ عِندَئِذٍ رَجُلانِ في الحَقْل، فيُقبَضُ أَحَدُهما ويُترَكُ الآخَر. وتكونُ امرأَتانِ تَطحَنانِ بِالرَّحَى فتُقبَضُ إِحداهما وتُترَكُ الأُخرى» (مت 24: 39ب - 41).
يأتينا تعليم يسوع من الحياة الواقعيّة حيث يتم القبض على رجل أثناء عمله، أي في لحظة غير متوقعة، وأيضًا إمرأة أثناء تحضيرها الطحين لأهل بيتها أي أثناء حياتها اليوميّة. يدعونا يسوع بأنّ هذه الأحداث الغير متوقعة لا ترهبنا ولا تخيفنا، كلّ ما علينا هو التأهب والإستعداد من خلال وضع زيت في مصابيحنا بشكل يوميّ لأنّنا لا نعرف متى سيأتي الرّبّ ثانيّة لنحيا معه. إذن، يدعونا زمن المجئ بأنّ نتوقف جديًا لنستعد بهذا الـمصباح الأوّل، وهو التأهب. حيث نخطو خطوة لنستقبل يسوع الّذي بمجيئه الأوّل فتح لنا الأبواب السمائية ونستمر حتى يأتي ثانيّة ونكون في إنتظاره. هذا الأفق بين الـمجيئين يكشفا لنا بأننا مدعوين للإستعداد للقاء الرّبّ في مجيئه الثاني بالإستعداد والتأهب من خلال فترة إستعدادنا الحاليّة الّتي تهيئنا للإحتفال بذكرى مجيئه الأوّل.
4. مصباح التأهب (مت 24: 42- 44)
تدوي على مساعمعنا كلمات متّى على لسان يسوع ليختتم تعليمه هذا بفعل الأمر قائلاً: «فَاسهَروا إِذاً، لأَنَّكُم لا تَعلَمونَ أَيَّ يَومٍ يَأتي ربُّكم. وتَعلَمونَ أَنَّه لو عَرَفَ رَبُّ البَيتِ أَيَّ ساعةٍ مِنَ اللَّيلِ يَأتي السَّارِق لَسَهِرَ ولم يَدَعْ بَيتَه يُنقَب. لِذلِكَ كونوا أَنتُم أَيضاً مُستَعِدِّين، ففي السَّاعَةِ الَّتي لا تَتَوَقَّعونَها يأَتي ابنُ الإِنسان» (مت 24: 42- 44). يدعونا يسوع بالسهر من خلال مصباح الإستعداد والتأهب لنتهيئا لهذا اللقاء الحيّ. يحاورنا يسوع صراحة بأنّا لا نعلم هذا اليّوم ولا الساعة، إذن علينا أنّ نسعى بجديّة في التأهب الّذي ينشطنا كدورنا الأساسي في هذا الزّمن الخاص، وهو زمن الـمجئ، والّذي نستعد به التقدم في العلاقة بالرّبّ بالرغم من ضعفنا لنشعل معه ولأجله مصباح التأهب.
الخُلّاصة
تعمقنا معًا في نصي بين العهديّن، حيث من خلال قرائتنا لمقطع أشعيا النبي (2: 1- 5) الّذي دعانا للسير في نور الرّبّ من خلال التمسك بكلمته والسعي الحقيقي في أنّ نترك خطواتنا تصعد للقاءه. وبناء على هذا النّور الّذي سيشع ليلة ميلاد ابن الله، الّذي من خلال إستعدادنا لزّمن الـمجئ لهذا العام، صاغيّن لتعليم يسوع التحذيري من اللامبالاة والّذي يتسم بالسهر الباطني لهذا الـمجئ الّذي لا يعلم به أحد من خلال النص بحسب إنجيل متّى (24: 37- 44). يدعونا يسوع بالبدء في تنشيط قلوبنا من خلال إشعالنا مصباح التأهب الّذي نستعد من خلاله في هذا الأسبوع الأوّل للإستقبال ملك الـمجد الآتي لأجلنا. دُمتم مستنيرين بهذا الـمصباح الإستعدادي.