مثل السامري الرحيم ومَن قريبي؟

  • strict warning: Declaration of views_handler_field::query() should be compatible with views_handler::query($group_by = false) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/handlers/views_handler_field.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of content_handler_field::element_type() should be compatible with views_handler_field::element_type($none_supported = false, $default_empty = false, $inline = false) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/cck/includes/views/handlers/content_handler_field.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_handler_sort::options_validate() should be compatible with views_handler::options_validate($form, &$form_state) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/handlers/views_handler_sort.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_handler_sort::options_submit() should be compatible with views_handler::options_submit($form, &$form_state) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/handlers/views_handler_sort.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_handler_sort::query() should be compatible with views_handler::query($group_by = false) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/handlers/views_handler_sort.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_handler_filter::options_validate() should be compatible with views_handler::options_validate($form, &$form_state) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/handlers/views_handler_filter.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_handler_filter::query() should be compatible with views_handler::query($group_by = false) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/handlers/views_handler_filter.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_plugin_query::options_submit() should be compatible with views_plugin::options_submit($form, &$form_state) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/plugins/views_plugin_query.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_plugin_style_default::options() should be compatible with views_object::options() in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/plugins/views_plugin_style_default.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_plugin_row::options_validate() should be compatible with views_plugin::options_validate(&$form, &$form_state) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/plugins/views_plugin_row.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_handler_field_user::init() should be compatible with views_handler_field::init(&$view, $options) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/modules/user/views_handler_field_user.inc on line 0.

مثل السامري الرحيم ومَن قريبي؟

الأب د. لويس حزبون
2019/07/13

قدّم لوقا الانجيلي مثل السامري الرحيم الذي هو أحد أشهر أمثال يسوع وأكثرها واقعية معلناً مفهوم الأُخوَّة العامة كما يقول القديس ايرونيموس "نحن أقرباء، كل البشر أقرباء لبعضهم البعض، إذ لنا أب واحد". فيُبيّن هذا المثل أن قريبي هو كل إنسان بحاجة لمعونة بغض النظر الى الفئة والقبيلة التي ينتمي إليها، او البلد او الوطن او الدين. وبهذا يُعلن هذا المثل مفهوم الأُخوَّة الإنسانية من ناحية، وان الدين لا يقتصر على معرفة كلمة الله والعبادة والصوم والصلاة، بل على اعمال الرحمة الانسانية تجاه مشكلات الانسان وآلامه وآماله من ناحية أخرى. ومن هنا تكمن أهمية البحث في وقائع النص الإنجيلي وتطبيقاته.

اولا: وقائع النص الإنجيلي (لوقا 10: 25-37)

25 وإِذا أَحَدُ عُلماءِ الشَّريعَةِ قَد قامَ فقالَ لِيُحرِجَه: يا مُعَلِّم، ماذا أَعملُ لِأَرِثَ الحيَاةَ الأَبَدِيَّة؟

عبارة "أَحَدُ عُلماءِ الشَّريعَةِ" باليونانية νομικός (معناها نَامُوسِيٌّ) تشير الى أحد المختصِّين في نسخ وتفسير شريعة موسى، وتعليمها في المدارس والمجامع، وقد أتخذ دراسة الناموس، كتب موسى الخمسة وتفسيرها مهنة له (لوقا 11: 45). حيث ان الكتبة هم الذين يهتمون بالكتاب كله بما يتضمن من اسفار الأنبياء والمزامير. رأى لوقا الإنجيلي في عالم الشريعة هذا قلباً مستعداً ومحاوراً حسن التأهب (لوقا 10: 27-28). وأمَّا متى الإنجيلي فقد رأى فيه انه "قريب من ملكوت الله" (متى 22: 35). اما عبارة "قام" فلا تشير الى الاحترام بل الى الخبث لأنه أضمر الشر في قلبه، فقد أراد أن "يجُرِّبه" ليوقعه في فخ؛ أمَّا عبارة "لِيُحرِجَه" ἐκπειράζων فتشير الى الكاتب الذي ينصب فخا ليسوع إذ ورد هذا التعبير عن إبليس ليجرِّبه πειράζω (لوقا 4: 22). حمل عالم الشريعة هذا صورة التقوَّى وقلب إبليس في داخله! إنها عبارة قوية تخبرنا أنه، وراء كلمات عالم الشريعة وداخلها، تكمن تجربة تعطي صورة كاذبة عن الربّ. وهي اننا بإمكانية محبة الله وخدمته دون أن نخدم الأخ الموجود بالقرب منا. أمَّا عبارة "ماذا أَعملُ لِأَرِثَ الحيَاةَ الأَبَدِيَّة؟" فتشير الى السؤال العملي الذي طرحه عالم الشريعة مستفسراً من يسوع عمَّا ينبغي ان يفعله ليرث الحياة الابدية. انه يشعر بالعجز عن بلوغ الراحة الداخليَّة، أو التمتُّع بالحياة، لهذا لم يقل: "ماذا أتعلَّم؟" أو بماذا أُعلِّم الآخرين؟ إنما قال: "ماذا أعمل؟" السؤال يهِّم كل إنسانٍ مؤمن باللّه، مؤمنٍ بحياة أبدية، يتوق أن يرث الحياة الابدية. اما عبارة "أَعملُ " فتشير الى الواقعية خاصة ان هذا الفعل يتكرر في هذا المثل (لوقا 10: 28، 37). اما عبارة " الحيَاةَ الأَبَدِيَّة " فتشير الى حياة الله والمسيح في المؤمن المولود ثانية (يوحنا 3: 3 ،24: 5، 3: 17). وفكرة الحياة الابدية بعد رقاد الموت، بدأت تظهر شيئًا فشيئًا (دانيال 12 :2). وقد توسّعت في العهد الجديد.

26 فقالَ له: ماذا كُتِبَ في الشَّريعَة؟ كَيفَ تَقرأ؟

تشير عبارة "ماذا كُتِبَ في الشَّريعَة؟" الى إجابة يسوع عن طريق طرح سؤال عالم الشريعة، حيث يردَّ يسوع على السؤال بسؤال كي يخرج هذا المجّرب من حدوده الضيقة تجاه الناموس والشريعة فيقول له ماذا تقول الشريعة. فيلزم عالم الشريعة اتخاذ موقف وإعطاء جوابَ على مستوى العمل. فصار السائل مسؤولا. وأشار يسوع أن قضية الحياة الابدية ليست سؤالا يجيب عنه الآخرون، بل على الانسان نفسه ان يُجيب عنه. أمَّا عبارة "كَيفَ تَقرأ؟ " فتشير الى طرح يسوع سؤالا يلزم محاوره باتخاذ موقف. ونحن كيف نقرأ؟ هل للمعلومات فقط، ام لمعرفة المسيح الذي يشفي طبيعتنا؟

27 فأَجاب: أَحبِبِ الرَّبَّ إِلهَكَ بِكُلِّ قَلبِكَ، وكُلِّ نَفسِكَ، وكُلِّ قُوَّتِكَ، وكُلِّ ذِهِنكَ وأَحبِبْ قَريبَكَ حُبَّكَ لِنَفسِكَ.

عبارة "فأَحبِبِ الرَّبَّ إِلهَكَ بكُلِّ قَلبكَ كلِّ نَفسِكَ كلِّ قُوَّتكَ" تشير الى إجابة عالم الشريعة على سؤال يسوع بالرجوع الى جوهر الشريعة كما ورد في تثنية الاشتراع (ثنية الاشتراع 6: 5)؛ فالقلب هو مركز الحياة فهو قادر على الحب. وكل نفسك: فالنفس مركز الاحساس والتأثر فهي قادرة على فعل العبادة. وكل قدرتك: فالقدرة هي مركز الارادة فهي قادرة على الطاعة والخضوع، وكُلِّ قُوَّتِكَ، وكُلِّ ذِهِنكَ: فالفكر هو مركز القوة العاملة فهو قادر على التأمل وفعل الايمان الثابت والعامل بالمحبة. وأمَّا عبارة "أَحبِبْ قَريبَكَ حُبَّكَ لِنَفسِكَ" فتشير الى إجابة عالم الشريعة على سؤال يسوع بالرجوع الى جوهر الشريعة" كما ورد في سفر الاحبار (الاحبار 19: 18). ولذلك فإن محبة لله ومحبة القريب ليست موضوعا جديداً، بل هو قسم من العهد القديم، ورسالة يسوع مؤسَّسة اولا على الشريعة. وقد تحدث يسوع عنها بإفاضة (متى 19: 16-22). فالعهد القديم يُمهّد لرسالة يسوع. فالمحبة اساس الديانة المسيحية، إذ قال فيها الرسول يوحنا "اللّهَ مَحبَّة" (1 يوحنا 4: 8)، وإن ربط محبة اللّه بمحبة القريب يأتي من سؤال يوحنا الرسول: " إِذا قالَ أَحَد: إِنِّي أُحِبُّ الله وهو يُبغِضُ أَخاه كانَ كاذِبًا لأَنَّ الَّذي لا يُحِبُّ أَخاه وهو يَراه لا يَستَطيعُ أَن يُحِبَّ اللهَ وهو لا يَراه" (1يوحنا 4: 20). يظهر هنا كيف أن العهد القديم مهَّد لرسالة يسوع.

28 فقالَ لَه: بِالصَّوابِ أَجَبْتَ. اِعمَلْ هذا تَحْيَ

تشير عبارة "بِالصَّوابِ أَجَبْتَ" الى موافقة يسوع الايجابية لعالم الشريعة، إذ وجد فيه محاورا حسن التأهب بالرغم من محاولة عالم الشريعة أن يُجرِّبه، ومع كل ذلك لم يصدُّه، بل مدحه قائلًا: "بِالصَّوابِ أَجَبْتَ". فإنه لا يرُد الشرّ بالشرّ بل غلبه بالخير، مستخدمًا اللطف لكي يكسبه. أمَّا عبارة " اِعمَلْ هذا تَحْيَ" فتشير الى حياة الإيمان التي تتكوّن من الممارسة المستمرة لأعمال المحبة ولا تبقى على مستوى الكلام. ومن هذا المنطلق تركز وصية الشريعة على مبدأ الحب الكياني، الحب العامل أو الايمان العامل بالمحبة، وهذا هو العمل الاساسي الذي يساعد على خلاص الانسان. نجد جواب مماثل، حينما سألوا المسيح "ماذا نَعمَلُ لِنَقومَ بِأَعمالِ الله؟ فأَجابَهُم يسوع: عَمَلُ اللهِ أَن تُؤمِنوا بِمَن أَرسَل" (يوحنا 6: 28-29).

29 فأًرادَ أَن يُزَكِّيَ نَفسَه فقالَ لِيَسوع: ومَن قَريبـي؟

تشير عبارة "أَن يُزَكِّيَ نَفسَه" الى الكاتب الذي أراد ان يبرّر نفسه او بالأحرى ان يشهد لنفسه بالخير، والطهارة عن المعاصي والرذائل ويمدحها وكأنه يَمِّنَ على الله، يقول:" انني حفظت الوصايا" ويُظهر انه جاد في بحثه. فإن عالم الشريعة يجرب يسوع أولاً، ومن ثم يحاول تبرير نفسه. إنه يبحث عن سؤال يمنحه اليقين بأنه بارّ ومبرّر. أمَّا عبارة "ومَن قَريبـي؟" فتشير الى سؤال حول هوية القريب؟ والقريب في اللغة العبرية (רֵעִי) الى ابن شعبه وعضو من اعضائه (خروج 20: 16-17)؛ إن القريب -بحسب تعليم آباء اليهود -كان اليهودي فقط، وهنا علينا أن نميّز تعليم التوراة وبين تفسير هذه التعاليم عند آباء اليهود، فاليهود كانوا متعصّبين لجنسهم وقوميتهم، فكانوا شعباً يُبغض بقية الشعوب، ويُسمِّونهم كلاباً، ولا يعترفون حتى بالسامريين الذين كانوا على مذهبهم اليهودي لأنهم اعتبروهم غرباء الجنس، فقريب اليهودي كان اليهودي فقط وبقية الناس يعتبرهم أعداء له، لذلك يسأل عالم الشريعة قائلاً: "مَن قَريبـي؟ " ولكن غايته الحقيقية هي ان يجرَّ يسوع الى نقاشات لا تنتهي وليست ذات فائدة عملية.

30 فأَجابَ يَسوع: كانَ رَجُلٌ نازِلاً مِن أُورَشَليم إِلى أَريحا، فوقَعَ بِأَيدي اللُّصوص. فعَرَّوهُ وانهالوا علَيهِ بِالضَّرْب. ثمَّ مَضَوا وقد تَركوهُ بَينَ حَيٍّ ومَيْت.

تشير عبارة "أَجابَ يَسوع" الى جواب يسوع لسؤال عالم الشريعة، وذلك عن طريق ضرب المثل. وليس هذا المثل تشبيها، بل مثالا يصوّر لنا موقفا يُقتدى به. ومن المرجَّح انه أُخذ من واقع الحياة، لان يسوع لم يكن يُعرَّض الكاهن واللاوي لتهمة قساوة القلب لو لم تكن هناك حادثة تُبرِّر هذا الاتهام. والمثل الذي ضربه يسوع هو تطبيق عملي حقيقي لشريعة المحبة. أمَّا عبارة "رَجُلٌ" في الأصل اليوناني ἄνθρωπος, (معناه إنسان) فتشير إلى إنسان دون الإشارة الى هويته او قوميته او دينه واتجاهاته ومبادئه حيث ان له حقوق وواجبات انسانية محدَّدة على إخوته البشر لمجرد أنَّه انسان. ويرى البعض أنه يرمز الى آدم وللبشرية كلها. ويُعلق القدِّيس ساويرس" لم يقل مخلِّصنا "أناس كانوا نازلين، بل قال "إنسان كان نازلًا". إن المسألة تخص البشريَّة جمعاء". أمَّا عبارة "نازِلاً مِن أُورَشَليم إِلى أَريحا" فتشير الى انحدار الطريق حوالي 1000 متر على مسافة نحو 25 كلم من قمة جبل الزيتون في اورشليم وعلى مسافة ثمانية كيلومترات غربي نهر الأردن، وتستغرق من المسافر حوالي سبع ساعات مشياً على الاقدام. وتمر هذه الطريق في ممرات ضيقة وتكثر فيها الكهوف وبالتالي اللصوص وقطاع الطرق حتى إنها سُمِّيت "الطريق الحمراء أو الدموية" علما انَّ أريحا مدينة اللعنة (يشوع 26:6) وترمز للأرض الملعونة بسبب الخطيئة (تكوين 17:3) فهي رمز للشر، وللخطيئة، اما أورشليم هي رمز للفردوس وللسعادة التي تأتي من العلى؛ أمَّا عبارة " أُورَشَليم" فتشير الى مكان السلام مع الله والحياة معه تعالى. وبسبب خطيئة آدم نزل من اورشليم. أمَّا عبارة "أَريحا" بالعبرية ירִיחוֹ (معناها مدينة القمر أو مكان الروائح العطرية) فتشير الى ارض الشقاء الذي نزل اليها آدم. فأريحا مدينة اللعنة (يشوع 26:6) وترمز للأرض الملعونة بسبب الخطية (التكوين 7:3). أمَّا أريحا التي ورد ذكرها في العهد القديم فموضعها تل السلطان، الذي يقع على بعد 1.6 كم من مدينة أريحا الحديثة. وأمَّا وتلول أبو العليق التي تقع على مسافة 1.6 كم غربي أريحا الحديثة هي بقايا الحي الراقي الغني من أريحا في عصر العهد الروماني، ايام المسيح. وقد كشف المنقِّبون في تلول العليق عن قصر هيرودس الكبير. وتقع أريحا في منخفض يبلغ 251م تحت مستوى سطح البحر، ولذا فجوِّها حار جدا صيفا ومعتدل شتاء. وقد اشتهرت منذ عصور قديمة بزراعة شجر النخيل (تثنية 34: 1و3 وقض 3: 13). والبرتقال والورد (سيراخ 24: 14) وأشجار الجميز (لوقا 9: 14) والبلسم وكثير من أشجار الفاكهة. (يشوع 6). والنبع الذي أبرأه أليشاع هو ما يرجّح عين السلطان (2 ملو ك 2). وفي عصر العهد الجديد كانت فرقة من الكهنة تسكن أريحا. ولا بد أنهم كثيراً ما كانوا يسافرون في الطريق الموصل من أورشليم إلى أريحا كما ذكر في مثل السامري الصالح (لوقا 10: 30و31) وقد أعاد يسوع البصر لبارتيماوس الأعمى ورفيقه في أريحا (لوقا 18: 35). وقد زار المسيح بيت زكا جابي الضرائب في أريحا وقد تاب زكا ورجع إلى الرب بعد ما زار يسوع بيته (لوقا 19: 1-10). اما عبارة "فعَرَّوهُ" فتشير الى فضح الانسان وجعله بلا كرامة ولا حكمة. أي فقد صورته الإلهية. أمَّا عبارة "بَينَ حَيٍّ ومَيْت" فتشير الى الرجل الذي وقع بين أيدي اللصوص حي جسديًا إذ فيه نسمات حياة ولكن لفترة قصيرة سيموت بعدها حتمًا ان لم يجد من يعالجه.

31 فاتَّفَقَ أَنَّ كاهِناً كانَ نازِلاً في ذلكَ الطَّريق، فرآهُ فمَالَ عَنه ومَضى.

تشير عبارة "كاهِناً" الى من يقوم بالإشراف على تقديم القرابين في الهيكل ويُمثل الكاهن والشريعة واستقامة الرأي والكرامة اليهودية؛ أمَّا عبارة " فرآهُ فمَالَ عَنه ومَضى "فتشير الى الكاهن الذي تعامل مع الرجل الجريح كمشكلة عليه ان يتجنبها؛ إذ لم يرَ علاقة بين الدين والخدمة الإنسانية؛ فكان الدين في نظره مجرد طقوس ومراسيم. والكاهن يرمز إلى الشريعة في تاريخ الخلاص، ولم تستطع الشريعة أن تشفي جروحات آدم. فالشريعة تساعدني على رؤية خطيئتي، وضعفي، ولكنّها لا تزيلها. اما عبارة "مَالَ عَنه" في الأصل اليوناني ἀντιπαρῆλθεν (معناها جاز مقابله) فتشير إلى "حركة التفافية"، فالكاهن يدير وجهه، ويستمر في سيره كي يتجنب الإنسان الملقى على الأرض.

32 وكَذلِكَ وصلَ لاوِيٌّ إِلى المَكان، فَرآهُ فمَالَ عَنهُ ومَضى.

تشير عبارة " لاوي " الى الرجلٌ الذي يعُهدَ إليه خدمةُ الهيكل، والمحافظة على الطهارة الشرعيَّة. فإنْ مسَّ مَيْتاً أصبحَ نَجِساً وأُبعِدَ عن الخِدمة. فلمَّا رأى الجريح يَئِنُّ ويتلوَّى بين الحياة والموت تركه خوفا من يُعرِّض نفسه للنجاسة. والاوي يرمز إلى الأنبياء الذي يقوم عملهم بتوبيخ ضمير الخاطئ حتّى يتوب. أمَّا عبارة "فمَالَ عَنهُ ومَضى" فتشير ان اللاوي تعامل مع الرجل الجريح كموضوع نجاسة. إن الإهمال في المساعدة اللازمة من قبل الكاهن واللاوي يُحرم هذا الانسان من إمكانية المحافظة على حيائه. ويعلق القدِّيس ساويرس الأنطاكي: "كثيرًا ما تظن عن جهلٍ أن الذي يشترك معك في ديانتك أو جنسيَّتك هو قريبك، أما أنا فأقول إن الذي يشترك في نفس الطبيعة البشريَّة هو قريبك، وكما رأيت الذي كان يرفع رأسه معتزًا بالملابس الكهنوتيَّة والذي كان يفتخر بتسميته لاويًا... لم يفكِّر أن ذاك الذي تغطَّى بجراحات لا شفاء لها ومُلقى على الأرض، وقد أوشك أن يموت في لحظة، كان إنسانًا! لكنهما احتقراه كحجرٍ أو قطعةٍ من الخشب المرذول". ونحن كم مِن أشخاص يضعها الله في طريقنا دون أن نلتفت إليهم؟

33 ووَصَلَ إِلَيه سَامِرِيٌّ مُسافِر ورَآهُ فأَشفَقَ علَيه

تشير عبارة "وَصَلَ" الى نزول السامري إلى الطريق، لكنه لم ينزل من أورشليم إلى أريحا مثل الكاهن واللاوي، إنما نزل الى الرجل الجريح بقصد العناية به والسهر عليه. اما عبارة "سَامِرِيٌّ" بالعبرية שׁמְרוֹנִי (معناها حارس) فتشير إلى أحد السامريين الذين كان اليهود يتجنّبون الإتصال بهم، وكانوا يكرهونهم بسبب فساد أصلهم واختلاف افكارهم الدينية (لوقا 9: 52 – 55)، وزادت الكراهية بسبب مصاهرة بزواج منسّى ابن الكاهن الأعظم في أورشليم ببنت الحاكم البابلي "سنبلاّط" وطرْد نحميا لمنسي. أمَّا عبارة " مُسافِر " فتشير الى رجل كان في الأرض لمدة مؤقتة، فكأنه كان مسافرًا غريبًا. أمَّا عبارة "فأَشفَقَ علَيه" باليونانية ἐσπλαγχνίσθη (معناها “شعور نابع من الأحشاء") فتشير الى الاحشاء مصدر الحب والحنان. وهي مرادفة لتعبير إحساس غريزي نابع من الأعماق ومن تحركت أحشائه. ولم يستطع أن يجتاز الرجل الجريح دون تقديم المعونة، ليس نتيجة استحقاق، لكن قدَّمها له نتيجة حاجة. إذ وجد زميلا له في الإنسانية. هذا هو المعنى الحقيقي للشفقة والحنان. ان السامري تعامل مع الإنسان الجريح كإنسان يستحق الحب والرحمة، ولم يتوقف عند حدود الوطن او الدين. هذا السامري عرف الطبيعة البشريَّة وفهم من هو القريب. ومن هنا يرمز السامري الى المسيح الذي اِسمه يعني "الحارس"، إِنَّ حارِسَ إسرائيلَ لا يَغْفو ولا يَنام" (مزمور 121: 4). بينما لم يستطع "الإيمان" تحريك الكاهن واللاوي.

34 فدَنا منه وضَمَدَ جِراحَه، وصَبَّ علَيها زَيتاً وخَمراً، ثُمَّ حَمَلَه على دابَّتِه وذَهَبَ بِه إِلى فُندُقٍ واعتَنى بِأَمرِه"

تشير عبارة "فدَنا منه" الى اقتراب السامري من الرجل الجريح بقبوله الآلام معه وسكب رحمته عليه، فصار قريبه. اما عبارة "صَبَّ علَيها زَيتاً وخَمراً " فتشير الى طب ذلك الزمان في معالجة الجروح الذي كان يستخدم الزيت لتليين الجروح والتخفيف من حِدَّة الألم (اشعيا 1: 6)، وأمَّا الخمر فكان يُستخدم لقتل الميكروبات وتعقيم الجروح وتطهيرها ولإزالة الالتهابات. ويُعلق القديس أمبروسيوس "السامري الصالح لم يعبُر تاركًا الإنسان الذي ألقاه اللصوص بين حيّ وميِّت، بل ضمَّد جراحاته بزيت وخمر. صبَّ عليه أولًا زيتًا لتلطيف آلامه، وأتكأه على صدره، أي اِحتمل كل خطاياه، هكذا لم يحتقر يسوع الراعي خروفه الضال". أمَّا عبارة "حَمَلَه على دابَّتِه" فتشير الى نقل الجريح من جانب الطريق إلى الفندق عن طريق الدابة. أمَّا عبارة " فُندُقٍ " فتشير حاليا الى الخان الأحمر ويأتي اسمه من اللون الأحمر المستخرج من حجر الجير المكسو بأكسيد الحديد المكوَّن للتلال الحمراء في المناطق الواقعة على الطريق من القدس الى أريحا. والخان كان عبارة عن بناء عثماني من القرن السادس عشرة، وقد كان مركزا ً للتجار على هذا الطريق القديم الذي يربط ضفتي نهر الأردن حيث كانوا يتوقفون للاستراحة وإطعام الخيول، وعُرف سابقاً باسم "مار افتيميوس" نسبة إلى الراهب الذي أسس هذا المكان. وهو يبعد نحو 2.5 كم من قرية الخان الأحمر. ويرى العلامة أوريجانوس " الفندق كرمز للكنيسة التي تستقبل جميع الناس، ولا ترفض أن تسند أحدًا، إذ يدعو يسوع الكل" تعالَوا إِليَّ جَميعاً أَيُّها المُرهَقونَ المُثقَلون، وأَنا أُريحُكم (متى 11: 28)".

35 وفي الغَدِ أَخرَجَ دينارَيْن، ودَفَعهما إِلى صاحِبِ الفُندُقِ وقال: اِعتَنِ بِأَمرِه، ومَهْما أَنفَقتَ زيادةً على ذلك، أُؤَدِّيهِ أَنا إِليكَ عِندَ عَودَتي.

تشير عبارة "دينارَيْن" إلى أصل لاتيني ديناريوس ((denarius)) (ومعناه عشرة) لان هذه العملة كانت تساوي أصلاً عشرة ((آسات)) رومانية. وكان الدينار عملة رومانية من الفضة وكان وزنها في عصر الروماني ثلاث غرامات. وكان الدينار أجرة العامل في اليوم (متى 20: 3) وكان على اليهود أن يتعاملوا بهذه العملة عندما كانوا يدفعون جزية لرومة (متى 22: 19). وأمَّا رقم 2 فيرمز إلى "الحب"، بكونه قد أعلن خلال وصيَّتين: حب الله وحب الناس، ولأنه يجعل الاثنين واحدًا كما يقول القديس أوغسطينوس. وكأن السيِّد المسيح قد ترك لنا في كنيسته كنز "الحب الإلهي"، به نحب الله والناس. بينما رأى بعض الآباء في الدينارين رمزًا للتلاميذ والرسل الذين يعملون في الكنيسة لحساب السيِّد المسيح، او رمز للكتاب المقدَّس بعهديه. أمَّا القديس ايريناوس فإنه يرى أن الدينارين يشيران إلى الروح القدس الذي وُهب للكنيسة لكي ينقش على النفس كتابة الآب والابن يكونها عُمْلة الله وديناريه". قد بذل السامري أكثر مما هو مطلوب، ذهب إلى الميل الثاني منفِّذا الوصية" ومَن سَخَّرَكَ أَن تَسيرَ معه ميلاً واحِداً. فسِرْ معَه ميلَيْن" (متى 5: 41). وقد رأى آباء الكنيسة في هذا السامري يسوع طبيب المرضى (أي الخطأة) الذي يعتني بجراحهم ويقودهم الى الفندق (الكنيسة) فيسلمهم معافين الى الله الآب. اما عبارة "أُؤَدِّيهِ أَنا إِليكَ عِندَ عَودَتي" فتشير الى ضمير المتكلم والمعنى انا بذاتي سأوفيك وليس الرجل المُصاب. فالنقود التي كانت سبب هلاكه على يد اللصوص، تصبح هي نفسها سبب خلاصه على يد السامري الرحيم. ليس هذا المثل تشبيها، بل مثالا يصور لنا موقفا يقتدى به أو يجتنب.

36 فمَن كانَ في رأيِكَ، مِن هؤلاءِ الثَّلاثَة، قَريبَ الَّذي وَقَعَ بِأَيدي اللُّصوص؟

تشير عبارة "َقريبَ" الى كل إنسان وأي إنسان يحتاج إلى رحمة ومحبة الله. أمَّا عبارة "اللُّصوص" فتشير الى مَنْ يسرقون علانية وبوضوح بعكس السارقون الذين يسرقون في الخفاء. واللصوص هم رمز للقوى العدوانية ضد الإنسان أي إبليس وجنوده وإغراءاته.

37 فقال: الَّذي عَامَلَهُ بِالرَّحمَة. فقالَ لَه يَسوع: اذْهَبْ فاعمَلْ أَنتَ أَيضاً مِثْلَ ذلك.

تشير عبارة "الَّذي عَامَلَهُ بِالرَّحمَة" الى جواب الكاتب الذي لم ينطق بكلمة السامري بل أشار إليه بعبارة "الَّذي عَامَلَهُ بِالرحمة". فالقريب هو كل انسان يقترب من الآخرين بمحبة حتى لو كان من الغرباء او الاعداء وهكذا تجاوز نظرته الضيقة التي تحصر القريب في اعضاء شعبه فقط. وهكذا امام الانجيل تتلاشى انفرادية وشرعية علماء الشريعة. "وإِنَّما عَرَفْنا المَحبَّة بِأَنَّ ذاكَ قد بَذَلَ نفْسَه في سَبيلنِا. فعلَينا نَحنُ أَيضًا أَن نَبذُلَ نُفوسَنا في سَبيلِ إِخوَتِنا. مَن كانَت لَه خَيراتُ الدُّنْيا ورأَى بِأَخيهِ حاجَةً فأَغلَقَ أَحشاءَه دونَ أَخيه فكَيفَ تقيم فيه مَحبَّةُ الله؟ يا بَنِيَّ، لا تَكُنْ مَحبَّتُنا بِالكلام ولا بِاللِّسان بل بالعَمَلِ والحَقّ. (1يوحنا 3: 16-18) وهكذا تحوَّل سؤله مِن "مًن هو قريبي؟ " الى "كيف أكون قريب كل انسان؟ " فالمحبة ليست شعورا فقط، بل مجموعة من الافعال الرحمة الملموسة. وانا من أُشبه من هؤلاء الثلاثة المذكورين في المثل؟

ثانياً: تطبيقات النص الانجيلي (لوقا 10: 25-37)

انطلاقا من هذه الملاحظات حول وقائع النص الإنجيلي (لوقا 10: 25-37) نستنتج انه يتمحور حول سؤالين: من هو قريبي؟ كيف اكون قريب كل إنسان؟

1) من هو قريبي؟

بما ان عالم الشريعة يعرف الوصايا خاصة وصية محبة الله والقريب طلب منه يسوع ان يعمل بها لينال الحياة الأبدية: "اِعمَلْ هذا تَحْيَ" (لوقا 10: 28) أي اعمَلْ ما تعرفه من وصية محبة الله ومحبة القريب. لكنه أجاب انه لا يعلم من هو هذا القريب مستفسراَ "من هو قريبي؟" (لوقا 10: 29).

اتخذ العالم اليهودي من خلال قصة "السامري الرحيم" مواقف متباينة حول القريب الذي يُمثل الرجل الجريح: القريب بالنسبة للصوص، شخص يسرقونه وينهبونه؛ وتقوم فلسفتهم على "ما هو للقريب هو لي وسآخذه". وأمَّا القريب بالنسبة للكاهن فهو مشكلة يجب تجنبها فقد رأى الرجل الجريح ثُمَّ تركَهُ بحُجَّةِ أن مساعدة الجريح ليست من شأنه ولا من مَهَمَّتِه. إنَّ مَهَمَّتَهُ تكمن في تقديم الذبائح لله تعالى في الهيكل. ونسي الانسان الجريح وظنّ أنه قد أتمّ عمله في الهيكل ولم يتذكر ما قاله الرب على لسان النبي هوشع "فإِنَّما أُريدُ الرَّحمَةَ" (هوشع 6: 6). أمَّا القريب الجريح الذي هو بين حي وميت بالنسبة الى اللاوي فهو نجسُ، وعليه فاذا مسَّ مَيْتاً أصبحَ نَجِساً، وبالتالي يُبعَد عن خِدمة الهيكل. أمَّا القريب بالنسبة لصاحب الفندق فهو نزيل عليه ان يخدمه مقابل اجرة. واختصار، تقوم فلسفة الكاهن واللاوي على "ما هو معي هو لي وسأحتفظ به وليس للقريب".

وأمَّا القريب بمفهوم السامري هو الإنسان الذي يستحق المحبة والعناية والذي هو بحاجة الى الشفقة والمساعدة، لذلك غيّرَ مشروع سفره وترجم محبته او شفقته بأعمال الرحمة التالية: دنا من الانسان الجريح، وضمّد جراحه، وصبّ عليها خمرًا وزيتًا (حسب الطب القديم)، وحمله على دابته، وذهب به إلى الفندق، واعتنى بأمره. لم يجتاز الرجل الجريح، بل حنى عليه وشفاه. قد أظهر لنا يسوع أن القرابة لا تقف عند حدود الدم، ولكنها تقوم على تنفيذ وصية الحب والرحمة ويُعلق القديس ساويرس الانطاكي بقوله "إن الذي يشترك في نفس الطبيعة البشريَّة هو قريبك، وليس فقط من يشترك معك في ديانتك أو جنسيَّتك هو قريب".

هذا السامري عرف الطبيعة البشريَّة وفهم من هو القريب. فأخذ المبادرة "دنا منه"، وجعل من نفسه قريباً منه. ولم يخف في تلك الفترة من اللصوص الذين ربما يفاجئونه وَيسلبون أمواله ويحاولون قتله كما فعلوا مع هذا الذي تركوه بين حي وميت. إن عمل الرحمة يعطي للإنسان شجاعة ويُبعد عنه الخوف. وباختصار، تقوم فلسفة السامري على "ما هو لي هو لك، وأريدك مشاركتي به". وهنا نسأل: فما الفائدة من القرابة الدموية أو الطائفية أو الدينية في غياب المحبة؟ القريب هو من نذهب اليه ونصنع معه الرحمة، أي كل انسان نشعر بإمكانيتنا أن نتجه اليه كما فعل هذا السامري. وهو كل انسان يضعه الله في طريقنا "كان مَن كان".

ويسوع المسيح هو السامري الأعظم، الذي لم يَرِدْ اِسمُهُ بصراحة في هذا المثل، ودعاه يوحنا الإنجيلي سامرياً (يوحنا 48:8) وهو الإله الذي جعل من نفسه إنسانًا، ونزل إلى الطريق، لكي يساعد هذا الرجل الذي أصبح بين حي وميِّت مقدِّما كل شفاءٍ. ويعلق القديس كليمنضوس:" من يمكن أن يكون هذا القريب، إذا لم يكن المخلّص نفسه؟ ومن أشفق علينا وعمل من اجلنا أكثر منه؟ أنه الطبيب الوحيد الذي سكب على جراح نفوسنا نبيذ دمه وزيت شفقته ومحبته". يسوع هو السامري الرحيم الّذي أتى كي يخلص الإنسان الساقط ومن أجل إعادة الكرامة المفقودة إليه، يسوع هو السامري الرحيم الذي نزل إلينا كي يحملنا من جديد إلى أورشليم السماوية. لقد ضمَّد جراحنا واعتنى بنا حيث يصف بولس الرسول قرب الله منا بيسوع المسيح:" هو صُورَةُ اللهِ الَّذي لا يُرى وبِكْرُ كُلِّ خَليقَة" (قولسي1: 15)؛ أنه نزل لكي يقترب من الإنسان، فتحنَّنَ على البشريَّةِ الجريحة، وقدَّمَ لها المؤازرة بتعاليمِهِ ونِعَمِهِ وموتِهِ على الصليب وقيامتِهِ المجيدة، وأعادَ إليها الحياة الإلهيَّة وعافيتها الروحيَّة التي فقدتْها بالخطيئة.

إن كان الكاهن يمثِّل الشريعة، واللاوي يمثِّل النبوَّات، فإنه لم يكن ممكنًا للشريعة أو النبوَّات أن تضمد جراحاتنا الخفيَّة، وتردِّنا إلى طبيعتنا التي خلقنا الله عليها، لكن "السامري " الذي اِسمه يعني "الحارس"، فإن حارس إسرائيل كما يترنم صاحب المزامير " ها إِنَّ حارِسَ إسرائيلَ لا يَغْفو ولا يَنام" (مزمور 121: 4) والذي يُمثِّل السيِّد المسيح وحده نزل إلى الطريق، لكي يساعد هذا الرجل الذي بين حي وميِّت مقدِّما كل شفاءٍ. ابن اللّه الآب جاء هو بنفسه، هو الذي لبّى نداء الساقط بين اللصوص وعصب وداوى وليّن وعقم جراحاتنا بدم قلبه وزيت رحمته وأخذنا إلى الفندق إلى كنيسته المقدسة دافعاً عنا دينارين سر جسده ودمه الأقدسين، وهو سيدفع الثمن نيابة عنا ويدفع دائماً لأنه يريدنا أن نكون معافين روحياً وجسدياً، ويوفي بمجيئه الثاني كل من يعتني بنا روحياً او جسديا.

عامل يسوع بالرحمة فصار قريبنا، اقترب منا بتجسده وقبوله الآلام عنا، وسكب علينا زيت رحمته، وأتى بنا مرة أخرى إلى كنيسته لنستريح (الفندق)، وترك لنا روحه القدوس (المال الذي أعطاه السامري لصاحب الفندق). وهو يدعونا إلى أخذ المبادرة لجعل الآخر قريبا منّا. والمسيحي اليوم مدعو لأن يكون هو السامري الصالح الذي يبلسم جراحات العالم والانسان الجريح على مثال ربه ومعلمه يسوع المسيح. فلا شركة حقيقة مع الله دون حب القريب. فالمحبة وحدها تصنع القريب والاخ والصديق، والمحبة وحدها هي فرصة جديدة حقيقة، لمعرفة يسوع الطريق والحق والحياة.

وقد لخص العلاَّمة أوريجانوس المعنى الرمزي لمثل السامري الرحيم بقوله "الإنسان النازل يمثِّل آدم، وأورشليم تمثِّل الفردوس، وأريحا هي العالم، واللصوص هو القوَّة العدوانيَّة، الكاهن هو الناموس، واللاوي هو الأنبياء، والسامري هو المسيح، الجراحات هي العصيان، والدابة هي جسد المسيح، والفندق المفتوح لكل من يريد الدخول فيه هو الكنيسة، والديناران يمثِّلان الآب والابن، وصاحب الفندق هو رئيس الكنيسة الذي يدبِّرها، ووعد السامري بالعودة هو تصوُّر لمجيء المسيح الثاني".

2) كيف أكون قريب كل إنسان؟

سأل عالم الشريعة:" من قريبي" (لوقا 10: 29) بمعنى " من عليه التقرب مني؟ فأجاب يسوع بسؤال " ممن تتقرَّب انت؟" او ماذا عليَّ ان اعمل كي أكون قريب كل إنسان؟ ليس القريب هو الآخر: إنه أنا. القريب هو كل إنسان يقترب من الآخرين مظهراً لهم الحب والحنان، حتى لو كانوا غرباء. فالأمر يتعلق كيف يجب ان أبادر فوراً الى عمل الخير مع الآخر بغض النظر عن الاختلافات والصراعات الاجتماعية والعرقية والدينية.

ومن هذا المنطلق، القريب هو "انا" عندما اتقرَّب من الآخرين بمحبة، أتقرّب من الضعيف المحتاج ولا أنتظر ان يقترب مني. هنا تبدأ ثورة الانجيل وما قدّمه للإنسانية من جديد، يقلب يسوع مفهوم "القريب" راسا على عقب. فلا مجال للسؤال " من قريبي؟" بل "انا قريب من؟" او كيف اتقرَّب أنا من كل إنسان؟ وكيف يمكن ان أكون قريباً من كل إنسان؟ الواجب، الذي حدَّدته الشريعة يدفعني لأحبَّ "الله من كل قلبي… وقريبي كنفسي"! ومن هنا السؤال "من هو قريبي الذي يدفعني لأحبَّه كما أحبُّ نفسي؟ او كيف أكون قريب كل إنسان؟

حوّل يسوع المعتقد الاساسي لعالم الشريعة من الانحصار في الذات المتضمن في سؤاله "يا مُعَلِّم، ماذا أَعملُ لِأَرِثَ الحيَاةَ الأَبَدِيَّة؟" الى إهتمام الآخرين وذلك بتوجيه السؤال "فمَن كانَ في رأيِكَ، مِن هؤلاءِ الثَّلاثَة، قَريبَ الَّذي وَقَعَ بِأَيدي اللُّصوص؟" (لوقا 10: 36)؛ فاذا استطاع السامري ان يثبت نفسه قريبا حقيقيا للرجل الجريح بإظهار الرحمة والعطف عليه فكل الناس أقرباء له. لقد غًير هذا العمل العظيم معنى العلاقة بين القوميات بأكملها. وكما يقول القديس ايرونيموس "نحن أقرباء، كل البشر أقرباء لبعضهم البعض، إذ لنا أب واحد"

ويضيف العلامة أوريجانوس "أن القرابة لا تقف عند حدود الدم ولا عند العمل، وإنما تقوم على تنفيذ وصيَّة المحبة بأعمال الرحمة". انت تصنع قريبك، إذا احببت الاخر تجعله قريبا. وإذا عاملته بالرحمة فأنت احببته. إذاً انت تصنع القريب بالمحبة والرحمة كما كانت الحالة مع القَريبَ الَّذي وَقَعَ بِأَيدي اللُّصوص الَّذي عَامَلَهُ بِالرَّحمَة" (لوقا 10: 37).
والمحبة تفترض متابعة وانتباها متواصلا، لان المحبة ليست عاطفة عابرة، بل هي امر يدوم ويواظب عليه، والذي احبه اتحمله واحفظه في قلبي، أنفق من وقتي وحياتي ومالي وصحتي من أجله، وبذلك اكون قد اقتربت منه وجعلته قريبي. ولما أنقل الله إليه من خلال عطفي ومحبتي وانتباهي، يقترب هو تدريجيا من الله ويتعرف عليه. فالقريب هو الذي يقترب من الآخرين بمحبته وبأعمال الرحمة. وبهذه الطريقة تكون المحبة بلا حدود، ولا تكون شكلية بل عملية " اِذْهَبْ فاعمَلْ" (لوقا 10: 36).

إن عمل الرحمة واجب على كل مؤمن "لأَنَّ الدَّينونَةَ لا رَحمَةَ فيها لِمَن لم يَرحَم، فان الدينونة لا رحمة فيها لمن لا يرحم" (يعقوب 2: 13) "مَن سَدَّ أُذُنَه عن صُراخِ الضَّعيف فهُو أَيضًا يَصرُخ ولا يُسمعُ لَه" (امثال 21: 13). أمَّا "مَن يَرحَمِ الفَقير يُقرِضِ الرَّبّ فهُو يُجازيه على صَنيعِه" (امثال 19: 17) ويكنز في السماء كنوزا من الرحمة يعينه الرب بها عند الحاجة. فقريبنا هو أي إنسان يحتاج إلى مساعدتنا، بغض النظر عن جنسه أو عقيدته أو لغته أو لونه حتى لو كانت هناك عداوة بينا وبينه.

واساس الرحمة هي المحبة. الله يحبنا "فإِنَّ اللهَ أَحبَّ العالَمَ حتَّى إِنَّه جادَ بِابنِه الوَحيد لِكَي لا يَهلِكَ كُلُّ مَن يُؤمِنُ بِه بل تكونَ له الحياةُ الأَبدِيَّة" (يوحنا 3: 16)، ولأنَّ الله يحبنا فهو يعتني بنا " أُنظُرُوا إِلى طُيورِ السَّماءِ كَيفَ لا تَزرَعُ ولا تَحصُدُ ولا تَخزُنُ في الأَهراء، وأَبوكُمُ السَّماويُّ يَرزُقُها. أَفَلَسْتُم أَنتُم أَثْمَنَ مِنها كثيراً؟" (متى 6: 26). ويريد الله ان يعرف كل أحد مقدار محبة الله له "يَعرِفَ العالَمُ أَنَّكَ أَنتَ أَرسَلتَني وأَنَّكَ أَحبَبتَهم كَما أَحبَبتَني" (يوحنا 17: 23). يسوع يُحبُّنا كما يُحبُّه الآب (يوحنا 15: 9). لم يعرّض يسوع حياته فقط بل هو في الواقع بذل حياته لأجلنا. "بابنِ اللهِ الَّذي أَحبَّني وجادَ بِنَفْسِه مِن أًجْلي" (غلاطية 20:2). علينا ان نبذل نفوسنا في سبيل غيرنا كما يوصينا يوحنا الرسول "إنَّما عَرَفْنا المَحبَّة بِأَنَّ ذاكَ قد بَذَلَ نفْسَه في سَبيلنِا. فعلَينا نَحنُ أَيضًا أَن نَبذُلَ نُفوسَنا في سَبيلِ إِخوَتِنا" (1 يوحنا3: 16).
خلاصة مثل السامري تتمحور في المحبة للرب والمحبة للناس. من المستحيل أن تُترجم المحبة لله دون أن تكون هناك محبة الناس، فالقديس يوحنا البشير يقول " إِذا قالَ أَحَد: ((إِنِّي أُحِبُّ الله)) وهو يُبغِضُ أَخاه كانَ كاذِبًا لأَنَّ الَّذي لا يُحِبُّ أَخاه وهو يَراه لا يَستَطيعُ أَن يُحِبَّ اللهَ وهو لا يَراه " (1 يوحنا 4: 20). إذاً المحبة لله هي نبع نستقي منه محبة الناس.

ونستنتج مما سبق ان وجه الآب الذي عاشه السيد المسيح في استقبال ومساعدة كل شخص هو الوجه الذي على كل مؤمن ان يعكسه عندما يكون قريبا من كل شخص. فلنختم بحثنا مع اقوال صاحب سفر الامثال "مَنِ اْهانَ بِقَريبِه يَخطَأ والَّذي يَرحَمُ المَساكينَ طوبى لَه" (أمثال 14: 21) "لا تُفارِقْكَ الرَّحمَةُ والحَقّ بَلِ اْشدُدْهما في عُنُقِكَ واْكتُبْهما على لَوحَ قَلبِكَ" (أمثال 3: 3). ومن الأحاديث المتواترة عند إخواننا المسلمين أنه "يوم لا يسعف الانسان اخاه الإنسان، تكون نهاية العالم قد دنت".

خلاصة

ذاع مثل السامري الرحيم وصوًر المثل المسيح بالسامري الصالح في القرون الوسطى بصفه خاصة. ونقش على الأيقونات في الكنائس بواسطة أبرز الفنَّانين والرسَّامين مثل فنست فان كوخ ولوس، كما قام النحاتون مثل بيت ابزر وفرانس ليون بأعمال خالدة تجسيدا لهذا المثل. ونقشت استراليا عملة مادية تحمل السامري الصالح والرجل المجروح وقد حمله على دابته إلى الفندق. كما طبع نفس الصورة على الشلين الأمريكي لفترة سابقة.

اراد يسوع من خلال هذا المثل أن يخرج الانسان من ذاته وتقوقعه وانكماشه ومحدوديته. ويضع امامنا الانسان في كل كيانه وكأن يسوع اراد من الإنسان أن يوسع في حدود تضامنه البشري إلى أبعد ما يكون من صلة القرابة أو الدين أو المذهب أو الوطن، دون تمييز بين جنس أو لغة كي يتمكن هذا الانسان من بناء كيانه وشخصيته المتسعة الآفاق.

يُبين مثل السامري كيف يكون الإنسان المؤمن قريبا من جميع الناس. إذ بينما كان معلم الشريعة يريد رسم الحدود لتحديد من يجب أن نحب ومن لا يجب أن نحب، يدعونا يسوع إلى عكس ذلك، إلى إزالة الحدود، وإلى أن نصبح نحن أنفسنا قريبين لكل من يصادفنا على الطريق، دون تمييز.

ونتعلم من هذه المثل ان القريب هو اي إنسان محتاج، من أي عقيدة، ومن أي لون، ومن أي خلفية اجتماعية. أمَّا "حب المؤمنين لبني جنسهم فقط، حب ناقص، يجب على المؤمنين أن يحبوا الجميع" كما قال فرانسيس شيفر (1912-1984)، العالم اللاهوتي والفيلسوف. وقد نادي المصلح الاجتماعي الأمريكي مارتن لوثر كينج، بمثل السامري الرحيم وعلم عن محبة القريب وكان له دور كبير في إلغاء التفرقة العنصرية في العالم. فالعنصرية تباعد الشعوب والأمم وتخلق المرارة وتثير الحروب والمنازعات وتفسد الحياة العامة والخاصة.

وفي الدينونة يحاسبنا ربنا على موقفنا الصالح تجاه القريب "لأَنِّي جُعتُ فأَطعَمتُموني، وعَطِشتُ فسَقَيتُموني، وكُنتُ غَريباً فآويتُموني، وعُرياناً فَكسَوتُموني، ومَريضاً فعُدتُموني، وسَجيناً فجِئتُم إِلَيَّ ” (متى 25: 35 -36). أمَّا الآخرون فلأنهم لم يفعلوا بإخوتهم الصغار أعمال الرحمة يدانون. ويجب أن نعلم أننا لا ندان على ما فعلناه من شر فقط بل أيضاً على ما لم نفعله من خير، عندما يدعونا إنسان لا بلسانه بل بحاله أن نسعفه، نعضده، نساعده، فعلينا أن نقوم بذلك إن كنا نريد أن نرث ملكوت اللّه، هذه هي أعمال المحبة والرحمة.

إنَّ إيماننا المسيحي يقول لنا إنَّ هناك سامريَّاً آخر أعظمُ شأناً بما لا يقاس من السامري الرحيم. فهو لم يكتفِ بأن يُنقِذَ رجلاً جريحاً بائِساً، بل أنقذ البشريَّة الجريحة كلَّها من الموت والهلاك الأبدي. إنَّه يسوع المسيح. لقد عطف يسوع على البشريَّة الخاطئة، وأنقذها من بؤسها الروحي بتعاليمه وموته وقيامته وتدفُّق نِعَمِه عليها. إنَّه السامري الأعظم صاحب المحبَّة اللاَّمحدودة. أنه الطبيب الوحيد الذي سكب على جراح نفوسنا نبيذ دمه وزيت شفقته ومحبته". لذلك فلسنا بحاجة إلى أن نبحث عن الله خلف السماوات أو البحار، لأنه صار القريب منا كما جاء في العهد الجديد " والكَلِمَةُ صارَ بَشَراً فسَكَنَ بَينَنا" (يوحنا 1: 14).

دعاء

أهَّلنا يا رب لنقتدي بالسامري الرحيم مستعدين دائمًا لمساعدة قريبنا وإسعافه والعناية به لنستحق أن ننال الطوبى التي أعطاها الرب "طوبى لِلرُّحَماء، فإِنَّهم يُرْحَمون"(متى 5: 7)

قصة واقعية من وحي مثل السامري الرحيم

كان الواعظ الألماني الشهير في القرن الثامن عشر-فريدريك اولبرتين -عائدا من إحدى القرى إلى منزله ونظرا لسوء الحالة الجوية لم يجد أي وسائل نقل وكان الوقت متأخرا. فبدأ رحلة عودته سيرا على الأقدام. اشتدَّت عاصفة الثلج، فضل طريق العودة وخشي الواعظ من التجمد. وشعر بوهن وإعياء شديدين فجلس على جانب الطريق.

وبعد ساعات، ظهرت عربة وشاهد السائق شخصا جالسا علي جانب الطريق. توقف الرجل وترجل من عربته وحمل الواعظ إليها، وأوصله إلى أقرب دار علاج. وطلب من المسئول أن يعتني به.

بينما هو يهم بالرحيل، سأله الواعظ في صوت خافت: سيدي ما اسمك؟، حتى أذكرك في صلاتي أمام الله. كان هذا الرجل يعرف الواعظ وقال له سيدي: أنت واعظ، دعني أوجه لك سؤالا: ما هو الاسم الحقيقي للسامري الصالح؟ أجابه الواعظ: "لا أعلم". لم يذكر الكتاب المقدس اسم السامري الصالح. فرد عليه الرجل: أسمح لي أن أخفى اسمي عنك حتى تخبرني باسم السامري الرحيم.

علق عن طريق الفيس بوك علق عن طريق الموقع

التعليقات

أرسل تعليقا

لن يظهر للقراء