: يسوع المسيح يكشف عن وجه الله الثالوث

  • strict warning: Declaration of views_handler_field::query() should be compatible with views_handler::query($group_by = false) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/handlers/views_handler_field.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of content_handler_field::element_type() should be compatible with views_handler_field::element_type($none_supported = false, $default_empty = false, $inline = false) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/cck/includes/views/handlers/content_handler_field.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_handler_sort::options_validate() should be compatible with views_handler::options_validate($form, &$form_state) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/handlers/views_handler_sort.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_handler_sort::options_submit() should be compatible with views_handler::options_submit($form, &$form_state) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/handlers/views_handler_sort.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_handler_sort::query() should be compatible with views_handler::query($group_by = false) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/handlers/views_handler_sort.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_handler_filter::options_validate() should be compatible with views_handler::options_validate($form, &$form_state) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/handlers/views_handler_filter.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_handler_filter::query() should be compatible with views_handler::query($group_by = false) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/handlers/views_handler_filter.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_plugin_query::options_submit() should be compatible with views_plugin::options_submit($form, &$form_state) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/plugins/views_plugin_query.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_plugin_style_default::options() should be compatible with views_object::options() in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/plugins/views_plugin_style_default.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_plugin_row::options_validate() should be compatible with views_plugin::options_validate(&$form, &$form_state) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/plugins/views_plugin_row.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_handler_field_user::init() should be compatible with views_handler_field::init(&$view, $options) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/modules/user/views_handler_field_user.inc on line 0.

: يسوع المسيح يكشف عن وجه الله الثالوث

الأب د. لويس حزبون
2019/06/22

تحتفل الكنيسة بعيد الثالوث الأقدس التي اوصت الكنيسة بإقامته عام 1263 في يوم الاحد الذي يلي العنصرة. ويكشف انجيل يوحنا عن وجه الله، الثالوث الاقدس: إله واحد بكلمته وروحه (يوحنا 16: 12-15). ومن هذا المنطلق لا بعني سر الثالوث أننا نؤمن بوجود ثلاثة آلهة بل أن الله واحد، أي أنه موجود بذاته، وله كلمة، وله روح "، وهي العقيدة المسيحية الأساسية حيث يبدأ المسيحيون وينهوا معظم صلواتهم وبعض أعماله، "باسم الآب والابن والروح القدس الاله الواحد آمين؛ ومن هنا تكمن اهمية البحث في وقائع النص وتطبيقاته.

12 لا يَزالُ عِنْدي أَشْياءُ كثيرةٌ أَقولُها لَكم ولكِنَّكُم لا تُطيقونَ الآنَ حَملَها

تشير عبارة "أَشْياءُ كثيرةٌ" الى الأشياء التي لم يقلها يسوع، وإن كان قد أخبرهم بكل شيء "لأَنِّي أَطلَعتُكم على كُلِّ ما سَمِعتُه مِن أَبي" (يوحنا 15: 15)، بل يترك للروح القدس الذي يتابع تعليم الرسل في التعمق في إدراك معنى كلام يسوع وتعليمه في شان الخلاص. أمَّا عبارة " لا تُطيقونَ الآنَ حَملَها" فتشير الى عدم مقدرة التلاميذ تحمُّل فكرة موت يسوع وتمجيده، حيث إنهم بحاجة الى عطية الروح القدس لمواكبة تعليم أمور الايمان تدريجياً. ويُعلق القديس هيلاريوس الاسقف "فإنّنا في ضعفِنا لا نقدرُ أن نفهمَ لا الآبَ ولا الابنَ. فيأتي الروحُ القدسُ لينيرَ إيمانَنا، وبوساطتِه نُدرِكُ سرَّ تجسُّدِ اللهِ الذي يصعُبُ فهمُه". أمَّا عبارة " الآنَ " فتشير الى فترة التي سبقت ارسال الروح القدس الى التلاميذ وشهادته للمسيح وشرح أسراره كما جاء في تعليم بولس الرسول "كَيْفَ أُطلِعتُ عَلى السِّرِّ بِوَحْيٍ كَما كَتَبتُه إِلَيكم بإِيجازٍ مِن قَبْلُ. فَتَستَطيعونَ، إِذا ما قَرَأتُم ذلك، أَن تُدرِكوا تَفَهُّمي سِرَّ المسيح، هذا السِّرَّ الَّذي لم يُطْلَعْ علَيه بَنو البَشَرِ في القُرونِ الماضِية وكُشِفَ الآن في الرُّوحِ إِلى رُسُلِه وأَنبِيائِه القِدِّيسين، وهو أَنَّ الوَثَنِيِّينَ هم شرَكاءُ في المِيراثِ والجَسَدِ والوَعْد في المسيحِ يسوع، ويَعودُ ذلِك إِلى البشارةِ" (أفسس 3: 3-7). فالروح هو الذي يُعلم ويُذكر ويُعزِّي ويُقوِّي.

13 فَمتى جاءَ هوَ، أَي رُوحُ الحَقّ، أَرشَدكم إِلى الحَقِّ كُلِّه لِأَنَّه لن يَتَكَلَّمَ مِن عِندِه بل يَتَكلَّمُ بِما يَسمَع ويُخبِرُكم بِما سيَحدُث"

تشير لفظة "الحَقِّ" الى الشريعة في العهد القديم كما ورد في سفر المزامير "عَلِّمْني يا رَبُّ طرقكَ فأَسيرَ في حَقِّكَ" (مزمور 86: 11). فعند اليهود الحق يعني السلوك حرفيا بحسب الشريعة. اما في العهد الجديد فتشير الى المسيح الذي هو "الطَّريقُ والحَقُّ والحَياة"(يوحنا 14: 6)؛ في حين كلمة الحق عند اليونانيين الفلاسفة تعني تحرير الفكر من الجهل؛ أمَّا عبارة "أَرشَدكم إِلى الحَقِّ كُلِّه" فتشير الى هبة الروح القدس التي تُفهم التلاميذ الحق المُتجلي في الابن المتجسّد، يسوع المسيح على الرغم من ان المسيح أطلع تلاميذه كما صرّح "على كُلِّ ما سَمِعتُه مِن أَبي" (يوحنا 15: 15)، فإنهم ما زالوا عاجزين عن فهم أبعاد رسالته. ولكن بهذا المفهوم فإن الحق الذي يعلمنا إياه الروح القدس هو إعلان المسيح لنا وإعلان عمله وأقواله. وكما ان المسيح يستند دائما الى الآب الذي أرسله، كذلك الروح يستند الى الابن، ولن يكون هناك وحي جديد غير الذي كشفه يسوع المسيح، حيث لا وحي جديد يحمله الروح الى الكنيسة، بل هو الوحي الواحد الذي أُعطي في يسوع المسيح، وما زال الروح يوصله الى المؤمنين. كما جاء في تعليم يسوع "جَميعُ ما هو لي فهو لَكَ وما هو لَكَ فهو لي" (يوحنا 17: 10)، أمَّا عبارة " لن يَتَكَلَّمَ مِن عِندِه بل يَتَكلَّمُ بِما يَسمَع " فتشير الى الروح القدس الذي يُعلن ويُفسر الكلام والاعمال والحوادث حول إعلان الله النهائي للإنسان. فإن الروح القدس يأخذ مما للمسيح ويُخبر، ولا يقول كلاماً غير ما قاله المسيح. فالمسيح والروح القدس على اتفاق. هناك اتفاق تام بين الأقانيم. وما يريده الآب يريده الابن ويريده الروح القدس. لكن هناك توزيع للأدوار بين الأقانيم. فالآب يريد خلاص الجميع. والابن يُنفذ الفداء. والروح القدس يرشد الكنيسة ويقودها للسماء. ويُعلق القديس هيلاريوس الاسقف "واحدٌ هو اللهُ الآبُ الذي منه كلُّ شيء. واحدٌ هو يسوعُ المسيح، الذي به كلُّ شيء. واحدٌ هو الروحُ القدسُ، هبةُ اللهِ في الكلّ". وأمَّا عبارة "يُخبِرُكم بِما سيَحدُث" فتشير الى الروح القدس الذي يشهد لإتمام قصد الله في المستقبل ويُخبر عن كيفية التعامل مع نهاية الأزمنة التي تبدأ في صلب يسوع وقيامته وتمتد هذه الأزمنة الى انقضاء الدهر، إذ يجعل التلاميذ الذين سبق لهم ان شاركوا يسوع في حياته في الارض (يوحنا 15: 27) يتفهمون حقيقة يسوع ومعنى اعماله ومعنى الأشياء المرتبطة به تفهماً تدريجيا. ويعلق القديس باسيليوس الكبير "الذين لهم شركة الروح يتمتعون به قدر ما تسمح طبيعتهم (للمتأهلين وحدهم)، وليس قدر ما يستطيع هو أن يهب نفسه في الشركة". والروح سيخبر التلاميذ بما حدث للمسيح بعد صعوده، والروح يُرشدنا إلى ما يجب فعله في المستقبل لنحصل على الخلاص، ويخبرنا بما لنا من مجد معد في السماء " ما لم تَرَهُ عَيْنٌ ولا سَمِعَت بِه أُذُنٌ ولا خَطَرَ على قَلْبِ بَشَر، ذلكً ما أَعدَّه اللهُ لِلَّذينَ يُحِبُّونَه. فلَنا كَشَفَه اللهُ بِالرُّوح، لأَنَّ الرُّوحَ يَفحَصُ عن كُلِّ شَيء حتَّى عن أَعماقِ الله"(1 قورنتس 2: 9-10)، والروح القدس كشف أيضا ليوحنا الرسول ما رآه وسجله في سفر الرؤيا.

14 سيُمَجِّدُني لأَنَّه يَأخُذُ مِمَّا لي ويُخبِرُكم بِه

تشير عبارة "سيُمَجِّدُني" الى الروح القدس الذي يُمجّد المسيح بقدر ما يُهدي التلاميذ تدريجيا الى معرفة الحقيقة المُتجلِّية فيه، حيث ينجز عمله القائم على تمجيد الآب. وهكذا تظهر وحدة الوحي التي لا يُمكن نقْضها. فالآب ُيمجِّد الابن، والابن يُمجِّد الآب، والروح يُمجِّد الابن. كل أقنوم يّمجِّد الآخر. أمَّا عبارة "يَأخُذُ مِمَّا لي ويُخبِرُكم بِه" فتشير الى الوحي الواحد الذي نقله يسوع، والروح ينقله أيضا. كل شيء ينطلق من الآب في الابن بوساطة الروح القدس. وهذا هو عمل ثالوثي واحد.

15 جَميعُ ما هو لِلآب فهُو لي ولِذلكَ قُلتُ لَكم إِنَّه يأخُذُ مِمَّا لي ويُخبِرُكم

تشير عبارة "جَميعُ ما هو لِلآب فهُو لي" الى علاقة الوحدة والحب والشركة بين الأقانيم الثلاثة الإلهية. تتقاسم الأقانيم كل شيء بينها، وتشترك في كل شيء في الأخذ والعطاء، ويؤكد يسوع ذلك بقوله "جَميعُ ما هو لي فهو لَكَ وما هو لَكَ فهو لي وقَد مُجِّدتُ فيهِم " (يوحنا 17: 10). أمَّا عبارة " يأخُذُ مِمَّا لي ويُخبِرُكم " فتشير الى المجد الحقيقي ليس هو تجلِّي قدرة الآب والابن، بل تجلِّي وحدة حبّهما التي للتلاميذ نصيب فيها. فكل ما يخبرنا به الروح القدس عن مجد المسيح هو عن مجد الآب أيضاً. والروح القدس يعرفنا باستمرار عن الآب والابن وعلاقة الآب بالابن التي هي موضوع خلاصنا. فنحن نسجد للثالوث في الأقانيم، وللوحدة في الجوهر، وللتساوي في الجلال.

ثانياً: تطبيقات النص الإنجيلي (يوحنا 16: 12-15)

بعد دراسة موجزة عن وقائع النص الإنجيلي (يوحنا 16: 12-15)، نستنتج انه يتمحور حول كشف يسوع وجه الله الثالوث الاقدس من خلال العلاقة بين الآب والابن والروح القدس. ومن هنا نتساءل: ما هو سر الثالوث؟ وكيف كشف يسوع وجه الله الثالوث الاقدس؟

1) ما هو الثالوث الاقدس؟

يقوم الإيمان المسيحي على الثالوث الأقدس وهو مصطلح مأخوذ من الكلمة اللاتينية Trinitas وهي لفظة مركّبة من Tria +Unitas أي الوحدة الثلاثيّة. وأول مرة استعمل هذا المصطلح في مجمع نيقية سنة 326. والثالوث يعني إله واحد في الجوهر او الطبيعة في ثلاثة أقانيم متميزين الآب والابن والروح القدس.

وفي هذا السياق فإن "الطبيعة" هي ما يكوِّنه الشخص، في حين أن "الأقنوم" هو من يكوَنه الشخص. وكلمة أقنوم آرامية سريانية، دلالة على وحدة الكيان، واستنادًا إلى ذلك لم يقل المسيح في خاتمة إنجيل متى عمدوهم بأسماء الآب والأبن والروح القدس بل " بِاسْمِ الآبِ والابْنِ والرُّوحَ القُدُس" (متى 28: 19)؛ فنقول إن الآب أقنوم، والابن أقنوم، والروح القدس أقنوم. ولم تستخدم كلمة "شخص" لأن هذه الكلمة قد توحي بكائن بشري له حدوده وشكله وملامحه. وهي كلمة لا تستخدم في أي مجال آخر، ديني أو مدني، غير هذا المجال.

والأقانيم متميزون فيما بينهم بعلاقات مصدرهم: "الاب هو الذي يلد، والابن هو المولود، والروح القدس هو المنبثق" (التعليم المسيحي 254). وعليه فإن الله في وحدة الهية ثلاثية، وكل اقنوم إلهي يعمل العمل المشترك وفقا لميزته الشخصية كما جاء في تعليم الكنيسة "بالله الآب الذي منه كل شيء، بالرب يسوع المسيح الذي له كل شيء، وبالروح القدس الذي فيه كل شيء" وفقا لتعليم بولس الرسول "أَمَّا عِندَنا نَحنُ، فلَيسَ إِلاَّ إِلهٌ واحِدٌ وهو الآب، مِنه كُلُّ شَيءٍ وإِلَيه نَحنُ أَيضًا نَصير، ورَبٌّ واحِدٌ وهو يسوعُ المسيح، بِه كُلُّ شيَءٍ وبِه نَحنُ أَيضًا" (1 قورنتس 8:6).والعلاقة بين الثالوث متكاملة، فبينما أرسل الآب الابن إلى العالم، تم َّذلك بواسطة الروح القدس. الآب الذي خلقنا، والابن الذي افتدانا وخلّصنا، والروح القدس الذي يُحيينا ويُقدّسنا.

وتختلف عقيدة الثالوث عن المذهب القائل "إله واحد في شخصين" والمذهب القائل "لا يوجد تعدد في الأشخاص داخل الإله" لكن إله واحد يظهر في ثلاثة أوضاع، او إله واحد في شخص واحد. وسر الثالوث هو سر ذات الله العجيبة، سر حياته الداخلية، سر كماله ورسالته في ذاته. الله واحد في الطبيعة الالهية بثلاثة أقانيم. وكل اقنوم هو الله كاملا: "الآب هو ذاتُ ما هو الابن، والابن هو ذات ما هو الآب، والآب والابن هما ذاتُ ما هو الروح القدس، أي الاله واحد بالطبيعة" (التعليم المسيحي 253).

نحن نتمسك بسر الثالوث عن طريق الإيمان. نحن نؤمن بإله واحد كما صرّح الكتاب المقدس في مواضع عدّة منها: " ((اِسمَعْ يا إِسرائيل: إِنَّ الرَّبَّ إِلهَنا هو الرَّبُّ الأَحَد. فأَحبِبِ الرَّبَّ إِلهَكَ بِكُلِّ قلبِكَ وكُلِّ نَفْسِكَ وكُلِّ ذِهِنكَ وكُلِّ قُوَّتِكَ" (مرقس 30: 12)؛ والله في آن: واحد وثالوث، واحد من حيث الجوهر والطبيعة، الإرادة والمشيئة، القدرة والفعل، وثالوث من حيث إعلانه عن نفسه ومن حيث أعماله: فقد خلق العالم بكلمته، وكلمته هي في ذاته نفسها؛ وهو حي، وروحه في ذاته نفسها. الله هو الأحد، إله بكلمته وروحه "لم يلد ولم يولد" جسديًّا بل روحانيًّا معنويّا مجازًا. وظهر سر الثالوث عدة مرات في الأناجيل منها في اعتماد يسوع (متى 3: 13-17) والتجلي (متى 17: 1-8) ودعوة تلاميذه لتعميده الأمم باسم الثالوث (متى 28: 28:19)، وتحية بولس لأهل قورنتس "(2 قورنتس 13: 13).

نحن نؤمن كي نفهم. يجب تأكيد ما قاله القديس أوغسطينوس: "هذا ما نتمسك به بحق وبغيرة شديدة، وهو أن الآب والابن والروح القدس ثالوث غير قابل للانفصال، إله واحد لا ثلاثة". إنّه غير مطلوب منّا فهم هذا السر بل يكفي الإيمان بها، كما يقول لنا القديس توما الاكويني: "الإيمان وحده يكفي". وهذا حق فإننا لو استطعنا احتواء الله بالكامل في عقولنا المحدودة لكان الله محدوداً، وحاشا الله أن يكون محدوداً. فإيماننا بالكتاب المقدس الذي أعلن هذه الحقيقة لهو كافٍ لفهم ما تؤكده نظرية القديس أوغسطينوس «أمن لكي تفهم".

وقد أوحى الله سر الثالوث مراعيا الزمن وقدرات البشر على قبوله. حدثنا العهد القديم جلياً عن وجود الآب وبدأ يكشف لنا بشكل سري عن الابن؛ أمّا العهد الجديد، فحدثنا بشكل واضح عن الابن وبدأ بالحديث عن ألوهية الروح القدس.

2) الثالوث في الكتاب المقدس

تم وحي سر الثالوث في الكتاب المقدس بصورة تدريجية انطلاقا من العهد القديم الى العهد الجديد.

ا) الثالوث في العهد القديم

لِمَا كان وحي العهد القديم ظلاً لوحي العهد الجديد كما جاء في الرسالة الى العبرانيين "لَمَّا كانَتِ الشَّريعَة تَشتَمِلُ على ظِلِّ الخَيراتِ المُستَقبَلَة، لا على تَجْسيدِ الحَقائِق نَفسِه " (العبرانيين 10: 1)، وجب ألاَّ ننتظر في العهد القديم ذكرا صريحا الى سر الثالوث، بل فقط تلميحا. يتكلم الله غالبا عن نفسه باستعمال صيغة الجمع " قالَ الله: "ِنَصنَعِ الإِنسانَ على صُورَتِنا كَمِثالِنا " (التكوين 1: 26). وفي العهد القديم يدعى الله אֱלֹהִים (آلوهيم ) ففي هذا إشارة الى هناك شخصين هما الله: شخص المرُسِل وشخص المُرسَل (التكوين 16: 7-13).

والنبوءات التي تتعلق بالمسيح تفترض في الله أشخاصا مختلفين كما جاء في نبوءة أشعيا "لِأَنَّه قد وُلدَ لَنا وَلَدٌ وأُعطِيَ لَنا آبنٌ ودُعِيَ أسمُه عَجيباً مُشيراً إِلهاً جَبَّاراً، أَبا الأَبَد، رَئيسَ السَّلام " (اشعيا 9: 6). وجاء أيضا في المزامير " قالَ لي: أَنتَ اْبني وأَنا اليَومَ وَلَدتُكَ" (المزمور 2: 7).

ويتكلم صاحب سفر الأمثال عن الحكمة، التي وجدت دائمًا، ونشأت منذ الأزل " مِنَ الأَزَلِ أُقمتُ مِنَ الأوَلِ مِن قَبلِ أَن كانَتِ الأَرْض "(الامثال 8: 23). وكانت الحكمة عند الله عندما ثبَّت السماوات، وعندما وضع للبحر حدوده، وعندما وضع أسس الأرض (الامثال 8: 27-30). رأى المسيحيون في حكمة الله انها ابن الآب الازلي. هذا يعني أن جميع المخلوقات، وخاصة الجنس البشري، هي انعكاس لكمال الحكمة، أي الابن الازلي للآب. ومن هنا نلقي نظرة خاطفة على الثالوث في العهد القديم والجديد وفي تعليم آباء الكنيسة وفي تعليم الكنيسة.

ب) الثالوث في العهد الجديد

إذا كانت اسفار العهد القديم تلمح عن سر الثالوث، فإنما العهد الجديد يقدِّم نصوصاً واضحة عن سر الثالوث. في بشارة الملاك للعذراء نجد سر الثالوث" إِنَّ الرُّوحَ القُدُسَ سَينزِلُ عَليكِ وقُدرَةَ العَلِيِّ تُظَلِّلَكِ، لِذلِكَ يَكونُ الـمَولودُ قُدُّوساً وَابنَ اللهِ يُدعى" (لوقا 1: 35)، ثلاثة اشخاص ورد ذكرهم: العلي، وَابنَ اللهِ والروح القدس.

وفي عماد يسوع نجد الوحي بالثالوث: "فإِذا السَّمَواتُ قدِ انفتَحَت فرأَى رُوحَ اللهِ يَهبِطُ كأَنَّه حَمامةٌ ويَنزِلُ علَيه. وإِذا صَوتٌ مِنَ السَّمَواتِ يقول: "هذا هُوَ ابنِيَ الحَبيبُ الَّذي عَنه رَضِيت" (متى1: 16): الذي يتكلم هو الله، الآبن هو يسوع ابن الله الوحيد، أمّا الروح القدس فيظهر في صورة رمزية خاصة ككائن شخصي مستقل اسوة بالآب والابن. فقد ظهر الثالوث الاقدس ظهورا متمايزًا، لكنه غير منفصل: الابن المتجسد خارجا من المياه لكي يهبنا الخروج من خطايانا لندخل به وفيه إلى شركة مجده، والروح القدس نازلاً على شكل حمامة ليقيم كنيسة المسيح، وصوت الآب صادرًا من السماء مُعلنا بنوتنا له في ابنه، ويقيم منا حجارة روحية لبناء الكنيسة الأبدية. هكذا ظهر الثالوث القدوس لبنياننا بالله.

وفي خطاب الوداع يتكلم يسوع عن الثالوث: "وَأَنا سأَسأَلُ الآب فيَهَبُ لَكم مُؤَيِّداً آخَرَ يَكونُ معَكم لِلأَبَد (يوحنا 14/16). مبينا العلاقات التي تعيشها الأقانيم داخل الثالوث؛ وهي علاقة روحية بين الاب والابن والروح القدس اذ أن الاب وظيفته الخلق وصفته الأبوة وأن الابن وظيفته الفداء وصفته البنوة والروح القدس وظيفته الإحياء وصفته الانبثاق، وتسود بينهم علاقة التضامن والشركة

تسود في الثالوث الاقدس علاقة التضامن كما ورد في قول يسوع " فَمتى جاءَ هوَ، أَي رُوحُ الحَقّ، أَرشَدكم إِلى الحَقِّ كُلِّه لِأَنَّه لن يَتَكَلَّمَ مِن عِندِه بل يَتَكلَّمُ بِما يَسمَع ويُخبِرُكم بِما سيَحدُث" (يوحنا 16: 13). يذكر يسوع "روح الحق: وروح الحق هو روح القدس" أو "الباراقليط، ، "والحقّ" هو الله. الروح القدس لا يتكلم عن نفسه، بل يَتَكلَّمُ بِما يَسمَع. فليس الروح القدس فردًا وحيداً، يضع نفسه في عالمه الشخصي ولا يتحدث من نفسه، ولا عما يقرره هو، أو ما يفكر به، أو ما يريده، بل على العكس من ذلك، فإن يشارك ويعطي، ما كان قد تلقّاه من غيره من الآب والابن. هذه هي حياة الثالوث: حياة لا يحتاج فيها أي شخص إلى فرض ذاته، لأن الآخر هو الّذي يفعل ذلك، ويرعى وجوده ويضمنه.

ويسود أيضا علاقة الشركة والانتماء في الثالوث الاقدس كما جاء في قول يسوع لتلاميذه "سيُمَجِّدُني لأَنَّه يَأخُذُ مِمَّا لي ويُخبِرُكم بِه جَميعُ ما هو لِلآب فهُو لي ولِذلكَ قُلتُ لَكم إِنَّه يأخُذُ مِمَّا لي ويُخبِرُكم (يوحنا 16: 14-15). يتكرر ضمير التملك "لي" ثلاث مرات في هذه الآيات القليلة. وكأن يسوع يقول إنّه داخل الثالوث لا يتم امتلاك أي شيء بشكل قطعيّ من قِبل أحد في الاقانيم الثلاثة، إنما ما هو للآب هو أيضاً للابن: وما هو للابن "يُؤخذ" من قِبل الروح القدس كي ويصبح خاصّاً بالتلاميذ وبالتالي خاصّاً بالجميع.

ويُكرر السيد المسيح هذا المفهوم في مواضع أخرى “الكَلِمَةُ الَّتي تَسمَعونَها لَيسَت كَلِمَتي بل كَلِمَةُ الآبِ الَّذي أَرسَلَني" (يوحنا 14: 24) وفي موضع آخر يقول " لَيسَ تَعليمي مِن عِندي بل مِن عِندِ الَّذي أَرسَلَني" (يوحنا 7: 11). فمن خلال كلمات يسوع، يتضح أن الآب والابن متحدان بحياة واحدة، وصلت الى حد التصريح " مَن رآني رأَى الآب "(يوحنا 14: 9).

إن سر الله الواحد والثالوث موجود كله في تعريف القديس يوحنا الرسول “اللّهَ مَحبَّة" (1 يوحنا 4: 8). وما الإيمان بالثالوث الأقدس: الآب والابن والروح القدس، الاّ التأكيد على أن الله هو "محبة"، مما يعني أنه ليس لوحده وأنه غير منقسم. إنه حب الى درجة أنه صار "ثلاثة"، والثلاثة يعملون "واحداً" بسبب الحب الذي يجمعهم. وإذا كان الله هو المحبة، فهذا يعني أن هناك شركة اقانيم. الآب يحب الابن، الابن يحب الآب، والمحبة المتبادلة بين الآب والابن هي أيضًا اقنوم وهو الروح القدس. ويخبرنا القديس بولس أن "أَنَّ مَحَبَّةَ اللّه أُفيضَت في قُلوبِنا بِالرُّوحَ القُدُسِ الَّذي وُهِبَ لَنا" (روما 5: 5). الروح القدس هو الحب بين الآب والابن، وهذا الحب الأبدي مقيم في قلوبنا منذ يوم معموديتنا.

وفي الحب لا يوجد تملك شخصي يستبعد الآخر، ولا توجد مُلكية خاصة بأحد دون الآخر. وإلا لن يكون هناك محبّة. في الثالوث، كل شيء مشترك بين الجميع. وأكثر من ذلك كل أقنوم يخص الآخر كلّياً ويحيا به. إن البشرى السارة هي أن المحبة المتبادلة داخل الثالوث تسري الى حياتنا؛ فالروح يريد أن يعيش فينا كأساس لحياة مُعاشه في الحب والعطاء المتبادل بالتساوي، حيث لا تعود فينا حاجة لامتلاك أي شيء، لأننا جميعًا نكون أغنياء بالتساوي من هبة الآخر، ممّا نتلقاه ومما نقدِّمه.

وأخيرا ترك السيد المسيح للرسل وصيته التي توضح لنا معنى الثالوث الأقدس في رسالته بقوله لتلاميذه: "اذهَبوا وتَلمِذوا جَميعَ الأُمَم، وعَمِّدوهم بِاسْمِ الآبِ والابْنِ والرُّوحَ القُدُس"(متى 28: 19)، وتدل صيغة المفرد في كلمة "اسم" على وحدة الجوهر في كل من الاقانيم الثلاثة. ولم يقل "بأسماء" كأنها كيانات متعدّدة، بل إله واحد واسم واحد، بكلمته وروحه كما يبينه بولس الرسول في تحيته الى أهل قورنتس " لْتَكُنْ نِعمةُ رَبِّنا يسوعَ المسيح ومَحبَّةُ اللهِ وشَرِكَةُ الرُّوحِ القُدُسِ معَكُم جَميعًا "(2 قورنتس 13: 13).

وباب الدخول في الثالوث الأقدس هو واحد، يسوع المسيح. فمن خلال موته وقيامته فتح يسوع لنا سبيلاً جديدًا لكي ندخل في قدس أقداس الثالوث من خلال المعمودية، والمعمودية تُبيِّن قدرة يسوع الفصحية في رسالة الكنيسة ولعلاقتها الوطيدة بالأقانيم الثلاثة. ومختصر القول، يعلّمنا الإنجيل المقدّس أنّ الاب والابن وروح القدس ما هم ألاّ الله وكلمته وروحه، كما أعلن بوضوح الرسول الحبيب يوحنّا، بإلهام من الله ووحي منه تعالى" ي البَدءِ كانَ الكَلِمَة والكَلِمَةُ كانَ لَدى الله والكَلِمَةُ هوَ الله" (يوحنا 1: 1) زفي موضع آخر قال " فَإِنَّ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ فِي السَّمَاءِ هُمْ ثَلاَثَةٌ: الآبُ، وَالْكَلِمَةُ، وَالرُّوحُ الْقُدُسُ. وَهؤُلاَءِ الثَّلاَثَةُ هُمْ وَاحِدٌ" (1 يوحنا 5: 7).

ويؤيد القديس بولس الرسول حقيقة الثالوث ببركة ثالوثية "لْتَكُنْ نِعمةُ رَبِّنا يسوعَ المسيح ومَحبَّةُ اللهِ وشَرِكَةُ الرُّوحِ القُدُسِ معَكُم جَميعًا" (2 قورنتس 13: 13). وقد دخل الربّ، الواحد والثالوث، في حوار مع الجنس البشري، ومع كلّ إنسان آتٍ إلى العالم. وفي هذا الصدد قال صاحب الرسالة إلى العبرانيين" إِنَّ اللهَ، بَعدَما كَلَّمَ الآباءَ قَديمًا بِالأَنبِياءَ مَرَّاتٍ كَثيرةً بِوُجوهٍ كَثيرة، كَلَّمَنا في آخِرِ الأَيَّام هذِه بِابْنٍ جَعَلَه وارِثًا لِكُلِّ شيء وبِه أَنشَأَ العالَمِين. هو شُعاعُ مَجْدِه وصُورةُ جَوهَرِه، يَحفَظُ كُلَّ شيَءٍ بِقُوَّةِ كَلِمَتِه" (عبرانيّين 1: 1-3). الثالوث هو أنه حوارُ الكلمة والنعمة والمحبة.

3) الثالوث في تعليم آباء الكنيسة

لا تخلو تعاليم الآباء من شرح سر الثالوث: فالقديس أوغسطينوس مثلا ينطلق من تعليم يوحنا الرسول أن جوهر الله هو المحبة كما عرّفه يوحنا الرسول "اللهُ مَحبَّة "(1 يوحنا 4، 16)، فيعلق على ذلك بقوله "يتطلب الحب مَن يُحِبّ، من يُحَبّ، والحب عينه". الآب، في الثالوث الأقدس هو المُحِبّ، نبع وأصل كل شيء؛ الابن هو المحبوب؛ الروح القدس هو الحُب الذي يربطهما". ويبين لنا الوحي الإلهي أن الله محبة منذ الأزل، لأنه قبل أن يوجد الكون كان الله الكلمة، الابن المحبوب حبًا أبديًا في المحبة التي هي الروح القدس. بالطبع إن مثال الحب ما هو إلا مثال بشري، ولكنه أفضل ما نعرفه لكي ندرك شيئًا ما عن أعماق الله الخفيِّة في الثالوث الاقدس.

وأمّا القديس غريغوريوس النزينزي فيشرح سر الثالوث" إن الأقانيم الثلاثة الإلهية: الآب والابن والروح القدس، لا يمكن فصلها عن بعضها البعض، كما لا يمكن فهمها عن بعضها البعض، كذلك لا يمكن استيعابها كحقائق بشرية، بل هي الطريقة التي عبّر فيها الله عن طبيعته التي لا يمكن تسميتها ولا التحدث عنها، ويتكيف مفهومنا عنها وفقًا لمحدودية عقولنا البشرية". ونستطيع ان نفهم سر الثالوث انطلاقا من صاحب المزامير "نُعايِنُ النُورَ بِنورِكَ" (مزمور 36، 10). "من النور الذي هو الآب نُدرك النور الذي هو الابن بنور الروح القدس: هذا هو لاهوت الثالوث الأقدس. باختصار، إن الله لا فصل فيه – إذا جاز التعبير – في أقانيم متمايزة عن بعضها".

ويعبّر القديس يوحنا الدمشقي عن إيمانه في سر الثالوث بقوله " نؤمن بإله واحد، ، غير مخلوق ولا مولود، لا يزول ولا يموت، أبدي، ، لا جسم له، ولا يتحول ولا يتغير، صانع المخلوقات ما يُرى وما لا يُرى، هو الحياة بالذات والجوهر بالذات، لأنه هو ينبوع الوجود ، وينبوع الحياة للأحياء، وهو جوهرٌ واحٌد وقوة واحدة ومشيئة واحدة وفعل واحد ورئاسة واحدة وسلطة واحدة، وتؤمن به وتعبده كل خليقة ناطقة ؛ والأقانيم متحدون دون اختلاط ومتميزون دون انقسام، وهم آب وابن روح قدوس، بهم اعتمدنا، فإن الرب قد أوصى تلاميذه ان يعمِّدوا على النحو التالي قائلاً: -" عَمِّدوهم بِاسْمِ الآبِ والابْنِ والرُّوحَ القُدُس ". (المقالة الثامنة).

د) الثالوث في تعليم الكنيسة

حدّد المجمع المسكوني الأوّل عقيدة الثالوث الأقدس باستعمال ثلاث لفظات: الأولى، "الجوهر" أو "الطبيعة" للدلالة على الكائن الإلهي في وحدانيّته. فنقول الثالوث الواحد. لا نؤمن بثلاثة آلهة بل بإله واحد في ثلاثة أقانيم، الثالوث المتساوي في الجوهر. الأشخاص الإلهيّة (الاقانيم) لا يتقاسمون الطبيعة الإلهية، بل كلّ شخص (اقنوم) هو كلّ الجوهر والطبيعة.

اللفظة الثانية، "الشخص" أو "الأقنوم" للدلالة على الآب والابن والروح القدس في تمايزهم الحقيقيّ الواحد عن الآخر، من جهة علاقاتهم الأصليّة: الآب هو المصدر الذي يلد، الابن هو المولود، الروح القدس هو الذي ينبثق. فنقول الوحدانيّة الإلهية هي ثالوث.

اللفظة الثالثة، "العلاقة" للدلالة على أنّ واقع التمايز قائم في الارتباط بين الأشخاص (الاقانيم): الآب مرتبط بالابن، والابن بالآب، والروح بالاثنين، والجوهر واحد. وكلّ واحد منهم هو كلّه للآخر.

وفي حوض الكنيسة ندرك حقيقة وحي الله كثالوث حب. ونعبّر عن إيماننا بالثالوث في إشارة الصليب، وفي قلب الكنيسة نلاقي الافخارستيا التي تُعلمنا بأن القداس الإلهي هو فعل ثالوثي من أوله إلى آخره، يبدأ وينتهي باسم الثالوث الأقدس الآب والابن والروح القدس. وباسم الثالوث القدّوس تبدأ الكنيسة كلّ عمل وقول ومبادرة، ولمجده تُنهي ما بدأت. وفي الكنيسة، الروح يكشف لنا عن حضوره بشكل واضح فنعبّر عن إيماننا بمجد الثالوث. وفي خبرة الحياة المسيحية نغوص في عمق الثالوث الذي هو توحيد وشركة وحياة لا تنضب.

ونستنتج مما سبق ان سر الثالوث ينوِّر مفهوم الإنسان المخلوق على صورة الله. لذلك على هذا الانسان أن يكون على صورة الله الآب: خالقاً وخلاّقاً، وعلى صورة الابن، مطيعاً لا عبداً، وعلى صورة الروح، إنساناً حُراً لا يُسيطِر على أحد، ولا يسيطَرُ عليه من أحد.

وسر الثالوث ينور ايضا مفهوم الجماعة المسيحية التي هي “على صورة الله ومثاله". ومن هذا المنطلق مطلوب من كل عضو في الجماعة المسيحية أن يُضحي في سبيل الآخر دون أن يفقد كيانه، وأن يحقق المشاركة الصادقة بكيانه وبممتلكاته. وأكثر من ذلك، فإن الثالوث يدعونا لأن نعيش مرتكزات الزواج المسيحي من خلال الثبات، أي أن يكون الواحد في الآخر؛ ومن خلال الأمانة، يكون الواحد للآخر؛ ومن خلال إنجاب البنين، فيكون الواحد مع الآخر.

ويمكننا ان نفسر سر الثالوث في الوحدة، والتعددية في الوحدة من خلال امثلة من الطبيعة: مثال العين والينبوع والنهر. كما ان كل من العين والنبع والنهر هم عدديا واحدا وإن اختلفت الاشكال كذلك لا ينفصل الآب والابن والروح القدس بعضهم عن بعضهم وإن كانوا يتمايزون في ثلاثة اشخاص. وكما ان الشمس والشعاع والضوء هم جوهر واحد كذلك الأقانيم الثلاثة هم ذات الجوهر الواحد. رغم التعددية فليس هناك ابدا انقسام في الجوهر. هناك المساواة في الأقانيم الثلاثة، وهناك اشتراك في نفس الطبيعة الإلهية الواحدة. ويوضّح الكتّاب المسيحيون يوحنّا الدّمشقي وثاوذورس أبو قرّه أسقف حرّان وإبراهيم الطّبراني ويحيى بن عدي فكرة الثالوث بأجمل العبارات وأسهلها: "الله وكلمته وروحه"، "الله وعقله ومبدأ حياته" كما جاء في "التّكوين"، يجد المرء "الله وكلمته وروحه" (التكوين 1: 1). فالله واحد بكلمته وروحه

الخلاصة

تشكّل عقيدة الثالوث الأقدس جوهر الحياة المسيحيّة فهي ليست حصيلة تفكير بشري نظري في الله، بل هي تعبير عن إيمان المسيحيّة منذ نشأتها بظهور لله ظهوراً نهائياً وخلاصيّاً في شخص يسوع المسيح. وفي عيد الثالوث الأقدس، لنجدّد إيماننا بالربّ الواحد والمثلّث الأقانيم: بالآب الذي أحبّنا وخلقنا ويعتني بنا، وبالابن يسوع المسيح، الذي افتدانا وخلّصنا بموته وقيامته، وبالروح القدس الذي يتمّم فينا ثمار الفداء والخلاص، ويحيينا ويقدّسنا.

ونحن مدعوون إلى أن نعيش ونجسّد ما نعرفه عن الثالوث في حياتنا المسيحيّة. لقد ردّد البابا القدّيس يوحنا بولس الثاني:" نحن المسيحيون نعرف الكثير، لكننا نعيش القليل"، حيث نحن بحاجة دوماً إلى من يذكّرنا. نحن مدعوون أيضا ان نترك زمام أمرنا للربّ في كل حياتنا ليقودنا بحسب مشيئته، وهذا ما نخشى دوماً أن نفعله. وفي هذا الصدد يقول القديس أغناطيوس دي لويولا:" قليلون جدّاً يدركون ما سيصنع الربّ بهم إذا وضعوا أنفسهم كلّياً بين يديه فتشكّلهم نعمته وتكّونهم". فالله ليس كائنا نتحدث عنه بمقدار ما هو كائن نحبّه ونصغي اليه. ندركه بالحب، ونبلغه بالإيمان ونكتشفه بالصلاة.

وبكلمة أخرى، إننا بإيماننا بالثالوث لا نكون مشركين ولا كافرين، كما يقول القران " لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَـهٍ إِلاَّ إِلَـهٌ وَاحِدٌ وَإِن لَّمْ يَنتَهُواْ عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَأبٌ أَلِيمٌ " (المائدة73)؛ إنما نستجيب لدعوة يسوع المسيح "إِنَّ اللهَ ما رآهُ أَحدٌ قطّ الابنُ الوَحيدُ الَّذي في حِضْنِ الآب هو الَّذي أَخبَرَ عَنه" (يوحنا 1: 18). فالكافر هو من كفر بكشف الله، وأنكر على الله أنه الثالوث الأقدس وأنكر ألوهيّة المسيح وسر الثّالوث. "أَمَّا أَنْتُم أَيُّها الأَحِبَّاء، فابْنوا أَنفُسَكم على إِيمانِكمُ المُقَدَّس وصَلُّوا بِالرُّوحِ القُدُس، 21 واحفَظوا أَنفُسَكم في مَحَبَّةِ الله وانتَظِروا رَحمَةَ رَبِّنا يسوعَ المسيح مِن أَجْلِ الحَياةِ الأَبَدِيَّة" (يهوذا 1: 20)

دعاء

"تُعايِنُ النورَ بِنورِكَ" (مزمور 36: 10)، أيّها النور، أيّها الثالوث الأبدي. استنرنا بنورك، أنّك جعلت منّا خليقة جديدة من خلال دم ابنك الوحيد. أعطينا أيّها الآب الأزلي شيئًا من قوّتك وحكمتك. هذه الحكمة هي صفة ابنك الوحيد. أمّا الرُّوح القدس المنبثق منك، أيّها الآب، ومن ابنك، فقد أعطانا الإرادة التي تجعلنا قادرين على المحبّة لهذا ولأجل كل شيء نسبحك ونباركك ونمجِّدك وانت واحد مع يسوع ابنك الوحيد الحبيب ومع الروح القدس مسبِّحين مع اشعيا النبي " قُدُّوسٌ قُدُّوسٌ قُدُّوس، رَبُّ القُوَّات، الأَرضُ كُلُّها مَمْلوءَةٌ مِن مَجدِه" (اشعيا 6: 3) ومرنِّمين مع القديسين في السماء "قدُّوسٌ قُدُّوسٌ قُدُّوس الرَّبُّ الإِلهُ القَدير الَّذي كاَنَ وهو كائِنٌ وسيَأتي" (رؤيا 4: 8)، وشاكرين مع يسوع المسيح "أَحمَدُكَ يا أَبَتِ، رَبَّ السَّمَواتِ والأَرض، على أَنَّكَ أَخفَيتَ هذه الأَشياءَ على الحُكَماءِ والأَذكِياء، وكَشفتَها لِلصِّغار" (متى 11: 25).

علق عن طريق الفيس بوك علق عن طريق الموقع

التعليقات

أرسل تعليقا

لن يظهر للقراء