’أبونا‘ ينشر النسخة الكاملة بالعربية للوثيقة الختامية لسينودس الشباب

  • strict warning: Declaration of views_handler_field::query() should be compatible with views_handler::query($group_by = false) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/handlers/views_handler_field.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of content_handler_field::element_type() should be compatible with views_handler_field::element_type($none_supported = false, $default_empty = false, $inline = false) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/cck/includes/views/handlers/content_handler_field.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_handler_sort::options_validate() should be compatible with views_handler::options_validate($form, &$form_state) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/handlers/views_handler_sort.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_handler_sort::options_submit() should be compatible with views_handler::options_submit($form, &$form_state) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/handlers/views_handler_sort.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_handler_sort::query() should be compatible with views_handler::query($group_by = false) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/handlers/views_handler_sort.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_handler_filter::options_validate() should be compatible with views_handler::options_validate($form, &$form_state) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/handlers/views_handler_filter.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_handler_filter::query() should be compatible with views_handler::query($group_by = false) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/handlers/views_handler_filter.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_plugin_query::options_submit() should be compatible with views_plugin::options_submit($form, &$form_state) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/plugins/views_plugin_query.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_plugin_style_default::options() should be compatible with views_object::options() in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/plugins/views_plugin_style_default.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_plugin_row::options_validate() should be compatible with views_plugin::options_validate(&$form, &$form_state) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/plugins/views_plugin_row.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_handler_field_user::init() should be compatible with views_handler_field::init(&$view, $options) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/modules/user/views_handler_field_user.inc on line 0.

’أبونا‘ ينشر النسخة الكاملة بالعربية للوثيقة الختامية لسينودس الشباب

الفاتيكان - أبونا
2019/01/10

مقدّمة

حدث السّينودُس الذي عشناه

1. "ويكون في الأيّام الأخيرة أنّي أسكب من روحي على كلّ بشر، فيتنبّأ بنوكم وبناتكم، ويرى شبابكم رؤىً ويحلم شيوخكم أحلامًا" (أع 17:2؛ يوئيل 1:3). هذا هو الاختبار الذي عشناه في هذا السّينودُس، من خلال السّير معًا، واستعدادنا الدّاخلي للإصغاء لصوت الرّوح الذي أدهشنا بغنى مواهبه، وملأنا بشجاعته وبقوّته لنحمل الرّجاء إلى العالم. لقد سرنا سويّةً مع خليفة بطرس الذي ثبّتنا في الايمان وقوّى فينا الحماس على الرّسالة. وبالرّغم من تعدّد الخلفيّات الثّقافيّة والكنسيّة التي أتينا منها، فقد شعرنا منذ اللّحظة الأولى بانسجامٍ روحيّ، وبرغبة في الحوار، وبتعاطفٍ حقيقيّ. عملنا معًا، وتشاركنا بما كان غاليًا على قلبنا. عبّرنا عن همومنا، ولم نخفِ صعوباتنا. مداخلاتٌ كثيرة أثّرت فينا وولدّت لدينا تعاطفًا إنجيليًّا. شعرنا وكأنّنا جسدٌ واحدٌ يتألّم ويفرح. إنّنا نريد أن نشارك الجميع في إختبار النّعمة الذي عشناه وأن ننقل إلى كنائسنا وإلى العالم أجمع فرح الإنجيل. كان حضور الشّبيبة حدثًا جديدًا، ومن خلاله دوّى في السّينودُس صوت جيلٍ بأكمله. وفي سيرِنا معهم في حجٍّ إلى قبر بطرس، إختبرنا أنّ القُرب من الآخر يخلق الظّروف التي تجعل الكنيسة مساحة حوار وشهادة لأخوّة مذهلة. وقوّة هذا الاختبار تتخطّى أي تعب أو ضعف. فالرّبّ لا يزال يكرّر لنا: لا تخافوا، أنا معكم.

عمليّة الإعداد لهذا السّينودُس

2. لقد استفدنا كثيرًا من مداخلات الأساقفة، ومشاركات الكهنة، والمكرّسين، والعلمانيّين، والخبراء، والمربّين وكثيرين غيرهم. ومن البداية، إنخرط الشّباب في عمليّة الإعداد، وظهر ذلك جليًّا في عمليّة الاستطلاع على الانترنت، المداخلات الشّخصيّة، وبشكلٍ خاص في اللّقاء التّحضيريّ للسّينودُس. فمشاركتهم كانت أساسيّة، كما في قصّة السّمكتين والأرغفة: فيسوع استطاع أن يفعل المعجزة بفضل استعداد الولد الذي قدّم بكرمٍ ما كان يملك (راجع يو 6: 8-11). وتمّ تجميع كلّ المشاركات في وثيقة أداة العمل، التي شكّلت القاعدة الصّلبة للنقاش أثناء أسابيع الجمعيّة العموميّة. والوثيقة الختاميّة هذه تجمع نتيجة النقاشات لتطلقها نحو المستقبل: إنّها تعبّر عمّا أدركه آباء السّينودُس وفسّروه واختاروه على ضوء كلمة الله.

الوثيقة الختاميّة لجمعيّة السّينودُس

3. من المهمّ أن نوضّح ماهيّة العلاقة ما بين وثيقة أداة العمل والوثيقة الختاميّة. فالأولى هي الإطار المرجع الذي يجمع ويلخّص سنتين من الإصغاء؛ والثّانية هي ثمرة التّمييز الذي تمَّ وهي تجمع نواة المواضيع التي نتجت والتي ركّز عليها آباء السّينودُس باهتمام خاص وشغف. نقرّ إذًا بتمايز هذين النصّين وبتكاملهما. قُدّمت هذه الوثيقة إلى قداسة البابا (راجع البابا فرنسيس، الدّستور الرّسولي الشّركة الأسقفيّة، 18 ؛ توجيه، مادة 35 § 5) وكذلك إلى كلّ الكنيسة كثمرة هذا السّينودُس. وبما أنّ مسار المجمع لم ينتهِ بعد ويتضمّن بعد مرحلة التنفيذ (راجع الشّركة الأسقفيّة، 19- 21) فستكون الوثيقة الختاميّة بمثابة خارطة توجِّه الخطوات التّالية التي يُنتظَر من الكنيسة أن تقوم بها.

تمهيد

يسوع يسير مع تلميذَي عمّاوس

4. لقد رأينا في حدث تلميذَي عمّاوس (لو 24: 13-35) نصًّا نموذجيًّا لفهم رسالة الكنيسة تجاه الأجيال الشابّة. وتعبّر هذه اللّوحة جيّدًا عمّا اختبرناه في السّينودُس وما نودّ أن تختبره كلّ واحدة من كنائسنا الخاصّة في علاقتها مع الشّباب. فيسوع يسير مع التّلميذين اللّذين لم يفهما معنى ما حدث معه وراحا يبتعدان عن أورشليم وعن الجماعة. وليبقى برفقتهما، سار الطّريق معهما. سألهما وأصغى لروايتهما الخاصّة للأحداث بصبر بغية مساعدتهما على إدراك ما كانا يعيشانه. ثمّ، بمحبّة ونشاط، يعلن لهما الكلمة، ويقودهما إلى تفسير الأحداث التي كانا يعيشانها في ضوء الكتاب المقدس. قبل دعوتهما له للمكوث عندهما عند حلول الظّلام: دخل إلى ليلهما. بالسّماع إتّقد قلباهما واستنار عقلاهما، وعند كسر الخبز انفتحت أعينهما. واختارا أن يستأنفا دون إبطاء الطّريق بالإتجاه المعاكس، ليعودا إلى الجماعة، ويشاركاها اختبارهما مع القائم من الموت. وفي استكمالٍ لوثيقة أداة العمل تُميِّزُ الوثيقة الختاميّة في هذا الحدث ثلاثة أقسام. القسم الأوّل بعنوان "راح يسير معهما" (لو15:24) ويسعى لإلقاء الضوء على ما أدركه آباء السّينودُس من الإطار الذي يعيش فيه الشّباب اليوم، مبيّنين نقاط القوّة فيه والتحدّيات. القسم الثّاني، "وانفتحت أعينهما" (لو31:24)، هو تفسيري ويوفّر بعض المفاتيح الأساسيّة لفهم موضوع السّينودُس. القسم الثالث بعنوان "إنطلَقا دون إبطاء" (لو33:24)، ويجمع الخيارات من أجل تحوّل روحي وراعوي وإرسالي.

القسم الأوّل

"راح يسير معهما"

5. "وإذا اثنان منهم كانا منطلقين في ذلك اليوم إلى قريةٍ بعيدةٍ عن أورشليم ستِّين غلوةً، اسمُها عمّاوس. وكانا يتكلّمان بعضهما مع بعضٍ عن جميع هذه الحوادث. وفيما هما يتكلّمان ويتحاوران، اقترب إليهما يسوع نفسه وكان يمشي معهما" (لو 24: 13-15). في هذا المقطع، يقوم الإنجيليّ بتصوير حاجة المسافرَين إلى البحث عن معنى للأحداث التي عاشاها. يشير إلى موقف يسوع الذي راح يسير معهما. يريد القائم من الموت أن يمشي الطّريق مع كلّ شاب، قابلاً انتظاراته غير الكافية، وآماله غير الملائمة. يسوع يمشي، يسمع ويشارك.

الفصل الأوّل: كنيسة تصغي

الإصغاء والنظر بتعاطف Empathie

قيمة الإصغاء

6. الإصغاء هو لقاءٌ بين حريّات ويتطلّب تواضعًا وصبرًا، ورغبةً في الفهم، والتزامًا بإعطاء أجوبة بطريقة جديدة. يحوّل الإصغاء قلب الذين يعيشونه، وبشكلٍ خاص حين يضع المرء نفسه في موقف داخلي من الانسجام مع الرّوح والانقياد له. ليس الإصغاء إذًا تجميع معلومات، وليس استراتيجيّة لبلوغ هدف. إنّه الشّكل الذي يتّخذه الله للتواصل مع شعبه. فالله يرى بؤس شعبه ويسمع صراخه حقًا، ويتأثّر في أعماقه وينزل ليخلّصه (راجع خر3: 7-8). إنّ الكنيسة، ومن خلال الإصغاء، تدخل في حركة الله الذي يأتي، بشخص ابنه، لملاقاة كل كائن بشري.

يريد الشّباب أن يُصغى إليهم

7. الشّباب مدعوّون بشكلٍ دائم لاتّخاذ قرارات توجّه وجودهم؛ إنّهم يعبّرون عن رغبتهم بأن يُصغى إليهم، وأن يكونوا مقدّرين، ومرافَقين. كُثُرٌ هم من يختبرون أنّ صوتهم ليس مهمًا ومفيدًا في المجال الاجتماعيّ والكنسيّ. ويُسجَّل في أماكن عديدة قلّة انتباه لصراخهم، لاسيّما للأكثر فقرًا واستغلالاً من بينهم، ويسجَّل أيضًا نقص في عدد البالغين القادرين والرّاغبين في الاصغاء.

الإصغاء في الكنيسة

8. ليس في الكنيسة نقص في المبادرات والخبرات الصّلبة التي يستطيع الشّباب من خلالها أن يحظوا بالقبول، والإصغاء. ومع ذلك يدرك السّينودُس أنّ الجماعة الكنسيّة لا تعرف دومًا كيف تُظهر بوضوح موقف يسوع القائم من الموت تجاه تلميذَي عمّاوس، هو الذي قبل أن ينيرهما بالكلمة، سألهما: "ما هي هذه الأمور التي تتحدّثان بشأنها وأنتما تسيران؟" (لو 17:24). ففي الكنيسة أحيانًا ميلٌ لإعطاء إجابات ووصفات جاهزة، دون إفساح المجال أمام الشّباب لطرح أسئلتهم بجديدها وبما تستحثّنا عليه. يسمح الإصغاء بتبادل المواهب في جوٍّ من التّعاطُف Empathie. إنّه يتيح للشّباب المساهمة في نموّ جماعتهم، ممّا يساعدها على إدراك جديد لمسائل حسّاسة وعلى طرح أسئلة جديدة. وبالوقت عينه يضعُ شروطًا لإعلان الإنجيل لينفذ حقًا إلى القلب، بشكلٍ قاطعٍ ومثمر.

إصغاء الرعاة والعلمانييّن المؤهّلين

9. يشكّل الإصغاء وقتًا قيّمًا في خدمة الرّعاة، وبشكلٍ خاص الأساقفة، الذين غالبًا ما يجدون أنفسهم مثقلين بالعديد من الالتزامات ويصعب عليهم إيجاد وقت كافٍ لهذه الخدمة الأساسيّة. لاحظ الكثيرون النّقص في الخبراء والمكرّسين للمرافقة. إنّ الإيمان بقيمة الإصغاء اللّاهوتيّة والرّاعويّة يعني التّفكير في تجديد أشكال التّواصل التي تعتمدها عادة الخدمة الكهنوتيّة، والتحقّق من أولويّاتها. من ناحيةٍ أخرى، يدرك السّينودُس الحاجة إلى إعداد أشخاص مكرّسين وعلمانيّين ، رجالاً ونساءً، يكونون مؤهَّلين لمرافقة الشّباب. ويمكن لموهبة الإصغاء التي يطلقها الرّوح القدس في الجماعات أن تأخذ شكلاً من أشكال الاعتراف المؤسّساتي في الخدمة الكنسيّة.

تنوّع البيئات والثّقافات

عالم بصيغة الجمع

10. وجود المناطق المختلفة من العالم في السّينودُس ومساهمتها في أعماله سلَّطا الضّوء على جمال الكنيسة الجامعة. لذلك طلب آباء السّينودُس إبراز التنوّع بين البيئات والثّقافات، حتّى داخل البلد الواحد، على الرغم من إطار العولمة المتنامية. هناك تعدّدية في عوالم الشّباب لدرجة أنّه في بعض البلدان يُستخدم مصطلح "الشّباب" في صيغة الجمع. أضِف إلى ذلك، أنّ الفئة العمريّة التي نظر فيها السّينودُس الحالي (16-29 سنة) لا تظهر ككلّ متجانس، ولكنّها تتألّف من مجموعات تعيش أوضاعًا خاصّة. تؤثّر كل هذه الاختلافات بالعمق على الخبرة الواقعيّة التي يعيشها الشباب: في ما يتعلّق باختلاف مراحل التطوّر العمريّ، وأشكال الإختبار الدينيّ، وهيكليّة العائلة وأهميّتها في نقل الإيمان، والعلاقات بين الأجيال - مثل دور المسنّين والاحترام الواجب لهم - وطرق المشاركة في الحياة الاجتماعية، والنّظرة إلى المستقبل، والمسألة المسكونيّة وحوار الأديان. يعترف السّينودُس ويرحّب بغنى الثّقافات ويضع نفسه في خدمة شركة الروح.

التغيّرات الجارية

11. من اللّافت جدًا الاختلاف بالديناميكيّات الديموغرافيّة ما بين البلدان ذات نسبة الولادات المرتفعة، حيث يمثّل الشّباب نسبة كبيرة ومتنامية من السكّان، وتلك التي يضعُفُ حضورهم فيها. هناك اختلاف آخر ينتج عن التاريخ، وهو يجعل البلدان والقارّات ذات التّقاليد المسيحيّة القديمة، والتي تحمل ثقافتها ذاكرة لا تضيع، تختلف عن دول وقارات تتميّز بتقاليد دينيّة أخرى والتي يشكّل حضور المسيحيّة فيها حضورًا أقليًّا وأحيانًا حديثًا. وهنالك مناطق أخرى، تتعرّض المجتمعات المسيحيّة والشّباب الذين هم جزء منها للاضطهاد.

الاستبعاد والتهميش

12. من ثمّ هناك بين البلدان وداخل كلّ منها، الاختلافات التي تسبّبها البُنية الاجتماعيّة والوفرة الاقتصاديّة اللّتان تفصلان، بوضوح شديد أحيانًا، أولئك الذين يمكنهم الوصول إلى عدد متزايد من الفرص التي تتيحها العولمة، عن الذين بدلاً من ذلك، يعيشون على هامش المجتمع أو في العالم الريفي ويعانون من آثار أشكال الاستبعاد والاهمال. وقد أشارت عدّة مداخلات إلى ضرورة أن تقف الكنيسة بشجاعة إلى جانب هؤلاء وتشارك في إيجاد البدائل التي تقضي على الإقصاء والتّهميش، وتعزّز القبول والمرافقة والدّمج. ولهذا، بات من الضّروريّ أن نعي اللّامبالاة التي تطبع حياة العديد من المسيحيّين، لكي نتغلّب عليها من خلال تعميق البعد الاجتماعيّ للإيمان.

رجال ونساء

13. لا يمكننا أن ننسى الإختلاف ما بين الرّجال والنّساء مع ميّزات كلّ منهم الخاصّة، ومشاعرهم واختبارهم للعالم. وهذا الاختلاف يمكنه أن يتحوّل إلى مجالٍ تنشأ فيه أشكال من الهيمنة والاستبعاد والتّمييز التي تحتاج كلّ المجتمعات وحتّى الكنيسة أن تتحرّر منها. يصوّر الكتاب المقدّس الرّجل والمرأة كشريكين متساويين أمام الله (راجع تك2:5): فأيّ هيمنة وتمييز على أساس الجنس يسيء إلى كرامة الإنسان. وأيضًا يُظهر الفرق بين الجنسين كسرّ مكوّن للشّخص البشريّ وغير قابل للاختزال في نماذج محدّدة مسبقًا. ثمّ يفهم العلاقة بين الرّجل والمرأة على أنّها دعوة للعيش معًا في التبادل والحوار، وفي الشّركة والخصوبة (راجع تك1: 27-29؛ 2،21-25) في كلّ مجالات الاختبار الإنساني: في الحياة الزوجيّة، والعمل، والتّربية، وغيرها. إلى هذا العهد الجامع أوكل الله الأرض.

الاستعمار الثّقافيّ

14. يشير العديد من آباء السّينودُس الآتين من الثّقافات غير الغربيّة إلى أنّ العولمة تجلب على بلدانهم شكلاً حقيقيًّا من الاستعمار الثّقافي، وتقتلع الشّباب من انتماءاتهم الثّقافيّة والدّينيّة الأصليّة. ولذلك فمن الضّروريّ أن تلتزم الكنيسة مرافقتهم في هذه المرحلة حتّى لا يفقدوا أثمن سمات هويّتهم الخاصّة. وتختلف النّظرة إلى عمليّة العلمنة. ففي حين يعتبرها البعض فرصة ثمينة لتطهير الذّات من التّديّن الطّبيعيّ المستند إلى الهويّات العرقيّة والقوميّة، يعتبرها البعض الآخر عقبة أمام نقل الإيمان. واليوم نشاهد في المجتمعات العلمانيّة إعادة اكتشاف لله وللرّوحانيّة، الأمر الذي يحفّز الكنيسة على التّركيز من جديد على أهميّة الدّيناميكيّات الخاصّة بالإيمان، وبإعلانه وبالمرافقة الرّاعويّة.

نظرة أولى إلى كنيسة اليوم

التزام الكنيسة التربوي

15. ينظر الشّباب في العديد من المناطق إلى الكنيسة كحضور حيّ وجذّاب، وهو أمر مهمّ أيضًا لأقرانهم غير المؤمنين أو من دين آخر. وتسعى المؤسّسات التّعليميّة في الكنيسة إلى استقبال كلّ الشّباب، بغضّ النظر عن خياراتهم الدينيّة وخلفيّاتهم الثّقافيّة وأوضاعهم الشّخصيّة أو العائليّة أو الاجتماعيّة. وبهذه الطّريقة، تساهم الكنيسة بشكلٍ أساسيّ في التّعليم المتكامل للشّباب في أكثر مناطق العالم تنوّعًا. ويتمّ هذا التّعليم في المدارس على جميع المستويات وفي مراكز التّدريب المهنيّ والكلّيّات والجامعات، وكذلك في مراكز الشّباب وفي الرّعايا. يتحقّق هذا الالتزام أيضًا من خلال استقبال اللّاجئين والنّازحين والالتزام بالعمل الاجتماعيّ المتنوّع معهم. في كلّ هذه الأماكن تشهد الكنيسة للمسيح وتعلن الإنجيل من خلال العمل التّربويّ والتّقدّم البشريّ. فحين يكون العمل التّربويّ في الكنيسة هادفًا إلى الحوار بين الثّقافات وبين الأديان، فإنّه يُنظر إليه من قِبل غير المسيحيّين على أنّه شكل من أشكال التّقدّم البشريّ الحقيقيّ.

نشاطات راعويّة الشّبيبة

16. سلَّطَت مسيرة السّينودُس الضّوء على الحاجة إلى إعطاء راعويّة الشّبيبة بُعدًا دعواتيًّا، على اعتبار أنّ راعويّة الدّعوات موجّهةٌ إلى جميع الشّباب. وتمّ التّشديد كذلك على الحاجة إلى تطوير الإجراءات الرّاعويّة بالكامل، لتقود الطّفولة إلى البلوغ ودخول الجماعة المسيحيّة. كما لوحظ أنّ مجموعات مختلفة من الرّعايا والحركات والمنظّمات الشّبابيّة تقوم بمرافقة الشّباب وتدريبهم في حياتهم الإيمانيّة بشكلٍ فعّال. يلعب يوم الشّبيبة العالميّ – الذي وُلد من حدس القدّيس يوحنّا بولس الثّاني النّبويّ، والذي لا يزال مرجعًا لشباب الألفيّة الثّالثة - واللّقاءات الوطنيّة والأبرشيّة، دورًا هامًا في حياة العديد من الشّبّان والشّابّات لأنّها تقدّم لهم اختبارًا حيًّا للإيمان والشّركة، الأمر الذي يساعدهم على مواجهة تحدّيّات الحياة الكبرى وتحمّل المسؤوليّة في دورهم في المجتمع وفي الكنسية. هذا ما تدلّ عليه الدّعوات إلى المرافقة الرّاعويّة العاديّة التي تقوم بها كلّ جماعة، حيث يجب تعميق قبول الإنجيل وترجمته إلى خيارات حياة.

عبء التّدبير الإداريّ

17. أشار العديد من الآباء إلى أنّ عبء المهامّ الإداريّة يمتصّ بشكلٍ مفرطٍ، وأحيانًا خانقٍ، طاقات العديد من الرّعاة؛ إنّه أحد الأسباب التي تجعل اللّقاء بالشّباب ومرافقتهم أمرًا صعبًا. وحتّى تكون أولويّة الالتزامات الرّعويّة والرّوحيّة جليّةً، يصرّ آباء السّينودُس على ضرورة إعادة التّفكير في الطّرق الواقعيّة لممارسة الخدمة الكهنوتيّة.

واقع الرّعايا

18. مع بقاء النّطاق الجغرافيّ المكوّن الأوّل والرئيسيّ للكنيسة، فقد بيّنت أصوات عدّة كيف تجد الرعيّة صعوبةً لتكون مكانًا ذات أهمّيّة للشّباب، وكيف أنّه بات من الضّروريّ إعادة التّفكير في الدّعوة الارساليّة تجاههم. إنّ قلّة أهمّيّة الرّعيّة في المدن المتحضّرة، وضعف ديناميكيّتها، بالإضافة إلى المتغيّرات الزّمانيّة - المكانيّة في أسلوب العيش، تحثّ على التجديد. لأنّه حتّى لو كانت هناك محاولات تحديث مختلفة، فغالباً ما يتدفّق نهر حياة الشّباب على هامش الجماعة دون أن يلتقي بها.

التّنشئة على الحياة المسيحيّة

19. يلاحظ كثيرون أنّ مناهج التّنشئة المسيحيّة لا تنجح دومًا في قيادة الأولاد والمراهقين والشّباب جمال اختبار الإيمان. فعندما تكون الجماعة مكانًا للشّركة وعائلة حقيقيّة لأبناء الله، فإنّها تُظهر قوّةً مولّدةً تنقل الإيمان. أمّا عندما تنزلق في منطق التّفويض ويسود التّنظيم البيروقراطيّ، يُساء فهم التّنشئة المسيحيّة وتصبح مجرّد درس تعليم دينيّ ينتهي عادة بسرّ التّثبيت. ولذلك فمن الملحّ إعادة التّفكير برويّة في نهج التّعليم المسيحيّ وفي الرّابط بين نقل الأهل للإيمان وبين نقل الجماعة له، مع الإستفادة من مناهج المرافقة الشّخصيّة.

تنشئة الإكليريكيّين والمكرّسين

20. تشكّل الإكليريكيّات وبيوت التّنشئة أمكنةً ذات أهميّة كبرى، إذ فيها يعمّق الشّباب المرشّحون للكهنوت والمدعوّون إلى الحياة المكرّسة خيار دعوتهم وينضجون فيه. ولكن لا تأخذ هذه الأمكنة أحيانًا بالاعتبار، وبشكلٍ كافٍ، اختبارات المرشّحين السّابقة، وتقلّل من أهميّتها. فيمنع هذا الأمر نموّ الشّخص وقد يجعله يتبنّى سلوكًا شكليًّا، أكثر من تفعيل عطايا الله وتوبة القلب العميقة.

الفصل الثّاني: ثلاثة أبعاد حاسمة

جديد العالم الرّقميّ

واقع حاضر بقوّة

21. تميّز البيئة الرّقميّة العالم المعاصر. فهناك شريحة كبيرة من الإنسانيّة غارقة فيها بشكلٍ عاديّ ومستمرّ. فالأمر لم يعد مجرّد "استخدام" لأدوات الاتّصال، بل هو عيش في ثقافة رقميّة لها تأثيرات جد عميقة على مفهوم الزّمان والمكان، وعلى كيفيّة فهم الذّات، والآخرين والعالم، وعلى طريقة التواصل، والتّعلّم، والحصول على المعلومات، والدّخول في علاقة مع الآخرين. إنّ النهج الحاليّ الذي يميل إلى تفضيل الصّورة على السّماع والقراءة يؤثّر في طريقة التّعلّم وتنمية الحسّ النّقدي. أصبح من الواضح اليوم أنّ "البيئة الرّقميّة ليست عالمًا متوازيًا أو افتراضيًا بحتًا، ولكنّها جزء من الواقع اليوميّ للعديد من النّاس ، وخاصة الأصغر سنا" (بنديكتوس السّادس عشر، رسالة اليوم العالمي السّابع والأربعين لوسائل التّواصل).

شبكة الفُرَص

22. إنّ شبكات الانترنت وشبكات التّواصل الاجتماعيّ هي ساحة يقضي فيها الشّباب وقتاً طويلاً ويلتقون فيها ببعضهم البعض بسهولة، حتّى وإن لم يكن الولوج اليها متاحًا للجميع بشكلٍ متساوٍ، ولا سيّما في بعض مناطق العالم. ومع ذلك، فإنّها تشكّل فرصة غير عاديّة للحوار واللّقاء والتّبادل بين النّاس، والبلوغ إلى المعلومات والمعرفة. علاوة على ذلك، فالرّقميّة هي إطار للمشاركة الاجتماعيّة والسّياسيّة والمواطنة النّاشطة، ويمكنها أن تسهّل حركة المعلومات المستقلّة القادرة على حماية أكثر النّاس ضعفاً بشكلٍ فعّال، من خلال الكشف عن انتهاكات حقوقهم. في العديد من البلدان، أصبحت شبكات الإنترنت اليوم، وشبكات التّواصل الاجتماعيّة مكانًا لا غنى عنه للوصول إلى الشّباب وإشراكهم في المبادرات والأنشطة الرعويّة.

جانب الشّبكة المظلم

23. البيئة الرّقميّة هي أيضًا مساحة للعزلة وللتّلاعب والاستغلال والعنف، وصولاً إلى الحالة القصوى من الشّبكة المظلمة. ويمكن لوسائل الإعلام الرّقميّة أن تعرِّض مستخدميها لخطر التبعيّة والعزلة وفقدان التّواصل مع الواقع الملموس بشكلٍ متنامٍ، ممّا يعيق تطوير العلاقات الشّخصيّة الحقيقيّة. كما وتنتشر أشكال جديدة من العنف عبر وسائل التّواصل الاجتماعي، مثل التّسلّط والتّخويف عبر الإنترنت؛ شبكة الإنترنت هي أيضا قناة لنشر المواد الإباحيّة واستغلال الأشخاص لأغراض جنسيّة أو من خلال ألعاب الميسر.

24. وأخيرًا، تعمل المصالح الاقتصاديّة العملاقة في العالم الرّقمي، وهي قادرة على المراقبة بشكلٍ دقيق إلى حدِّ انتهاك الخصوصيات، مبتكرةً آليّاتٍ للتّلاعب بالضّمائر وبالعمليّة الدّيمقراطيّة. وغالباً ما ينتهي تشغيل العديد من المنصّات بتشجيع اللّقاء بين الأشخاص ذوي التّفكير المماثل، الأمر الذي يعيق التقاء الاختلافات. وتسهّل هذه الحلقات المغلقة نشر المعلومات والأخبار الكاذبة، مثيرة التحيّز والكراهية. إنّ انتشار الأخبار المزيّفة هو مؤشّر على ثقافة فقدت الشّعور بالحقيقة وتربط الحقائق بمصالح معيّنة. وتتعرّض سمعة النّاس إلى الخطر من خلال اختزال الوقائع عبر الإنترنت. والكنيسة ورعاتها معنيّون أيضًا بهذه الظّاهرة.

اللّاجئون كنموذج لزمننا

ظاهرة متعدّدة الأشكال

25. لا تمثِّل ظاهرة الهجرة على الصّعيد العالميّ مجرّد حالة طارئة وموقّتة بل هي ظاهرة بنيويّة. ويمكن أن تحدث الهجرة داخل البلد نفسه أو بين بلدان مختلفة. وتُعنى الكنيسة على وجه الخصوص بالهاربين من الحرب، والعنف، والاضطهاد السّياسي أو الدّيني، ومن الكوارث الطّبيعيّة أيضًا النّاجمة عن تغيّر المناخ وعن الفقر المدقع: وكثيرون من بين هؤلاء هم من الشّباب ويبحثون، بشكلٍ عام، عن فرص لأنفسهم ولعائلاتهم. إنّهم يحلمون بمستقبل أفضل ويرغبون في خلق الظّروف التي تحقّق آمالهم. أكّد العديد من آباء السّينودُس أنّ المهاجرين هم "نموذج" قادر أن ينير زماننا، وبخاصّة الشّباب من بينهم. إنّهم يذكّروننا بالحالة الأولى للإيمان، وهي أنّنا "غرباء وحجّاج في الأرض" (عب 13:11).

عنف وهشاشة

26. يهاجر شباب آخرون لأنّ الثّقافة الغربيّة تجذبهم، ويغذّون أحيانًا توقّعات غير واقعيّة تعرّضهم فيما بعد لخيبات أمل كبيرة. ويستغلّ مهرّبون عديمو الضّمير، ومرتبطون عادةً بمنظّمات تجارة المخدّرات والسّلاح، ضعف المهاجرين. فيواجه هؤلاء، في كثير من الأحيان، العنف والاتّجار بهم والإساءة النّفسيّة، بل والجسديّة، ومعاناة لا توصف. وتجدر الإشارة إلى هشاشة المهاجرين القاصرين غير المصحوبين بذويهم، وحالة أولئك الذين يضطرّون إلى قضاء سنوات طويلة في مخيّمات للّاجئين أو الذين يعلقون في بلدان العبور لفترة طويلة، من دون مواصلة دراستهم أو التّعبير عن مواهبهم. تثير ظاهرة الهجرة في بعض البلدان التي تستقبل المهاجرين اليها، الإنزعاج والخوف اللذين يُثاران احيانًا ويُستغلان لأغراض سياسيّة. وهكذا تنتشر ذهنيَّة الخوف من الأجانب، والإنغلاق والإنطواء على الذّات. ومن الضّروريّ أن تواجه هذه الذّهنيّة بشكلٍ حازم.

قصص انفصال ولقاء

27. يختبر الشّباب المهاجرون انفصالاً عن بيئتهم الأصليّة، وغالبًا انسلاخًا ثقافيًّا ودينيًّا. ومجتمعات المنشأ معنيَّة أيضًا بهذا التّصدّع، فهي تفقد عناصرها الأكثر قوّة ومبادرة، والعائلات، لا سيّما عندما يهاجر أحد الوالدين أو كليهما، تاركين أطفالهما في بلدهما الأم. وللكنيسة دورٌ مهمٌ كمرجعيّة لشباب هذه العائلات المتشرذمة. وقصص المهاجرين هي أيضًا قصص التقاء بين النّاس وبين الثّقافات: ففي الجماعات والمجتمعات التي يصلها المهاجرون هناك فرصة للإغتناء وللتّنمية البشريّة المتكاملة للجميع. والمبادرات التي تقوم بها الكنيسة في استقبال هؤلاء المهاجرين، لها أهميّة كبرى من هذه النّاحية، بتنشيط المجتمعات القادرة على استقبالهم.

دور الكنيسة النبوي

28. بفضل تنوّع الأماكن التي جاء منها الآباء، شهد السّينودُس في ما يخصّ موضوع المهاجرين، التقاء العديد من وجهات النّظر، خاصة ما بين بلدان المغادرة وبلدان الوصول. وفوق ذلك، دوّت صرخة إنذار من الكنائس التي يضطرّ أعضاؤها إلى الفرار من الحرب والاضطهاد. فهي ترى في هذه الهجرات القسريّة تهديدًا لوجودها. إنّ تجمّع كلّ وجهات النظر هذه داخل الكنيسة تضعها في حالة تمكّنها من لعب دور نبويّ في المجتمع في موضوع الهجرة.

الإعتراف بكلّ أنواع الإساءات والرّدّ عليها

الإعتراف بالحقيقة وطلب المغفرة

29. إنّ أنواع الإساءات المختلفة التي يرتكبها بعض الأساقفة والكهنة والمكرّسين والعلمانيّين تسبِّب لضحاياها، ومن بينها العديد من الشّباب، معاناة يمكن أن تدوم مدى الحياة ولا يمكن لأيّ ندامة أن تداويها. هذه الظّاهرة المنتشرة في المجتمع، تعني أيضًا الكنيسة وتمثّل عقبة جدّية أمام رسالتها. ولذلك يؤكّد السّينودُس مجددًا التزامه الرّاسخ باعتماد إجراءات وقائيّة صارمة تمنع تكرار الإساءات، بدءًا من اختيار وتدريب أولئك الذين سيُعهد إليهم بمسؤوليّات ومهام تعليميّة.

العودة إلى الأصل

30. هناك أنواع متعدّدة من الإساءات: إساءة في استخدام السّلطة، وفي الاقتصاد، وإساءة للضّمير، وفي الجنس. ومن هنا ضرورة إزالة أشكال ممارسة السّلطة التي أنمت هذه التّجاوزات، ومواجهة قلّة المسؤوليّة والشفافيّة التي بها تمّت ادارة مسائل عدّة. إنّ الرغبة في التّسلّط، وانعدام الحوار والشّفافيّة، وعيش حياة مزدوجة بأشكالها كافّة، والفراغ الرّوحيّ، فضلاً عن الهشاشة النفسيّة هي التّربة التي يزدهر فيها الفساد. والإكليروسيّة وخصوصًا تلك التي "تنشأ من نظرة للدّعوة نخبويّة واستبعاديّة، تعتبر الخدمة الكهنوتيّة ممارسة سلطة وليس خدمة مجّانيّة وسخيّة وتعتقد أنّ الإكليروس ينتمي إلى هذه المجموعة التي لديها كلّ الإجابات، ولم تعد بحاجة إلى الاستماع وتعلّم أيّ شيء، وتتظاهر فقط بالاستماع" (البابا فرنسيس، خطاب إلى المجمع العام الأوّل للجمعيّة العامّة الخامسة عشرة لسينودُس الأساقفة، 3 تشرين الأوّل 2018).

شكر وتشجيع

31. يعرب السّينودُس عن امتنانه لهؤلاء الذين كانت عندهم الشّجاعة للإبلاغ عن الشّرّ الذي عانوه. إنّهم يساعدون الكنيسة على إدراك ما حدث وضرورة الرّدّ بشكلٍ حاسم. كما وأنّه يثمّن الالتزام المُخلِص لعدد لا يُحصى من العلمانيّات والعلمانيّين والكهنة والمكرّسين والمكرّسات والأساقفة الذين يقضون كلّ يوم في خدمة الشّباب بأمانة وتفانٍ. فعملهم مثل الغابة التي تنمو دون ضجيج. كما وأعرب العديد من الشّباب الحاضرين في السّينودُس عن امتنانهم لأولئك الذين رافقوهم، وكرّروا التأكيد على الحاجة الماسة إلى شخصيّات مرجعيّات. يقدّم الرّبّ يسوع لكنيسته، التي لا يتخلّى عنها أبدًا، القوّة والأدوات اللّازمة لمسيرة جديدة. إنّ السّينودُس، مؤكّدًا على اتخاذ "الإجراءات والعقوبات الضرورية" في وقتها المناسب (البابا فرنسيس، رسالة إلى شعب الله، 20 آب 2018، 2)، ومدركًا أنّ الرحمة تفترض العدالة، يعترف أيضًا أنّ معالجة مسألة الإساءات في كلِّ أشكالها، يمكن أن تكون بالفعل فرصةً لإصلاحٍ ذات أهميّة تاريخيّة وذلك بمساعدة الشباب القيِّمة.

الفصل الثالث: هويّة وعلاقات

العائلة والعلاقات بين الأجيال

العائلة نقطة مرجعيَّة مميّزة

32. لا زالت العائلة هي المرجعيّة الأساسيّة للشّباب. فالأبناء يقدّرون حبّ والديهم ورعايتهم لهم، ويهتمّون جدًّا بالرّوابط العائليّة ويأملون النّجاح بدورهم في تكوين عائلة. وممّا لا شك فيه أنّ الإزدياد في حالات الانفصال والطلاق والاتّحادات الثّانية، والأسَر ذات المُعيل الوحيد يمكن أن يسبّب معاناة كبيرة وأزمات هويّة لدى الشباب. وفي بعض الأحيان، يتعيّن عليهم تحمّل مسؤوليات لا تتناسب وسنّهم ممّا يدفع بهم لأن يصبحوا بالغين قبل أوانه. وغالبا ما يُسهم الأجداد بشكلٍ حاسم في إعطاء العاطفة والتّعليم الدّيني: إنّهم بحكمتهم حلقة أساسيَّة في العلاقة بين الأجيال.

أهميّة الأمومة والأبوّة

33. للأمّهات والآباء أدوار متميّزة ولكنّها متساوية في الأهميّة كمرجعيّة في تنشئة أطفالهم ونقل الإيمان إليهم. ولا تزال الأمومة تلعب دورًا يعتبره الشّباب أساسيًّا لنموّهم، حتّى ولو لم يُعترَف بذلك بشكلٍ كافٍ من وجهة نظر ثقافيّة وسياسيّة وعملانيّة. ويقوم العديد من الآباء بدورهم بتفانٍ، لكنّنا لا نستطيع أن نخفي أنّه في بعض البيئات، يكون الأب غائبًا أو متلاشيًا، وفي حالات أخرى ظالمًا أو استبداديًّا. ويظهر عدم الوضوح هذا في ممارسة الأبوّة الرّوحيّة أيضًا.

العلاقات بين الأجيال

34. يعترف السّينودُس بتفاني العديد من الآباء والمربّين الذين يعملون بجدٍ على نقل القيم، بالرّغم من صعوبات البيئة الثّقافيّة. وفي مناطق مختلفة، يشكّل دور المسنّين واحترام الأجداد أساس التّعليم ويساهمان بقوّة في تكوين الهويّة الشّخصيّة. والعائلة الكبيرة أيضًا - التي يُقصد بها في بعض الثّقافات العائلة بالمعنى الحصريّ للكلمة - تلعب دوراً هامًّا. غير أنَّ بعض الشّباب يشعر بأنّ التّقاليد العائليّة جائرة، فيفرّ منها بدافع من ثقافة عولمة تتركه أحيانًا دون مرجعيّة. وفي أجزاء أخرى من العالم، لا يوجد صراعٌ حقيقيّ بين الأجيال، أي بين الشّباب والبالغين، بل غربة متبادلة. ولا يسعى الكبار أحيانًا، أو يفشلون في نقل القيم الأساسيّة للحياة، أو يتبنّون أساليب شبابيّة تقلب العلاقة بين الأجيال. وهكذا، فهناك خطر أن تبقى العلاقة بين الشباب والبالغين على المستوى العاطفيّ دون أن تصل إلى البُعد التّربويّ والثّقافيّ.

الشّباب والجذور الثّقافيّة

35. إنّ الشّباب يتوجّهون نحو المستقبل ويواجهون الحياة بطاقة وديناميّة. ولكنّهم ينزعون أيضًا إلى التمتّع بالحاضر، وفي بعض الأحيان، يميلون إلى إعطاء القليل من الاهتمام لذاكرة الماضي الذي أتوا منه، وخاصّة الهبات العديدة التي وصلت إليهم من الآباء والأجداد، ومن خلفيّة المجتمع الثّقافيّة الذي يعيشون فيه. إنّ مساعدة الشّباب على اكتشاف غنى الماضي الحيّ، وتذكّره واستخدامه في اتّخاذ خياراتهم وتحديد إمكانيّاتهم، هو فعل حب حقيقي تجاههم لأجل نموّهم وتحديد الخيارات التي هم مدعوّون لأن يتّخذوها.

صداقة وعلاقات بين متساويين

36. إلى جانب العلاقات بين الأجيال، لا ينبغي أن ننسى العلاقات بين الأقران، والتي تمثّل تجربة أساسيّة للتّفاعل والتّحرّر التّدريجيّ من محيط المنشأ العائلي. تتيح غالبًا الصّداقة والتّبادل داخل مجموعات منظّمة فرصةً لتعزيز المهارات الاجتماعيّة والعلائقيّة ضمن إطار لا تقييم أو إدانة للأشخاص فيه. وتجربة المجموعة هي أيضًا مصدر كبير لتبادل الإيمان والمساعدة المتبادلة في الشهادة. إنّ الشّباب قادرون على إرشاد شباب آخرين وعيش حياة رسوليّة حقيقيّة بين أصدقائهم.

الجسد والعاطفة

التّغييرات التي تحدث

37. يعترف الشّباب بأنّ للجسد والجنس أهميّة جوهريّة في حياتهم وفي مسيرة نموّ هويّتهم، وذلك لأنّه بدونهما لا يمكن عيش الصّداقة والمودّة. ومع ذلك، نجد في العالم المعاصر ظواهر تتطوّر سريعًا في هذا الصّدد. أولاً وقبل كلّ شيء، يؤثّر تطوّر العلوم والتّكنولوجيا الطّبّية بشدّة في كيفيّة إدراك الجسم، ممّا يبعث على الظنِّ بإمكانيّة التّغيير فيه من دون حدود. إنّ القدرة على العمل على الحمض النّووي، وإمكانيّة زرع عناصر اصطناعيّة في الجسم الحيّ (cyborg)، وتطوّر علم الأعصاب هم مصدر كبير للإمكانات الطبيَّة، ولكنّهم في الوقت عينه يثيرون أسئلة أنثروبولوجيّة وأخلاقيّة كثيرة. إنّ القبول من دون نقد بالمقاربة التّقنيّة للجسم، يضعف إدراك الحياة كعطيّة ووعي محدوديّة الخليقة، ممّا يؤدّي إلى انحراف أو يُستغَلّ من قبل الدّيناميكيّات الاقتصاديّة والسّياسيّة (راجع البابا فرنسيس، الرّسالة العامّة كن مسبّحًا، 106).
علاوة على ذلك، هناك في بعض الأطر الشّبابيّة انجذاب إلى سلوكيّات خطرة، كوسيلة لاكتشاف الذّات، والبحث عن مشاعر قويّة وفرض الذّات. بالإضافة إلى استمرار الظّاهرات القديمة، كالجنس المبكّر، والمعاشرة المتعدّدة لغير الشّريك، والسّياحة الجنسيّة، والعبادة المفرطة للجسد ومظهره، ونلاحظ اليوم الانتشار الواسع للمواد الإباحيّة الرّقميّة وعرض الجسد عبر الإنترنت. وتشكّل هذه الظواهر، التي تتعرّض لها الأجيال الجديدة، عقبة أمام نضوج هادئ. إنّها تشير إلى ديناميكيّات اجتماعيّة غير مسبوقة، وهي تؤثّر على التّجارب والخيارات الشّخصيّة، ممّا يجعلها مكانًا لاستعمارٍ ايديولوجيّ.

قبول تعاليم الكنيسة الأخلاقيّة

38. في هذا الإطار تحاول العائلات المسيحيّة والجماعات الكنسيّة أن تجعل الشّباب يكتشفون الجنس كعطيّة عظيمة يملؤها السّرّ، لكي يعيشوا العلاقات وفق منطق الإنجيل. ومع ذلك، فإنّها غير قادرة دائماً على تحويل هذه الرّغبة إلى تربية عاطفيّة وجنسيّة مناسبة ولا تكون مقتصرة على التّدخّلات المتقطّعة أو الظّرفيّة. وقد لوحظت في الأماكن التي تمّ فيها قبول هذا التّعليم كخيار موجّه، نتائج إيجابيّة تساعد الشّباب على فهم الارتباط بين تمسّكهم بالإيمان بيسوع المسيح وطريقة عيشهم حياتهم العاطفيّة والعلاقات بين الأشخاص. إنّ هذه النّتائج تحثّ وتشجّع على زيادة استثمار الطّاقة الكنسيّة في هذا المجال.

أسئلة الشّباب

39. للكنيسة تقليد عريق تبني عليه ومنه تقترح تعليمها الخاص في هذا الموضوع. ومن هذا التّقليد: التّعليم المسيحيّ للكنيسة الكاثوليكيّة، ولاهوت الجسد الذي فصّله القدّيس يوحنّا بولس الثّاني، والرّسالة العامّة الله محبّة للبابا بنديكتوس السادس عشر، والإرشاد الرّسولي فرح الحب للبابا البابا فرنسيس. لكنّ الشّباب، حتّى هؤلاء الذين يعرفون ويعيشون هذا التّعليم، يعبّرون عن رغبتهم في تلقّي كلمة واضحة، إنسانيّة ومتعاطفة من الكنيسة. في الواقع، غالباً ما يسبّب اللّاهوت الأدبيّ الجنسيّ سوء تفاهم وابتعاد عن الكنيسة، التي يُنظر إليها كمكان للحكم والإدانة. فأمام التّغييرات الاجتماعيّة وطرق عيش الحياة العاطفيّة وتنوّع وجهات النّظر الأخلاقيّة، يثمّن الشّباب الأصالة والتّفاني، غير أنّهم غالبًا ما يفتقدون إلى التّوجيه. وهم يعبّرون بشكلٍ خاص عن رغبة صريحة بالحوار في المسائل المتعلّقة بالتّمايز بين الهويّة الذّكوريّة وتلك الأنثويّة، والعلاقة المتبادلة بين الرجال والنّساء، والمثليّة الجنسيّة.

أشكال من الضّعف

عالم العمل

40. لا يزال عالم العمل مجالاً يعبّر فيه الشّباب عن إبداعهم وقدرتهم على الابتكار. وفي الوقت عينه، إنّهم يعانون من أشكال الاستبعاد والتهميش. وأوّل هذه الأشكال والأكثر خطورة هو بطالة الشّباب، التي تصل في بعض البلدان إلى مستويات خياليّة. فبالإضافة إلى جعلهم فقراء، يحدّ نقص العمل من قدرة الشّباب على الحلم والأمل، ويحرمهم من المساهمة في تطوير المجتمع. ويرتبط هذا الوضع في العديد من البلدان بافتقار بعض قطاعات الشّباب إلى المهارات المهنيّة الكافية، بسبب العجز في نظام التّعليم والتّدريب. وغالباً ما تفيد هذه الهشاشة المهنيّة التي يعاني منها الشّباب المصالح الاقتصاديّة لأرباب العمل.

عنف واضطهادات

41. يعيش العديد من الشّباب في أجواء الحرب ويعانون من العنف في عدد لا يحصى من الأشكال: كالخطف، والابتزاز، والجريمة المنظّمة، والاتّجار بالبشر، والاستعباد والاستغلال الجنسيّ، وهتك الأعراض في الحرب، وما إلى ذلك. ويكافح شبّان آخرون، بسبب إيمانهم، لإيجاد مكان في مجتمعاتهم التي يعانون فيها أنواعًا شتَّى من الاضطهاد حتّى الموت. كما وهناك العديد من الشّباب الذين يعيشون، بالإكراه أو بسبب عدم وجود بدائل، عن طريق ارتكاب الجرائم والعنف: كالجنود الأطفال والعصابات المسلّحة والمجرمين، والاتّجار بالمخدّرات، والإرهاب، إلخ. يحطّم هذا العنف حياة العديد من الشّباب. يُعتبر التّعدي والإدمان، فضلاً عن العنف والانحراف من بين الأسباب التي تدفع بالشّباب إلى السّجن، ولها تأثيرها الخاصّ على بعض الجماعات العرقيّة والاجتماعيّة. إنَّ كل هذه الحالات تُسائل الكنيسة وتحثّها على التصرف.

التهميش والمشقّة الاجتماعيّة

42. ينمو في العالم عدد الشّباب الذين يعانون من أشكال التّهميش والاستبعاد الاجتماعيّ لأسباب دينيّة أو عرقيّة أو اقتصاديّة. نذكر الوضع الصّعب للمراهقات والشّابّات الحوامل، وجرح الإجهاض، وكذلك انتشار فيروس السّيدا، وأشكال الإدمان المختلفة (المخدّرات، والميسر، والمواد الإباحيّة، إلخ.) وحالة أطفال الشّوارع الذين يفتقرون إلى المنزل والأسرة والموارد الاقتصاديّة؛ كما ويجب إعارة السّجناء الشّباب اهتمامًا خاصًّا. وشدّدت المداخلات المختلفة على ضرورة أن تثمّن الكنيسة قدرات الشّباب المهمَّشين والمساهمات التي يمكن أن يقدّموها للجماعات. إنّ الكنيسة تريد أن تقف بشجاعة إلى جانب الشّباب، وأن ترافقهم على طول مسارات إستعادة كرامتهم ودورهم في بناء الخير العام.

إختبار الألم

43. خلافًا للاعتقاد السّائد، فإنَّ عالم الشّباب تظهر فيه أيضًا وبعمق، آثار اختبار الضّعف والإعاقة والمرض والألم. ففي العديد من البلدان، تنتشر بين الشّباب، وبشكلٍ متزايد، أنواع من الانزعاج النفسيّ، والاكتئاب، والأمراض العقليّة، والاضطرابات الغذائيّة، التي ترتبط كلّها بتجارب تعيسة عميقة أو بعدم مقدرة على إيجاد مكان داخل المجتمع. وأخيراً، لا يجب أن ننسى ظاهرة الانتحار المأساويّة. ويعتمد الشّباب الذين يعيشون عدم الارتياح هذا وعائلاتهم، على دعم الجماعات المسيحيّة، التي تكون أحيانًا كثيرة، غير مستعدّة بشكلٍ كافٍ لاستقبالهم.

مصدر الضعف

44. إنَّ العديد من هذه الأوضاع تنجم عن "ثقافة النّفايات"culture du déchet ، والشّباب هم أولى ضحاياها. ومن ناحية أخرى، فإنَّ هذه الثّقافة قد تطبع الشّباب والجماعات المسيحيّة والمسؤولين فيها، ممّا يسهم في التّدهور البشريّ والاجتماعيّ والبيئيّ الذي يعاني منه عالمنا. فالكنيسة مدعوّة إلى التّوبة، وإلى التّضامن، وإلى القيام بعمل تربويّ جديد لتكون حاضرة وبشكلٍ خاصّ، في هذه الأوساط الصّعبة. والشّباب الذين يعيشون هذه الأوضاع، لديهم أيضًا موارد ثمينة يتقاسمونها مع الجماعة، ويعلّموننا أن نقيس أنفسنا بالمقارنة مع محدوديَّتنا، ويساعدوننا على النّموّ في الإنسانيّة. إنّ الإبداع ضروريّ، إبداع تستطيع الجماعة التي يحرّكها فرح الإنجيل، أن تحوِّله بديلاً لعدم الارتياح وللأوضاع الصّعبة. وبهذه الطّريقة، يختبر المجتمع أنّ الحجارة التي رذلها البنّاؤون يمكن أن تصبح حجارة رأس الزّاوية (راجع مز 22:118؛ لو 17:20؛ أع 11:4؛ 1بط 4:2).

الفصل الرابع: أن تكون من شباب اليوم

مظاهر ثقافة الشّباب اليوم

فرادة وخصوصيّة

45. تُقارب الأجيال الشّابّة الواقع بسِماتٍ متميّزة. والشّباب يطالبون بقبولهم واحترامهم في فرادتهم. ومن بين العناصر الظّاهرة لثقافة الشّباب اليوم، تفضيل الصّورة على غيرها من لغّات التّواصل الأخرى، وأهميّة الأحاسيس والمشاعر كسُبُل لمقاربة الواقع، وأولويّة الواقعيّة والعملانيّة على التّحليل النّظريّ. كما ولعلاقات الصّداقة والانتماء إلى مجموعات الأقران، التي نمت بفضل وسائل التّواصل الاجتماعيّ، أهميّة كبيرة. إنّ الشّباب، بوجه عام، هم منفتحون تلقائيًّا على التّنوّع، ممّا يجعلهم منتبهين لقضايا السّلام والاندماج والحوار ما بين الثّقافات والأديان. وتشهد تجارب عديدة في مناطق كثيرة من العالم على أن الشّباب يعرفون كيف يكونون روّادًا في اللّقاء والحوار بين الثّقافات والأديان، بهدف التّعايش السّلميّ.

الالتزام والمشاركة الاجتماعيّة

46. على الرّغم من اختلاف شكل الالتزام الاجتماعيّ مقارنة بالأجيال السّابقة، فإنّه لا يزال يشكّل سمة خاصّة بشباب اليوم. فإلى جانب البعض من غير المبالين، هناك العديد من المستعدّين للانخراط في مبادرات تطوّعيَّة، وفي المواطنة الفاعلة والتّضامن الاجتماعيّ. يجب مرافقة هؤلاء وتشجيعهم على إبراز مواهب الشّباب ومهاراتهم وإبداعهم، وتشجيعهم على حمل المسؤوليّة. ويبقى الالتزام الاجتماعيّ والتّواصل المباشر مع الفقراء مناسبة أساسيّة لاكتشاف الإيمان أو تعميقه، وتمييز الدّعوة الخاصّة. وكذلك الاستشعار بالمسائل البيئيّة والتّنمية المستدامة والتي استطاعت الرّسالة العامّة "كن مسبّحًا" أن تحفّز عليها. تمّت الإشارة أيضًا إلى الاستعداد للالتزام السّياسيّ لبناء الخير العام، والذي لم تعرف الكنيسة دومًا كيف ترافقه بتوفير فرص التّنشئة ومجالات التّمييز. أمّا في ما يتعلّق بتعزيز العدالة، فالشّباب يطلبون من الكنيسة التزامًا صريحًا وثابتًا يمحو كلّ تواطؤ مع الذّهنيّة الدّنيويّة.

الفنّ، الموسيقى والرّياضة

47. يعترف السّينودُس ويثمِّن الأهميّة التي يوليها الشّباب للتّعبير الفنيّ بجميع أشكاله. شبّانٌ عديدون يستخدمون في هذا المجال المواهب المعطاة لهم، ويعزّزون الجمال والحقيقة والخير كي يَنموا في الإنسانيّة وفي علاقتهم مع الله. وكثيرون ينظرون الى التّعبير الفنّي كمهنة حقيقيّة. ولا يمكننا أن ننسى أنّ "طريق الجمال" كانت لقرون عدّة، أحدى الطّرقات المميّزة للتّعبير عن الإيمان وللتّبشير.
أمّا بالنّسبة إلى أهميّة الموسيقى، إنّها فريدة وتشكِّل بيئة حقيقيّة يغوص فيها الشّباب باستمرار، ثقافة ولغة قادرتين على إيقاظ المشاعر وصقل الهويّة. وتشكّل اللّغة الموسيقيّة أيضًا أداة رعويّة في ما يتعلَّق بشكلٍ خاصّ باللّيتورجيّا وتجديدها. إنّ توحيد الأذواق الموسيقيّة لغايات تجاريّة يُعرِّض للخطر أحيانًا الأساليب التّقليديّة للتّعبير الموسيقيّ واللّيتورجيّ. إنّ ممارسة الرّياضة هي أيضًا على القدر نفسه من الأهميّة عند الشّباب. ولا يجدر بالكنيسة التّقليل من شأنها من حيث إمكاناتها التّعليميّة والتّدريبيّة، وعليها أن تسعى للحفاظ على وجودها الثّابت في هذا المجال. يحتاج عالم الرّياضة إلى المساعدة للتّغلّب على الالتباس الذي يلفّه، مثل تأليه الأبطال، والانصياع للمنطق التّجاريّ، وأيديولوجيّة النّجاح بأيّ ثمن. وبهذا الخصوص، يجب التّأكيد على قيمة مرافقة ذويّ الإحتياجات الخاصّة في ممارسة الرّياضة ودعمهم.

روحانيّة وتديّن

الأطُر الدّينيّة المختلفة

48. يتأثّر الاختبار الدّينيّ لدى الشّباب تأثّراً شديداً بالبيئة الاجتماعيّة والثّقافيّة التي يعيشون فيها. ففي بعض البلدان، يكون الإيمان المسيحي اختبارًا جماعيًّا قويًّا وحيًّا يتشاركه الشّباب بفرح. وفي مناطق أُخرى ذات التّقليد المسيحيّ القديم، لا يعيش غالبيّة السّكّان الكاثوليك انتماءً كنسيًّا حقيقيًّا؛ ومع ذلك، فإنّنا نجد فيها أقليّات مبدعة وخبرات تكشف عن تجدّد في الاهتمام الدّينيّ، كردّة فعل على الرّؤية الاختزاليّة والخانقة. وأمّا في أماكن غيرها، يشكّل الكاثوليك أنفسهم مع طوائف مسيحيّة أخرى أقليّة تعاني أحيانًا من التّمييز والاضطهاد. وأخيرًا، هناك حالات تتزايد فيها البدع وأشكال من التّديّن البديل. وبعض من يتبعون تلك البدع يصاب بالاحباط ويصير معاديًا لكلّ ما هو دينيّ. وإذا لم يكن لدى الشّباب في بعض المناطق الفرصة للتّعبير عن إيمانهم علناً أو لم تكن حريّتهم الدّينيّة معترفًا بها، ففي مناطق أخرى، يشعر الشّباب بثقل خيارات الماضي - خصوصًا السّياسيّة منها - التي زعزعت مصداقيّة الكنيسة. لذلك لا يمكن الحديث عن تديّن الشّباب دون اعتبار كلّ هذه الاختلافات.
البحث الديني

49. بشكلٍ عام، يعلن الشّباب أنّهم في بحثٍ عن معنى الحياة، ويُبدون اهتمامًا بالرّوحانيّات. ولكن في بعض الأحيان، يأخذ هذا الاهتمام شكلاً من أشكال البحث عن الرّاحة النّفسيّة أكثر منه الانفتاح على اللّقاء مع سرّ الله الحيّ. وفي بعض الثّقافات، يعتبر كثيرون الدّين مسألةً شخصيّة، وينتقون من التّقاليد الرّوحيّة المختلفة العناصر المطابقة لمعتقداتهم. وهكذا يسري توافق بين المعتقدات أساسه الافتراض النّسبيّ القائل إنّ جميع الأديان تتساوى. ولا يَعتبر الكلُّ أنَّ الانتماء إلى جماعة إيمانيّة هو طريق متميّز للوصول إلى معنى الحياة. ويرافَق الإيمان، وأحيانا يُستبدل بإيديولوجيّات، أو بالسّعي خلف النّجاح مهنيًّا واقتصاديًّا، بقصد تحقيق الذّات على المستوى المادّيّ. ومع ذلك، لا تزال بعض الممارسات التي تناقلها التّقليد حيّةً كالحجّ إلى المزارات، وهو اختبارٌ يمسّ حياة العديد من الشّباب؛ وكذلك بعض التّعابير عن التّقوى الشّعبيّة التي غالبًا ما تكون مرتبطةً بالتّعبّد لمريم العذراء والقدّيسين. وتحافظ هذه الممارسات على الإختبار الإيمانيّ لشعب ما.

اللّقاء بيسوع

50. هذا التنوّع نفسه نجده في علاقة الشّباب بشخص يسوع؛ كثيرون يعترفون به مخلّصًا وابن الله، وأحيانًا يشعرون بالقرب منه بمريم أمّه، ويبدأون مسيرة إيمانيَّة؛ وبعضهم لا علاقة شخصيّة لهم به، ولكنّهم يعتبرونه رجلاً صالحًا ومرجعيّةً أخلاقيّة؛ وبعضهم الآخر يلتقون به من خلال اختبار قويّ بالرّوح؛ ولكنّه بالنّسبة لآخرين، شخصيّة من الماضي تفتقر إلى الوزن وجوديًّا، أو بعيدة جدًا عن الاختبار الإنسانيّ.
إذا كان الله والدِّين والكنيسة بالنّسبة للعديد من الشّباب مجرّد كلمات فارغة، ولكنّهم مع ذلك يتأثّرون بصورة يسوع عندما تُعرض بطريقة جذّابة وفعّالة. إنَّ شباب اليوم يقولون لنا بأساليب عدَّة: "نريد أن نرى يسوع" (يو 21:12)، ممّا يدلّ على القلق المقدّس الذي يميّز قلب كلّ إنسان وهو: "قلق البحث الرّوحيّ، قلق اللّقاء بالله، وقلق الحبّ" (البابا فرنسيس، قدّاس إلهي بمناسبة بداية المجمع العام لرهبانيّة القدّيس أوغسطينس، 28 آب 2013).

الرّغبة بليتورجيّا حيّة

51. في أُطُرٍ متعدّدةٍ يطالب الشّباب الكاثوليك بأفكارٍ للصّلاة وبأوقات أسراريّة قادرة على لمس حياتهم اليوميّة، من خلال طقوسٍ جديدةٍ وأصيلةٍ وفرِحة. وفي العديد من أنحاء العالم، يُعتبر الاختبار اللّيتورجيّ العنصر الرّئيسيّ للهويّة المسيحيّة وفيه مشاركة واسعة تُعاش عن اقتناع. ويَعتبر الشّباب اللّيتورجيّا وقتًا مميَّزًا لاختبار الله والجماعة الكنسيّة، ونقطة انطلاق للرّسالة. بينما نرى في أماكن أخرى، ابتعادًا عن الأسرار وعن قدّاس يوم الأحد، الذي بات يُنظر إليه كواجبٍ أدبيٍّ أكثر من كونه لقاء فرح مع الرّبّ القائم من بين الأموات ومع الجماعة. ونلاحظ بشكلٍ عام، أنّه حتّى عندما يتوفّر التّعليم المسيحيّ حول الأسرار، تبقى المرافقة التّعليميّة التي تسمح بعيش الاحتفال اللّيتورجيّ بعمق، والدّخول في سرّ غنى رموزه وطقوسه ضعيفة.

مشاركة وريادة

يريد الشّباب أن يكونوا روّادًا

52. في مواجهة تناقضات المجتمع، يتمنّى العديد من الشّباب أن تتمّ الاستفادة من مواهبهم ومهاراتهم وإبداعهم، وهم على استعداد لتحمّل المسؤوليّات. ومن بين المسائل الأقرب الى قلوبهم: التّنمية المستدامة، الاجتماعيّة والبيئيّة، ومناهضة أنواع التّمييز والعنصريّة. وكثيراً ما يعتمد الشّباب في معالجتهم لهذه المسائل مقاربات غير مسبوقة، كاستعمال إمكانات التّواصل الرّقميّ بما يخدم التّعبئة الشّعبيّة والضّغط السّياسيّ: في نشر أساليب عيش، ونماذج إستهلاكيّة وإستثماريّة مختلفة، وكلّها داعمة وصديقة للبيئة، كما في نشر أشكال جديدة من الالتزام والمشاركة في المجتمع والسّياسة، وطرق جديدة للضّمان الاجتماعيّ لأفراد المجتمع الأكثر ضعفًا.

أسباب الابتعاد

53. يدرك السّينودُس أنّ عدداً كبيراً من الشّباب، ولأسبابٍ مختلفة، لا يطلب من الكنيسة شيئًا لأنّه لا يعتبرها ذات أهميّة لوجوده. والبعض، بدلاً من ذلك، يطلب صراحة أن تتركه الكنيسة وشأنه لأنّه يشعر أنّ وجودها مزعجٌ وحتّى مثيرٌ للحَنَق. وهذا الطّلب ليس مجرد ردّة فعل أو ازدراء غير مبرَّر. فجذوره هي أسباب جديَّة وواجبة الإحترام، ومنها: الفضائح الجنسيّة والماليّة؛ عدم كفاءة الكهنة الذين لا يجيدون التّعامل بشكلٍ مناسبٍ مع مسائل الشّباب الحسّاسة؛ عدم العناية في إعداد العظة وفي عرض كلمة الله، دور الشّباب الضّعيف داخل الجماعة المسيحيّة؛ صعوبة تبرير مواقف الكنيسة العقائديّة والأخلاقيّة في مواجهة المجتمع المعاصر.

الشّبيبة في الكنيسة

54. ليس الشّباب الكاثوليك مجرد متلقّين للعمل الرّعويّ، بل هم أعضاء حيّة في وحدة الجسد الكنسيّ، معمَّدون، فيهم يعيش روح الرّبّ ويعمل. إنّهم يساهمون في إغناء الكنيسة في ما هي عليه وليس فقط في ما تفعله. أنّهم حاضرها وليس فقط مستقبلها. الشّباب هم الرّوّاد في العديد من الأنشطة الكنسيّة، إذ يقدّمون خدماتهم بسخاء، لا سيّما في تنشيط التّعليم الدّينيّ واللّيتورجيّا، والاهتمام بالصّغار، والخدمة التّطوعيّة للفقراء. وتوفِّر الحركات والجمعيّات والرّهبانيّات للشّباب فرصًا للالتزام والمسؤوليّة المشتركة. ولكنّ استعداد الشّباب يواجَه أحيانًا ببعض السّلطويّة وعدم الثّقة من قِبَل البالغين والرّعاة، الذين لا يعترفون بما يكفي بإبداعهم ويجدون صعوبةً في أن يتقاسموا وإيّاهم المسؤوليّات.

النّساء في الكنيسة

55. ويطلب الشّباب أن تُقدَّر المرأة أكثر في المجتمع وفي الكنيسة. ويلعب العديد من النّساء دورًا لا غنى عنه في الجماعات المسيحيّة، ولكن في أماكن كثيرة، تجهد النّساء ليكون لهنّ إمكانيّة المساهمة في صنع القرار، حتّى عندما لا يستلزم ذلك أن تكون لهنّ مسؤوليّات كهنوتيّة محدّدة. ويُفقر غياب الصّوت والنّظرة الأنثويّين النّقاش داخل الكنيسة ويُضعف مسيرتها، إذ يحرمها من الاستفادة من مساهمةٍ ثمينةٍ في التّمييز. ويوصي السّينودُس بالعمل ليدرك الجميع ضرورة التّغيير الذي لا مفرّ منه، انطلاقًا من تفكيرٍ أنتروبولوجيٍّ ولاهوتيّ حول المعاملة بالمِثل بين الرّجال والنّساء.

رسالة الشّباب نحو أقرانهم

56. يوجد في عديدٍ من الأوساط، مجموعاتٌ شبابيَّةٌ، منبثقةٌ أحيانًا من جمعيّاتٍ وحركاتٍ كنسيّة، فاعلةٍ في إعلان الإنجيل لأقرانهم بفضل شهادة حياةٍ نقيَّة، ولغةٍ سهلة، وقدرةٍ على إقامة روابط صداقة أصيلة. ويسمح هذا العمل الرّسوليّ بحمْل الإنجيل لأشخاصٍ يصعب على راعويّة الشّبيبة أن تصل إليهم، وهو يُسهِم في إنضاج إيمان أولئك الذين يتكرَّسون له. ولذلك ينبغي تقدير هذا العمل الرّسوليّ ودعمه ومرافقته بحكمةٍ ودمجه في حياة الجماعات.

الرّغبة في جماعة كنسيّة أكثر أصالة وأخوّة

57. يطلب الشّباب أن تُشِعّ الكنيسة بأصالتها، ومثاليَّتها، وكفاءتها، ومشاركتها في تحمّل المسؤوليّة، ومتانتها الثّقافيّة. وفي بعض الأحيان يبدو هذا الطّلب كانتقادٍ لها، ولكنّه غالباً ما يتّخذ شكلاً إيجابيًّا في الالتزام الشّخصيّ ببناء جماعةٍ أخويّة، دافئة، فرحة، وملتزمةٍ نبوّيًا بمحاربة الظّلم الاجتماعيّ. وتبرز من بين انتظارات الشّباب بشكلٍ خاص الرّغبة في أن يتمّ تبنّي أسلوب حوار في الكنيسة يكون أقلّ تسلّطًا وأكثر صراحة.

القسم الثّاني: "وانفتحت أعينهما"

58. "ثمّ ابتدأ من موسى ومن جميع الأنبياء يفسّر لهما الأمور المختصّة به في جميع الكتب. ثمّ اقتربوا إلى القرية التي كانا منطلقين إليها، وهو تظاهر كأنّه منطلق إلى مكان أبعد. فالزماه قائلين: "أمكث معنا، فقد حان المساء ومال النهار". فدخل ليمكث معهما. فلمّا اتّكأ معهما، أخذ خبزًا وبارك وكسر وناولهما، فانفتحت أعينهما وعرفاه ثمّ اختفى عنهما"" (لو 24: 27-31). بعد الاستماع إليهما، خاطب الرّبّ المسافرَين "بكلمة" قاطعة وحاسمة، جازمة ومحوّلة. وهكذا، بالعذوبة والقوّة، دخل الرّبّ مسكنهما وبقي معهما، وتشارك معهما خبز الحياة: إنّها علامة الافخارستيّا، التي سمحت أخيراً للتّلميذين أن يفتحا أعينهما.

عنصرة جديدة

عمل الرّوح القدس

59. أشعل الرّوح القدس قلب المسافرَين وفتح عينيهما وحرَّك إيمانهما. إنّه يعمل منذ بداية خلق العالم بهدف التّحقيق الكامل لمشروع الآب في استعادة كلّ شيء في المسيح وتمامه. وهو يعمل في كلّ زمانٍ ومكان، على اختلاف البيئات والثّقافات، مثيرًا، حتّى في خضمّ الصّعوبات والآلام، الالتزام بالعدالة، والبحث عن الحقيقة، وشجاعة الرّجاء. لهذا السّبب يؤكّد القدّيس بولس "أنّنا نعلم أنّ كلّ الخليقة تئنّ وتتمخّض معًا إلى الآن" (رو 22:8). إنّ الرّغبة في العيش في الحبّ، والقلق السّليم الذي يسكن قلوب الشّباب، هما جزء من توق كلّ الخليقة الكبير نحو ملء السّعادة. ويعمل الرّوح الخالق في كلّ واحدٍ من الشّباب، حتّى في أولئك الذين لا يعرفون المسيح، ليقودهم إلى الجمال والصّلاح والحقيقة.

يجدّد الرّوح شباب الكنيسة

60. فترة الشّباب هي فريدة ومحفّزة للحياة، وعاشها يسوع نفسه، مقدّسًا إيّاها. إنّ رسالة المجمع الفاتيكاني الثّاني إلى الشّباب (7 كانون الأوّل 1965) قدّمت الكنيسة على أنّها "شباب العالم الحقيقيّ"، الذي يمتلك "القدرة على الفرح لما بدأ بالمجمع، وللعطاء من دون تردّد أو رجوع، وللتّجدّد والانطلاق نحو فتوحاتٍ جديدة". وبفضل نضارتهم وإيمانهم، يساهم الشّباب في إظهار وجه الكنيسة هذا، الذي يعكس "الحيّ الأعظم، المسيح الشّابّ الأبديّ". ليست المسألة إذًا إنشاء كنيسةٍ جديدةٍ للشّباب، بل هي إعادة اكتشاف شباب الكنيسة، والانفتاح على نعمة عنصرة جديدة.

الرّوح في حياة المؤمن

61. دعوة المسيحي هي اتّباع المسيح بالمرور في مياه المعموديّة، والحصول على ختم التّثبيت، والتّحوّل إلى جسده في الإفخارستيا: "يأتي الرّوح القدس، هو النّار بعد الماء، وتصبحون خبزًا، أي جسد المسيح "(أوغسطينوس، خطاب 227). في مسيرة التّنشئة المسيحيّة، هو سرّ التّثبيت بشكلٍ خاص، الذي يسمح للمؤمنين أن يعيشوا اختبار العنصرة وحلولاً جديدًا للرّوح من أجل النّموّ والرّسالة. فمن المهمّ إعادة اكتشاف غنى هذا السّرّ، وإدراك ارتباطه بالدّعوة الشّخصيّة لكلّ معمّد، ومع لاهوت المواهب، السّهر على حسن عيشه رعويًا، حتّى لا يصبح مجرّد شكليَّات من دون قيمة حقيقيّة. إنّ الرّوح القدس هو صانع كلِّ دعوة. إنّه "المعلّم الدّاخليّ" الذي يجب أن ننقاد له.

إختبار حقيقي لله

62. إنّ الشّرط الأوّل لتمييز الدّعوة في الرّوح هو الاختبار الحقيقيّ للإيمان بالمسيح المائت والقائم، من دون أن ننسى أنّ الإيمان "ليس نورًا يبدّد كلّ ظلامنا، بل مصباح يوجّه خطواتنا في اللّيل، وهذا يكفي للسّير" (البابا فرنسيس، نور الإيمان، 57). في الجماعات المسيحيّة، وبغضّ النّظر عن النّوايا، هناك خطر أن نقدِّم مقاربة ألوهيَّة théiste للأخلاقيّات والعلاج تلبّي حاجة الإنسان للأمان والرّاحة، بدلاً من اللّقاء الحيّ مع الله على ضوء الإنجيل وبقوّة الرّوح. وإذا كان صحيحًا أنّ الحياة لا توقظها إلاّ الحياة، فحينئذٍ تصبح جليّةً حاجة الشّباب للإلتقاء بجماعات مسيحيّة متجذّرة في الصّداقة مع المسيح، الذي يقودنا إلى الآب في شركة الروح القدس. 

الفصل الأوّل: عطيّة الشّباب

المسيح شاب من بين الشّباب

شباب يسوع

63. "شاب بين الشّباب ليصبح مثالاً للشّباب ويكرّسهم للربّ" (ايريناوس، ضد الهرطقات،II، 22،4). قدّس المسيح عمر الشّباب لأنّه عاش فيه. والسّرد البيبليّ يورد حدثًا واحدًا فقط من شباب يسوع (راجع لو2: 41-52)، عاشه بدون ضجيج، في البساطة والكدّ في العمل في النّاصرة، لدرجة أنّه صار معروفًا على أنّه "النجّار" (مر 3:6) و "ابن النجّار" (متى 55:13). حين نتأمّل في حياة يسوع، يمكننا أن نفهم جيّدًا كيف أنَّ الشّباب هو بركة. لقد كان يسوع يثق ثقةً مطلقةً بالآب، وكان يعتني بصداقته مع تلاميذه، وبقي أمينًا لها حتّى في أوقات الأزمات. وأعرب عن تعاطفه العميق تجاه الأكثر ضعفًا، وخاصّة الفقراء والمرضى والخطاة والمنبوذين. وكان يتمتّع بالشّجاعة لمواجهة السّلطات الدّينيّة والسّياسيّة في زمانه؛ واختبر الشّعور بسوء الفهم والرفض؛ وخاف المعاناة، وعرف الضّعف في الآلام. حوّل نظره إلى المستقبل مسلِّمًا ذاته بين يدَي الآب الآمنة وإلى قوّة الرّوح. يمكن لجميع الشّباب أن يجدوا أنفسهم في يسوع المسيح، بمخاوفهم وآمالهم، بشكوكهم وأحلامهم، ويمكن أن يعهَدوا بأنفسهم إليه. إنّ التّأمّل بلقاءات يسوع بالشّباب، يمكنه أن يكون مصدر إلهامٍ لهم.

بنظرة الرّبّ

64. إنّ الإصغاء إلى المسيح والشّركة معه يسمحان للرّعاة والمعلّمين أيضاً أن يكتسبوا قراءةً حكيمةً لفصل الحياة هذا. سعى السّينودُس الى النّظر إلى الشّباب نظرة يسوع إليهم، لتمييز علامات عمل الرّوح في حياتهم. وفي الواقع، نحن نؤمن أنّ الله يتكلّم إلى الكنيسة والعالم، حتّى اليوم، من خلال الشّباب وإبداعهم والتزامهم، كما وأيضًا من خلال معاناتهم وطلباتهم للمساعدة. معهم يمكننا أن نقرأ عصرنا بشكلٍ نبويٍّ أكثر، ونكتشف علامات الأزمنة. هذا هو السّبب الذي يجعل من الشّباب أحد "الأماكن اللّاهوتيّة" التي يتيح لنا الرّبّ فيها معرفة بعض انتظاراته وتحدّياته لبناء الغد.

ميزات عمر الشّباب

65. يتّسم عمر الشّباب وهو المرحلة التي تتطوّر فيها الشّخصيّة، بالأحلام التي تأخذ بالتّبلور، وبالعلاقات التي تكتسب مزيدًا من الصّلابة والتّوازن، وبالمحاولات والاختبارات، وبالخيارات التي تبني تدريجيًّا مشروع حياة. فالشّباب مدعوّون، في هذا الفصل من الحياة، للتّقدّم إلى الأمام دون قطع جذورهم، ولبناء استقلاليّتهم ولكن ليس في العزلة. لا توفّر دائمًا البيئة الاجتماعيّة والاقتصاديّة والثّقافيّة ظروفًا ملائمة. والعديد من الشّباب القدّيسين أعادوا بهاء ملامح سنّ الشّباب في كلّ جمالها وكانوا في زمانهم أنبياء حقيقيّين للتّغيير. ويبيِّن مثالهم ما هي قدرة الشّباب عندما ينفتحون على اللّقاء مع المسيح. حتّى الشّباب ذوي الإعاقة أو المرضى، يمكنهم هم أيضًا أن يقدّموا مساهمة قيّمة. ويدعو السّينودُس الجماعات إلى إفساح المجال أمام المبادرات التي تعترف بهم وتسمح لهم بأن يكونوا فاعلين رئيسيّين، ومن بين هذه المبادرات: استخدام لغة الإشارة للصّمّ، ووضع خططٍ للتّثقيف الدّينيّ واضحة الأهداف، والمشاركة بالخبرات أو دمجهم في عالم العمل.

قلق الشّباب السّليم

66. يحمل الشّباب في داخلهم قلقًا لا بدّ أوّلاً من الاستماع اليه واحترامه ومرافقته، مع الرّهان باقتناعٍ على حرّيّتهم ومسؤوليّتهم. تعرف الكنيسة عن خبرة، أنّ مشاركة الشّباب أساسيّةٌ لتجديدها، وأنّهم قد يسبقون في بعض النواحي، الرّعاة. ففي صباح عيد الفصح، وصل التّلميذ الشّابّ الذي أحبّه يسوع أوّلاً إلى القبر، سابقًا بعجلته بطرس المثقَل بالعمر والخيانة (راجع يو 20: 1-10)؛ وبالطّريقة نفسها، فإنّ الدّيناميكيّة الشّبابيّة في الجماعة المسيحيّة، هي طاقة مجدِّدة للكنيسة، لأنّها تساعدها على التّخلّص من أثقالها وبطء حركتها، وعلى الإنفتاح على القائم من الموت. وفي الوقت نفسه، يبيّن موقف التّلميذ الحبيب أنّه من المهمّ البقاء على اتّصال مع خبرة كبار السّنّ، والاعتراف بدور الرّعاة، وعدم المضيّ قدمًا وحيدين. وهكذا يكون لنا سيمفونيّة الأصوات تلك، التي هي ثمرة الرّوح.

الشّبيبة المتألّمة

67. كما حياة الجميع، تتّسم حياة الشّباب أيضًا بالجراحات. إنّها جراحات هزائم تاريخهم الخاصّ، ورغباتهم المحبَطة، والتّفرقة والظّلم اللّذين تعرّضوا لهما، وعدم شعورهم بالحبّ أو بالتّقدير. هي جراحات الجسد والنّفس. والمسيح الذي قبِل المرور بالآلام والموت عبر صليبه، أصبح قريبًا لكلّ الشّباب الذين يعانون. وهناك أيضًا الجراحات الأخلاقيّة، وثقل الأخطاء المرتكبة، والشّعور بالذّنب بعد الضّلال. إنّ المصالحة مع الجراحات الشّخصيّة هي، أكثر من أيّ وقت مضى، شرطٌ أساسيٌّ لحياةٍ جيّدة. إنَّ الكنيسة مدعوّةٌ إلى دعم جميع الشّباب في مِحَنهم وتشجيع المبادرات الرّعويّة المناسبة.

أن تصبح راشدًا

عمر الخيارات

68. عمر الشّباب فصلٌ من الحياة يجب أن ينتهي، ليفسح المجال أمام البلوغ. ولا يحدث هذا الانتقال بطريقةٍ تِلقائيّةٍ، ولكنّه ينطوي على مسار من النّضوج، لا تسهّله دائمًا البيئة التي يعيش فيها الشّباب. ففي العديد من المناطق، انتشرت ثقافة "المؤقّت"، الدّاعمة لإطالة عمر المراهقة إلى أجَلٍ غير مسمّى وتأجيل القرارات؛ والخوف من "النّهائيّ" يولّد شللاً في اتّخاذ القرار. لكنّ الشّباب لا يمكن أن يبقى زمنًا معلّقاً: إنّه زمن الخيارات، وهذا بالضّبط ما يُذهل فيه، والاختيار هو مهمّته الأولى. في هذا الزمن، يتّخذ الشّباب القرارات في المجالات المهنيّة والاجتماعيّة والسّياسيّة، وقرارات أخرى أكثر جذريّة، بها ستتحدَّد وجهة حياتهم. وهذا ما نعنيه حين نتحدّث عن "خيارات الحياة". ففي الواقع، إنّها الحياة نفسها، في فرادتها، التي يتحدّد توجّهها النّهائيّ بهذه الخيارات.

العيش تحت راية الرّسالة

69. يدعو البابا البابا فرنسيس الشّباب إلى التّفكير في حياتهم الخاصّة في إطار الرّسالة: "في الحياة، نهدر الكثير من الوقت ونحن نسأل أنفسنا:" من أنا؟ ". ويمكنك أن تسأل نفسك من أنت وتقضي حياةً كاملةً تبحث فيها عن هويّتك. ولكن حريّ بك أن تسأل نفسك: لأجل من أنا موجود؟" (خطاب في أمسية الصّلاة للإعداد لليوم العالميّ للشّباب، بازيليك القدّيسة مريم الكبرى، 8 نيسان 2017). هذا التّأكيد يُضيء بعمقٍ خيارات الحياة، لأنّه يحثّنا على قبولها في إطار بذل الذّات المحرِّر. هذا هو السّبيل الوحيد لتحقيق السّعادة الحقيقيّة والدّائمة! وفي الواقع، "فالرّسالة في قلب الشّعب ليست مجرّد جزءٍ من حياتي، أو زينةٍ أستطيع أن أنزعها، إنّها ليست حاشيةً من بين الحواشي أو لحظةً من بين لحظات الوجود. إنّها شيءٌ لا أستطيع اقتلاعه من كياني إلّا إذا رغِبت في تدمير نفسي. أنا رسالة على هذه الأرض، ولهذا أنا موجود في هذا العالم "(البابا فرنسيس، فرح الإنجيل، رقم 273).

تربية قادرة على مناداتنا

70. الرّسالة هي بوصلةٌ أكيدةٌ لرحلة الحياة، ولكنّها ليست "ملّاحًا" يدلُّ مسبقًا على كلّ الطريق. في الحرّيّة دومًا مخاطرة يجب إبرازها بجرأة ومتابعتها تدريجيًّا بشجاعة وبحكمة. تبيّن لنا صفحاتٌ عديدةٌ من الإنجيل أنّ يسوع يدعو الى الجرأة، والذّهاب إلى العمق، والانتقال من منطق تطبيق الشّرائع إلى منطق النّعمة السّخيّة وغير المشروطة، كلّ ذلك من دون إخفاء ضرورة حمل الصّليب (متى 24:16). إنّه راديكاليّ: "يعطي كلّ شيء ويطلب كلّ شيء. يعطي الحبّ الكامل ويطلب قلبًا غير منقسم" (البابا فرنسيس، عظة 14 تشرين الأوّل 2018). متحاشين أن نضلِّل الشّباب بأفكارٍ صغيرةٍ أو أن نخنقهم بمجموعةٍ من القواعد التي تعطي صورةً مختزلةً وأخلاقيّةً فقط عن المسيحيّة، نحن مدعوّون إلى المراهنة على جرأتهم، الى تحفيزهم وتدريبهم على حمل مسؤوليّاتهم، واثقين أنّ الخطأ، والفشل، والأزمة، هي اختبارات يمكنها أن تساعدهم على النّموّ إنسانيًّا.

معنى السّلطة الحقيقيّ

71. ولتحقيق مسيرة نضج حقيقيّة، يحتاج الشّباب إلى بالغين أصحاب سلطة. وتتضمّن كلمة auctoritas في معناها القدرة على إنماء الآخر. وهذا المعنى لا يدلّ على قوّة توجيهيّة، بل على قوّة مولِّدة حقيقيّة. فعندما كان يسوع يلتقي بالشّباب، في أيّ ظرف وحال كانوا، حتّى ولو أمواتًا، كان يقول لهم بطريقة أو بأخرى: "قم! وانمُ!" وكانت كلمته تحقّق ما يقول (راجع مر 41:5 ؛ لو 14،7). وفي حدث شفاء المصروع الممسوس (مر 9: 14-29)، والذي يذكِّرنا بالعديد من أشكال عزل الشّباب اليوم، أيظهر جليًّا أنّ إمساك يسوع بيدِنا لا يهدف إلى نزع الحرّيّة بل إلى تحفيزها وتحريرها. ويمارس يسوع سلطته كاملاً: فهو لا يريد شيئًا أكثر من أن ينمو الشّباب، وليس عنده إرادة تملّك، أو تلاعب أو إغراء.

الرّبّاط مع العائلة

72. إنّ العائلة هي أوّل جماعة إيمانيّة، وفيها، على الرّغم من محدوديّتها وعدم اكتمالها، يختبر الولد محبّة الله، ويبدأ في تمييز دعوته الخاصّة. لم تنفكّ السّينودُسات السّابقة، والإرشاد الرّسوليّ اللّاحق فرح الحبّ، تشدّد على أنّ العائلة، ككنيسة بيتيّة، عليها واجب عيش فرح الإنجيل في الحياة اليوميّة وإشراك أعضائها فيه كلٌّ وفق أحواله، بالسّماح لهم بالانفتاح على الدّعوة والرّسالة. ومع ذلك، فغالبًا ما لا تربّي العائلات أطفالها على النّظر إلى المستقبل بحسب منطوق الدّعوة. وأحيانًا لا سبيل لتمييز الدّعوة بسبب السّعي خلف الوجاهة الاجتماعيّة والنّجاح الشّخصيّ، أو بسبب طموحات الوالدين وميلهم إلى الاختيار بدلاً من الأبناء، ممّا يحدّ من حرّيّة القرارات. يدرك السّينودُس الحاجة الى مساعدة العائلات على أن تتبنّى بشكلٍ أفضل، النّظرة إلى الحياة كدعوة. إنّ ما يخبرنا به الإنجيل عن المسيح المراهق (راجع لوقا 2: 41-52)، الخاضع لوالديه ولكن القادر على الانفصال عنهما للاهتمام بأمور الآب، يقدّم أنوارًا قيّمة لتوجيه العلاقات العائلية لتكون بحسب الإنجيل.

مدعوّون إلى الحرّيّة

إنجيل الحرّيّة

73. الحرّيّة شرطٌ أساسيٌّ لكلّ اختيارٍ صادقٍ للحياة. ومع ذلك، فهناك خطر بأن يُساء فهمها، بسبب عدم طرحها دومًا بشكلٍ مناسب دائمًا. وتَظهر الكنيسة نفسُها في نهاية المطاف لكثيرٍ من الشّباب كمؤسّسةٍ تفرض قواعد ومحظورات والتزامات. أمّا المسيح، "فحرّرنا لنكون أحرارًا" (غلا ٥:١)، حتّى ينقلنا من شريعة النّاموس إلى شريعة الرّوح. ومن المناسب اليوم وعلى ضوء الإنجيل، أن ندرك بوضوحٍ أنّ الحرّيّة هي بالأساس علائقيّة، ومن المهمّ أن نُظهر أنّ المشاعر والعواطف هي مهمّة ما دامت تقودنا نحو اللّقاء الصّادق بالآخرين. فيتبيّن بوضوح من هذا المنظار أنّ الحرّيّة الحقيقيّة تصبح مفهومةً وممكنةً فقط عندما ترتبط بالحقيقة (راجع يو 8: 31-32) وبشكلٍ خاص بالمحبّة (1 كور 13: 1-13، غلا 13:5): الحرّيّة هي أن تكون أنت نفسك في قلب آخر.

الحرّيّة التجاوبيّة Responsoriale

74. يكتشف الشّباب من خلال عيش الأخوّة والتّضامن، لا سيّما مع الصّغار، أنّ الحرّيّة الحقيقيّة تنشأ من شعورهم بأنّ الآخر يُصغي إليهم، وأنها تكبر حين يُعطون الآخر مكانًا. ويختبرون أيضًا الحرّيّة عندما يجهدون في تنمية حسّ التّقشّف لديهم واحترام البيئة. وتقودهم تجربة الاعتراف المتبادل ببعضهم البعض، والالتزام المشترك إلى اكتشاف نداءٍ صامتٍ الى الحبّ يأتي من الله ويسكن في قلوبهم، وبالتّالي يصبح من الأسهل التّعرّف إلى البُعد التّصاعديّ الذي تحويه الحرّيّة في ذاتها، والذي يُبان بشكلٍ أوضح عند الاحتكاك بأكثر خبرات الحياة حدَّة كالولادة والموت، الصّداقة والحب، والشّعور بالذّنب والمغفرة؛ إذ تساعد هذه الخبرات بالتّحديد على إدراك طبيعة الحرّيّة كطبيعةٍ تجاوبيّة بصورةٍ جذريّة.

الحرّيّة والايمان

75. منذ أكثر من خمسين سنة، أدخل القدّيس البابا بولس السّادس تعبير "حوار الخلاص" وفسّر رسالة الابن في العالم كتعبيرٍ عن "طلب عظيم للحبّ". وأضاف أنّنا مع ذلك، "أحرار أن نتجاوب معه أو نرفضه" (راجع الرّسالة العامّة، في الكنيسة، رقم 77). ومن وجهة النّظر هذه، يَظهَر فعل الإيمان الشّخصيّ حرًّا ومحرّرًا: ونقطة الانطلاق لتملّكٍ تدريجيٍّ لمضامين الإيمان. وبالتّالي، ليس الإيمان عنصراً يُضاف من الخارج إلى الحرّيّة فحسب، بل هو يحقّق توق الضّمير إلى الحقيقة والخير والجمال، التي يجدها كاملةً في يسوع. إنّ استشهاد الكثيرين في الماضي والحاضر، وقد تردّد صداه بقوّة في السّينودُس، هو الدليل الأكثر إقناعاً على أن الإيمان يحرّر الإنسان من قوّات العالم ومظالمه وحتّى من الموت.

الحرّيّة المجروحة والمفتداة

76. تنطبع في الحرّيّة الإنسانيّة جراحات الخطيئة الشّخصيّة والشّهوة. ولكن عندما يصبح الشّخص، بفضل المغفرة والرّحمة، على بيّنة من العقبات التي تكبّل حريّته، فهو ينضج ويلتزم بوعيٍ أكبر في خيارات الحياة النّهائيّة. ومن وجهة نظر تربويّة، من المهمّ أيضًا مساعدة الشّباب على عدم الشّعور بالإحباط بسبب الأخطاء والسّقطات، رغم كونها مذلّة، لأنّها جزءٌ لا يتجزّأ من المسيرة نحو حرّيّة أكثر نضجاً، مدركة لعظمتها وضعفها. لكن ليس للشرّ الكلمة الأخيرة: "لأن الله أحبّ العالم حتّى بذل ابنه الوحيد" (يو 3،16). لقد أحبّنا حتّى الغاية، وبالتّالي استردّ لنا حريّتنا. بموته على الصّليب من أجلنا أفاض الرّوح، و "حيث يوجد روح الرّبّ هناك الحرّيّة" (2 كور 17:3)، حرّيّة جديدة، فصحيّة، تكتمل ببذل الذّات اليوميّ.

الفصل الثّاني: سرّ الدّعوة

البحث عن الدّعوة

الدّعوة، رحلة واكتشاف

77. تساعد قصّة دعوة صموئيل (1 صم 3،1-21) على فهم سمات التّمييز الأساسيّة: الإصغاء والاعتراف بالمبادرة الإلهيّة، والاختبار الشّخصيّ، والفهم التّدريجيّ، والمرافقة الصّبورة واحترام السّرّ الذي ينكشف، والتّوجّه الجماعيّ. لا تفرض الدّعوة نفسها على صموئيل كقَدَر يجب أن يتحمّله؛ بل هي دعوة حبّ، وإرسال تبشيريّ في إطار قصّة من الثّقة المتبادلة اليوميّة. كما للشّاب صموئيل، كذلك بالنّسبة لكلّ رجل وامرأة، فإن الدّعوة، ورغم وجود أوقات قويّة ومتميّزة، تتطلّب مسيرة طويلة. وكلمة الرّبّ تقتضي وقتًا لفهمها وتفسيرها؛ والرّسالة التي تدعو إليها، ينكشف مضمونها رويدًا رويدًا. إنَّ الشّباب مفتونون بمغامرة اكتشاف الذّات بشكلٍ تدريجيّ. إنّهم يتعلّمون بطيب خاطر، إنطلاقًا من الأنشطة التي يقومون بها، ومن لقاءاتهم وعلاقاتهم، واضعين أنفسهم تحت الاختبار في حياة كلّ يوم. ومع ذلك، فهم بحاجة إلى المساعدة في توحيد الخبرات المختلفة وقراءتها من منظور إيمانيّ، حتّى يتجنّبوا خطر التّشتّت وحتّى يتعرّفوا على العلامات التي يتكلّم الله من خلالها. في اكتشاف الدّعوة، لا يتّضح كلّ شيء على الفور، لأنّ الإيمان " "يرى" بقدر ما نسير، وندخل في المساحة المفتوحة بكلمة الله " (البابا فرنسيس، نور الايمان، 9).

الدّعوة، والنّعمة والحرّيّة

78. صار التّركيز على مرّ القرون، على نواحٍ مختلفة في الفهم اللّاهوتي لسرّ الدعوة، وذلك بحسب البيئة الاجتماعيّة والكنسيّة التي حاولت فهمه. وعلى أيّ حال، يجب الاعتراف بالطّابع التّشبيهيّ analogique لمصطلح "الدّعوة" والأبعاد الكثيرة التي تميّز الواقع المقصود. وهذا يؤدّي من وقت إلى آخر، إلى إظهار جوانب محدّدة، في أُطُر لم تكن دائما قادرة على الحفاظ التّوازن نفسه على تعقيدات الكلّ. وحتى نستطيع أن نمسك بالعمق سرّ الدعوة التي أساسها في الله، نحن مدعوّون الى تنقية مخيّلتنا ولغتنا الدّينيّة، حتّى نجد من جديد غنى الرّواية البيبليّة وتوازنها. إنّ التّرابط القويّ بين الاختيار الإلهيّ وحريّة الإنسان، بشكل خاص، يجب التّفكير به بعيدًا عن أي حتميّة أو سطحيّة. ليست الدّعوة نصًّا مكتوبًا مسبقًا وعلى الإنسان أن يقرأه ببساطة، أو ارتجالًا مسرحيًّا من دون وجهة. و لأنّ الله يدعونا لكي نكون أحبّاءه وليس عبيدًا (راجع يو 15 ، 13)، فإنّ خياراتنا تساهم بطريقة حقيقيّة في الانتشار التّاريخي لمشروع الحبّ خاصّته. ومن ناحية أخرى، إنّ تدبير الله الخلاصيّ هو لغز يتخطّانا إلى لا نهاية. لهذا السّبب، وحده الإصغاء إلى الرّبّ يمكنه أن يكشف لنا ما هو الدّور الذي دُعينا إليه. وفي ضوء ما سبق، تبدو الدّعوة نعمة وعهدًا مُعطى لنا، كالسّرّ الأجمل والأثمن في حريّتنا.

خلق ودعوة

79. يحثّنا الكتاب المقدس من خلال التّأكيد على أنّ كلّ الأشياء قد خلقت من خلال المسيح ومن أجله (كول 1: 16)، على قراءة سرّ الدّعوة كواقعٍ يشير إلى الخلق ذاته. فالله خلق بكلمته التي "تدعو" إلى الوجود والحياة، ثم "تميِّز" في فوضى عدم التّمييز، طابعةً في الكون جمال الانتظام وتناغم التنوّع. إذا كان القدّيس البابا بولس السّادس قد أكّد أنّ "كلّ حياة هي دعوة" (راجع الرّسالة العامّة، في تطوّر الشعوب، 15) ، فالبابا بنديكتوس السّادس عشر أصرّ على أن البشر خلقوا ككائنات حواريّة: فالكلمة الخالقة "تدعو كلّ واحدٍ بتعابير شخصيّة، كاشفةً بذلك أنّ الحياة نفسها هي دعوة بالنّسبة لله" (راجع الإرشاد الرّسولي، كلمة الرّبّ، 77).

نحو ثقافة الدّعوة

80. إنّ الحديث عن الوجودّ البشري كدعوة، يسمح بالتّشديد على بعض العناصر المهمّة جداً لنموّ الشّباب. وهو ينفي أن تكون الحياة محدّدة سابقًا من القَدَر أو وليدة الصّدفة، أو أن تكون أيضًا ملكيّة خاصّة يتصرّف بها صاحبها على هواه. وإذا كان لا يوجد في الحالة الأولى دعوة لغياب الاعتراف بغاية جديرة بالوجود، ففي الحالة الثّانية، الإنسان الذي "بدون روابط" هو أيضًا "بدون دعوة". ولهذا السّبب، من المهمّ تهيئة الأرضيّة، حتّى تتطوّر ثقافة "الدّعوة" والصّلاة لأجل الدّعوات في كلّ الجماعات المسيحيّة، وانطلاقًا من وعي أعضائها لمعموديّتهم.

الدّعوة لاتّباع يسوع

سحر يسوع

81. إنّ شخصيّة يسوع تسحر الكثيرين من الشّباب. وحياته تبدو لهم جميلةً وصالحة لأنّها فقيرة وبسيطة، ومكوَّنة من صداقات مخلِصة وعميقة، حياة بذلها من أجل إخوته بسخاء، دون رفض أيٍّ كان، واستعداد دائم للعطاء. حياة يسوع لا تزال حتّى اليوم جذّابة للغاية وملهِمَة. فهي تحثّ جميع الشّباب وتحفّزهم. وتعرف الكنيسة أنّ هذا يرجع إلى حقيقة أنّ ليسوع رباط عميق مع كلّ إنسان "فهو آدم الجديد الذي من خلال الكشف عن سرّ الآب ومحبّته، يكشف أيضًا سرّ الإنسان لنفسه بالكامل ويبيّن له سموّ دعوته" (راجع الدستور العقائدي، فرح ورجاء، 22).

الإيمان، الدّعوة والتلمذة

82. في الواقع، لم يكن يسوع فاتنًا بحياته فقط، بل حثّ أيضًا بوضوح على الإيمان. فقد التقى برجال ونساء تعرَّفوا في أفعاله وكلماته إلى الطّريقة الصّحيحة في التّحدّث عن الله والعودة اليه، ووصلوا إلى ذلك الإيمان الذي يفتح على الخلاص: "يا ابنة، إيمانك خلّصك. اذهبي بسلام! "(لوقا 48:8). غير أنّ آخرين ممّن التقوا به، دُعوا ليصيروا تلاميذ له وشهودًا. وهو لم يُخفِ عمّن أرادوا أن يكونوا له تلاميذ ضرورة حمل الصّليب كلّ يوم والسّير خلفه على الطّريق الفصحيّ، طريق الموت والقيامة. ويستمرّ إيمان الشّاهد في الكنيسة علامة وأداة لخلاص جميع الشّعوب. ولطالما عرف الانتماء إلى جماعة يسوع أشكالاً مختلفةً من التّتلمذ. فالتّلاميذ بمعظمهم عاشوا إيمانهم في ظروف الحياة العاديّة اليوميّة. وآخرون على عكسهم، ومن بينهم نساء كثيرات، شاركوا المعلّم ترحاله ووجوده النبوي (راجع لو 8: 1-3). فمن البداية كان للرّسل دورٌ خاص في الجماعة الكنسيّة وارتبطوا بالمسيح، في خدمته التّبشيريّة والتّوجيهيّة.

مريم العذراء

83. من بين كلّ الشّخصيّات البيبليّة التي توضّح سرّ الدّعوة، تسطع شخصيّة مريم بطريقة فريدة. بجوابها "نعم" جعلت المرأة الشابّة التّجسّد ممكنًا، وخلقت الظروف المؤاتية حتّى تولد كلّ الدعوات الكنسيّة الأخرى. وهي تبقى أوّل تلميذة ليسوع ونموذجًا لكلّ أشكال التّتلمذ له. وفي رحلة حجّها الإيمانيّ، تبعت مريم ابنها حتّى أقدام الصّليب، وبعده إلى القيامة، ورافقت الكنيسة النّاشئة حتّى العنصرة. وكأمّ ومعلّمة رحيمة، تستمرّ مريم في مرافقة الكنيسة وتناجي الرّوح الذي يحيي كلّ دعوة. من الواضح إذًا أنّ "المبدأ المريميّ" له دور مميّز، وينير حياة الكنيسة بأكملها في مظاهرها المختلفة. وإلى جانب العذراء تشكّل كذلك شخصيّة يوسف زوجها نموذجًا مثاليًّا للجواب على الدّعوة.

الدّعوة والدعوات

الدّعوة ورسالة الكنيسة

84. ليس من الممكن أن نفهم تمامًا معنى دعوة المعموديّة إذا لم نعِ أنّها نداءٌ للجميع دون استثناء إلى القداسة. وينطوي هذا النّداء حتمًا على الدّعوة للمشاركة في رسالة الكنيسة، التي تهدف أساسًا، إلى الشّركة مع الله ومع جميع الأشخاص. فالدّعوات الكنسيّة، هي بالحقيقة، تعابير متعدّدة، تحقّق الكنيسة من خلالها، دعوتها لتكون علامة حقيقيّة للإنجيل المقبول في جماعة أخويّة. وتعبّر أشكال التّتلمذ المختلفة، كلّ شكل على طريقته الخاصّة، عن مهمّة الشّهادة لحدث يسوع، الذي يجد فيه كلّ رجل وامرأة الخلاص.

تنوّع المواهب

85. يعود القدّيس بولس عدّة مرّات في رسائله إلى هذا الموضوع، ويشير إلى صورة الكنيسة كجسمٍ من أعضاء مختلفين، مؤكّداً أنّ كلّ عضو هو ضروريّ، وفي الوقت نفسه مرتبطٌ بالكلّ، لأنّه بوحدة الكلّ فقط يحيا الجسم بتجانس. وبحسب مار بولس نفسه، فإنّ أصل هذه الشّركة هو في ذات سرّ الثّالوث الأقدس: "فأنواع المواهب عديدة، لكنّ الرّوح واحد؛ والخِدم عديدة، لكنّ الرّبّ واحد؛ والأعمال مختلفة، لكنّ الله واحد وهو يعمل كلّ شيء في الكلّ" (1 كو 12: 4-6). ويقدّم المجمع الفاتيكاني الثّاني وما تلاه من تعليمٍ رسميٍّ، توجيهات ثمينة لوضع لاهوت صحيح للمواهب والخِدَم في الكنيسة، وذلك بشكلٍ يسمح بقبولها بامتنان، ويبيّن بحكمة مواهب النّعمة التي يفيضها الرّوح باستمرار في الكنيسة لتجديد شبابها.

المهنة والدّعوة

86. يعيش الكثير من الشّباب تلازمًا بين التّوجيه المهَنيّ وأُفُق الدّعوة. وليس نادرًا أن يرفضوا فرص العمل الجذّابة التي لا تتماشى والقيم المسيحيّة، وأن يختاروا المسارات التّدريبيّة وهم يتساءلون كيف يثمّرون مواهبهم الشّخصيّة من أجل ملكوت السّماوات. فالعمل، بالنسبة إلى الكثيرين، هو مناسبة لاكتشاف وتثمين المواهب المعطاة؛ وبهذه الطّريقة يشارك الرّجال والنّساء بنشاط في سرّ الخلق والفداء والتّقديس الثّالوثيّ.

العائلة

87. قدّمت الجمعيّتان السّينودُستان الأخيرتان بموضوع العائلة، والتي تلاهما الإرشاد الرّسوليّ ( فرح الحبّ )، إسهاماً غنيّاً في موضوع دعوة الأسرة في الكنيسة، ومساهمتها التي لا غنى عنها ودعوتها إلى الشّهادة للإنجيل من خلال الحبّ المتبادل، والإنجاب وتربية الأطفال. وبينما نشير إلى غنى الأفكار التي ظهرت في الوثائق الأخيرة، فإنّنا نشدِّد على أهميّة استذكار مضمونها للسّماح للشّباب بإعادة اكتشاف جمال دعوة الزّواج وفهم ماهيتها.

الحياة المكرّسة

88. إنَّ عطيَّة الحياة المكرّسة التي يبعثها الرّوح في الكنيسة، في شكليها التأمّلي والعامل، تكتسب قيمة نبويّة خاصّة بقدر ما تكون شهادةً سعيدةً على مجّانيَّة الحبّ. فعندما تعيش الجماعات المكرّسة والجمعيّات الجديدة الأخوّة بشكلٍ حقيقيّ، فإنّها تصبح مدارس شركة، ومراكز صلاة وتأمّل، وأماكن تشهد على الحوار بين الأجيال والثّقافات، وفسحات تبشير ومحبّة. إنّ رسالة العديد من المكرّسين والمكرّسات الذين يعتنون بالأصغر في أطراف العالم، فإنهم يعبّرون بشكل ملموس عن تفاني الكنيسة "المنطلقة". وإذا كانت الكنيسة في بعض المناطق تعاني من تراجع أعداد المؤمنين ومن تعب الشّيخوخة، فإنّ الحياة المكرّسة تستمرّ خصبة ومبدعة من خلال تشارك المسؤوليّة مع العديد من العلمانيّين الذين يشاركون روحانيّة ورسالة مختلف المواهب. لا يمكن للكنيسة والعالم الاستغناء عن نعمة الدّعوة هذه، التي هي مورد عظيم في زمننا.

الخدمة الكهنوتيّة

89. لطالما كانت الكنيسة تهتمّ اهتمامًا خاصًّا بالخدمة الكهنوتيّة لإدراكها بأنّها عنصرٌ أساسيٌّ في هويّتها، وأنّها ضرورةٌ للحياة المسيحيّة. ولهذا السّبب، كانت الكنيسة تولي اهتمامًا خاصًا ودائمًا بتنشئة المرشّحين للكهنوت ومرافقتهم. إنّ قلق العديد من الكنائس من تراجع أعداد مؤمنيها يتطلّب تفكيراً جديدًا في موضوع الدّعوة الكهنوتيّة وراعويّة الدّعوات ممّا يسمح بإظهار جاذبيّة شخص المسيح أمام المؤمنين وبالتّالي تلبية دعوته لهم ليصبحوا رعاة قطيعه. كذلك، تتطلّب الدّعوة إلى رتبة الشمّاسية الدائمة مزيدًا من الاهتمام، لأنّها تشكّل موردًا لم تتطوّر بعد كلّ إمكاناته.

وضع العازبين الأفراد “single”

90. تطرَّق السّينودُس الى حال الأشخاص الذين يعيشون "العزوبيّة"، معترفين بأنّ هذا المصطلح يشير إلى أوضاع حياة مختلفة جدًا. وقد ترتبط هذه الحالة بالعديد من الأسباب، الإراديّة أو غير الإراديّة، وبالعوامل الثّقافيّة والدّينيّة والاجتماعيّة. وبالتّالي قد تعبِّر عن نطاق واسع جدًا من المسارات. تعترف الكنيسة بأنّ هذه الحالة، عندما تُقبل في منطق الإيمان والعطيّة، يمكن أن تصبح واحدة من الطّرق العديدة التي تتحقّق من خلالها نعمة المعموديّة والتي تقود إلى القداسة التي نحن جميعنا مدعوّون إليها.

الفصل الثالث: رسالة المرافقة

الكنيسة ترافق

أمام الخيارات

91. في هذا العالم المعاصر، المتميّز بتعدّديّةٍ تزداد وضوحًا، وبالإمكانات العديدة، يطرح موضوع الخيارات نفسه بقوّة خاصّة، وعلى مستوياتٍ مختلفة، لا سيّما في مواجهة مسارات حياة غير مستوية، وهشَّة بشكلٍ عام. وبالفعل، فإن الشّباب يتأرجح ما بين مقاربات متطرّفة وساذجة في الوقت عينه. فالبعض يعتبر أنّه وقع في فخّ قدرٍ مكتوبٍ مسبقًا ولا يمكن الهروب منه، والبعض الآخر يعتقد أنّه مدعوٌّ إلى بلوغ كمالٍ مجرَّدٍ في إطارٍ من التّنافس العنيف والشّرس. ولذلك فإنّ مرافقة الشّباب لمساعدتهم في أخذ الخيارات الصّالحة والمستقرّة، والمستندة إلى أسسٍ متينة، هي خدمةٌ يشعر النّاس بالحاجة إليها على نطاقٍ واسع. وإنّ حضور الكنيسة، ودعمها ومرافقتها لمسيرة أخذ خيارات حقيقيّة هي بالنّسبة الى الكنيسة وسيلة لممارسة وظيفتها كأمّ تلد لحريّة أبناء الله. ليست هذه الخدمة سوى استمرار لطريقة عمل إله يسوع المسيح مع شعبه، في حضوره الدائم والودّي، وقُربه المتفاني والمحِبّ، وحنانه غير المحدود.

نكسر الخبز معًا

92. كما يعلّمنا نصّ تلميذي عمّاوس، تتطلّب المرافقة استعدادًا في بذل جهد للسير معًا، وإقامة علاقة جدّية. يشير أصل المصطلح "مرافقة"(accompagner)، إلى الخبز المكسور والمشترك (مع الخبز cum pane)، مع كلّ الغنى الرّمزيّ البشريّ والأسراريّ لهذه الإشارة. وبالتّالي، فإنّ الجماعة بكليّتها هي الفاعل الأوّل للمرافقة، لأنّه في داخلها تتطوّر شبكة العلاقات التي يمكن أن تدعم الشّخص في طريقه وتوفّر له نقاط مرجعيّة وتوجيه. وتشكّل المرافقة في النّموّ البشريّ والمسيحيّ نحو حياة البلوغ، أحد الأشكال الذي تظهر بها الجماعة نفسها قادرةً على تجديد نفسها وتجديد العالم. والقدّاس الإلهيّ هو الذّكرى الحيّة لحدث عيد الفصح، وهو مكان متميّز للتّبشير ونشر الإيمان بهدف الرّسالة. في الجماعة الملتئمة في الاحتفال الإفخارستي، يختبر المرء أنّ يسوع لمسه شخصيًّا، وعلّمه، وشفاه، وأنّه يرافق كلّ واحدٍ في مسيرة نموّه الشّخصي.

بيئات وأدوار

93. بالإضافة إلى أفراد الأسرة، فإنّ جميع الأشخاص المؤثِّرين الذين يلتقي بهم الشّباب في مختلف مجالات حياتهم، مدعوّون للقيام بالمرافقة، مثل المدرّسين، والمنشّطين، والمدرّبين، وغيرهم من الشخصيّات المرجعيّة، لا سيّما في مجال العمل. ومع أنَّ لا حصريّة لهم بالمرافقة، فإنّ الكهنة والمكرّسين والمكرّسات مدعوّون لإعادة اكتشاف دورهم هذا لأنّه من أساس دعوتهم، كما طلب الشّباب الحاضرون في جمعيّة السّينودُس، نيابة عن كثيرين آخرين. إنّ خبرة بعض الكنائس تثمّن دور معلّمي التّعليم المسيحيّ في مرافقة الجماعات المسيحيّة وأعضائها.

مرافقة الاندماج في المجتمع

94. لا يمكن أن تقتصر المرافقة على خط النّموّ الرّوحيّ وممارسات الحياة المسيحيّة فقط، بل، وبغية حمل الثّمار، إنَّ المرافقة على مسار حمل المسؤوليّات داخل المجتمع، وفي المجال المهنيّ أو الالتزام الاجتماعيّ- السّياسيّ على سبيل المثال، هي أيضًا مثمرة. وبهذا المعنى، توصي جمعيّة السّينودُس بتثمير تعليم الكنيسة الاجتماعي. ففي داخل المجتمعات والجماعات الكنسيّة حيث تتعدّد الثّقافات والدّيانات، هناك حاجة إلى مرافقة خاصّة لعيش التّنوّع، وإظهار دوره في إغناء المجتمع وفرص الشراكة الأخوية بدلاً من التجربة المزدوجة بالانغلاق في الهويّة والنسبيّة.

المرافقة الجماعيّة، للفرق والأشخاص

توتر مثمر

95. بين المرافقة الشّخصيّة والجماعيّة تكامل أساسيّ، وكلّ روحانيّة أو جماعة كنسيّة مدعوّة إلى عيشها بطريقة فريدة. وتبدو هذه المرافقة مثمرة خصوصًا في بعض الأوقات الدّقيقة، كمرحلة تمييز خيارات الحياة الأساسيّة أو عبور الأوقات الحرجة. وهي أيضًا مهمّة في الحياة اليوميّة كوسيلة لتعميق العلاقة مع الرّبّ. ويجب الإشارة أيضًا إلى الضّرورة الملحّة لمرافقة الإكليريكيّين والكهنة الشّباب، والمكرّسين الدّارسين شخصيًّا، وكذلك الأزواج في مرحلة الإعداد للزّواج وفي الفترة الأولى بعد الاحتفال بالسّرّ، مسترشدين بتعاليم الموعوظيّة.

المرافقة الجماعيّة والفريقيّة

96. رافق يسوع مجموعة تلاميذه وشاركهم حياتهم اليوميّة. ويُبرِز الاختبار الجماعي ميزات كلّ شخص ومحدوديّاته، ويُساعد على الوعي بتواضع أنّه لا يمكن اتّباع الرّبّ بدون تقاسم العطايا من أجل خير الجميع.
ويستمرّ هذا الاختبار في عيش الكنيسة التي ترى الشّباب موجودين في مجموعات، وحركات، وجمعيّات مختلفة حيث يختبرون بيئة دافئة وحاضنة وكثافة العلاقات التي يرغبون فيها. إنّ اندماجًا من هذا النّوع له في الواقع أهميّة خاصّة بمجرّد اكتمال برنامج التّنشئة المسيحيّة للصّغار، لأنّه يوفّر للشّباب الأرضيّة لمواصلة إنضاج دعوتهم المسيحيّة. ونشجّع الرعاة على الحضور في هذه البيئات لضمان مرافقة مناسبة.
ويظهر المعلّمون والمنشّطون في المجموعات كمرجعيّات للمرافقة، في حين تشكّل علاقات الصداقة التي تنمو داخلها أرضيّة للمرافقة بين متساوين.

المرافقة الرّوحيّة الشّخصيّة

97. تهدف عمليّة المرافقة الرّوحيّة إلى مساعدة المرء على استيعاب أبعاد الحياة المختلفة تدريجيًّا من أجل اتّباع الرّبّ يسوع. ولهذه العمليّة نواحٍ ثلاث: الإصغاء إلى الحياة، واللّقاء بيسوع، والحوار السّرّيّ بين حرّيّة الله وحرّيّة المرء. ومن يرافِق يستقبل بصبر، ويثير أسئلة حقيقيّة، ويتعرّف إلى علامات الرّوح في أجوبة الشّباب. وفي المرافقة الرّوحيّة الشّخصيّة ، يتعلّم المرء أن يدرك ويفسّر ويختار على ضوء الإيمان، وبالإصغاء إلى إلهامات الرّوح في قلب الحياة اليوميّة (البابا فرنسيس، فرح الإنجيل، 169-173). ليست موهبة المرافقة الرّوحيّة، حتّى في التّقليد الكنسيّ، مرتبطة بالضّرورة بالخدمة الكهنوتيّة. إذ لم يحدث من قبل أن كانت هناك حاجة مثل اليوم إلى مرشدين روحيّين، وآباء وأمّهات ذوي اختبار عميق في الإيمان والإنسانيّة وليس فقط أشخاصًا مثقّفين علميًّا. ويأمل السّينودُس أن يكون هناك أيضًا، للحياة المكرّسة، النّسائيّة خصوصًا، والعلمانيّين المعدِّين خير إعداد، بالغون وشباب، كطاقة مولّدة للحياة.

المرافقة وسرّ المصالحة

98. يلعب سرّ المصالحة دوراً لا غنى عنه للتقدّم في حياة الإيمان، المتَّسمة ليس فقط بالمحدوديّة والضّعف فحسب، بل بالخطيئة أيضاً. ويجب التّمييز بين خدمة المصالحة والمرافقة الرّوحيّة على نحو ملائم لأنّ لهما أهداف وأشكال مختلفة. ومن المناسب رعويًا إتّباع مسيرةٍ تدريجيّةٍ وحكيمةٍ للتّوبة، بمعاونة مجموعة من الوجوه التّربويّة، التي تساعد الشّباب على قراءة حياتهم الخاصّة الأخلاقيّة، وإنضاج معنى صحيح للخطيئة، وقبل كلّ شيء على الانفتاح على فرح الرّحمة المحرّر.

مرافقة متكاملة

99. من ناحية أخرى، يدرك السّينودُس الحاجة إلى تعزيز المرافقة المتكاملة، حيث تندمج الجوانب الرّوحيّة بالإنسانيّة والاجتماعيّة بشكل جيّد. كما ويشرح البابا فرنسيس، "أنَّ التّمييز الروحي لا يستبعد مساهمات المعرفة البشريّة، أو الوجوديّة، أو النفسيّة، أو الاجتماعيّة، أو الأخلاقيّة، لكنّه يسمو عليها" (الإرشاد الرسولي، إفرحوا وابتهجوا، 170). إنّها عناصر يجب الاستفادة منها بطريقة ديناميكيّة وباحترام لمختلف الرّوحانيّات والثّقافات، دون أيّ نبذ أو مزج. قد تنكشف المرافقة النّفسيّة أو العلاج النّفسيّ، إذا ما انفتحت على البعد التّصاعديّ، أساسيّةً في مسيرة تكامل الشّخصيّة إذ تتيح النّموّ لبعض جوانب الشّخصيّة كانت في ما مضى مغلقة أو معطّلة. إن الشّباب يعيشون كل غنى وضعف كونهم "ورشة مفتوحة". وتستطيع المرافقة النّفسيّة أن تساعد الشّباب على إعادة قراءة تاريخهم الشّخصيّ بصبر، وعلى طرح أسئلة بقصد تحقيق توازن عاطفي أكثر ثباتًا.

المرافقة في التّنشئة الكهنوتيّة والحياة المكرّسة

100. من المهمّ التحقق، عند قبول الشّباب في بيوت التّنشئة أو الإكليريكيّات، من تجذّرهم بشكلٍ كافٍ في جماعة كنسيّة معيّنة، واستقرارهم في علاقات الصّداقة مع الأقران، وجهدهم في الدّراسة أو العمل، وملامستهم للفَقر والمعاناة. إنَّ التّنشئة على الصّلاة والعمل الدّاخليّ هي أساسيّة في المرافقة الرّوحيّة، للتّمييز أوّلاً في الحياة الشّخصيَّة بواسطة أشكال من التّخلّي والزّهد. ويجب فهم البتوليّة من أجل الملكوت (راجع متى 19،12) كنعمة من الضّروريّ التّعرّف إليها واختبارها في الحرّيّة، والفرح، والمجّانيّة والتّواضع، قبل قبول الدّرجات المقدّسة أو قبل النّذور الأولى. ويجدر فهم مساهمة علم النّفس على أنّها مساعَدة على النّضج العاطفيّ واكتمال الشّخصيّة، ويجب أن يكون ضمن مسار التّنشئة ووفقًا للأخلاقيّة المهنيّة واحترام حريّة الذين هم في طور التّنشئة. ويصبح دور رئيس الإكليريكيّة أو المسؤول/المسؤولة عن التّنشئة أكثر أهميّة في توحيد مسار التّنشئة، لبلوغ تمييز واقعيّ من خلال التّشاور مع جميع الأشخاص المشاركين في التّنشئة، وفي بعض الحالات، اتّخاذ قرار إيقاف التّنشئة والتّوجيه نحو سبيل آخر للدعوة. وبمجرّد انتهاء المرحلة الأولى من التّنشئة، من الضّروريّ ضمان التّنشئة الدّائمة ومرافقة الكهنة والمكرّسين والمكرّسات، وخاصّة الشّباب من بينهم، الذين غالبًا ما يواجهون تحدّيات ويتحمّلون مسؤوليّات غير متكافئة مع عمرهم. ولا تناط مهمّة مرافقتهم فقط ببعض المندوبين، بل هي أيضًا مهمّة الأساقفة والرّؤساء.

مرافقون ذوو مستوى

مدعوّون إلى المرافقة

101. لقد طلب منّا الشّباب بطرق متعدِّدة، أن نُعطي أهميَّة للمرافِقين. إنَّ خدمة المرافقة هي رسالة حقيقيّة، وتتطلّب استعدادًا رسوليًّا عند من يقوم بها. والمرافِق مدعوٌّ لأن يستجيب لنداء الرّوح كما الشمّاس فيلبّس الذي خرج من أسوار أورشليم، وهي رمز للجماعة المسيحيّة، ليتوجّه إلى مكانٍ قَفرٍ وقاسٍ وحتّى خطِر، وحيث عليه أن يشقى للإلتقاء بعربة. وبعد الإلتقاء بواحدة، وجب عليه أن يجد طريقة للدّخول في علاقة مع المسافر الغريب، ليحثّه على طرح سؤال كان من المستحيل على هذا الأخير أن يكون عفويًّا (راجع أعمال 8: 26-40). وباختصار، تتطلّب المرافقة ممّن يقوم بها أن يضع نفسه في تصرّف روح الرّبّ والذي يودّ مرافقته، مع كلِّ حسناته وقدراته، وأن تكون لديه الشّجاعة للتّنحّي جانباً بتواضع.

صفات المرافِق

102. المرافِق الجيّد هو الشّخص المتوازن، القادر على الإصغاء، المؤمن والمصلّي. وهو من يعترف بضعفه وهشاشته. ولهذا السبب، يعرف كيف يستقبل الشّباب الذين يرافقهم، دون أخلاقيّات واهية أو تساهل كاذب. وهو يجيد أيضًا القيام بالإصلاح الأخوي عندما يكون ذلك ضروريًا. إنّ وعي المرافِق بأنّ عمله هو رسالة تتطلّب تجذّرًا عميقًا في الحياة الرّوحيّة، سيساعده على إبقاء نفسه حرًا تجاه الشّباب الذين يرافقهم: فيحترم نتيجة مسيرتهم، ويدعمهم بالصّلاة، ويفرح بالثّمار التي ينتجها الرّوح في أولئك الذين يفتحون قلوبهم، دون محاولة فرض إرادته وخياراته. وسيكون أيضًا قادرًا على خدمة الآخرين، بدلاً من تصدّر مركز الاهتمام، واتّخاذ مواقف تسلّطيّة أو تلاعبيّة (manipulatrice) تخلق تبعيّات وتحدّ من حرّيّة الأشخاص. إنَّ هذا الاحترام العميق هو ضمانة أكيدة ضدّ خطر إخضاع الأشخاص والتّسلّط من أيّ نوع.

أهميّة التّنشئة

103. من أجل الاضطلاع بخدمته جيّدًا، يحتاج المرافِق إلى تنمية حياته الرّوحيّة، وتغذية العلاقة التي تربطه بالذي أوكل إليه هذه الرّسالة. وفي الوقت عينه، يحتاج أيضًا إلى دعم الجماعة الكنسيّة التي ينتمي إليها. ومن المهمّ أن ينال تنشئة خاصّة لهذه الخدمة المحدّدة وأن يستفيد بدوره من المرافقة والإشراف. وينبغي أن نذكّر بالسِّمات الأساسيّة لكوننا كنيسة، والتي يشير إليها الشّباب بإيجابيّة، وهي: توافر الاستعداد والقدرة على العمل في فِرق، وبهذه الطريقة نكون أكثر جدوى وفعاليّة وحسم. وتتطلّب هذه الكفاءة في العمل الجماعي نضوج فضائل علائقيّة محدّدة: كضبط النّفس في الاصغاء والقدرة على إفساح المجال أمام الآخر، والاستعداد للمغفرة ولوضع الذّات على المحك بحسب روحانيّة الشّركة الحقيقيّة.

الفصل الرابع: فنّ التّمييز

الكنيسة مكان التّمييز

مجموعة من المعاني في تنوّع التقاليد الرّوحيّة

104. تشكّل مرافقة الدّعوة بُعدًا أساسيًّا في عمليّة التّمييز التي يقوم بها الشّخص المدعوّ للاختيار. ويأخذ مصطلح "تمييز" عدّة معانٍ مرتبطة ببعضها البعض. فبمعناه الواسع، يشير التّمييز إلى العمليّة التي يتمّ فيها اتّخاذ القرارات المهمّة؛ وبمعنى ثانٍ مرتبط بالتّقليد المسيحيّ، وهو معنى سنتوقّف عنده تحديدًا، إنّه الدّيناميكيّة الرّوحيّة التي يسعى من خلالها الشّخص أو مجموعة الأشخاص أو الجماعة إلى اكتشاف إرادة الله وقبولها في واقعهم: "امتحنوا كلّ شيء وتمسّكوا بالحسن "(1تس 21:5). ولكونه استعدادًا للتّعرّف إلى صوت الرّوح وقبول دعوته، فالتّمييز هو بعد أساسيّ في نمط عيش يسوع وموقف جذريّ أكثر منه عملاً آنيًّا. طوال تاريخ الكنيسة تناولت التّيّارات الرّوحيّة المختلفة مسألة التّمييز، واختلفت النّتائج باختلاف الميول المواهبيّة والفترات التاريخيّة. وخلال السّينودُس أدركنا الكثير من العناصر المشتركة التي لا تلغي تنوّع التعابير: حضور الله في حياة كلّ شخص وتاريخه، وإمكانيّة التعرّف على عمله؛ دور الصّلاة، وحياة الأسرار والزهد؛ تقييم الذّات المستمرّ مع متطلّبات كلمة الله؛ الحرّيّة تجاه الثّوابت المكتسبة؛ والتّثبّت الدّائم منها في الحياة اليوميّة؛ وأهميّة المرافقة الملائمة.

العودة التأسيسيّة إلى كلمة الله والكنيسة

105. يردّنا التّمييز، من حيث أنّه "موقف داخلّي متجذّر في فعل إيمان" (البابا فرنسيس، خطاب في الجلسة العامّة الأولى للجمعيّة العامّة العاديّة الخامسة عشرة لسينودُس الأساقفة ، 3 تشرين الأوّل 2018)، إلى الكنيسة بشكلٍ أساسيّ، التي تسعى برسالتها لجعل كلّ رجل وامرأة يلتقيان بالرّبّ الذي يعمل أصلاً في حياتهم وقلوبهم. يعزّز إطار الجماعة الكنسيّة مناخًا من الثقة والحرّيّة أثناء البحث عن الدّعوة الشّخصيّة في جوّ من الصّمت والصّلاة. ويقدّم فرصًا حقيقيّة لإعادة قراءة الماضي الشّخصيّ، واكتشاف المواهب الشّخصيّة ومواطن الضّعف الخاصّة، على ضوء كلمة الله؛ ويسمح بالاحتكاك بشهود يجسّدون خيارات الحياة المختلفة. كذلك يحفّز اللّقاء بالفقراء على تعميق مفهوم ما هو ضروريّ في الحياة، في حين أنّ الأسرار - وخاصّة القربان المقدّس والمصالحة - تغذّي وتدعم من هو في مسيرة لاكتشاف مشيئة الله. ويدخل الأفق الجماعي دائمًا في كلّ تمييز، ولا يمكن اختزاله أبدًا في البُعد الفرديّ وحده. وفي الوقت نفسه، يحاكي كلّ تمييز شخصيّ الجماعة، ويحثّها على الاصغاء إلى ما يقوله الرّوح لها من خلال الاختبار الرّوحيّ لأعضائها: فكما كلّ مؤمن، كذلك الكنيسة هي دائمًا في تمييز.

الضّمير يميّز

يتكلّم الرّبّ إلى القلب

106. يُلفت التّمييز الانتباه إلى ما يحدث في قلب كلّ رجل وامرأة. ففي النّصوص البيبليّة، يُستخدم مصطلح "القلب" للإشارة إلى النّقطة المركزيّة في داخليّة الشّخص، وحيث الاصغاء إلى الكلمة التي يوجّهها الله اليه باستمرار، هذه الكلمة التي هي المعيار لتقييم الحياة والاختيارات (راجع مز 139). ويأخذ الكتاب المقدس بالاعتبار البُعد الشخصي، ولكنّه يؤكّد في الوقت عينه على البعد الجماعيّ. "فالقلب الجديد" الذي وَعد به الأنبياء ليس هبة فرديَّة، بل يخصّ كلّ إسرائيل مع تقليده وتاريخه الخلاصيّ الذي فيه يندمج المؤمن (راجع حز 36: 26-27). وتستمرّ الأناجيل في الخطّ عينه: فيسوع يشدّد على أهميّة الأمور الباطنيّة، ويضع القلب في وسط الحياة الأخلاقيّة (راجع مت 15: 18-20).

المفهوم المسيحيّ للضّمير

107. أغنى بولس الرّسول ما قد وضعه التّقليد الكتابيّ بموضوع القلب، من خلال ربطه بمصطلح "الضّمير"، الذي أخذه عن ثقافة عصره. ففي الضّمير ندرك ثمرة اللّقاء بالمسيح والشراكة معه: تحوّل خلاصيّ وقبول حرّيّة جديدة. ويصرّ التّقليد المسيحيّ على أنَّ الضّمير هو المكان المميَّز للحميميّة الخاصّة مع الله واللّقاء به، حيث يكون صوته حاضرًا: " فالضّمير هو المركز الأكثر سريَّة في الإنسان، إنّه المزار المقدّس حيث يكون الإنسان بمفرده مع الله وحيث يُسمع صوته "(الدستور العقائدي، فرح ورجاء، 16). هذا الضّمير لا يتطابق مع شعورنا الفوريّ والسّطحيّ، ولا مع "الوعي للذّات"، بل هو يؤكّد وجودًا متساميًا، يجده كلّ إنسان في داخله، من دون ان يكون مالكه.

تنشئة الضّمير

108. تنشئة الضّمير هي مسيرة العمر كلّه، حيث يتعلّم المرء تنمية مشاعر يسوع المسيح فيه، من خلال تبنّي المعايير التي اعتمدها في قراراته ونوايا أفعاله (راجع فيليبي 2،5). وفي سبيل الوصول إلى البُعد الأعمق للضّمير، بحسب النّظرة المسيحيّة، فمن المهمّ الاعتناء بداخليّة الإنسان. وهذه العناية تتضمّن بشكلٍ أساسيّ أوقات الصّمت والتّأمّل المصلّي، والإصغاء إلى كلمة الله، وممارسة الأسرار ومساندة تعاليم الكنيسة. وينبغي كذلك عيش الصّلاح بشكلٍ اعتياديّ، والتّأكّد من حسن عيشه بفحص الضّمير. وهذا الأخير هو تمرين لا يهدف فقط إلى تحديد الخطايا، ولكن أيضًا لاكتشاف عمل الله في الاختبار اليوميّ، وفي أحداث التّاريخ وفي الثّقافات التي نعيش فيها، وفي شهادة الكثيرين من الرّجال والنّساء الذين سبقونا أو يواكبوننا بمرافقتهم لنا بحكمة. كلّ هذا يساعد على النّموّ في فضيلة الحذر، من خلال الرّبّط ما بين التّوجّه العام للحياة وبين الخيارات الحسّيَّة بإدراك كامل وهادىء للمواهب والمحدوديّات. فسليمان الشّاب كان قد طلب هذه العطيّة أكثر من أيّ شيء آخر (راجع 1 ملوك 3،9).

الضّمير الكنسيّ

109. إنّ ضمير كلّ مؤمن في بعده الشّخصي العميق هو بارتباطٍ دائمٍ مع الضّمير الكنسيّ. فمن خلال وساطة الكنيسة وتقليدها الإيماني فقط يمكن الوصول إلى وجه الله الحقيقي الذي يظهر في المسيح يسوع. وهكذا يظهر التّمييز الرّوحيّ كالعمل الصّادق للضّمير في إرادته معرفة الخير الممكن، والذي انطلاقًا منه يصبح من المستطاع أخذ قرارات مسؤولة بالاستعانة بشكلٍ مناسب بالفكر العملانيّ وبالاستنارة بالعلاقة الشّخصيّة مع الرّبّ يسوع.

ممارسة التّمييز

الألفة مع الرّبّ

110. يمكن فهم التّمييز، من حيث أنّه لقاءٌ مع الرّبّ الحاضر في أعماق القلب، كشكلٍ حقيقيّ للصّلاة. لهذا السّبب هو يتطلّب وقتًا كافيًا للتّأمّل، سواء في الحياة اليوميّة العاديّة أو في أوقات مميّزة، مثل الخلوات والرّياضات الرّوحيّة، ورحلات الحجّ، إلخ. ويتغذّى التّمييز الجدّي من كلّ مناسبات اللّقاء مع الرّبّ، ومن تعميق الإلفة معه، ومن الحقائق المختلفة التي يكون حاضرًا فيها: كالأسرار، وبشكلٍ خاص سرَّي الافخارستيّا والمصالحة؛ الإصغاء إلى كلمة الله والتأمّل فيها، القراءة التّأمّليّة للكتاب المقدّس في الجماعة؛ الإختبار الأخويّ في الحياة المشتركة؛ واللّقاء بالفقراء الذين يتماهى الرّبّ يسوع معهم.

استعدادات القلب

111. يتطلّب انفتاح القلب على الإصغاء لصوت الرّوح إستعدادات داخليّة دقيقة: الأولى، هي يقظة القلب التي تتآلف والصّمت وإخلاء الذّات الذي يتطلّب الزّهد. ثمّ الفطنة وقبول الذّات والنّدامة. كلّها تشكّل أمورًا أساسيّة، بالإضافة إلى الإرادة بتنظيم الحياة الشخصيّة، وذلك بالتخلّي عمّا يظهر كعقبة حتى نستعيد الحريّة الداخليّة الضروريّة لأخذ خيارات يقودها الرّوح القدس فقط. ويتطلّب التّمييز الجيّد أيضًا الانتباه إلى ميول القلب، والنّموّ في القدرة على التّعرّف إليها وإعطائها إسمًا. وأخيراً ، يستلزم التّمييز شجاعة بدء الجهاد الرّوحيّ، لأنّ مسيرتنا لن تخلو من التّجارب والعقبات التي يضعها الشّرّير في دربنا.

حوار المرافقة

112. تتّفق التّقاليد الرّوحيّة المختلفة على أنّ التّمييز الجيّد يتطلّب اللّقاء المنتظم مع المرشد الرّوحيّ. فالتّحدّث صراحةً عن الاختبارات الشّخصيّة يعزّز وضوحها. وفي الوقت نفسه، يلعب المرافِق دور المواجهة الخارجيّة للآتي إليه، بجعل نفسه وسيط حضور الكنيسة الأموميّ. هذه مهمّة حسّاسة أُشيرَ إليها في الفصل السّابق.

القرار وتأكيده

113. يسمح التّمييز، باعتباره بُعدًا من نمط عيش يسوع وتلاميذه، بأساليب محدّدة تهدف إلى الخروج من اللّاقرار إلى تحمّل مسؤوليّة القرارات المتّخذة. إذ لا يمكن أن تستمرَّ عمليّة التمييز إلى ما لا نهاية، سواء في الحالات الشّخصيّة، الجماعيَّة أو المؤسّساتيّة. وبعد القرار تأتي مرحلة أساسيّة أخرى، وهي تنفيذه والتّحقّق من جدواه في الحياة اليوميّة. لذلك سيكون من الضّروريّ استكمال هذه المرحلة بمرحلة من الإصغاء اليقظ للأصداء الداخليّة من أجل التقاط صوت الروح. والمواجهة مع الواقع مهمّة، خاصّة في هذه المرحلة؛ وتشير التّقاليد الرّوحيّة المختلفة إلى قيمة الحياة الأخويّة وخدمة الفقراء بشكلٍ خاص، باعتبارها أرضيّة لاختبار القرارات المتّخذة، ومكانًا يكشف فيه الشخص عن نفسه بالكامل.

القسم الثالث: "إنطلقا دون إبطاء"

114. " أمّا هما فقال الواحد للآخر: "أما كان قلبنا متّقدًا حين كان يحدّثنا في الطّريق، ويشرح لنا الكتب؟". وانطلقا دون إبطاء إلى أورشليم، حيث وجدوا الأحد عشر مجتمعين، هم والذين معهم، وهم يقولون: "إنّ الرّبّ قام بالحقيقة وظهر لبطرس!" وأمّا هما فكانا يخبران بما حذث في الطّريق، وكيف عرفاه عند كسر الخبز " (لو 24: 32-35). ننتقل من الإصغاء إلى الكلمة، يتمّ الانتقال إلى فرح اللّقاء الذي يملأ القلب، ويعطي معنى للوجود ويبعث حماسًا جديدًا. تستنير الوجوه وتستعيد المسيرة نشاطها: إنّه نور وقوّة الاستجابة للدّعوة التي تتحوّل إلى رسالة للكنيسة والعالم بأسره. بدون تأخير أو خوف، عاد التّلاميذ أدراجهم ليلتحقوا بالإخوة ويشهدوا للقائهم بيسوع القائم.

كنيسة شابّة

أيقونة قيامة

115. واستكمالاً لإيحاء حدث عمّاوس الفصحيّ، تأتي صورة مريم المجدليّة (راجع يو 20: 1-18) لتنير الطّريق الذي تريد الكنيسة أن تسيره مع ولأجل الشّباب، كثمرة لهذا السّينودُس. إنّها مسيرة قياميّة تقود إلى إعلان الإيمان وإلى الرسالة. ركضت مريم المجدليّة إلى بطرس والتّلميذ الآخر وقد سكَنَتها رغبة عميقة بالرّبّ، متحدّيةً ظلام الليل. وحركتها هذه حرّكت الرّسل، وتفانيها الأنثويّ استبق انطلاقتهم وفتح الطّريق أمامهم. في فجر ذلك اليوم الأوّل من الأسبوع، حدثت مفاجأة اللّقاء: فمريم بحثت لأّنها مُحِبَّةً، ووَجدت لأنّها محبوبة. كشف المسيح القائم عن نفسه، ونادى مريم باسمها وطلب منها ألاّ تُمسك به، وذلك لأنّ جسده هو ليس كنزًا ندفنه، بل سرّ نتشارك به. وهكذا أصبحت أوّل تلميذة مبشّرة رسولة الرّسل. إنّها، إذ شُفيت من جراحاتها (راجع لو 8: 2) وشهدت على القيامة، أضحت صورة عن الكنيسة الشابة التي نحلم بها.

السَير مع الشّباب

116. لا يزال حيًا حتى اليوم شغف البحث عن الحقيقة، والاندهاش أمام جمال الرّبّ، والقدرة على المشاركة وفرح إعلان الإيمان في قلوب الكثيرين من الشّباب وهم أعضاء حيّة في الكنيسة. إذًا لا يتعلّق الأمر فقط بعمل شيء ما "من أجلهم"، ولكن العيش في شركة "معهم"، والنموّ معاً في فهم الإنجيل والبحث عن الأشكال الأكثر صدقًا لعيشه والشهادة له. ليست مشاركة الشّباب المسؤولة في حياة الكنيسة مسألةً إختياريّة، بل هي من متطلّبات حياة المعموديّة، وعنصر لا غنى عنه في حياة كلّ جماعة. إنَّ صعوبات الشّباب وضعفهم يساعدوننا على أن نكون أفضل، وأسئلتهم تستفزنا، وشكّهم يسائلنا عن نوعيّة إيماننا. ونحن بحاجة أيضًا إلى نقدهم لنا، لأنّنا كثيرًا ما نسمع من خلاله صوت الرّبّ الذي يطلب منّا توبة القلب وتجديد الهيكليّات.

الرغبة بالوصول إلى كلّ الشّباب

117. لطالما تساءلنا أثناء السّينودُس عن الشّباب وفي بالنا ليس فقط هؤلاء الذين هم جزء من الكنيسة ويعملون فيها بنشاط، ولكن أيضًا هؤلاء الذين لهم نظرة أخرى إلى الحياة، ويعتنقون ديانات أخرى أو يعلنون أنفسهم غرباء عن الدين. فجميع الشّباب، ودون أيّ استثناء، هم في قلب الله وبالتّالي في قلب الكنيسة. ولكنّنا ندرك أنّ هذا التّأكيد الذي نعبِّر عنه على شفاهنا، لا يجد دائمًا تعبيرًا حقيقيًا له في عملنا الرّعويّ: فغالبًا ما نبقى منغلقين على ذواتنا في محيطنا حيث لا يبلغ الينا صوتهم، أو نكرّس أنفسنا لنشاطات تتطلّب منّا جهدًا أقلّ وتعطينا لذّة كبرى، ما يخنق فينا ذاك القلق الرّعويّ السّليم، الذي يخرجنا من أماننا الكاذب. ولكنّ الإنجيل يطلب منّا أن نجرؤ. ونحن نريد أن نفعل ذلك بدون أيّ ادّعاء أو اقتناص للأشخاص، بل بالشهادة لمحبّة الرّبّ وباليد الممدودة إلى كلِّ شباب العالم.

توبة روحيّة، رعويّة ورسوليّة

118. وغالبًا ما يذكّرنا البابا البابا فرنسيس بأنّ ذلك غير ممكن دون مسيرة توبة حقيقيّة. ونحن ندرك أنّه ليس من المهمّ فقط أن نقوم ببعض النّشاطات الجديدة ولا أن نكتب "خططًا توسّعيّة رسوليّة، دقيقة ومصمّمة بشكل جيّد، على مثال الجنرالات المهزومين" (البابا فرنسيس، الإرشاد الرسولي، فرح الإنجيل، 96). ونحن نعلم أنّه، حتّى نكون ذوي مصداقيّة، يجب علينا أن نعيش إصلاحًا في الكنيسة بتطهير القلب وتغيير الأسلوب. فعلى الكنيسة أن تدع الافخارستيّا التي تحتفل بها كذروة ومصدر لحياتها، تعطيها شكلاً، شكل الخبز المكوَّن من العديد من حبّات القمح والمكسور من أجل حياة العالم. أن نسير مع الشّباب، منطلقين نحو الجميع للشّهادة لمحبّة الله، هذه هي ثمرة هذا السّينودُس، والخيار الذي ألهمنا إيّاه الرّوح القدس من خلال الإصغاء والتّمييز. ويمكننا أن نصِفَ هذا النّهج بكلامنا عن المجمعيّة من أجل الرّسالة، أو المجمعيّة الرّسوليّة: "فإنّ إنشاء كنيسة مجمعيّة هو قاعدة لا غنى عنها لأجل دفع تبشيريّ جديد يشمل شعب الله بأكمله ". هذه هي نبوءة المجمع الفاتيكاني الثّاني، الذي لم نستوعبه بعد بكامل عمقه ولم ننمِّه في تداعياته اليوميّة، والذي إليه لفتَ البابا البابا فرنسيس أنظارنا قائلًا: "إنّ طريق المجمعيّة هو الطريق الذي يتوقعّه الله من كنيسة الألفيّة الثالثة" (البابا فرنسيس، خطاب بمناسبة الاحتفال بالذكرى الخمسين لتأسيس سينودس الأساقفة، 17 تشرين الأوّل 2015). ونحن مقتنعون بأنّ هذا الخيار، ثمرة الصّلاة ومواجهات العالم، سيمكّن الكنيسة، بنعمة الله، من الظّهور بشكلٍ جليّ كـ "صِبا العالم".

الفصل الأوّل: المجمعيَّة الرسوليَّة في الكنيسة

ديناميكيّة تأسيسيّة

يطلب منّا الشّباب أن نسير معًا

119. عندما اختارت الكنيسة بكلّ مكوّناتها، أن تركّز اهتمامها على الشّبيبة في هذا السّينودُس، اتّخذت خيارًا واضحًا، وهو اعتبار هذه الرّسالة أولويّة رعويّة في زماننا، ومن أجلها تَصرف الكنيسة الوقت والطّاقات والموارد. فمن بداية التّحضيرات، عبّر الشّباب عن رغبتهم في أن ينخرطوا في هذا العمل وأن يكونوا مقدَّرين وشركاء في حياة الكنيسة ورسالتها. ولقد اختبرنا في هذا السّينودُس أن إشراك الشّباب في المسؤوليّة هو مصدر فرح عميق أيضًا للأساقفة. ونحن نرى في هذا الاختبار ثمرة الروح الذي يجدّد الكنيسة باستمرار ويدعوها إلى ممارسة المجمعيّة synodalité في طريقة عيشها وعملها، وتعزيز مشاركة جميع المعمّدين وأصحاب النّوايا الحسنة، كلاً حسب عمره، ووضعه الحياتيّ، ودعوته. واختبرنا أيضًا أنّ المجمعيّة collegialité التي توحّد الأساقفة مع بطرس وبإمرة بطرس في الاهتمام برعاية شعب الله، هي مدعوّة إلى الإفصاح عن ذاتها والاغتناء من خلال ممارسة المجمعيّة synodalité على المستويات كافّة.

طريق السّينودُس مفتوح

120. لا تشكّل نهاية الأعمال المجمعيّة والوثيقة التي تجمع ثمارها، ختامًا لعمليّة السّينودُس، بل مرحلةً فيها. وبحيث أنّ الظّروف الواقعيّة، والفرص الحقيقيّة، والحاجات الملحّة للشّباب هي مختلفة جدًا بين البلدان والقارات، على الرّغم من تقاسمها الإيمان الواحد، فإنّنا ندعو المجالس الأسقفيّة والكنائس الخاصّة إلى مواصلة المسيرة، والانخراط في عمليّات تمييز جماعيّة تشمل أيضًا الأساقفة غير المشاركين في المداولات، كما فعل هذا السّينودُس. وينبغي أن تتضمّن هذه المسارات الكنسيّة الإصغاء والحوار الأخويّ بين الأجيال، وذلك بهدف وضع مبادئ وتوجّهات رعويّة تهتمّ بشكلٍ خاص بالشّباب المهمّشين وأولئك الذين لديهم تواصل ضعيف أو معدوم مع الجماعة الكنسيّة. ونأمل أن يُشارك في هذه المسارات العائلات، والمعاهد الدينيّة، والجمعيّات، والحركات، والشّباب أنفسهم، حتى تنتشر "شعلة" ما اختبرناه في هذه الأيّام.

شكل الكنيسة المجمعيّ

121. إنّ الاختبار الذي عشناه في السّينودُس زاد وعي المشاركين فيه لأهميّة الشّكل المجمعيّ للكنيسة لإعلان الإيمان ونقله. وساهمت مشاركة الشّباب على "إيقاظ" هذه المجمعيّة، وهي "بُعد تأسيسي للكنيسة. [...] كما يقول القديس يوحنّا الذّهبيّ الفم: "الكنيسة والمجمع كلمتان مرادفتان" - لأنّ الكنيسة ليست أكثر من "سير معًا" لقطيع الله على دروب التّاريخ للّقاء بالمسيح الرّبّ" (البابا فرنسيس، خطاب بمناسبة الاحتفال بالذكرى الخمسين لتأسيس سينودس الأساقفة، 17 تشرين الأوّل 2015). والمجمعيّة تميّز حياة الكنيسة كما رسالتها. فالكنيسة هي شعب الله المؤلّف من الصّغار والكبار، الرّجال والنّساء من كلّ ثقافة وأفق، وهي جسد المسيح، ونحن فيه أعضاء بعضنا لبعض، بدءًا بالمهمّشين والمسحوقين. وفي سياق التّبادل، ومن خلال الشهادات، أظهر السّينودُس بعض الخطوط الأساسيّة للأسلوب المجمعيّ الذي إليه يجب أن نتحوّل.

122. في العلاقات مع المسيح، والآخرين، والجماعة ينتقل الإيمان. والكنيسة مدعوّة، بهدف خدمة الرّسالة، أن تتبنّى وجهًا علائقيًا يرتكز على الإصغاء، وقبول الآخر، والحوار، والتّمييز المشترك، في مسيرةٍ تُحوِّل حياة من يلتقيها. "فالكنيسة المجمعيّة هي كنيسة الإصغاء، والإصغاء "يتخطّى مجرّد السّماع" . إنّه السّماع المتبادَل حيث يكون لدى كلّ شخص ما يتعلّمه من الآخر. فالشّعب المؤمن، ومجمع الأساقفة، وأسقف روما: كلّ واحد في إصغاء للآخرين؛ والجميع في إصغاء للرّوح القدس، "روح الحق" (يو 14،17) ، لمعرفة ما يقوله "للكنائس" (رؤ 2،7) "(البابا فرنسيس، خطاب الاحتفال بالذكرى الخمسين لتأسيس سينودُس الأساقفة، 17 تشرين الأوّل 2015). بهذه الطّريقة تقدّم الكنيسة نفسها كـ "خيمة العهد" التي يُحفظ فيها تابوت العهد (راجع خر 25)؛ كنيسة ديناميكيّة وفي حركة، ترافق وهي تسير، ومعزّزة بالعديد من المواهب والخدمات. بهذه الطّريقة يجعل الله نفسه حاضرًا في هذا العالم.

كنيسة تشاركية تتقاسم المسؤوليّة

123. ومن السّمات المميِّزة لأسلوب الكنيسة هذا إظهار قيمة المواهب التي يعطيها الرّوح، بحسب دعوة كلّ عضو ودوره فيها، في ديناميكيّة من المسؤوليّة المشتركة. ومن أجل تفعيل هذا الأسلوب، باتت توبة القلب والرّغبة في الإصغاء المتبادل ضروريّتان، ممّا يسمح بالإصغاء الفعّال معًا. فإذا ما تحرّكنا بفعل الرّوح، نكون قادرين على الانطلاق نحو كنيسة تشاركيّة تتقاسم المسؤوليّة، قادرة على إظهار غنى التنوّع الذي يكوّنها، وتلقّي مساهمة المؤمنين العلمانيّين بامتنان، بمن فيهم الشّباب والنّساء، والمكرّسون والمكرّسات، والجماعات والجمعيّات والحركات. ولا يجب أن يُستبعد أحد أو يستبعد نفسه. هذا هو السّبيل لتفادي الإكليروسيّة الكهنوتيّة التي تستثني الكثيرين من عمليّات صنع القرار، وإكليروسيّة العلمانيّين، التي تأسرهم بدلاً من أن ينطلقوا نحو الالتزام التّبشيريّ في العالم. يطلب السّينودُس تفعيل مشاركة الشّباب وجعلها أمرًا اعتياديًّا في أماكن المسؤوليّة المشتركة في الكنائس الخاصّة، كما في هيكليّات المجالس الأسقفيّة وفي الكنيسة الجامعة. كما ويدعو إلى تعزيز نشاط مكتب الشّباب الخاص بالمجلس الحبري للعلمانيّين والعائلة والحياة، من خلال إنشاء هيئة تمثيليّة للشّباب على المستوى الدّولي.

أنماط التّمييز الجماعي

124. تساعدنا تجربة "السير معًا" كشعب الله على فهمٍ أفضل لمعنى السّلطة كخدمة. يُطلب من الرعاة تنمية التعاون في الشهادة والرّسالة، ومرافقة عمليّات التّمييز الجماعي لتفسير علامات الأزمنة على ضوء الإيمان وبهدي الرّوح، وبمساهمة جميع أعضاء الجماعة، بدءًا بمن هم على الهامش. وليتمتّع المسؤولون في الكنيسة بهذه الإمكانيّة فإنّهم يحتاجون إلى تدريب محدّد على المجمعيّة. من وجهة النظر هذه، يبدو أن من الجيّد تنظيم دورات تدريبيّة مشتركة بين الشّباب العلمانيّين والطلاّب الإكليريكيّين، وبشكلٍ خاص في ما يتعلّق بقضايا معيّنة مثل ممارسة السلطة أو العمل الفريقي.

أسلوب للرسالة

الشّراكة الرّسوليّة

125. إنّ حياة الكنيسة المجمعيّة موجَّهَة في جوهرها إلى الرّسالة: إنّها "علامة وأداة الاتّحاد الحميم مع الله ووحدة الجنس البشريّ كلّه" (دستور عقائدي في الكنيسة، نور الأمم، 1) ، حتّى اليوم الذي سيكون الله فيه "كلاًّ في الكلّ" (1 كو 15: 28). باستطاعة الشّباب المنفتحين على الرّوح، أن يساعدوا الكنيسة في تحقيق العبور الفصحيّ " من ال "أنا" بالمفهوم الفرديّ إلى ال "نحن" الكنسيّة، حيث كلّ "أنا" وقد لبس المسيح (راجع غلا 20:2) يعيش مع الإخوة والأخوات ويسير معهم كفاعل مسؤول وفعّال في رسالة شعب الله الواحدة "(اللّجنة الدوليّة اللاهوتيّة، المجمعيّة في حياة الكنيسة ورسالتها، 2 آذار 2018، 107). ويجب أن يحدث العبور نفسه، بدفع من الرّوح القدس، وبتوجيه من رعاة الكنيسة، للجماعة المسيحيّة، المدعوّة للخروج من انطواء ال "أنا" الذّاتيّة الذي يسعى إلى حماية ذاته، نحو بناء ال "نحن" الشاملة وضمنها الأسرة البشريّة بأجمعها والخليقة بأكملها

رسالة في حوار

126. ولهذه الديناميكيّة الأساسيّة نتائج محدَّدة في طريقة عيش الرّسالة مع الشّباب، ممّا يستلزم بدء حوار صريح وواضح، مع جميع الرّجال والنّساء ذوي النّوايا الحسنة. وكما قال القدّيس البابا بولس السّادس: "الكنيسة تصبح كلمة؛ الكنيسة تصبح رسالة؛ الكنيسة تصبح حديثًا" (الرّسالة البابويّة العامّة، كنيسته، 67). في عالم يتميّز بتنوّع الشّعوب والثّقافات، يُعَدّ "السّير معًا" أمرًا أساسيًا لإعطاء مصداقيّة وفعاليّة لمبادرات التّضامن، والدّمج، ورفع شأن العدالة، ولتبيان ماهيّة ثقافة اللّقاء والمجّانيّة. والشّباب الذين يعيشون يومياً في اتّصال مع أقرانهم من الطّوائف المسيحيّة الأخرى، أو من الأديان والمعتقدات والثّقافات الأخرى، يحفّزون الجماعة المسيحيّة بأسرها على العيش بروح المسكونيّة والحوار بين الأديان. وهذا يتّطلب شجاعة الصّدق للتّكلّم، وشجاعة التّواضع للإصغاء، وعيش الزّهد – وقبول الاستشهاد أحيانًا.

نحو أطراف العالم

127. يُعتبر الحوار والبحث عن حلول مشتركة أولويّة واضحة في وقت تتعرّض فيه الأنظمة الدّيمقراطيّة للتّحدّي بسبب انخفاض مستويات المشاركة، والتّأثير الزّائد لمجموعات الضّغط التي لا تشكِّل إلاّ قسمًا صغيرًا من الشّعوب، مع خطر الانحرافات الاختزاليّة والتّكنوقراطيّة والاستبداديّة. سوف توجّه الأمانة للإنجيل هذا الحوار لإيجاد سبلٍ للاستجابة للصّرخة المزدوجة للفقراء والأرض (البابا فرنسيس، الرّسالة العامّة كن مسبّحًا، 49)، والتي يُظهر الشّباب نحوها حساسيّة خاصة، بإدراجهم وحي مبادئ العقيدة الاجتماعيّة في المنهجيّات الاجتماعيّة، ككرامة الشّخص البشريّ، وشموليّة الحق بالاستفادة من الخيرات الماديّة، وإعطاء الأفضليّة للفقراء، والأولويّة للتّضامن مع الآخر، والاعتناء بالمحتاج، والاهتمام بالبيت المشترك. لا توجد دعوة في الكنيسة تخرج عن ديناميكيّة الجماعة هذه للانطلاق نحو الخارج والحوار. ولهذا السّبب فكل محاولة مرافقة مدعوّة إلى أن تقيس نفسها مقارنة بهذا الأفق، مركِّزة بشكلٍ أساسيّ على الأشدّ فقرًا والأكثر ضعفًا.

الفصل الثّاني: السّير معًا في الحياة اليوميّة

من الهيكليّات إلى العلاقات

من التفويض إلى الانخراط

128. لا تتعلّق السّينودُسيّة الإرساليّة فقط بالكنيسة الجامعة ككلّ. فالحاجة إلى السّير معًا، وإعطاء شهادة حقيقيّة للأخوّة في حياة جماعيّة متجدّدة وأكثر وضوحًا، تهمّ أوّلاً الجماعات المختلفة. لذلك من الضّروريّ أن نوقظ في كلّ واقعٍ محلّيٍّ الوعي بأنّنا شعب الله، ومدعوّون إلى تجسيد الإنجيل في البيئات المختلفة وفي كلِّ الأوضاع اليوميّة. ممّا يعني التخلّي عن منطق التفويض الذي يحدّ كثيراً العمل الرّاعوي.
ويمكن أن نشير على سبيل المثال، إلى منهجيّات التّعليم المسيحيّ في الإعداد للأسرار، والتي تشكّل مهمّة تعهَد بها العديد من العائلات إلى الرعيّة كليًا. وقد ينتج عن هذا أن لا يعتبر الأطفال الإيمان كحقيقة تنير الحياة اليوميّة، ولكن كمجموعةٍ من المفاهيم والقواعد التي تنتمي إلى إطارٍ منفصلٍ عن حياتهم. والمطلوب هو أن نسير معهم: فالرّعيّة تحتاج إلى العائلة ليختبر فيها الشّباب الواقعيّة اليوميّة للإيمان؛ والعائلة تحتاج إلى خدمة معلّمي التّعليم المسيحيّ والهيكليّة الرّعويّة ليكون للأبناء رؤيةً مسيحيّة أعمق، ولتعريفهم بالجماعة الكنسيّة، وفتح آفاق أوسع أمامهم. لذلك لا يكفي وجود هيكليّات، إذا لم تتطوّر فيها علاقات أصيلة؛ ففي الحقيقة، إنها نوعيّة هذه العلاقات الأصيلة التي تبشّر بالإنجيل.

تجديد الرعيّة

129. ولكي تتّخذ الرّعيّة شكل الجماعة المنتِجة، ولكي تكون الوسط الذي منه تنطلق الرّسالة نحو الأصغر، عليها أن تنخرط في هذه العملية. في هذا الوضع التّاريخي الصّعب، تظهر عدّة إشارات تدلّ على أنّ الرّعيّة، وفي حالات مختلفة، تفشل في تلبية المتطلّبات الرّوحيّة لأولاد هذا العصر، خصوصًا بسبب بعض العوامل التي غيّرت أساليب عيش الأشخاص. ففي الواقع، نحن نعيش في ثقافة "بلا حدود"، مطبوعة بعلاقة جديدة مع الزّمان والمكان، سببها التّواصل الرّقميّ، وتتميّز بالحركة المستمرّة. وفي هذا الإطار، فإنّ النّظرة الضّيّقة إلى العمل الرّعويّ داخل الحدود الجغرافيّة للرّعيّة فقط، وغير القادر على جذب المؤمنين ولا سيّما الشّباب بطروحات متنوّعة، ستصيب الرعيّة بشللٍ غير مقبول وتوقعها في تكرارٍ رعويٍّ مثيرٍ للقلق. لذا من الضّروريّ إعادة التفكير بمفهوم الرّعيّة والعمل الرّعويّ، بحسب منطق تقاسم المسؤوليّات الكنسيّة والدّفع الرّسوليّ، وتطوير تضافر القوى على الأرض. فبهذه الطّريقة فقط يمكن للرّعيّة أن تظهر كبيئة ذي معنى ومثيرة لاهتمام الشّباب.

هيكليّات منفتحة وواضحة

130. ودائمًا بهدف انفتاح ومشاركة أكبر، من المهمّ أن تتحقق كلّ جماعة كنسيّة في ما إذا كانت أساليب عيشها والهيكليّات التي تتّبعها تشهد أمام الشّباب للإنجيل شهادةً واضحة. وممّا لا شكّ فيه أنّ حياة العديد من الكهنة والرّاهبات والمكرّسين والأساقفة هي حياة زهد ويقضونها في خدمة الشّعب. ولكن تكاد تكون حياتهم هذه غير مرئيّة لمعظم الناس، وخاصّة للشّباب. لذلك يجد الكثير منهم أنّ عالمنا الكنسيّ معقّد يلزمه توضيح. إنّهم يبقون بعيدين بسبب الأدوار التي نلعبها وما يرافقها من صور نمطيَّة. دعونا نعمل حتى تصير حياتنا اليوميّة، بكلّ تعابيرها، متاحة للشّباب. فالقُرب الحقيقيّ من الشّباب، ومشاركتهم المساحات والنّشاطات، تخلق الظّروف الملائمة لتواصلٍ غير مزيّف، وخالٍ من الأحكام المسبقة. بهذه الطّريقة حمل يسوع إلينا إعلان ملكوت السّماوات، وعلى هذا الطّريق يدفعنا اليوم روحه القدّوس.

حياة الجماعة

فسيفساء من الوجوه

131. تتجلّى الكنيسة المجمعيّة والإرساليّة في الوجوه الكثيرة التي تؤلّف الجماعات المحلّيّة. ففي البدء، لم يكن للكنيسة شكلٌ جامدٌ وموَّحد، ولكنّها نشأت كمجموعة من الأشخاص متنوّعين في حساسيّاتهم وأصولهم وثقافاتهم. وبهذه الطّريقة تحديدًا، بيَّنت الكنيسة أنّها تحمل في أواني الهشاشة البشريّة التي من خزفِ، كنز حياة الثّالوث الذي لا مثيل له. فالتّناغم الذي هو عطيّة الرّوح القدس، لا يلغي الفروقات بل يوَّفق بينها ليجعل منها سيمفونيّة غنيّة. ويشكّل هذا الإلتقاء بين الأشخاص المختلفين حول الإيمان الواحد، الشّرط الأساسيّ للتّجديد الرّاعوي لجماعاتنا الكنسيّة. وهو يؤثّر في إعلان الكلمة والاحتفال والخدمة، أي على المجالات الأساسيّة للرّاعويّة العاديّة. وتقول الحكمة الشعبيّة إنَّ "تعليم طفل واحد يحتاج إلى قرية": وينطبق هذا المبدأ اليوم على كلّ مجالات الخدمة الراعويّة.

الجماعة على الأرض

132. يؤثّر البناء الفعّال لجماعة متعدّدة الأوجه على الإندماج في الأرض، والانفتاح على النّسيج الاجتماعيّ، والالتقاء بالمؤسّسات المدنيّة. وحدها الجماعة المتّحدة والمتنوّعة قادرةٌ أن تعرض نفسها بشكلٍ علني، وأن تحمل نور الإنجيل إلى أوساط الحياة الاجتماعيّة التي تتحدّانا اليوم: المسألة البيئيّة، والعمل، ودعم الأسرة، والتّهميش، وتجديد العمل السّياسيّ، والتّعدّديّة الثّقافيّة والدّينيّة، والطّريق إلى العدالة والسّلام، والعالم الرّقميّ. هذا ما يحدث بالفعل في الجمعيّات والحركات الكنسيّة. ويطلب منّا الشّباب ألاّ نواجه هذه التّحدّيّات بمفردنا بل أن نتحاور مع الجميع، لا لمصلحةٍ سياسيّة رخيصة، ولكن لنساهم في الخير العام.

الكريغما والتّعليم المسيحيّ

133. إنّ الإعلان أنّ يسوع المسيح مات ثمّ قام من الموت، وكشف لنا عن الآب، وأعطانا الرّوح القدس، هو الدّعوة الجوهريّة للجماعة المسيحيّة. ودعوةُ الشّباب للتّعرّف إلى علامات محبّة الله في حياتهم واكتشاف الجماعة كمكان لقاء مع المسيح، هي جزء من هذا الإعلان. إنَّه يشكّل الأساسَ المطلوب إحياءه دومًا للتّعليم المسيحيّ للشّباب وإعطاءه صفة كريغماتيّة (البابا فرنسيس، الإرشاد الرّسولي فرح الإنجيل، 164 ). يجب المحافظة على الالتزام بتقديم برامج مستمرّة وأساسيّة يمكنها أن تدمج معًا المعرفة الحيّة بيسوع المسيح وإنجيله، والقدرة على قراءة الاختبارات الشّخصيّة في الإيمان وفي أحداث التّاريخ، والمرافقة في الصّلاة والاحتفال اللّيتورجيّ، وتعليم القراءة الرّبّيّة، ودعم الشّهادة للمحبّة، وتعزيز العدالة، مقدِّمين وبالتالي روحانيّة أصيلة للشبيبة.

إنَّ برامج التّعليم المسيحيّ تُظهرُ العلاقة الوثيقة بين الإيمان والاختبار الواقعي اليوميّ، وعالم المشاعر والعلاقات، والأفراح والخيبات التي يتمّ اختبارها في الدّراسة والعمل؛ على هذه البرامج أن تتضمّن تعليم الكنيسة الاجتماعي؛ وتنفتح على لغات الجمال والموسيقى والتّعابير الفنيّة المختلفة، وأشكال الاتّصال الرقميّ! ويجب الأخذ بعين الاعتبار، الجسد، والحياة العاطفيّة والجنس كأبعاد لا بدّ أن تُعطى اهتمامًا كبيرًا، على اعتبار أنَّه هناك تداخلٍ بين التّربية على الإيمان والتّربية على الحبّ. وباختصار، يجب أن يُفهم الإيمان على أنّه ممارسة، أي كنمط لِسَكَن العالم.

ومن الملحّ أن يتجدّد في التّعليم المسيحيّ السّعي إلى استخدام تعابير ومنهجيّات مناسبة، دون أن يغيب عن بالنا الأمر الأساسيّ، أي اللّقاء مع المسيح، الذي هو قلب التّعليم المسيحيّ. ننوّه بكتابَي التّعليم المسيحيّ للشّبيبة YouCat، وتعليم الكنيسة الإجتماعيّ للشّبيبة DoCat، وأدوات أخرى مماثلة، الذين نالوا الإعجاب والتّقدير من دون إهمال كتب التّعليم المسيحيّ الخاصّة بمختلف الهيئات الأسقفيّة. وهناك حاجة أيضاً للالتزام المتجدّد لمعلّمي التّعليم المسيحيّ، الذين غالباً ما يكونون شباباً في خدمة شبابٍ آخرين، من جيلهم تقريبًا. فمن المهمّ أن نسهر على تنشئتهم وأن نضمن أكثر، اعتراف الجماعة الكنسيّة بخدمتهم.

محوريّة اللّيتورجيّا

134. تولد حياة الجماعة ومجمعيّة الكنيسة من الاحتفال الإفخارستيّ. إنّه مكان نقل الإيمان والتّنشئة على الرّسالة، حيث يظهر جليًّا أنّ الجماعة تعيش من النّعمة وليس من عمل يديها. وبتعابير تقليد الكنيسة الشّرقيّة نجسر أن نؤكد أنّ القدّاس هو لقاء مع المخلِّص الإلهيّ الذي يبلسم جراحاتنا ويُعدّ لنا الوليمة الفصحيّة، ويرسلنا لنقوم بالعمل نفسه مع إخوتنا وأخواتنا. فلا بدّ من إعادة التأكيد بأن الالتزام بالاحتفال بالقدّاس ببساطة كلّها نُبلٌ، وبمشاركة الجماعات العلمانيّة المختلفة، يشكّل لحظة أساسيّة للتّحوّل الإرساليّ الكنسيّ. وقد أظهر الشّباب قدرتهم على تقدير الاحتفالات الأصيلة وعيشها بقوّة، حيث جمال العلامات، والوعظ الجيّد، والمشاركة الفعليَّة للجماعة تتحدّث حقًا عن الله. فعلينا بالتّالي تشجيع هذه المشاركة الفعليّة للشّباب، مع الإبقاء على الاندهاش أمام السّرّ؛ ومحاولة الاقتراب من ذوقهم الموسيقيّ والفنّيّ، مع محاولة إفهامهم بأنّ اللّيتورجيّا ليست فقط تعبيرًا عن الذّات، بل هي أيضًا عمل المسيح والكنيسة. ولمرافقة الشّباب أهميّة لمساعدتهم على اكتشاف قيمة السّجود أمام القربان كامتداد للاحتفال وكفسحة للتّأمّل والصّلاة الصّامتة.

135. لممارسة سرّ المصالحة أهميّة كبرى في مسيرة اﻹيمان. يحتاج الشّباب لأن يشعروا بأنّهم محبوبون، وأنّه غُفر لهم، وأنّهم متصالحون مع الله ومع ذاتهم. وهم يملكون شوقًا داخليًّا لاحتضان الآب الرحيم لهم. لهذا السبب من الضّروريّ على الكهنة أن يوفّروا استعداداً سخيًاّ للاحتفال بهذا السّرّ. تساعد احتفالات التّوبة الجماعيّة الشّباب على الاقتراب من سرّ الاعتراف الفرديّ وتجعل البُعد الكنسيّ للسّرّ أكثر وضوحًا.

136. في كثير من الأماكن، تلعب التّقوى الشّعبيّة دوراً هاماً لإدخال الشّباب في حياة الإيمان بطريقة عمليّة، وملموسة وفوريّة. وبالتّركيز على لغة الجسد وعلى العاطفة، تحمل التّقوى الشّعبيّة الرغبة بالعلاقة مع الله الذي يخلّص، بوساطة والدة الله والقدّيسين. والحجّ هو بالنسبة للشباب اختبار مسيرة تصبح رمزًا للحياة والكنيسة. فمن خلال التّأمّل بجمال الخلق والفنّ، وعيش الأخوّة والاتّحاد بالرّبّ في الصّلاة، تُستحدَث أفضل الظّروف للتّمييز.

كرم الخدمة

137. يستطيع الشّباب أن يُسهموا في تجديد أسلوب الجماعات الرّعويّة وأن يبنوا جماعةً أخويّة قريبةً من الفقراء. فالفقراء، والشّباب المنبوذون، والأكثرهم تألّمًا، يمكنهم أن يكونوا في أساس تجديد الجماعة الكنسيّة. على كلّ الأحوال، يجب الاعتراف بهم كمبشِّرين يساعدوننا على تحرير أنفسنا من الدّنيويّة الرّوحيّة. غالباً ما يكون الشّباب حسّاسين لبُعد الخدمة. وينشط العديد منهم في العمل التّطوّعيّ ويجدون في الخدمة الطّريق للقاء الرّبّ. وهكذا، يصبح التّفاني في خدمة الآخِرين، ممارسةً حقيقيّة للإيمان، نتعلّم فيها ذلك الحبّ المجّاني الموجود في قلب الإنجيل والذي هو أساس الحياة المسيحيّة كلّها. إنّ الفقراء، والصّغار، والمرضى، وكبار السّنّ هم جسد المسيح المتألّم، ولهذا السّبب، تصبح خدمتهم وسيلة للقاء الرّبّ ومساحة مميَّزة لتمييز الدّعوة الشّخصيّة. وفي بعض الأطر، يُطلب الانفتاح بشكلٍ خاص، على المهاجرين واللّاجئين. معهم يجب أن نعمل على استقبالهم، وحمايتهم، وتقدّمهم، واندماجهم. فالإندماج الاجتماعي للفقراء يجعل من الكنيسة بيتًا للمحبّة.

راعويّة الشّبيبة إتطلاقًا من الدّعوة

الكنيسة بيتٌ للشبيبة

138. وحدها الرّاعويّة القادرة على تجديد نفسها انطلاقًا من الاهتمام بالعلاقات وبنوعيّة الجماعة المسيحيّة ستكون ذات معنى وجذّابة للشباب. وهكذا تستطيع الكنيسة أن تقدِّم نفسها للشّباب على أنّها بيت يستقبلهم ويتميّز بجوٍّ عائليٍّ من الثّقة والطمأنينة. إنّ التّوق الشّديد إلى الأخوّة، الذي ظهر مرّات كثيرة من خلال الإصغاء للشّباب في السّينودُس، يطلب من الكنيسة أن تكون "أمًّا للجميع وبيتًا للكثيرين" (البابا فرنسيس، الإرشاد الرّسولي فرح الإنجيل، 287): للخدمة الرّاعويّة مهمّة، أن تحقِّقَ في التّاريخ الأمومة الشّاملة للكنيسة من خلال افعال حسيّة ونبويّة كاستقبال الآخر بفرح ما يجعل منها بيتًا للشّباب.

تنشيط الدعوات في العمل الراعوي

139. الدّعوة هي نقطة ارتكاز تدور حولها أبعاد الشّخص كافّة. لا يعني هذا المبدأ المؤمن كفرد، ولكن أيضاً الخدمة الرّاعويّة ككلّ. لذلك من المهمّ جداً التّوضيح أنّه في الدّعوة فقط يمكن أن تجد الخدمة الرّاعويّة بأكملها مبدأً موحِّداً، لأنّها أصلها وغايتها. ففي المسارات الحاليّة للتّحوّل الرّعويّ، ليس المطلوب تعزيز راعويّة الدّعوات كقطاع منفصل ومستقلّ، بل إتمام خدمة الكنيسة الرّاعويّة بأكملها مع عرض تنوّع الدّعوات بطريقة فعّالة. فالهدف من الخدمة الرّاعويّة، في الواقع، هو مساعدة كلّ إنسان، من خلال مسيرةٍ من التمييز، على الوصول إلى "ملء قامة المسيح" (أفسس 4: 13).

راعويّة الدّعوات للشّبيبة

140. منذ بداية رحلة السّينودُس، ظهر جليًّا أنَّ راعويّة الشّباب يجب أن تتّصف ببعد الدّعوة. بهذه الطّريقة، تظهر خاصّتان أساسيّتان للخدمة الرّاعويّة الموجّهة نحو الأجيال الشّابّة: يجب أن تكون راعويّة "للشّباب"، لأنّ المتلقِّين لها هم في عمر الشّباب؛ وعليها أن تتّصف ببُعد "الدّعوة"، لأنّ عمر الشّباب هو الفصل المميَّز للعمر الذي فيه تؤخذ خيارات الحياة والاستجابة لنداء الله. ولا يجب فهم بُعد "الدّعوة" في راعويّة الشّبيبة بطريقة حصريّة، بل مكثَّفة. فالله يدعو في جميع أعمار الحياة - من التّكوين في الرحم وحتّى الشّيخوخة - لكنّ الشّباب هو الوقت المميَّز للإصغاء، والاستعداد، وقبول إرادة الله. ويقترح السّينودُس أن يُعدَّ كل مجلس أسقفي محلي "دليلاً في راعويّة الشبيبة"، بتوجّه نحو الدّعوة، فيساعد المسؤولين الأبرشيّين والعاملين المحليّين على تحديث تنشئتهم ونشاطهم مع الشّباب ومن أجلهم.

من التقسيم إلى التوحيد

141. مع الاعتراف بضرورة التّخطيط الرعوي بحسب القطاعات لتجنّب الارتجال، عبّر آباء السّينودُس، في مناسبات عديدة، عن انزعاجهم لتجزئةٍ معيّنةٍ في الخدمة الرّاعويّة في الكنيسة. وأشاروا بشكلٍ خاص إلى الخِدمات الرّاعويّة المختلفة للشّبيبة: راعويّة الشّبيبة، والعائلة، والدّعوات، والعمل الرّاعوي في المدرسة والجامعة، والرّاعويّة الاجتماعيّة، والثّقافيّة، والخيريّة، وراعويّة الوقت الحرّ، إلخ. إنّ تكاثر المكاتب المتخصّصة للغاية والمنغلقة على ذاتها أحيانًا، لا يعطي الرّسالة المسيحيّة قيمةً مضافة. ويحتاج الشّباب، في عالم متشرذم يولِّد التّشتّت ويُضاعف الانتماءات، إلى المساعدة في توحيد حياتهم، وقراءة اختبارات الحياة اليوميّة بتعمّق وفي التّمييز. إذا كانت هذه هي الأولويّة، فمن الضّروريّ تطوير المزيد من التّنسيق والتّكامل بين مختلف المجالات بالانتقال من حالة العمل في "مكاتب" إلى العمل في "مشاريع".

العلاقة الخصبة بين الأحداث والحياة اليوميّة

142. خلال السّينودُس تمّ الحديث لأكثر من مرّة عن اليوم العالميّ للشّبيبة وعن الكثير من النّشاطات الأخرى التي تجري على المستوى القارّيّ، والوطنيّ، والأبرشيّ، إلى جانب تلك التي تنظّمها الجمعيّات، والحركات، والرّهبانيّات، والهيئات الكنسيّة الأخرى. نالت أوقات اللّقاء والمشاركة هذه التّقدير في مناطق العالم كافّة خاصّةً وأنّها توفّر فرصةً للسَّير في منطق الحجّ، ولاختبار الأخوّة مع الجميع، ولتبادل الإيمان بفرح، ولنموّ شعور الانتماء إلى الكنيسة. وبالنّسبة لكثيرٍ من الشّباب، شكّلت هذه الأوقات اختبارًا للتّجلّي، عاينوا فيها جمال وجه الرّبّ واتّخذوا خيارات مهمّة في حياتهم. وأمّا أفضل ثمار هذه الاختبارات فتُقطف في الحياة اليوميّة. ومن هنا أهمّيّة التّخطيط لهذه التّجمّعات وتنفيذها كمراحل ذات معنى في منهاج فعّال يكون أكثر شموليّة.

مراكز للشّبيبة

143. تعبّر المساحات الخاصّة التي تضعها الجماعة المسيحيّة بخدمة الشّباب، مثل صالونات الكنيسة ومراكز الشّبيبة وغيرها من الأماكن المماثلة، عن شغف الكنيسة بالتّربية. وبالرّغم من تراجع حال هذه المساحات بأشكال متنوّعة، فإنّها تظلّ إطارًا مميَّزًا حيث تصير الكنيسة بيتًا يرحّب بالمراهقين والشّباب، الذين يمكنهم اكتشاف مواهبهم ووضعها في خدمة الآخرين. إنّها تنقل تراثاً ثقافيًّا غنيًّا جدًّا، وتتشارك به على نطاقٍ واسع، دعمًا للعائلات والمجتمع المدنيّ نفسه. غير أنّه في ديناميكيّة الكنيسة "التي تخرج"، من الضّروريّ التّفكير في تجديدٍ مبدعٍ ومرنٍ لهذه الأماكن، بالانتقال من فكرة المراكز الثّابتة، حيث يمكن للشّباب أن يأتوا، إلى فكرة عناصر رعويّين في تحرّكٍ مع الشّباب ونحوهم، أي عناصر يلتقون الشّباب في أماكن حياتهم العاديّة - المدرسة والبيئة الرّقميّة، في مناطق الأطراف، وعالم الريف وعالم العمل، والتّعبير الموسيقيّ والفنّيّ، إلخ. – ممّا يولّد نوعًا جديدًا من حياة رسوليّة أكثر ديناميكيّة ونشاطًا.

الفصل الثالث: اندفاع رسولي متجدّد

بعض التّحدّيات الطّارئة

144. تستطيع الكنيسة من خلال المجمعيّة، مواجهة التحدّيات القديمة والجديدة، بجمع وتبادل المواهب بين جميع أعضائها، بدءاً من الشّباب. وبفضل أعمال السّينودُس، حدّدنا في الجزء الأول من هذه الوثيقة بعض المجالات التي يبدو فيها ضروريًّا إطلاق أو تجديد اندفاع الكنيسة في تحقيق الرّسالة التي عهد المسيح بها إليها، والتي نحاول عرضها هنا بطريقة محددّة.

الرّسالة في المجال الرّقميّ

145. تمثّل البيئة الرّقميّة تحدّيًا للكنيسة على عدّة مستويات؛ ولذلك بات من الضّروريّ تعميق المعرفة بديناميّاتها وننائجها من وجهة نظر أنثروبولوجيّة وأخلاقيّة. لا يتعلّق الأمر فقط باستعمال هذا المجال وتعزيز إمكاناته التواصليّة بغية خدمة الإعلان المسيحيّ، بل أيضًا بطبع هذه الثّقافات وديناميّاتها بالإنجيل. وبهذا الاتّجاه، بدأت بعض الاختبارات بالفعل وينبغي تشجيعها وتعميقها والتّشارك فيها. ولا يمكن للأولويّة التي يعطيها الكثيرون للصورة كوسيلة تواصل إلاّ أن تجعلنا نسأل عن الطّرق المناسبة لنقل إيماننا القائم على الإصغاء إلى كلمة الله وقراءة الكتب المقدّسة. يجد الشّباب المسيحيّون، في العالم الرّقميّ، وهم يولدون بالفطرة رقميّين مثل أقرانهم، رسالةً حقيقيّة يقوم بها العديد من بينهم بالفعل. ومع ذلك، فإنّهم يطلبون المرافقة في تمييز الطّرق التي تحمل الحياة في بيئة جِدُّ رقميّة، ليتمكّنوا من اغتنام الفرص وتجنّب المخاطر.

146. يأمل السّينودُس أن تُنشأ في الكنيسة، وعلى المستويات المناسبة، مكاتب خاصّة أو أجهزة تُعنى بالثّقافة الرّقميّة والتّبشير، والتي، مع مساهمة الشّباب التي لا غنى عنها، تُعزِّز العمل والتّفكير الكنسيَّين في هذه المجال. بالإضافة إلى تشجيع تبادل ونشر التّقاليد الجيّدة على المستوى الشّخصيّ والجماعيّ، وتطوير أدوات مناسبة للتّربية الرّقميّة والتّبشير بالإنجيل، ويمكن أن تُناط أيضًا بهذه المكاتب التّصديق على المواقع الكاثوليكيّة، لمواجهة انتشار الأخبار الخاطئة المتعلّقة بالكنيسة، والبحث عن الوسائل للضّغط على السّلطات العامّة لدعم سياسات وفرض أدوات أكثر صرامة تهدف إلى حماية القاصرين على الانترنت.

مهاجرون: لهدم الجدران وبناء الجسور

147. كثيرون هم المهاجرون الشّباب. إنّ الانتشار العالميّ للكنيسة يوفّر لها فرصةً كبيرة لتفعيل الحوار الذي يجمع بين الجماعات التي يغادر المهاجرون منها وتلك التي يصلون إليها، ممّا يساهم في التغلّب على المخاوف وعدم الثقة، وتعزيز الروابط التي يمكن أن تنهار بفعل الهجرة. والكلمات الأربع التي يلخّص بها البابا البابا فرنسيس خطوط العمل لصالح المهاجرين هي كلمات سينودُسيّة، وهي "استقبالهم، وحمايتهم، تقدّمهم، ودمجهم". ويتطلّب تطبيقها عملًا كنسيًّا على المستويات كافّة ويشمل جميع أعضاء الجماعات المسيحيّة. أمّا المهاجرون المرافَقون كما يجب، فسيغنون روحيًّا وراعويًّا وتبشيريًّا الجماعات التي تستقبلهم. ويكتسب الالتزام الثقافي والسياسي أهميّة خاصّة، لذلك يجب تفعيله بواسطة هيكليّات مناسبة، لمكافحة انتشار الخوف من الأجانب، والعنصريّة، ورفض المهاجرين. وتشكّل موارد الكنيسة الكاثوليكيّة عنصرًا حيويًّا في مكافحة الاتّجار بالبشر، كما هو واضح في عمل العديد من الرّاهبات. إنّ دور مجموعة سانتا مارتا Santa Marta Group ، الذي يجمع بين القيادات الرّوحيّة والقوى الأمنيّة، هو أساسي وهو خبرة جيّدة يمكن الاستفادة منها. ولا يجب إهمال الجهود الرّامية إلى ضمان الحقّ الفعليّ في البقاء في الوطن للأشخاص الذين لا يرغبون في الهجرة ولكنّهم يُجبرون عليها، أو اهمال دعم الجماعات المسيحيّة التي تهدّدها الهجرة بالفراغ.

النّساء في الكنيسة المجمعيّة

148. لا يمكن للكنيسة التي تسعى إلى عيش المجمعيّة إلاّ أن تفكّر في وضع المرأة ودورها فيها، وبالتالي في المجتمع أيضًا. فالشبّان والشّابّات يطلبون هذا باندفاع كبير. يجب وضع الأفكار التي طُرحت موضع التّنفيذ من خلال فعل تحوّل ثقافيّ شجاع، وتعديلات في الممارسات الرّعويّة اليوميّة. ويُعتبر وجود النّساء في الهيئات الكنسيّة على جميع المستويات، حتّى في وظائف المسؤوليّة، مجالاً ذا أهميّة خاصّة في هذا الّصدد، كما ومشاركة المرأة في عمليّات صنع القرار في الكنيسة مع احترام دور الكهنوت الخِدَمي. فالمسألة هي مسألة عدالة، وهي تستلهم طريقة تعامل يسوع مع رجال ونساء عصره، ودور بعض الشّخصيّات النّسائيّة المهمّ في الكتاب المقدّس، في تاريخ الخلاص وفي حياة الكنيسة.

الجنس: كلمة واضحة، حرّة وصادقة

149. تناضل الكنيسة، في الإطار الثّقافيّ الحاليّ، لنشر جمال الرّؤية المسيحيّة للجسد والجنس، كما تظهر في الكتاب المقدس، والتّقليد، وتعاليم الباباوات الأخيرة. لذلك، تبرز الحاجة الملحّة إلى البحث عن أساليب ملائمة أكثر، تُتَرجَم بشكلٍ ملموس في إعداد مناهج متجدّدة للتّنشئة. ومن الضّروريّ تقديم أنثروبولوجيا عاطفيّة وجنسيّة للشّباب تكون قادرة على إظهار القيمة الصّحيحة للعفّة، كاشفة بحكمة تربويّة وعلميّة المعنى الأصيل لنموّ الشّخص، في حالات الحياة كافّة. المطلوب هو التّركيز على الإصغاء المتعاطف، والمرافقة، والتّمييز، بحسب توجيهات تعليم الكنيسة الحديث. ولهذا السّبب، يُعتبر الاهتمام بتنشئة الناشطين الراعويّين الذين يتمتّعون بالمصداقيّة أمرًا ضروريًّا، بدءًا من إنضاج أبعادهم العاطفيّة والجنسيّة الشّخصيّة.

150. وهناك مسائل تتعلّق بالجسد، والحياة العاطفيّة والجنسيّة تحتاج إلى تعميق أنثروبولوجيّ، وﻻهوتيّ، وراعويّ. وهذا التّعميق يجب أن يتمّ بالطّرق المناسبة وعلى المستويات الملائمة (من المحلّي إلى العالمي). ومن بين هذه المسائل تظهر بشكلٍ خاص، تلك المتعلّقة بالتّمايز والانسجام بين الهويّة الذكوريّة والأنثويّة، والميول الجنسيّة. وفي هذا الصّدد، يؤكّد السّينودُس أنّ الله يحبّ كلّ شخص وكذلك تفعل الكنيسة، ويجدّد موقفه ضدّ أيّ تمييز وعنف على أساس الجنس. ويؤكّد كذلك على الاختلاف والتّكامل الأنثروبولوجيّ المهمّ بين الرجل والمرأة، ويرى في تحديد هويّة الأشخاص إنطلاقًا فقط من "توجّههم الجنسيّ" نوعًا من الاختزال لهم (مجمع عقيدة الإيمان، رسالة إلى أساقفة الكنيسة الكاثوليكيّة حول الخدمة الراعويّة للأشخاص المثليّين، 1 تشرين الأوّل 1986، 16). وفي العديد من الجماعات المسيحيّة هناك بالفعل، مسيرات مرافقة للأشخاص المثليّين في إيمانهم. ويوصي السّينودُس بتشجيع هذا النهج لأنَّ به تتمّ مساعدة الناس على قراءة قصّتهم الخاصّة، والالتزام بحريّة ومسؤوليّة بدعوة المعموديّة الخاصة بهم، وإدراك رغبتهم في الانتماء والمساهمة في حياة الجماعة، وتمييز أفضل الطرق لتحقيق ذلك. وبهذه الطريقة نساعد كلّ شاب، دون استبعاد أحد، على دمج البُعد الجنسي في شخصيّته بشكلٍ أفضل، فينمو في نوعيّة علاقاته ويسير نحو بذل ذاته.

الاقتصاد، السياسة، العمل، البيت المشترك

151. تلتزم الكنيسة تعزيز الحياة الاجتماعيّة والاقتصاديّة والسّياسيّة بإسم العدالة والتّضامن والسّلام، وتلتقي بهذا الأمر مع رغبة الشّباب الشّديدة. ويتطلّب هذا الالتزام الشّجاعة من قِبل الكنيسة لتكون صوت الذين لا صوت لهم أمام قادة العالم، بشجب الفساد، والحروب، وتجارة الأسلحة، والاتّجار بالمخدّرات، واستغلال الموارد الطبيعيّة، وبدعوة المسؤولين عن هذه الأمور إلى التّوبة. وفي نظرة متكاملة، لا يمكن فصل هذا الالتزام عن السّعي إلى إدراج الأشخاص الأكثر بؤسًا في مسارات لا تسمح لهم فقط بتلبية احتياجاتهم الخاصّة، بل بالمساهمة في بناء المجتمع أيضًا.

152. يدرك السّينودُس أنّ "العمل هو بُعدٌ أساسيّ لحياة الإنسان على الأرض" (القدّيس يوحنا بولس الثّاني، الرّسالة العامّة مزاولة العمل، 4) وأنّ عدم توّفره أمر مُهين للكثير من الشّباب، لذلك يوصي الكنائسَ المحليّة بتعزيز ومرافقة عمليّة دمج الشّباب في هذا العالم، وخاصّة من خلال دعم مبادرات تخلق فرص عمل للشّباب. تنتشر خبرات عديدة بهذا المعنى في العديد من الكنائس المحليّة ويجب دعمها وتعزيزها.

153. يرتبط تعزيز العدالة بإدارة ممتلكات الكنيسة أيضًا. فالشّباب يشعرون أنّهم في بيتهم حين يكونون في كنيسة تعيش القضايا الاقتصاديّة والماليّة بشفافيّة واستقامة. ويُعتبر اتّخاذ خيارات شجاعة تتعلّق بالتّنمية المستدامة، كما أشارت إليها الرّسالة العامّة "كن مسبَّحًا"، أمرًا ضروريًّا، لأنّ عدم احترام البيئة يولّد فقراً جديداً، يكون الشّباب أوّل ضحاياه. والأنظمة يمكن أن تتغيَّر لإظهار إمكانيّة عيش البُعد الاقتصاديّ والماليّ بطريقة مختلفة. يدفع الشّباب بالكنيسة لتكون نبويّة في هذا المجال، ليس فقط بالكلام ولكن قبل كلّ شيء بخيارات تُظهر أنّ الاقتصاد المتآلف مع الإنسان والبيئة ممكنٌ. نحن والشّبيبة نستطيع معًا تحقيق هذا الأمر.

154. أمّا في ما يتعلّق بالقضايا البيئيّة، فمن المهمّ تقديم مبادئ توجيهيّة للتّنفيذ الواقعيّ لـ "كن مسبَّحًا" في ممارسات الكنيسة. شدّدت العديد من المداخلات على أهميّة تنشئة الشّباب على الالتزام الاجتماعي -السياسي وعلى تعليم الكنيسة الاجتماعيّ، الذي هو مرجع مهمّ في هذا المجال. ويجب دعم الشّباب المنخرطين في السّياسة وتشجيعهم على العمل من أجل تغييرٍ حقيقيٍّ في البُنى الاجتماعيّة الجائرة.

في البيئات المتعدّدة الثّقافات والديانات

155. يتنامى واقع التعدّديّة الثّقافيّة والدينيّة في حياة الشّباب الاجتماعيّة. ويقدّم الشّباب المسيحيّون شهادة جميلة عن الإنجيل عندما يعيشون إيمانهم بطريقةٍ تُحوِّل حياتهم وأعمالهم اليوميّة. إنّهم مدعوّون إلى الإنفتاح على شبيبة تنتمي إلى تقاليد دينيّة وروحيّة مختلفة، والحفاظ على علاقات حقيقيّة معهم تعزّز المعرفة المتبادلة وتشفي من الأفكار المسبقة والصّوَر المغلوطة. إنّهم يشكّلون على هذا النّحو روّاد شكلٍ جديدٍ من الحوار بين الأديان وبين الثّقافات، ممّا يساعد على تحرير مجتمعاتنا من الإقصاء والتطرّف والأصوليّة وحتّى استغلال الدين لأغراض تعصّبيّة أو شعبويّة. بشهادتهم للإنجيل، يصبح هؤلاء الشّباب مع أقرانهم بناة لمواطنة تتضمَّن التنوّع، ولالتزام ديني مسؤول اجتماعيًّا ومروّجٍ للرّابط الاجتماعيّ وللسّلام.
وفي الآونة الأخيرة، وبناءً على اقتراحات الشّباب، تمّ إطلاق مبادرات تتيح الفرصة أمام اختبار التّعايش بين أشخاص ينتمون إلى أديان وثقافات مختلفة، حتّى يكون الجميع فاعلين في التزامٍ مشترك في المجتمع، في جوٍّ من التّعايش والاحترام المتبادل لديانة كلٍّ منهم.

الشّبيبة من أجل الحوار المسكوني

156. في ما يتعلّق بمسار المصالحة بين جميع المسيحيّين، يشعر السّينودُس بالامتنان لرغبة كثير من الشّباب في تقوية الوحدة بين الكنائس المسيحيّة المنفصلة. فمن خلال التزامهم بهذا الطّريق، يعمّق الشّباب في كثير من الأحيان جذور إيمانهم ويختبرون انفتاحًا حقيقيًا يمكن للآخرين أن يقدّموه. إنّهم يشعرون أنّ المسيح يجمعنا بالفعل، حتّى لو بقيت بعض الاختلافات. وكما أكّد البابا البابا فرنسيس بمناسبة الزيارة إلى البطريرك برثلماوس في سنة 2014، فإنّ الشّباب "هم الذين يحثّوننا اليوم على اتّخاذ خطوات نحو الشّركة الكاملة، ليس لأنّهم يجهلون معنى الاختلافات التي لا تزال تفصلنا، ولكن لأنّهم يستطيعون النظر إلى أبعد، فهم قادرون على فهم الأساسيّ الذي يوحّدنا" (البابا فرنسيس، مداخلة بمناسبة القدّاس الإلهي، الكنيسة مار جرجس البطريركيّة، إسطنبول ، 30 تشرين الثّاني 2014).

الفصل الرابع: التّنشئة المتكاملة

واقعيّة، تعقيد وتكامل

157. يتميّز الوضع الحاليّ بالتّعقيد المتنامي في الظّواهر الاجتماعيّة والخبرات الفرديّة. ففي الحياة الواقعيّة، تؤثّر التّغيّرات الجارية بعضها على بعض ولا يمكن معالجتها بنظرة انتقائيّة. ففي الواقع كلّ شيء يترابط بعضه ببعض: الحياة العائليّة بالالتزام المهنيّ، واستخدام التّقنيّات بطريقة اختبار الجماعة، والدّفاع عن الجنين بالدّفاع عن اللّاجئ. وواقع الوجود يحدّثنا عن رؤيةٍ أنثروبولوجيّةٍ للإنسان باعتباره كلّاً، وعن نمطٍ للمعرفة لا يفرِّق الرّوابط بل يجمع بينها، إنسانٍ يتعلّم من الاختبارات بعد إعادة قراءتها على ضوء الكلمة، ويستلهم من الشّهادات الحيّة أكثر منه من النّماذج المجرّدة. هذا كلَّه يتطلّب نهجًا جديدًا للتّنشئة يهدف إلى خلق تكاملٍ في وجهات النّظر، ويجعل المرء قادرًا على فهم تشابك القضايا، ويوحّد أبعاد الشّخص المتعدّدة. وتنسجم هذا الرّؤية تمامًا مع النّظرة المسيحيّة التي ترى في تجسّد الابن اللّقاء الذي لا انفصال فيه ما بين الإلهيّ والإنسانيّ وما بين الأرض والسّماء.

التّربية، المدرسة والجامعة

158. شدّد آباء السّينودُس على الدّور الحاسم والذي لا غنى عنه للتّنشئة المهنيّة، وللمدرسة، والجامعة، لأنّه في هذه الأماكن يقضي معظم الشّباب القسم الأكبر من وقتهم. وفي عدّة أماكن من العالم، يشكّل التّعليم الأساسي الهمّ الأوّل والأهمّ الذي يشكوه الشّباب أمام الكنيسة. لذلك بات من الضّروريّ أن تعبِّر الجماعة المسيحيّة بشكل فصيح عن وجودها في هذه البيئات مع معلِّمين مؤهَّلين، ومرشدين بارعين، والتزام ثقافيّ ملائم. تستحقّ المؤسّسات التّربويّة الكاثوليكيّة تفكيرًا خاصًا لأنّها تعبِّر عن اهتمام الكنيسة بتنشئة الشّباب المتكاملة. فإنّها مساحات قيّمة يلتقي فيها الإنجيل مع ثقافة شعب، ولتطوير الأبحاث. ندعو هذه المؤسّسات إلى اقتراح نموذج للتّنشئة يكون قادرًا على خلق حوار ما بين الإيمان، وقضايا العالم المعاصر، ووجهات النظر الأنثروبولوجيّة المختلفة، وتحديّات العلم والتّكنولوجيا، وتغّير التّقاليد الاجتماعيّة، والالتزام بالعدل. وينبغي أن تُعنى هذه الأماكن، بتشجيع الرّوح الخلاّقة لدى الشّباب في مجالات العلوم والفنون، والشّعر والأدب، والموسيقى والرّياضة، والعالم الرّقميّ ووسائل الإعلام، إلخ. وبهذه الطّريقة سيتمكّن الشّباب من اكتشاف مواهبهم ومن ثمّ وضعها بتصرّف المجتمع من أجل خير الجميع.

إعداد منشّئين جدد

159. لقد اقترح الدّستور الرّسوليّ الصّادر مؤخَّرًا "فرح الحقيقة" Veritatis gaudium حول الجامعات والكليّات الكنسيّة عدّة معاييرٍ أساسيّة لمشروع تدريبيّ يكون قادرًا على مواجهة تحدّيات زماننا. ومن هذه المعايير نذكر التّأمّل الرّوحيّ، والفكريّ، والوجوديّ لإعلان الإيمان (الكريغما)، والحوار الشّامل، ودراسة تعقيدات العالم اليوم والتي يجب أن تتمّ بحكمة وإبداع، والحاجة الملحّة لتكوين شبكة تواصل (راجع الدّستور الرّسوليّ فرح الحقيقة، 4، د). يمكن لهذه المبادئ أن تلهم كلَّ الأوساط التّعليميّة والتّدريبيّة، وتبنيها سيفيد إعداد المربّين الجدد، إذ تساعدهم في الانفتاح على رؤية حكميّة قادرةٍ على دمج الخبرة بالحقيقة. وتلعب الجامعات الحبريّة ومراكز الدّراسات دورًا أساسيًّا على المستوى العالميّ والقارّيّ والوطنيّ. إنّ التّحقّق الدوري من الجودة، والكفاءة العالية، والتّجديد المستمرّ لهذه المؤسّسات هو استثمار استراتيجيٌّ كبير لصالح الشّباب والكنيسة بأجمعها.

إعداد تلاميذ رسل

160. أصرّ السّينودُس على الرّغبة المتنامية في السّماح للشّباب بلعب دور ما وإفساح المجال أمامهم للقيام به. من الواضح أنّ رسالة الشّباب مع اقرانهم لا يمكن أن تكون إرتجاليّة، بل يجب أن تكون نتيجةً لعمليّة إعداد جديّة وكافية. فكيف ترافق الكنيسة هذه العمليّة؟ كيف يمكن تقديم أدوات أفضل للشّباب ليكونوا شهودًا حقيقيّين للإنجيل؟ تلتقي هذه المسألة أيضًا مع رغبة العديد من الشّباب في معرفة المزيد عن عقيدتهم: اكتشاف جذورهم البيبليّة، فهم التّطوّر التّاريخي للإيمان، ومعنى العقائد، وغنى اللّيتورجيّا. وهذا الإعداد يجعل الشّباب يفكّرون في القضايا الحاليّة التي تشكّل امتحانًا للإيمان، ويكونون قادرين على شرح سبب الرّجاء الذي يسكن فيهم (راجع 1 بك 3: 15). لهذا السّبب، يقترح السّينودُس تعزيز خبرات الرّسالة الشّبابيّة من خلال إنشاء مراكز تدريب على التّبشير خاصّة بالشّبيبة والأزواج الشّباب الذين يقومون بخبرة متكاملة تنتهي بالإرسال. وهناك بالفعل مبادرات من هذا النّوع في مناطق مختلفة، ويُطلب من كلّ مجلس أسقفي دراسة إمكانيّة إنشاء هكذا مراكز في مناطقهم المختلفة.

وقت للمرافقة على التّمييز

161. كثيرًا ما علا في قاعة السّينودُس نداء ملحّ للاستثمار بسخاء في: الشّغف التّربوي، والوقت الطّويل، والموارد الماليّة. فانطلاقًا من المشاركات والرّغبات التي برزت أثناء المناقشات المجمعيَّة، بالإضافة إلى الإصغاء إلى الخبرات الممتازة التي تُعاش في هذا المجال، يقترح السّينودُس باقتناع، على الكنائس الخاصّة كافّة، والجماعات الرّهبانيّة، والحركات، والجمعيّات، وغيرها من الهيئات الكنسيّة أن تقدّم للشباب المرافقة بهدف التّمييز. وهذه التّجربة – التي تتحدّد مدّتها بحسب الأطر والفُرص - يمكن وصفها بأنّها وقت مكرَّس لإنضاج الحياة المسيحيّة عند البالغين. وينبغي أن توفّر هذه الخبرة انفصالاً طويلاً عن البيئة وعن العلاقات المعتادة، وأن تُبنى على ثلاث ركائز أساسيّة على الأقلّ: الأولى، إختبار للحياة الأخويّة المشتركة مع مربّين بالغين، تكون مركزيّة، ورصينة، ومحترِمة للبيت المشترك. الثّانية، نموذج رسوليّ قويّ وذات معنى للعيش معًا؛ الثّالثة، روحانيّة متجذّرة في الصّلاة والحياة الأسراريّة. وفي هذه الرّكائز الثّلاث نجد كلّ المكوّنات الضّروريّة لتستطيع الكنيسة أن تعرض على الشّباب الذين يرغبون، اختبارًا عميقًا لتمييز دعوتهم.

المرافقة للزواج

162. ينبغي التّذكير بأهميَّة مرافقة الثّنائيّ في مرحلة الإعداد للزّواج، مع الأخذ بعين الاعتبار أنّ هذا الإعداد يمكن أن يتمّ بطرق عدّة. وهذا ما يؤكّده الإرشاد الرّسوليّ فرح الحبّ Amoris laetitia، 207، بهذا الشّأن حين يقول: "ليس الأمر مسألة إعطائهم التّعليم المسيحيّ بأكمله، ولا إتعابهم بالكثير من الحجج. [...] بل هو نوع من "تنشئة" على سرّ الزواج، تزوِّد بالعناصر الضّروريّة ليتمكّن الشّريكان من قبول السّرّ بأفضل الاستعدادات ويبدآن حياةً عائليّةً متينةً". ومن المهمّ الاستمرار في مرافقة العائلات الشّابّة، لا سيّما في السنوات الأولى من الزّواج، الأمر الذي يساعدها على أن تصبح جزءًا فاعلاً من الجماعة المسيحيّة.

تنشئة الإكليريكيّين والمكرَّسين والمكرَّسات

163. إنّ مهمّة الكنيسة بالتّنشئة المتكاملة للمرشَّحين إلى سرّ الكهنوت والحياة المكرَّسة الرّجاليّة والنّسائيّة لا تزال تشكلّ تحدّيًا كبيرًا لها. ويجب التّذكير بأهميّة التّنشئة الثّقافيّة واللّاهوتيّة المتينة للمكرَّسات والمكرَّسين. أمّا بالنّسبة للإكليريكيّات، فالمهمّة الأولى الطبيعيّة هي تبنّي الشّرعة التّأسيسيّة للتّنشئة الكهنوتيّة Ratio fundamentalis institutionis sacerdotalis وتنفيذها. وقد ظهرت أثناء السّينودُس نواحٍ هامّة من المؤاتي ذكرها. أوّلًا، اختيار المنشِّئين: لا يكفي أن يكونوا مثقّفين، بل يجب أن يكونوا قادرين على بناء علاقات أخويّة، وأن يُصغوا بعطفٍ، وأن يكونوا أحرارًا في الدّاخل. ﺛﺎﻧﯾﺎً، وبغية مرافقة ﺳﻟﯾﻣﺔ، من الضّروريّ أن تُنشأ فرقٌ تربويّة متنوّعة ومؤهّلة تتضمّن وجوهًا نسائيّة وتقوم بعمل جدّيّ. إنّ إنشاء هذه الفِرق التّربويّة التي تتفاعل فيها الدّعوات المختلفة هو شكلٌ مصغّر ولكن قيّم من أشكال المجمعيّة في الكنيسة، وله تأثيره على ذهنيَّة الشّباب في تنشئتهم الأولى. ثالثًا، يجب أن تهدف التّنشئة إلى تطوير قدرة الكهنة المستقبليّين والمكرّسين على ممارسة دورهم كمرشدين مؤهّلين ومن دون تسلّط، وبتعليم المرشّحين الشّباب بذل ذاتهم لصالح الجماعة. وينبغي إيلاء اهتمامٍ خاص لبعض معايير التّنشئة، كمثل تخطّي النّزعة إلى الإكليروسيّة، والقدرة على العمل في فِرق، ومحبّة الفقراء، وشفافيّة الحياة، والرّغبة في المرافقة. رابعًا، إنّ جديّة التّمييز الأوّلي أمرٌ أساسيّ، لأنّ أحيانًا كثيرة، يُقبل الشّباب في الإكليريكيّات أو في بيوت التّنشئة دون معرفتهم بشكلٍ كافٍ ودون إعادة قراءة تاريخهم بشكلٍ معمّق. وهذه القضيّة تصبح حسّاسة لا سيّما في حالة الطلاّب "الإكليريكيّين المتجوِّلين" errants، فعدم الاستقرار العلائقيّ والعاطفيّ، وغياب التّجذّر الكنسيّ يشكِّلان إشارات خطرة. وإهمال التّشريع الكنسيّ في هذا المجال يُعتبر سلوكًا غير مسؤول، قد يكون له نتائج وخيمة على الجماعة المسيحيّة. والنّقطة الخامسة تتعلّق بأهميّة عدد أفراد جماعات التّنشئة. ففي الجماعات الكبيرة جدًا هناك خطر أن يتبدَّد البعد الشّخصيّ للتّنشئة وأن تصير معرفة الأشخاص من قِبل المنشَّئين غير مناسبة، في حين يُحتمل أن تصير جماعات التّنشئة القليلة العدد خانقةً للمنشَّئين وقد ينمو فيها منطق التبعيّة. في هذه الحالات من الأفضل إنشاء إكليريكيّات مشتركة بين الأبرشيّات أو بيوت تنشئة مشتركة بين العديد من المناطق، مع وضع برامج تنشئة واضحة ومسؤوليّات محدَّدة.

164. يقدّم السّينودُس ثلاثة اقتراحات لتعزيز التجدّد.

يتعلّق الاقتراح الأوّل بالتّنشئة المشتركة بين العلمانيّين والمكرَّسين والكهنة. فمن المهمّ إبقاء الشّبّان والشّابّات في طور التّنشئة، باتّصال دائم بالحياة اليوميّة للعائلات والجماعات، مع الانتباه لضرورة وجود وجوه نسائيّة وأزواج مسيحيّين في هذه التّنشئة، وأن تتجذّر في الحياة الواقعيّة وتتميّز بِسِمة علائقيّة قادرة على التّفاعل مع الإطار الاجتماعيّ والثقافيّ. أمّا الاقتراح الثّاني فينطوي على إدراج عناصر تتعلّق براعويّة الشّباب ضمن المناهج الإعداديّة للكهنوت المقدّس والحياة المكرَّسة، من خلال دورات تدريبيّة هادفة واختبارات حيّة في الحياة الرّسوليّة والتّبشير. يطالب الاقتراح الثّالث، بتمييزٍ حقيقيٍّ للأشخاص والأوضاع وفقًا لرؤية وروح الشّرعة التّأسيسيّة للتّنشئة الكهنوتيّة Ratio fundamentalis institutionis sacerdotalis، وبالتّحقّق من برنامج التّنشئة بِبابَيه الاختباريّ والجماعيّ. وهذا الأمر ينطبق بشكلٍ خاص على المرحلة الأخيرة من مسيرة التّنشئة التي تنطوي على الانخراط التّدريجيّ في المسؤوليّة الرّعويّة. أمّا الصّيَغ والأشكال فيعود إقرارها إلى المجالس الأسقفيّة في كلّ بلد على حدة، من خلال شرعتها الوطنيّة.

الخاتمة: مدعوّون إلى القداسة

165. تلتقي الدّعوات على تنوّعها في الدّعوة الواحدة والشّاملة إلى القداسة، والتي في النّهاية لا يمكن إلّا أن تكون تتويجًا لنداء فرح الحبّ الذي يتردّد صداه في قلب كلّ شاب وصبيّة. وفي الواقع، وإنطلاقًا من الدّعوة الواحدة إلى القداسة، تكتسب أشكال الحياة المختلفة قيمة، ونحن نعلم أنّ الله "يريدنا أن نكون قدّيسين، وينتظر منّا ألاّ نرضى بحياةٍ سخيفة، وخفيفة، ومتقلّبة" (البابا فرنسيس، الإرشاد الرّسوليّ إفرحوا وابتهجوا، 1). تجد القداسة مصدرها الذي لا ينضب في الآب، الذي بروحه يرسل الينا يسوع، "قدّوس الله (مر 24:2) الذي يأتي ليجعلنا قدّيسين من خلال الصّداقة معه التي تُدخل الفرح والسّلام إلى حياتنا. إنّ إيجاد العلاقة الحيّة مع حضور يسوع الفَرِح في راعويّة الكنيسة العاديّة، هو الشّرط الأساسيّ لكلّ تجدّد.

إيقاظ العالم بالقداسة

166. لكي يحقّ لنا أن ندعو الشّباب ليكونوا قدّيسين يجب علينا نحن أوّلاً أن نعيش بالقداسة. ناشد الشّباب الكنيسة بصوتٍ عالٍ لتكون أصيلة، ومشرقة، وشفّافة، وفرِحة. وحدها كنيسة القدّيسين يمكنها أن ترقى إلى مستوى هذه الطّلَبات! لقد ترك الكثير من الشّباب الكنيسة لأنّهم لم يجدوا فيها قداسةً، بل سطحيّةً، وادّعاءً، وانقساماتٍ وفسادًا. وللأسف، إنّ العالم يشعر بالإهانة من تعدّيات بعض الأشخاص في الكنيسة، بدلاً من الحياة بسبب قداسة أعضائها. لهذا السبب بات على الكنيسة بكليّتها أن تُحدث تغيّراً حاسماً وفوريّاً وجذريّاً في نظرتها للأمور! ويحتاج الشّباب إلى قدّيسين ينَشّئون قدّيسين آخرين، مظهرين بالتالي أنّ "القداسة هي أجمل وجه للكنيسة" (البابا فرنسيس، الإرشاد الرسولي إفرحوا وابتهجوا، 9). هناك لغة يستطيع جميع الرّجال والنّساء من كلّ زمان ومكان وثقافة فهمها، لأنّها فوريّة ومضيئة: إنّها لغة القداسة.

مشدودون بقداسة الشّباب

167. لقد كان واضحًا منذ بداية مسيرة السّينودُس أنّ الشّباب هم جزء لا يتجزّأ من الكنيسة. وبالتّالي فقداستهم هي أيضًا كذلك، وقد أنتجت في العقود الأخيرة ازدهارًا متعدّد الأشكال في أنحاء العالم كافّة. وتأثرنا خلال السينودس لمّا فكرنا وتأملنا بشجاعة الكثير من الشّباب الذين ضحّوا بحياتهم لكي يبقوا أمينين للإنجيل. ولقد كان الإصغاء إلى شهادات الشّباب الحاضرين في السّينودُس والذين اختاروا في قلب الاضطهادات أن يشاركوا الرّبّ يسوع في آلامه عاملاً مجدِّدا لنا. فمن خلال قداسة الشّباب تستطيع الكنيسة تجديد حرارتها الرّوحيّة واندفاعها الرّسوليّ. ويمكن لبلسم القداسة المتولّد من الحياة الصالحة للكثير من الشّباب أن يشفي جراحات الكنيسة والعالم، ممّا يعيدنا إلى كمال الحبّ الذي دعينا إليه منذ الأزل. بهذا المعنى، يحثّنا الشّباب القدّيسون على العودة إلى حبّنا الأول (راجع رؤ 4:2).

علق عن طريق الفيس بوك علق عن طريق الموقع

التعليقات

أرسل تعليقا

لن يظهر للقراء