موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر الأربعاء، ١٠ أغسطس / آب ٢٠٢٢

"النار الإلهيّة!" بين كاتبي نبؤة ارميا والإنجيل الثّالث

بقلم :
د. سميرة يوسف سيداروس - إيطاليا
سلسلة قراءات كتابيّة بين العهديّن (ار 38: 4- 10؛ لو 12: 49- 53)

سلسلة قراءات كتابيّة بين العهديّن (ار 38: 4- 10؛ لو 12: 49- 53)

 

مقدّمة

 

القُراءّ الأفاضل، تتسلط الأضواء على جانب فريد في لّاهوت الكتاب المقدس، في هذه السلسلة الكتابيّة والّذي يبدأ من الحدث التأسيسي لرسالة يسوع الخلاصيّة. موضوع "النار" في الكتاب المقدس له أهميته البليغة. لذا في النص الأوّل المأخوذ من نبؤة ارميا (38: 4- 10) بالعهد الأوّل، ويكشف وضع النبي أثناء حضوره وسط الشعب فتصير كلمته النبويّة كالنار الإلهية المرفوضة من قِبل الشعب. ثم نرى النبي مرفوضًا ومُدانًا بسبب "كلمة الله" التي يحملها لأهل السامرة بشمال اسرائيل. يُمثل موقف ارميا نصيب جميع الأنبياء فانَّ مَن يبشر بكلمة الله يُقبل بالرفض، ورسالته مرتبطة بإعلانه كخادم للشعب، لدرجة أن وجوده بين الشعب شاركه مصيره في كل شيء. من خلال هذا المنظور يمكننا قراءة النص الثاني من إنجيل لوقا (12: 49- 53)، حيث يعتمد مصير التلاميذ على معنى خدمة يسوع ذاته الّذي يتحدث علانية فيه بإلقائه الانقسام والنار على الأرض! وقد يتعثر بعض المؤمنين لقراءة هذا النص على لسان يسوع. لذا نوّد أن نعطي إجابة للكثير من التساؤلات الّتي طُرحت من خلال هذا المقال للتعمق في مفهوم النار الإلهية بباطننا وعلاقتها بالكلمة الإلهية من جانب ثم سنتباحث للتعرّف على هدف الله من خلالها في حياتنا البشرية.

 

 

1. النار الباطنيّة (ار 38: 4- 10)

 

يمكن أن يكون لمضمون النار معاني كثيرة في الكتاب المقدس. فالنار تعمل على التطهير وتشير للدينونة والعقاب الإلهي. يكفي أن نفكر في سفر التكوين عن مصير مدينتي سدوم وعمورة (راج تك 19: 24) وقول يعقوب ويوحنا ليسوع: «يا ربّ، أَتُريدُ أَن نَأمُرَ النَّارَ فتَنزِلَ مِنَ السَّماءِ وتَأكُلَهم؟» (لو 9: 54). وهناك نصوص كثيرة في الكتب المقدسة يظهر فيها معنى النار كعقاب أو حكم. ومع ذلك، هناك أيضًا نوع آخر من النار، وهي النار الباطنية. هذه النار التي اشتعلت في باطن ارميا وأعلنها أثناء مناجاته للرّبّ قائلاً: «قد استَغوَيتَني يا رَبُّ فآستُغْويت قَبَضتَ علَيَّ فغَلَبتَ [...] فقُلتُ: لا أَذكره ولا أَعودُ أَتَكلَمُ بِآسمِه لكِنَّه كانَ في قَلْبي كنارٍ مُحرِقَة قد حُبِسَت في عِظامي فأَجهَدَني احتِمالُها ولَم أَقْوَ على ذلك» (ار 20: 7- 9). في النص الـمُختار نقرأ قول الرُّؤَساءُ لِلمَلِك صدقيا في عهد ارميا الّذين قالوا: «لِيُقتَلْ هذا الرَّجُل [ارميا]، [...] لِأَنَّ هذا الرَّجُلَ لا يَطلُبُ لِهذا الشَّعبِ سَلاماً، بل بَلْوًى» (38: 4). وباختبار ارميا عبور النار باطنيًا من خلال القائه في الجُب بأيدي الشعب وهو نتيجة توصيله لهم كلمة الرّبّ. يدعونا ارميا في رسالة لحياتنا اليوم وهي الصمود أمام رفض كلمة الله. أمام الكلمة -النار التي لا يشعر بها من يحيطون ولكن نقاء العلاقة بالله يكتشف القلب البشري المرتبط به لهيبها ليتطهر ويكون المرء بذاته وحياته رسالة تطهيرية فيما بعد.

 

أما بالنسبة لنار الكلمة الإلهية فهي بمثابة النار الّتي لا تُمثل حريقًا يُعاقب عليه الجاني، بل صورة للحديث عن شيء لا يمكن كبته ولا كبحه. يعبر النبي الغير قادر على احتواء وكبح كلمة الله التي يحملها في نفسه. في مقطع آخر من ذات النبوءة ذُكر أن كلمة الرّبّ كالنار: «أَلَيسَت كَلِمَتي كالنَّار، يَقولُ الرَّبّ وكالمِطرَقَةِ الَّتي تُحَطِّمُ الصَّخْر؟» (ار 23: 29). أخيرًا، النار الّتي لا تُدمر فهي تطهر. لا يمكننا أن ننسى نار العليقة المشتعلة التطهيرية الّتي من خلالها أظهر الله نفسه لموسى (راج خر 3: 2). إنها النار الـمُحترقة، تمثل صورة مدهشة والّتي تتحدث عن حقيقة النار والّتي هي عادة مدمرة، بدلاً من ذلك تحترق دون أن تُدمر شيء.

 

الغريب في النبي المرفوض هو إنه لا يتكلم ولا يُدافع عن نفسه فهو منذ بدء رسالته اعترف بصغره أمام رسالة النبوءة الإلهية: «"آهِ ايُّها السَّيِّد الرَّبّ هاءنَذا لا أَعرِفُ أَن اتكلَمَ لِأَنِّي وَلَد".  فقالَ لَيَ الرَّبّ: لا تَقُلْ “إنِّي وَلَد “فإنَّكَ لِكلِّ ما أُرسِلُكَ لَه تَذهَب وكُلَّ ما آمُرُكَ بِه تَقول. لا تَخَفْ مِنُ وُجوهِهم فإِنِّي مَعَكَ لِأُنقِذَكَ، يَقولُ الرَّبّ 9 ثُمَّ مَدَّ الرَّبّ يَدَه ولَمَسَ فَمي وقالَ لِيَ الرَّبّ: هاءنَذا قد جَعَلتُ كَلامىِ في فَمِكَ. أُنظُرْ، إِنِّي أَقَمتُكَ اليَومَ على الأُمَمِ وعلى المَمالِك لِتَقلَعَ وتَهدِم وتُهلِكَ وتَنقُض وتَبنِيَ وتَغرِس» (ار 1: 6- 10). هذا هو السرّ النبوي، اختبر ارميا، منذ عنفوانه، تطهير باطنه وتم ولادة الصمت على شفاهه. مَن يقبل رسالة الرّبّ اليوم عليه بالصمود وبقبول التطهير المسموح من الرّبّ في حياته الخاصة. عبور الأزمات الشديدة بشريًا لا يتم إلا بترك النار الإلهية المُطهرة تعمل في باطن الإنسان واثقًا فيمَن أرسله ومختبراً عناياته ومتحملاً الالم من الجانب الآخر، لوعيه إنه لتطهير باطنه وشعبه.

 

 

2. يسوع نبي التطهير (لو 12: 49- 53)

 

قد يتعثر البعض متسائلين: ما هو مقصد يسوع عندما يتكلم عن النار؟ يقول يسوع: «جِئتُ لأُلِقيَ على الأَرضِ ناراً، وما أَشدَّ رَغْبَتي أَن تَكونَ قدِ اشتَعَلَت!» (لو 12: 49). يظهر معنى النار الّتي يقول يسوع أنه جاء ليلقي بها على أرضنا البشرية التي نحيا عليها. من خلال الإشارة إلى هذه الخلفية الكتابية التي وصفناها بأعلى بحسب الفكر النبوي لدى ارميا. لا يتوجب علينا التفكير في نوعية هذا النار كعقاب ودينونة، ولكن كحقيقة إيجابية، مثل النار الّتي احترقت في عظام ارميا وباطنه، وأيضًا التي جاء يسوع لإلقائها على عالمنا الأرضي هادفًا التطهير.

 

يشير لفظ «جِئتُ» إلى أن إرسالية يسوع تتكون تحديدًا من هذا. يمكننا أن نقول إن "النار" التي أرادها يسوع ليست تلك الخاصة بالعقاب الإلهي للبشرية الخاطئة، ولكنها تشير لنار كلمة الله والرّوح، الّذي نناله بالمعمودية، الّتي تحوّل الأرض وتُجددها. إن إعلان وجه الله هو الذي يحدث من خلال كلمة يسوع كمثل النار الملتحفة بالعليقة المشتعلة بسيناء (راج خر 3: 6) وهذه النار تحترق دون أن تُدمر. والمصطلح الجوهري للنص هو "المعمودية". لأجل هذه الحقيقة يأتي يسوع ليكتمل العماد بالنار من خلال قوله: «وعَلَيَّ أَن أَقبَلَ مَعمودِيَّةً، وما أَشَدَّ ضِيقي حتَّى تَتِمّ!» (لو 12: 50). المعمودية في الكتاب المقدس إلى الموت (راج مر 10: 38). يشير يسوع في نهاية حياته الّتي ستتكلل بتقدمة ذاته. إذن النار، هي الرابط الّذي يربط بين المعمودية كمفتاح لمشروعه الخلاصي.

 

 

3. نار المعمودية (لو 12: 51- 53)

 

إذا قمنا، كما يقترح الإنجيلي، بربط المصطلحين "نار" و "معمودية" معًا، يمكننا أن نفهم الآيات التالية بوضوح. ف، "النار" الّتي جاء يسوع ليلقيها على الأرض والتي يوّد أن يراها مشتعلة ترتبط ارتباطًا وثيقًا بحياته كـ "كلمة الله" الحية والمتجسدة للبشرية. بهذا المعنى، فإن النار هي ذاته إذ صار مشروع حياته بذرة حياتنا الجديدة. عند قرائتنا للنص من هذا المنظور، يمكننا أيضًا استعادة معنى النار كحكم. في الواقع، مخطط يسوع هي دينونة لكل الرجال والنساء في كل العصور. بهذا المعنى، فإن النار التي أتى يسوع لإلقائها على الأرض هي أيضًا دينونة إلهيّة قائمة على شريعة الحب.

 

نُفاجأ بيسوع القائل: «أَتَظُنُّونَ أَنِّي جِئتُ لأُحِلَّ السَّلامَ في الأَرْض؟ أَقولُ لَكُم: لا، بَلِ الِانقِسام» (لو 12: 51) لا نعتقد أنه يفاجئنا بقوله إنه لم يأت حاملاً السلام. لذا علينا إدراك تعبير لفظ «جِئتُ» مرة أخرى، على الرغم من أننا نجد في اليونانية فعلًا مختلفًا، للإشارة إلى العلاقة بين ما يقال وما يُعاش في رسالته. ومع ذلك، فهي ليست مسألة تتعلق بمهمته، بل هي نتائج رسالته. في كل الكتاب المقدس تعبير "السلام-هاشالوم" هو نعمة من قِبل الله لشعبه، وهو مرادف لـتعبير "ملء الحياة والخلاص". هذا يختلف عن معنى السلام الّذي يمنحه القائم عندما يقدم نفسه للتلاميذ (راج يو 20: 12ت). هذا النص لا يحمل هذا المعنى، ولكن يعنى الوحدة والانسجام. لا يريد يسوع أن يدعي أنه جاء ليخلق الانقسام، لكن كلمته الخلاصيّة وحياته الفدائية ستثيران ذلك حتمًا ليُعرف مَن معه ومَن ضده من خلال الإيمان به وبقبول نار كلمته لنوال الملكوت.

 

 

الخلّاصة

 

يوجهنا كلا الـمُدونين للنصين في هذا المقال إلى رغبة يسوع في تطهير باطننا من خلال الكلمة بالاشتراك معه في الانقسام عما ينتمي للشرير والتمتع بالسلام الحقيقي. إنها سمة رائعة لأننا مع يسوع نسير على الطريق المؤدي إلى أورشليم، فهي أيضًا مسألة ضرورية للموت وللقيامة معه. مدعوين لنحمل نار إرميا المشتعلة بباطننا والّتي لا يمكن احتوائها حتى تشتعل هذه النار على الأرض. لكننا في نفس الوقت نشعر بالخوف من الانقسامات التي يسببها حكم كلمة الله حتمًا. علينا بالتمييز إذ بجهل نُقاوم منطق يسوع ذاته في قبول أو رفض النار-المعمودية لتطهير حياتنا. هذان العنصران يجب الحفاظ عليهما لئلا نفقد قوة وثقل الكلمة التي نحن حُراسها. حتى تلاميذ يسوع، وَاصلوا رسالته، حملوا ذات النار التي احترقت دون تدمير، لكنها لا تفقد قوتها في الدينونة انطلاقًا من نفس منطق الحياة الذي اتخذه يسوع. وبالتالي ندرك أنّ "النار" و "المعمودية" هما مصطلحان أساسيان متوازيان لباطننا.

 

كشفتا الكلمة النبوية بحسب ارميا وكلمة يسوع بحسب لوقا الانقسامات حتى في العلاقات الأسرية الأكثر عمقًا والأكثر ارتباطًا «فيَكونُ بَعدَ اليَومِ خَمسَةٌ في بَيتٍ واحِدٍ مُنقَسمين، ثَلاثَةٌ مِنهُم على اثنَينِ واثنانِ على ثَلاثَة: سيَنقَسِمُ النَّاسُ فيَكونُ الأَبُ على ابنِه والابنُ على أَبيه، والأُمُّ على بِنتِها والبِنتُ على أُمِّها، والحَماةُ على كَنَّتِها والكَنَّةُ على حَماتِها» (لو 12: 52 - 53). فالنار التي جاء يسوع ليلقيها على الأرض هي ذاته الّتي هي جوهر رسالته. هي الكلمة الإلهية بالعهدين. تظهر حياة من يصغي إليها وتحمله على التوبة. كما رأينا ذلك بوضوح في نص نبؤة ارميا (38: 4- 10)، فهو حمل كلمة الله الّتي تحمل النور والخلاص مشيراً إلى المنطق الذي من خلاله يواجه المرء المواقف التي يمر بها يولد الانقسام عن كل ما هو ضد الله. "الانقسام" لا يظهر فقط بين شخص وآخر، بل حتى في باطن الإنسان ذاته. مدعوين أيها القراء الأفاضل تمييز النار الإلهية التي تشتعل بداخلنا دون تدميرنا بل تغيرنا للأفضل. النار هي كلمة الله الله تقسم وتنزع كل ما هو ضد الله عما ينتمي له فتلهمنا بما هو خيّر لخلاصنا. دُمتم في تطهير النار الإلهيّة.