قيامة الموتى: حقيقة ام خيال

  • strict warning: Declaration of views_handler_field::query() should be compatible with views_handler::query($group_by = false) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/handlers/views_handler_field.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of content_handler_field::element_type() should be compatible with views_handler_field::element_type($none_supported = false, $default_empty = false, $inline = false) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/cck/includes/views/handlers/content_handler_field.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_handler_sort::options_validate() should be compatible with views_handler::options_validate($form, &$form_state) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/handlers/views_handler_sort.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_handler_sort::options_submit() should be compatible with views_handler::options_submit($form, &$form_state) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/handlers/views_handler_sort.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_handler_sort::query() should be compatible with views_handler::query($group_by = false) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/handlers/views_handler_sort.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_handler_filter::options_validate() should be compatible with views_handler::options_validate($form, &$form_state) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/handlers/views_handler_filter.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_handler_filter::query() should be compatible with views_handler::query($group_by = false) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/handlers/views_handler_filter.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_plugin_query::options_submit() should be compatible with views_plugin::options_submit($form, &$form_state) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/plugins/views_plugin_query.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_plugin_style_default::options() should be compatible with views_object::options() in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/plugins/views_plugin_style_default.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_plugin_row::options_validate() should be compatible with views_plugin::options_validate(&$form, &$form_state) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/plugins/views_plugin_row.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_handler_field_user::init() should be compatible with views_handler_field::init(&$view, $options) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/modules/user/views_handler_field_user.inc on line 0.

قيامة الموتى: حقيقة ام خيال

الأب د. لويس حزبون
2019/11/09

يتناول إنجيل الأحد (لوقا 20: 27-38) قيامة الموتى التي ينكرها الصِّدُّوقيون، ويؤمن بها الفريسيون. أمَّا سيدنا يسوع المسيح فيؤكد عقيدة قيامة الموتى التي هي موضوع ايماننا وأساس رجائنا؛ وهي حل لمشاكل الحياة، لا سيَّما وانَّ عقليّة زماننا تحملنا على رفضها. ومن هنا تكمن أهمية البحث في وقائع النص الإنجيلي وتطبيقاته.

اولا: وقائع النص الإنجيلي (لوقا 20: 27-38)

27 ودَنا بَعضُ الصَّدُّوقيِّين، وهُمُ الَّذينَ يَقولونَ بِأَنَّه لا قِيامَة، فسأَلوه:

تشير عبارة " الصَّدُّوقيِّين" الى حزب ديني يهودي ارستقراطي، واسمهم مشتق من اللفظ العبري צָדוֹק "صادوق" أي بار؛ الذي هو مؤسسهم؛ ربما يكون صادوق هو الذي عاش عهد داود وسليمان، وفي عائلته حُفظت رئاسة الكهنوت حتى عصر المكابيين، أو هو صادوق آخر عاش حوالي سنة 300ق.م. حسب رأي البعض. وهم احتلوا مركز القيادة في القرنين الرابع والثالث قبل الميلاد في العصرين الفارسي واليوناني. وأحبوا الثقافة اليونانية واهتموا بالسياسة أكثر من الدين. وكانت وقوة الصِّدُّوقيين في العصر الروماني تكمن في السنهدريم والعائلات الثرية فضلاً عن ولائهم للسلطات الرومانية. يستفردون بالمناصب الكهنوتية العليا مثل منصب عظيم الكهنة، فمثلاً الصدوقي قيافا، الذي حكم على يسوع، وكانوا يمثلون الفئـة الأكبــر من رجال الدين اليهود، كما كانوا مسئولين عن الهيكل وعن تنظيم العبادة فيه أيضاً. وعارضوا حزب الفريسيين كما يقول المؤرخ يوسيفوس فلافيوس، ولم يقبلوا بالتقاليد الشفهية (سُنّة الشيوخ)، خلاف الفريسيين الذين حسبوا أنفسهم حراسًا لتقليد الشيوخ؛ وبالرغم من أنَّهم في خصام مع الفريسيين، ولكنهم اتفقوا معهم في العداء للرب يسوع. أمَّا عبارة " وهُمُ الَّذينَ يَقولونَ بِأَنَّه لا قِيامَة " فتشير الى الصَّدُّوقيِّين الذين ينكرون القيامة والخلود والآخرة والملائكة والجزاء، لانَّ الأسفار الخمسة الأولى (التوراة) التي يتمسكون بها لا تتكلم مباشرة عن قيامة الموتى (اعمال الرسل 23: 8) ولان فكرة القيامة من بين الأموات، لم تظهر في الكتاب المقدس كله إلا قبل مجيء يسوع بقليل نحو 130 ق. م. كما نرى مثلاً في سفر المكابيين (2 مكابي 7: 9-11. 23. 29)، وكذلك تظهر بدايات فكرة القيامة في سفر دانيال (12: 1-3) في القرن الثاني أيضاً قبل المسيح. ولذلك اصطدموا بكلمات السيد المسيح في هذا الشأن إذ كان يتحدث عن الملكوت السماوي وأنه ملكوت أبدي. أمَّا عبارة " فسأَلوه " فتشير الى سؤال ليس استفساريًّا، بل هو سؤال للإحراج لتشويه سلطة يسوع في التعليم (لوقا 20: 1-8).

28 يا مُعَلِّم، إِن مُوسى كَتَبَ علَينا: إِذا ماتَ لأمرئ أَخٌ لَه امرَأَةٌ ولَيسَ له ولَد، فَلْيَأخُذْ أَخوهُ المَرْأةَ ويُقِمْ نَسْلاً لِأَخيه.

تشير عبارة " فَلْيَأخُذْ أَخوهُ المَرْأةَ ويُقِمْ نَسْلاً لِأَخيه " الى بند من الشريعة الوارد ذكره في سفر تثنية الاشتراع "إِذا أَقامَ أَخَوانِ معًا، ثُمَّ ماتَ أَحَدُهما ولَيسَ لَه اَبنٌ، فلا تَصِرِ امرَأَةُ المَيتِ إلى خارِج، لِرَجُل غَريب، بل أَخو رَجُلِها يَدخُلُ علَيها ويتًّخِذُها اَمرَأَةً لَه، وهو يَقومُ نَحوَها بواجِبِه كأَخي الرَّجُل" (ثنية الاشتراع 25: 5-6). والأبن الأول الذي سيولد سيحمل اسم الأخ الراحل. هكذا لن يُمحى اسمه من نسب إسرائيل. ويهدف هذه البند من القانون الى تخليد اسم العائلة وتأمين وارث للمتوفى، لان الابن الأول من هذا الزوج يعتبر إبنا للمتوفي (تثنية الاشتراع 25: 5-6) ويهدف هذا القانون أيضا الى حماية المرأة التي تُركت وحيدة، إذ لم يكن هناك في ذلك العصر سبيل للمعيشة. وكانت هذه العادة معروفة أيضا عند الحثيين والاشوريين، وفقدت أهميتها منذ ان استطاعت البنات الحصول على حقوقهنَّ من الميراث كما ورد في الكتاب " قَد أَمِرَ سَيِّدُنا مِن قِبَلِ الرَّبِّ بِأَن يُعْطِيَ ميراثَ صلُفْحادَ أَخينا لِبَناتِه " (عدد 36: 2). لكن زواج السلفة أي تأخذ المرأة التي مات زوجها، سلفها أي شقيق زوجها فكان محرّماً في سفر الأحبار "أَيُّ رَجُلٍ آتَّخَذَ زَوجَةَ أَخيه، آرتَكَبَ نَجاسةً، فقَد كَشَفَ عَورَةَ أَخيه، فلْيَموتا عَقيمَين" (أحبار 20: 21). لكن شريعة الله هذه لم تُمنح لضمان تربية أبناء لآباء الأرض بحسب تفسير يسوع، انما ليجعلنا مستحقين لأن نكون "أبناء الله" بفضل قيامته كما تنبأ دنيال النبي "كثيرٌ مِنَ الرَّاقِدينَ في أَرضِ التُّرابِ يَستَيقِظون" (دانيال 12: 2).

29 وكانَ هُناكَ سَبعَةُ إِخوَة، فأَخَذَ الأوَّلُ امْرأَةً ثُمَّ ماتَ ولَيسَ له ولَد. 30فأَخذَها الثَّاني 31ثُمَّ الثَّالِث، وهكذا أَخذَها السَّبعَةُ ومَاتوا ولَم يُخَلِّفوا نَسْلاً. 32وآخِرَ الأَمْرِ ماتَتِ المَرأَةُ أَيضاً. 33فَهذِهِ المَرأَةُ في القِيامة لأَيِّهم تَكونُ زَوجَة، لِأَنَّ السَّبْعَةَ اتَّخَذوها امَرأَةً؟

تشير عبارة" كانَ هُناكَ سَبعَةُ إِخوَة، فأَخَذَ الأوَّلُ امْرأَةً ثُمَّ ماتَ ولَيسَ له ولَد. فأَخذَها الثَّاني ثُمَّ الثَّالِث، وهكذا أَخذَها السَّبعَةُ ومَاتوا ولَم يُخَلِّفوا نَسْلاً. وآخِرَ الأَمْرِ ماتَتِ المَرأَةُ أَيضاً" الى مثل خيالي ولا يمكن لأي شريعة أن تعطي جواباً عليه. وهكذا يظنون بأنهم سيُثبِّتوا عدم صحة قيامة الأموات. لا شك أنه بسبب عدم الإيمان بالقيامة لدى اليهود في زمن تثنية الاشتراع، كان من الضروري، بحسب قانون زواج الأرملة من شقيق زوجها، الذي ينوه إليه الصَّدُّوقيِّون، أن يُعطى سلالة للأخ المتوفي بدون أبناء. إنه نوع من مقاومة الحياة ضد الموت. ولكن يبدو سؤالهم ليسوع هو استفزاز واستخفاف بموضوع القيامة خاصة بسبعة الأخوة مع امهم في عهد المكابيين الذين قتلوا وكلهم املا ان ملك الكون سيُقيمهم لحياة ابدية (2 مكابى 7: 9). نادوا بقيامة الأجساد. فالقيامة بالنسبة لهم لا معنى لها وليست حلًا لمشاكل الحياة. أمَّا عبارة "سَبعَةُ " فتشير إلى الإنسان الذي ارتبط بالزمن والزمنيات أو بمحبة العالم الذي يُرمز له برقم 7 إشارة إلى أيام الأسبوع السبعة خاصة ان ديانة الصَّدُّوقيِّين تتمحور، حرفيّاً، على شكل أرضيّ للسماء. وتكرَّر عدد سبعة 77 مرة في الكتاب المقدس. أمَّا عبارة " لأَيِّهم تَكونُ " فتشير الى معنى "لأيِّهم تصبح" كما ورد في اللفظة اليونانية γίνεται؛ وقد توخى الصِّدُّوقيون أن يفحموا يسوع معتبرين أنه لن يجدَ جوابا. يستهدف سؤال الصِّدُّوقيين السخرية من سلطة يسوع ومن تعاليمه وذلك بإثباتهم أنّ القيامة ليست ممكنة بل إنها أمر مُسْتهجن. لذلك لا يجدي نفعًا محاولات الإنسان للتغلب على الموت عن طريق القيامة التي هي وهم وخيال.

34 فقالَ لَهم يسوع: إِنَّ الرِّجالَ مِن أَبناءِ هذهِ الدُّنْيا يَتَزَوَّجون والنِّساءَ يُزَوَّجْنَ.

تشير عبارة " أَبناءِ هذهِ الدُّنْيا " الى سكان الأرض على وجه العموم بغض النظر عن كونهم أخيارا او اشراراً. اما عبارة " يَتَزَوَّجون والنِّساءَ يُزَوَّجْنَ " فتشير الى شريعة الزواج في هذا العالم فقط، لان الناس يموتون. ومن هذا المنطلق يلزم ان يولد غيرهم ليأخذوا أماكنهم بخلاف العالم الآخر، عالم الأرواح حيث لا موت فيه، وبالتالي لا حاجة الى الزواج.

35 أَمَّا الَّذينَ وُجِدوا أَهْلاً لأَن يَكونَ لَهم نَصيبٌ في الآخِرَةِ والقِيامةِ مِن بَينِ الأَموات، فَلا الرِّجالُ مِنهُم يَتَزوَّجون، ولا النِّساءُ يُزَوَّجنَ.

تشير عبارة "اما الَّذينَ وُجِدوا أَهْلاً لأَن يَكونَ لَهم نَصيبٌ في الآخِرَةِ " الى الذين حُسبوا اهلا للحصول على الآخرة (أي السماء)، وهم الابرار الذين ينالون الحياة الأبدية في السماء، ويكونون كالملائكة؛ ويُشدِّد لوقا الانجيلي على أن القبول في العالم الآتي نعمة " اسهَروا مُواظِبينَ على الصَّلاة، لكي توجَدوا أَهْلاً لِلنَّجاةِ مِن جَميعِ هذه الأُمورِ التي ستَحدُث، ولِلثَّباتِ لَدى ابنِ الإِنْسان" (لوقا 21: 36). أمَّا عبارة " القِيامةِ مِن بَينِ الأَموات " فتشير الى البلوغ الى الحياة الجديدة التي تكون القيامة مدخلا إليها التي تكلم عنها يسوع" الحَقَّ الحَقَّ أَقولُ لَكم: تَأتي ساعةٌ - وقد حَضَرَتِ الآن - فيها يَسمَعُ الأَمواتُ صَوتَ ابنِ الله والَّذينَ يَسمعَونَه يَحيَوْن"( يوحنا 5: 29) وهذه الحياة أشار إليها بولس الرسول بقوله "لَعَلي أَبلُغُ القِيامةَ مِن بَينِ الأَموات " (فيلبي 3: 11)؛ والمقصود هنا حياة القداسة والسعادة التي يدخل اليها المختارون بواسطة القيامة حين تتحد أرواحهم مع أجسادهم، وتكون تلك الأجساد على صورة جسد المسيح المُمجَّد كما جاء في تعليم بولس الرسول "الَّذي سيُغَيِّرُ هَيئَةَ جَسَدِنا الحَقير فيَجعَلُه على صُورةِ جَسَدِه المَجيد بما لَه مِن قُدرَةٍ يُخضِعُ بِها لِنَفْسِه كُلَّ شيَء" ( فيلبي 3: 21). أمَّا قيامة الأشرار فقيامتهم للدينونة أي الى موت ثانٍ (رؤيا 20: 6)؛ أمَّا عبارة " فَلا الرِّجالُ مِنهُم يَتَزوَّجون، ولا النِّساءُ يُزَوَّجنَ" فتشير الى قوانين عالم القيامة التي تختلف جذريًّا عن قوانين عالمنا. ففي عالم السماء ثقافة أخرى، ومفهوم آخر للحياة وللوجود. ويقارن السيد المسيح بين أبناء هذا الدهر وبين الحياة في الدهر الآتي معلنًا أننا في هذا الدهر نرتبط بأعمال جسدية مؤقتة مثل الزواج، أمَّا في الدهر الآتي فتبطل هذه الأعمال الجسدية لتمارس حياة علي مستوى روحي ملائكي. في عالم الله هذا، يسقط الجنس وتسقط كلّ المتع الجسدية التي نعرفها في حياتنا الأرضيّة، ويتَّحد المؤمنون مع الله في سعادة تامةٍ في القيامة، وبالتالي ليس هناك علاقات زوجية للإنجاب إذ لا يوجد موت! ولأنهم يصيرون كالملائكة الذين لا عمل لهم سوى خدمة الله وتمجيده. في السماء لا نحتاج للزواج لننجب الأطفال بدلًا من الذين يموتون. ويعلق العلامة ترتليانوس "لا يعني أن الإنسان يفقد كيانه كإنسان أو يخسر جسده، فكما يُسمح للملائكة أن تظهر على شكل بشر دون أن يفقدوا طبيعتهم الملائكية هكذا نصير نحن كملائكة الله دون فقدان لجسدنا البشري، وإنما لا تكون له متطلبات زمنية، بل يحمل طبيعة جديدة تليق بالحياة السماوية ".

36 فلا يُمكِنُ بَعدَ ذلك أَن يَموتوا، لِأَنَّهُم أَمثالُ المَلائِكَة، وهُم أبناءُ اللهِ لِكَونِهِم أَبناءَ القِيامة.

تشير عبارة " فلا يُمكِنُ بَعدَ ذلك أَن يَموتوا " الى الله الذي قضى بنفي الموت من السماء كما جاء في رؤية يوحنا الرسول “لِلمَوتِ لن يَبْقى وُجودٌ بَعدَ الآن، ولا لِلحُزنِ ولا لِلصُّراخِ ولا لِلأَلَمِ لن يَبْقى وُجودٌ بَعدَ الآَن، لأَنَّ العالَمَ القَديمَ قد زال"(رؤية 21: 4). وبما أن الله أزليّ فعلاقته بأبنائه أزليّة، وبالتالي لا يوجد موت في السماء. اما عبارة " لِأَنَّهُم أَمثالُ المَلائِكَة" فتشير الى المختارين بعد الموت الذين يُصبحون على مثال الملائكة غير خاضعين للموت، وغير محتاجين الى الزواج، لان سيكون لهم جسداً مُمجَّداً. وما سيكون مُهما في الحياة الأبدية هو أن يكونوا أبناء وبنات لله. وهنا لا يحطُّ يسوع من قيمة الزواج (متى 19: 3-9)، بل حصر الاهتمام على خدمة الله وتسبيحه "أَقولُ لكم إِنَّ ملائكتَهم في السَّمَواتِ يُشاهِدونَ أَبَداً وَجهَ أَبي الَّذي في السَّمَوات" (متى 18: 10)، اما عبارة " أبناءُ اللهِ " فتشير الى إيماننا في يسوع بالقيامة الذي هو ليس نتاج نقاشات فلسفية، بل نابع من كوننا أبناء الله. فقيامتنا تحوِّلنا الى صورة المسيح كما جاء في تعليم يوحنا الرسول" نَحنُ مُنذُ الآنَ أَبناءُ الله ولَم يُظهَرْ حتَّى الآن ما سَنَصيرُ إِليه. نَحنُ نَعلَمُ أَنَّنا نُصبِحُ عِندَ ظُهورِه أَشباهَه لأَنَّنا سَنَراه كما هو " (1يوحنا 3: 2). وحين كان المختارون على الأرض كانوا أبناء البشر عرضةً للموت، ولمَّا بلغوا السماء صاروا أبناء الله الخالدون كما يُرنِّم صاحب المزامير " أَمَّا أَنا فبِالبِرِّ أُشاهِدُ وَجهَكَ وعِندَ اليَقظَةِ أَشبعُ مِن صورَتكَ " (مزمور 17: 15). أمَّا عبارة " أَبناءَ القِيامة " فتشير الى ورثة العالم الجديد والحياة في الآخرة كما صرَّح يسوع "بَعدَ قَليلٍ لَن يَراني العالَم. أَمَّا أَنتُم فسَتَرونَني لِأَنِّي حَيٌّ ولأنَّكُم أَنتُم أَيضاً سَتَحيَون " (يوحنا 14: 19) ويؤكد بولس الرسول هذه الحقيقة بقوله "أَمَّا ونَحنُ نُؤمِنُ بِأَنَّ يَسوعَ قد ماتَ ثُمَّ قام، فكَذلِك سيَنقُلُ اللهُ بِيَسوعَ ومعَه أُولَئِك الَّذينَ ماتوا" (1 تسالونيقي 4: 14). عندئذ نأخذ في يوم القيامة أجسادا ليست عرضة للموت كما صرّح بولس الرسول "يَكونُ زَرْعُ الجِسْمِ بِفَساد والقِيامةُ بِغَيرِ فَساد. يَكونُ زَرْعُ الجِسْمِ بِهَوان والقِيامَةُ بِمَجْد. يَكونُ زَرْعُ الجِسْمِ بضُعْف والقِيامةُ بِقُوَّة. يُزرَع جِسْمٌ بَشَرِيٌّ فيَقومُ جِسْمًا رُوحِيًّا (1 قورنتس 15: 42-44). لكن الناس الذين كانوا متزوجين على الأرض سيحتفظون بعلاقات شخصية روحية مختلفة تماما عن علاقاتهم مع الآخرين. وكذلك الأصدقاء وكذلك الأمومة والأبوة والبنوّة. فإن كل ما كان عميق في حياتنا الإنسانية وفي حياتنا الحالية سيبقى إلى الأبد. هكذا مثلاً مريم العذراء ستبقى للأبد أم المسيح. الأزواج والأصدقاء والأحباء سيلتقون في الحياة الأبدية، لكنهم سيلتقون لكي يعيشوا بشكل كامل حُب الله في الأبدية. فنحن نعيش من حياة الله نفسها. لن يعيد الله لنا نفس الحياة التي نعيشها اليوم، أي الحياة الزائلة والمحدودة، لكنها ستكون اشتراكاً في حياة المسيح القائم، أي شركة كاملة ونهائية مع الله الحي. وفي هذا الصدد قال يسوع لمرتا " أَنا القِيامةُ والحَياة مَن آمَنَ بي، وَإن ماتَ، فسَيَحْيا وكُلُّ مَن يَحْيا ويُؤمِنُ بي لن يَموتَ أَبَداً" (يوحنا 11: 25 26). ويُعلق القديس اوغسطينوس " آمن أنك وإن مت فستحيا، فإن لم تؤمن بذلك فإنك وإن عشت تموت".

37 وأَمَّا أَنَّ الأَمواتَ يَقومون، فقَد أشارَ موسى نَفْسُه إِلى ذلك في الكَلامِ على العُلَّيقَة، إِذ دعا الرَّبَّ إِلهَ إبراهيم وإِلهَ إِسحق وإِله يَعقوب.

تشير عبارة " الرَّبَّ إِلهَ إبراهيم وإِلهَ إِسحق وإِله يَعقوب" الى ما أَوحي الله الى النبي موسى " أَنا إِلهُ أَبيكَ، إِلهُ إِبْراهيم وإِلهُ إِسحق وإِلهُ يَعْقوب " (خروج 3: 6) حيث دلَّ على ان الله هو إله الاحياء، لا إله الأموات. فإذا كان إبراهيم واسحق ويعقوب هم أحياء اليوم، فليس لكونهم أنجبوا أبناء وبنات، بل لكونهم ولدوا من الله. إن أصل الإنسان هو في الله، وأن البشر هم أبناء الله. إننا نؤمن بأنهم بالقرب من الله، في يد الله كما يقول سفر الحكمة "أَمَّا نُفوسُ الأَبْرارِ فهي بِيَدِ الله" (الحكمة 3: 1). فلا شيء مستحيل على الله. هل نعرف الكتاب المقدس وقوته على تغيير حياتنا بل ولادتنا ثانية كما جاء في تعليم بطرس الرسول "إِنَّكم ولِدتُم وِلادةً ثانِيَة، لا مِن زَرْعٍ فاسِد، بل مِن زَرْعٍ غَيرِ فاسِد، مِن كَلِمَةِ اللهِ الحَيَّةِ الباقِيَة"(1 بطرس 1: 23). فالقيامة لا تستند على فكرة قد تكون موجودة لدى الإنسان، إنما على الإيمان بسلطة الله على الموت، بأنه تعالى قادر على أن يقيم الموتى.

38 فما كانَ إلهَ أَموات، بل إِلهُ أَحياء، فهُم جَميعاً عِندَه أَحْياء.

تشير عبارة "إِلهُ أَحياء" الى اهتمام الله بالأحياء، خلافاً لراي الصِّدُّوقيين الذين يتهكمون على مسالة قيامة الأموات، ويسوع يستند على سفر الخروج، فقد أظهر الله نفسه لموسى إله الآباء، الإله الذي يُسيّر تاريخ الاحياء فقال" أَنا إِلهُ أَبيكَ، إِلهُ إِبْراهيم وإِلهُ إِسحق وإِلهُ يَعْقوب" (الخروج 3: 6)؛ أمَّا عبارة "هُم جَميعاً عِندَه أَحْياء" في الأصل اليوناني πάντες γὰρ αὐτῷ ζῶσιν (معناها لان الجميع يحيون له) فتشير الى ما يصحُّ على إبراهيم على واسحق ويعقوب، يصح على الموتى، لانهم لا يزالون أحياء عند الله. ويوضّح يسوع هنا أن نفس الانسان تبقى حية بعض انفصالها عن الجسد. ومن هذا المنطلق ان الجميع عند الله أحياء سواء كانوا في الجسد ام لا، وعلى الأرض او في عالم آخر.

ثانياً: تطبيق النص الإنجيلي (لوقا 20: 27-38)

انطلاقا من الملاحظات الوجيزة حول وقائع النص الإنجيلي (لوقا 20: 27-38) نستنتج انه يتمحور حول قيامة الموتى، ومن هنا نتساءل ما معنى قيامة الموتى؟ وما موقف الصِّدُّوقيين وموقف يسوع المسيح من قيامة الموتى؟

1) ما معنى قيامة الموتى وكيف ومتى تتمُّ؟

ا) معنى قيامة الموتى

يعرض أنجيل لوقا في الفصل العشرين عدة مجادلات بين يسوع والكتبة والفريسيين والصدوقيين في مكان الهيكل. واليوم يدور النقاش مع الصَّدُّوقيِّين في موضوع قيامة الموتى. لا يُدين يسوع الصِّدُّوقيين، لكنه يركِّز على خطورة وأهمية الموضوع الذي هو أبعد مِن ان يكون مجرد موضوع نقاش لاهوتي بين جماعتي الصَّدُّوقيِّين والفرِّيسيين حيث في الحقيقة ان القيامة توجِّهنا إلى معنى وهدف حياتنا وكل أحداثها.
ليست قيامة الموتى بالمعنى الذي عناه الفيلسوف سقراط لتلاميذه قبل موته من أنَّ نفسه ستحيا خيرَ حياةٍ وأكمَلها بعد موته، ولا بمعنى ما يتركه راحلٌ من ذكرٍ لا ينفكّ يعمل في ذويه عمله الرّاهن فيما بعد، بل يقوم الموتى بلحمهم وعظامهم. فتلك الحياة التي هدمها الموت وقوَّض أركانها، قد انبعثت ولا شكّ حيّة على شكل جديد كما ورد في الكتاب المقدس.
وفي مفهوم الكتاب المقدس الانسان معرّض للموت، حيث انَّ عند الموت تصير النفس سجينة الجحيم (مثوى الأموات)، بينما يتحلَّل الجسد في القبر. إلا ان ذلك لن يكون إلا حالة عابرة حيث يُبعث الانسان بعدها حياً بنعمة الله. ويشرح كتاب التعليم المسيحي قيامة الموتى او قيامة الجسد بقوله "في الموت، الذي هو انفصال النفس والجسد، يسقط جسد الانسان في الفساد، فيما تذهب نفسه لملاقاة الله، على انها تبقى في انتظار اتحادها من جديد بجسدها المُمجَّد. فالله، في قدرته الكلية، سوف يُعيد الحياة غير الفاسدة لأجسادنا مُوحِّداً إيَّاها بنفوسنا، بفضل قيامة يسوع" (رقم 997). يقوم الجميع، كلٌّ بجسده الخاص الذي له الآن" (مجمع لاتران الرابع فصل 1، في الإيمان الكاثوليكي، 801).
ولفظة "الجسد" تعني الانسان من حيث وضعه الضعيف والمائت كما جاء في تعليم صاحب المزامير "يَتَلوى قَلْبي في باطِني وأَهْوالُ المَوتِ تَتَساقَطُ علَيَّ " (مزمور 55: 5)؛ وأمَّا "قيامة الجسد" فتعني انه بعد الموت لن يكون فقط حياة للنفس الخالدة، ولكن حتى "اجسادنا المائتة" ستعود اليها الحياة كما جاء في رؤيا دانيال النبي "كثيرٌ مِنَ الرَّاقِدينَ في أَرضِ التُّرابِ يَستَيقِظون، بَعضهم لِلحَياةِ الأَبَدِيَّة، وبَعضُهم لِلعارِ والرَّذلِ الأَبَدِيّ."(دانيال 12: 2). والحياة الجديدة لا تشبه حياة العالم الحاضر، لكن حياة ذات طبيعة متجلية " يُضيءُ العُقَلاءُ كضِياء الجَلَد، والَّذينَ جَعَلوا كَثيراً مِنَ النَّاسِ أَبْراراً كالكَواكِبِ أَبَدَ الدُّهور" (دانيال 12: 3). ويوضّح بولس الرسول هذه الحقيقة بقوله "فإِذا كانَ الرُّوحُ الَّذي أَقامَ يسوعَ مِن بَينِ الأَمواتِ حالاًّ فيكُم، فالَّذي أَقامَ يسوعَ المسيحَ مِن بَينِ الأَموات يُحْيي أَيضًا أَجسادَكُمُ الفانِيةَ بِرُوحِه الحالِّ فيكُم" (رومة 11:8)؛ ومن هذا المطلق فإن الجميع يقوم، كلٌّ بجسده الخاص الذي كان له قبل موته.
وقد كشف الله قيامة الموتى لشعبه تدريجيا، حيث ان الرجاء بقيامة الموتى في الجسد قد ثبت كنتيجة ضمنية للإيمان بالله الذي خلق الانسان بكامله جسداً ونفساً، وحفظ بأمانة العهد مع ابراهيم ونسله كما ترنّم صاحب المزامير "فانَّ الرَّبَّ صالِحٌ وللأبدِ رَحمَتُه وإِلى جيلٍ فجيل أَمانَتُه" (مزمور 100: 5). فالله الذي يخلق، هو أيضا يُقيم (2 مكابى 7: 9)؛ والله هو أمين للعهد للأبد "لا أَقطعُ عنه رَحمَتي ولا أَخونُ أَمانتي"(مزمور 89: 34). وفي هذه النظرة المزدوجة تمَّ التعبير عن الايمان بالقيامة. ثم أن الشهداء المكابيين اعترفوا بالقيامة في وسط مضايقهم، فقال أحدهم للملك " إنّ مَلِكَ العالَم، إِذا مُتْنا في سَبيلِ شَرائِعِه، سيُقيمُنا لِحَياةٍ أَبَدِيَّة" (2مكابي 7: 9)، وقال آخر للملك لَمَّا أَشرَفَ على المَوتِ " خَيرٌ أَن يَموتَ الإِنسانُ بِأَيدي النَّاس ويَرجُوَ أَن يُقيمَه الله" (2مكابي 7: 14).

ب) كيف تتمّ قيامة الموتى او الأجساد؟

يتحوَّل الجسد الى جسد مُمجَّد على صورة جسد المسيح المُمجَّد "الَّذي سيُغَيِّرُ هَيئَةَ جَسَدِنا الحَقير فيَجعَلُه على صُورةِ جَسَدِه المَجيد "جسد روحاني" فلا بُدَّ لِهذا الكائِنِ الفاسِدِ أَن يَلبَسَ ما لَيسَ بِفاسِد، ولِهذا الكائِنِ الفاني أَن يَلبَسَ الخُلود. (1 قورنتس 15: 35) بما لَه مِن قُدرَةٍ يُخضِعُ بِها لِنَفْسِه كُلَّ شيَء" (فيلبي 3: 21)، فيتحول الجسد الى "جسد روحاني "كما يُبيّن بولس الرسول "يُزرَع جِسْمٌ بَشَرِيٌّ فيَقومُ جِسْمًا رُوحِيًّا" (1 قورنتس 44:15). وهذا الامر "يتخطى تصورنا وتفكيرنا. ولا يمكن الوصول اليه الاّ بالإيمان" (التعليم المسيحي رقم 1000). وقيامة الأموات هذه مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالمجيء الثاني للمسيح " لأَنَّ الرَّبَّ نَفْسَه، عِندَ إِعْلانِ الأَمْر، عِندَ انطِلاقِ صَوتِ رَئيسِ المَلائِكة والنَّفْخِ في بُوقِ الله، سيَنزِلُ مِنَ السَّماء فيَقومُ أَوَّلاً الَّذينَ ماتوا في المسيح" (1 تسالونيقي 4: 16).

ج) متى تتمُّ قيامة الأجساد؟

"أؤمن بقيامة الجسد"، يصل اعترافنا بالله الآب والابن والروح القدس إلى قمته في إعلان قيامة الأموات في نهاية الأزمنة. صرّح يسوع المسيح ان قيامة الأجساد تتم بوجه نهائي "في اليوم الاخير" أَنا أُقيمُه في اليَومِ الأَخير" (يوحنا 40:6)؛ وذلك "في نهاية العالم" يوم مجيء الثاني لربنا يسوع المسيح كما يؤكده بولس الرسول " لأَنَّ الرَّبَّ نَفْسَه، عِندَ إِعْلانِ الأَمْر، عِندَ انطِلاقِ صَوتِ رَئيسِ المَلائِكة والنَّفْخِ في بُوقِ الله، سيَنزِلُ مِنَ السَّماء فيَقومُ أَوَّلاً الَّذينَ ماتوا في المسيح" (1تسالونيكي 4: 16). ويعلن قانون الايمان المسيحي عن قيامة الموتى في نهاية الأزمنة "نؤمن ايمانا ثابتا، انه كما ان المسيح قام حقا من بين الاموات، وانه يحيا على الدوام، كذلك الصديقون من بعد موتهم سيحيون على الدوام مع المسيح القائم، وانه سيقيمهم في اليوم الاخير" (التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية، 988).
وأخيرا فإن الاعتقاد بقيامة الموتى هو أحد عناصر الايمان المسيحي الاساسية منذ بدايته. وهنا يسال بولس أهل قورنتس " فكَيفَ يَقولُ بَعضُكُم إِنَّه لا قِيامةَ لِلأَموات؟ فإِن لم يَكُنْ لِلأَمواتِ مِن قِيامة، فإِنَّ المسيحَ لم يَقُمْ أَيضًا. وإِن كانَ المسيحُ لم يَقُمْ، فتَبشيرُنا باطِلٌ وإِيمانُكُم أَيضًا باطِل... كَلاَّ! إِنَّ المسيحَ قد قامَ مِن بَينِ الأَموات وهو بِكرُ الَّذينَ ماتوا" (1قورنتس 15: 12-14، 20).
ولم يلق الايمان المسيحي مجابهة على اية نقطة كما لقي على قيامة الجسد. فمنذ البدء اصطدام الايمان بالقيامة بكثير من عدم التفهم والمقاومة، منهم، الصِّدُّوقيون (متى 22: 23، اعمال الرسل 23: 8)، والوثنيون (اعمال الرسل 17: 32) وبعض المسيحيين من عهد الرسل (1قورنتس 15) والغنوسيون والمانويون، وفي العصور الوسطى الكاتاريّون، وحديثا المادية والراسيوناليّة وغيرهم.
ومن المقبول بنوع عام ان تستمر حياة الشخص بعد الموت بشكل روحي، ولكن كيف السبيل الى الايمان بان هذا الجسد المائت، وموته ظاهر للعيان بكل جلاء، يقدر ان يقوم الى الحياة الابدية؟ ومن هنا نجد اعتراض الصِّدُّوقيين على المسيح، هؤلاء الذين لا يعترفون بقيامة الموتى “الصَّدُّوقِيِّينَ يَقولونَ بأَنَّه لا قِيامَةَ ولا مَلاكَ ولا روح، وأَمَّا الفِرِّيسِيُّونَ، فيُقِرُّون بِها جَميعًا" (اعمال الرسل 23: 8).

2) ما هو موقف الصِّدُّوقيين من قيامة الموتى؟

إن " الصدوقيين "هم الذين ينتمون إلى طبقات الكهنوت العليا، لم يتقبلوا عقيدة القيامة، التي ظهرت قبل ذلك بقرنين في نبوءة دانيال (دانيال 12: 2 -3). أمَّا يسوع فإنه يقبلها شأن الفريسيين (أعمال الرسل 23: 8). وبعد ان فشل الفريسيون والهيرودسيون في اصطياد الرب يسوع بسؤالهم عن موضوع الجزية (لوقا 2: 20-26) تقدم الصِّدُّوقيون ليجربوه. فطرحوا عليه سؤالا عن قيامة الأجساد والحياة بعد الموت علما انهم لم يؤمنوا بالقيامة بها. فسؤالهم عقائدي أكثر منه اخلافي او سياسي؛ وهدفهم إحراج يسوع وإيقاعه في الخطأ، لكي يثبتوا ان القيامة لا معنى لها. وهكذا انطلقوا من مبدا في الشريعة الموسوية التي تجيز للأرملة التي ليس لها بنون ان تتزوّج من سلفها الذي لم يتزوج (ثنية الاشتراع 25: 5-6). وجاءوه بحادثة وهمية، تزوجت فيها أمرة من سبعة رجال إخوة. فسألوا لأي الرجل تكون بعد القيامة؟
والنتيجة ان القيامة أمر مستحيل، فهم لا يؤمنون بقيامة الجسد ولا يقبلون عودة الجسد بعد انحلاله، بل يظنُّون أنَّ النفس تموت مع الجسد ولا تقوم. وبالتالي سألوا يسوع ليضعوه في موضع سخرية واستهزاء. وسؤالهم يفسد رجاء العالم كله في المسيحية "فإِن لم يَكُنْ لِلأَمواتِ مِن قِيامة، فإِنَّ المسيحَ لم يَقُمْ أَيضًا" (1قورنتس 13-14).

3) ما هو موقف السيد المسيح من قيامة الموتى؟

جاء جواب يسوع ليقوِّم مواقف الصّدُّوقيين ويؤكد لهم على الايمان بالقيامة من خلال اجابته من التوراة، كتابات موسى، المصدر الذي يحترمونه. فحاول ان يُجيب على اعتراضاتهم حول كيفية قيامة الأجساد، وحقيقة القيامة.

ا) الاعتراض الأول على كيفية القيامة

اعترض الصِّدُّوقيون على كيفية الزواج في الآخرة كي يجعلوا فكرة القيامة تبدو سخيفة وبالتالي كيف تكون قيامة؟ سألوا يسوع “فَهذِهِ المَرأَةُ في القِيامة لأَيِّهم تَكونُ زَوجَة، لِأَنَّ السَّبْعَةَ اتَّخَذوها امَرأَةً؟" (لوقا 20: 33). اجابهم يسوع " أَنتُم في ضَلالٍ لأَنَّكُم لا تَعرِفونَ الكُتُبَ ولا قُدرَةَ الله" (متى: 22: 29). ان الأهم هو معرفة قوة الله، لا معرفة كيفية الزواج في الآخرة. ان الزواج من الناحية الجسدية أي الناحية التي تتعلق بها شريعة الزواج من زوجة الأخ بعد موته، جائز فقط في هذا العالم حيث يتسلط فيه الموت فيصبح بقاء الجنس ضرورة حتمية.
وفي الوقت نفسه يوضّح يسوع للفريسين الذين يؤمنون بالقيامة بعكس الصِّدُّوقيين ولكنهم يفسرون حياة الانسان بعد الموت وكأنها مجرد استكمال للحياة الأرضية. ويؤكِّد يسوع ان هنالك تغيّر جذري يتم في القيامة. الحياة بعد الموت لها قوانين غير قوانين الحياة على الارض، لذا فهي لا تخضع لقوانين هذه الحياة ولا تسري عليها تلك القوانين. في العالم الأرضي يتزوّج فيه الناس، وأمَّا العالم الآخر لا يتزوجون فيه، العالم الأرضي يموت فيه الناس، والعالم الآخر لا يموتون فيه، وبالتالي لا يحتاجون الى إنجاب كائنات جديدة. الناس في العالم الآخر يكونون أشبه بالملائكة في القيامة: لا موت ولا زواج، لأنهم ابناء القيامة " لِأَنَّهُم أَمثالُ المَلائِكَة، وهُم أبناءُ اللهِ لِكَونِهِم أَبناءَ القِيامة" (لوقا 20: 36). ولذلك فان في القيامة يخرج الناس عن حدود البشر، وعن شروط الأرض. إذ يتضمن الرجاء المسيحي تجديداً كاملا للشخص، ويفترض في الوقت نفسه تغييرا كلياً للجسد، الذي صار روحانيّا، وغير قابل للفساد وخالداً كما جاء في تعليم بولس الرسول "يُزرَع جِسْمٌ بَشَرِيٌّ فيَقومُ جِسْمًا رُوحِيًّا...فلا بُدَّ لِهذا الكائِنِ الفاسِدِ أَن يَلبَسَ ما لَيسَ بِفاسِد، ولِهذا الكائِنِ الفاني أَن يَلبَسَ الخُلود" (1 قورنتس 15: 35-53).
ونستنتج مما سبق ان الحياة في القيامة هي امتداد الى هذه الحياة لكن مع اجساد مُمجدّة على مثال جسد يسوع القائم من الموت. إن قصّة لقاءات المسيح مع تلاميذه بعد قيامته تعطي نوعا ما فكرة عمّا يحدث بالقيامة، فهي تمنحنا جسداً مُمجَّداً لا يخضع لقوانين الطّبيعة المعروفة، ولا يرتبط لا بمكان ولا بزمان. ويتنقّل بجسده دون مانع أو حاجز. فهو يدخل في البيوت المغلقة كالرّيح يهب من كل صوب ولا نعرف عنه متى يأتي وإلى اين يذهب، فمثلا بينما يسوع القائم من بين الاموات يقاسم تلميذي عمّاوس كسر الخبز، يختفي عن الأبصار. وبكلمة موجزة في القيامة يصبح الموت عبور من حياة لها نهاية إلى حياة أخرى ممجدة لن تنتهي أبداً حيث ينتقل المؤمن من مقرّ أرضيّ إلى مقرّ ابديّ حيث الحياة والسعادة والمجد مع المسيح وفي المسيح.

ب) الاعتراض الثاني على حقيقة القيامة

ينطلق يسوع من الكتاب المقدس ليردَّ على اعترض الصِّدُّوقيين. وكان يمكن للسيِّد المسيح أن يؤكّد لهم القيامة من كتابات الأنبياء (هوشع 13: 14، حزقيال 37: 1-؛14 إشعيا 36: 19، مز مور 104: 29)، ولكنه أراد ان يستند الى سفر التكوين الذي يؤمن به الصِّدُّوقيون. وقد استند يسوع لإثبات حقيقة قيامة الموتى على كلام الله لموسى النبي، وعلى قدرة الله، وعلى المنطق وعلى ربط الايمان بقيامة الموتى بشخصه القائم من بين الأموات.

الحجة الأولى: كلام الله لموسى النبي

استند يسوع لإثبات حقيقة قيامة الموتى على كلام الله لموسى النبي، المصدر الّذي يحترمونه الصدّوقيّون. إن كان الإله الّذي يؤمن به الصِّدُّوقيون به هو إله العهد، العهد مع ابراهيم ومع اسحق ومع يعقوب، كما ورد في التوراة عن كلام الله لموسى النبي "إِذهَبْ وأجمَعْ شُيوخَ إِسْرائيلَ وقُلْ لَهم: "الرَّبُّ إِلهُ آبائِكُم تراءَى لي-إِلهُ إِبْراهيمَ وإِسحقَ ويَعْقوب" (خروج 3: 6) فلا يمكن لأيّ شيء، ولا حتّى الموت، أن يعيق أن يكون العهد دائم. وإذا صحّ ان الله جعل من نفسه صديقا للآباء، فصداقته للأبد، لان عبارة " إِلهُ إِبْراهيمَ وإِسحقَ ويَعْقوب" تشير إلى اختيار الله وأمانته لمختاريه، ولا يستطيع الموت ان يضع حداً لاختيار الله وأماته من ناحية، ومن ناحية أخرى من حيث ان الله هو إله أحياء لا إله أموات، فلا بُد أن هؤلاء أحياء عنده، وإن كانوا أحياء فلا بدّ أنّ القيامة موجودة وحقيقيّة. ومن هذا المنطلق نستنتج ان الحياة الأخرى متضمنة في كتابات موسى التي اقتبسوا منها "أنا إِلهُ أَبيكَ، إِلهُ إِبْراهيم وإِلهُ إِسحق وإِلهُ يَعْقوب" (خروج 3: 6).
ونستنتج مما سبق ان الحجة الأولى قائمة على اختبار الشركة مع الله. "إِذ دعا الرَّبَّ إِلهَ إبراهيم وإِلهَ إِسحق وإِله يَعقوب" فهذا دليل على القيامة والحياة الأبدية التي يستمتع بها كل المؤمنين به. ولذلك فانَّ امواتنا أحياء، يحيون بالله، ولكي نقبل هذه العقيدة يجب أولا الايمان بالله، الايمان بان الله هو الذي ارادنا واعطانا الحياة، ولا يرغب في ان يجد نفسه يوما أمام جثثٍ وقبورٍ. الربّ هو إله حيّ لناس أحياء. فكيف سيتحقق هذا على ارض الواقع؟ هنالك كثير من العجائب لم يُفسرها العقل.

الحجة الثانية: قدرة الله

استند يسوع لإثبات حقيقة قيامة الموتى أيضا على قدرة الله. صرّح يسوع " أَنتُم في ضَلالٍ لأَنَّكُم لا تَعرِفونَ الكُتُبَ ولا قُدرَةَ الله " (متى 22: 29). فالصِّدُّوقيون لا يجهلون الكتب المقدسة فحسب، ولكنهم أيضا لا يعرفون قوة الله، فالسماء ابعد من ادراكنا وتخيلنا كما قال بولس الرسول "ما لم تَرَهُ عَيْنٌ ولا سَمِعَت بِه أُذُنٌ ولا خَطَرَ على قَلْبِ بَشَر، ذلكً ما أَعدَّه اللهُ لِلَّذينَ يُحِبُّونَه" (1 قورنتس 2: 9). وتتجلى قدرة الله بصفة خاصة في القيامة "وجُعِلَ ابنَ اللهِ في القُدرَةِ، بِحَسَبِ روحِ القَداسة، بِقِيامتِه مِن بَينِ الأَموات، أَلا وهو يسوعُ المسيحُ ربّنا" (رومة 1: 4)؛ وفي موضع آخر يقول بولس الرسول " فالَّذي أَقامَ يسوعَ المسيحَ مِن بَينِ الأَموات يُحْيي أَيضًا أَجسادَكُمُ الفانِيةَ بِرُوحِه الحالِّ فيكُم "(رومة 8: 11). فعلى الناس إذن أن يؤمنوا بالقيامة، وان يسلكوا سلوك أبناء الله، سلوك ابناء القيامة.

الحجة الثالثة: نظام الله الجديد

استند يسوع أخيرا لإثبات حقيقة قيامة الموتى على المنطق. إن الحياة الأبديّة هي حياة فائقة على مستوى ملائكي؛ "َأمَّا الَّذينَ وُجِدوا أَهْلاً لأَن يَكونَ لَهم نَصيبٌ في الآخِرَةِ والقِيامةِ مِن بَينِ الأَموات، فَلا الرِّجالُ مِنهُم يَتَزوَّجون، ولا النِّساءُ يُزَوَّجنَ" (لوقا 20: 35). لا تعني هذه الكلمات ان الانسان لن يعرف شريكته في السماء بل يعني ان نظام الله الجديد لن يكون امتدادا لهذه الحياة، فلن تتطبق عليه نفس القواعد الجسدية والطبيعية. فلا تقوم الحياة الآخرة على مفاهيم أرضيّة، ولا يرتبط فيها الأعضاء بارتباطات جسديّة؛ ففي القيامة يُبطل الزواج، ويُصبح الناس كملائكة الربّ. إن علاقاتنا في هذه الحياة محدودة بالزمن والموت والخطيئة واما الحياة الآتية فلا تُقاس ولا تُفهم بحسب قوانين الحياة الحاضرة. ويعلق القديس يوحنا الذهبي الفم "في الحياة الأبديّة نمارس حياة ملائكيَّة فلا يوجد زواج. أنه ليس لأنهم لا يتزوَّجون هم ملائكة، وإنما لأنهم ملائكة فهم لا يتزوَّجون". فإن غايتنا أن ننعم بالحياة الملائكيّة وليس عدم الزواج في ذاته.
عند القيامة يصبح المؤمنون "أَمثالُ المَلائِكَة فلا يُمكِنُ بَعدَ ذلك أَن يَموتوا، لِأَنَّهُم أَمثالُ المَلائِكَة، وهُم أبناءُ اللهِ لِكَونِهِم أَبناءَ القِيامة (لوقا 20: 36) لا تحتاج أجسادنا إلى شبع مادي بصورة أو بأخرى، إذ تحمل طبيعة جديدة تليق بالسماء، فلا تأكل ولا تشرب ولا تمارس علاقات زوجية، فالملائكة لا يتناسلون. ويُعلق العلامة ترتليانوس " في حديث الرب هنا عن عدم الزواج في الدهر الآتي لا يعني أن الإنسان يفقد كيانه كإنسان أو يخسر جسده، فكما يُسمح للملائكة أن تظهر على شكل بشر دون أن يفقدوا طبيعتهم الملائكية هكذا نصير نحن كملائكة الله دون فقدان لجسدنا البشري، وإنما لا تكون له متطلبات زمنية، بل يحمل طبيعة جديدة تليق بالحياة السماوية".
وكشف يسوع هنا أحد جوانب غاية الزواج ألا وهو الإنجاب، ففي هذا العالم توجد حاجة للزواج من أجل بقاء الجنس البشري، لكن في السماء بما انه لا يوجد موت، فلا حاجة للإنجاب. ويعلق القديس أوغسطينوس "عندما نصير مساويين لملائكة الله سنراه وجهًا لوجه كما يرونه هم". كذلك نحن في العالم نحتاج إلى الزواج بسبب موت الجسد، لكننا عندما نصير كالملائكة لا تدخل إلينا الخطيّة ولا نسقط تحت الموت، فلا حاجة إلى زواجٍ لإنجاب أجيال تالية عِوضاً من الجيل القائم. ويُعلق القديس أمبروسيوس الأسقف " كانَت قيامةُ الموتى، لتُهزَمَ الخطيئةُ بالموتِ، وتُصبِحَ الطبيعةُ بالقيامةِ خالدة ".

الحجة الرابعة: يسوع المسيح

إن الإثبات المطلق على القيامة هو الربّ يسوع وانتصاره على الموت حين قام من القبر. واستند يسوع لإثبات حقيقة قيامة الموتى على ربط الايمان بشخصه أذ قبل أن يُقيم يسوع لعازر من الموت هتف " أَنا القِيامةُ والحَياة مَن آمَنَ بي، وَإن ماتَ، فسَيَحْيا وكُلُّ مَن يَحْيا ويُؤمِنُ بي لن يَموتَ أَبَداً. أَتُؤمِنينَ بِهذا؟ " (يوحنا 11: 25-26). يسوع نفسه هو الذي سيُقيم في اليوم الاخير الذين امنوا به " الحَقَّ الحَقَّ أَقولُ لَكم: تَأتي ساعةٌ -وقد حَضَرَتِ الآن -فيها يَسمَعُ الأَمواتُ صَوتَ ابنِ الله والَّذينَ يَسمعَونَه يَحيَوْن" (يوحنا 5: 25).
ويقيم يسوع الذين أكلوا جسده وشربوا دمه "مَن أَكل جَسَدي وشرِبَ دَمي فلَه الحَياةُ الأَبدِيَّة وأَنا أُقيمُه في اليَومِ الأَخير"(يوحنا 6: 54). وقد اعطى علامة وعربونا بإعادة الحياة لبعض الموتى كإحياء ابنة يائيرس، رئيس المجمع (مرقس 5: 21-43) وإحياء ابن ارملة نائين، (لوقا 7: 11-17) وإحياء لعازر (يوحنا 11: 45) مشيرا بذاك الى قيامته الخاصة، مع ان هذه ستكون من نوع اخر. لأنه إن كان الموتى لا يقومون، فلا يكون المسيح قد قام" فإِن لم يَكُنْ لِلأَمواتِ مِن قِيامة، فإِنَّ المسيحَ لم يَقُمْ أَيضًا. وإِن كانَ المسيحُ لم يَقُمْ، فتَبشيرُنا باطِلٌ وإِيمانُكُم أَيضًا باطِل (1قورنتس 13-14).
ويعلن قانون إيمان الرسل "نترجى قيامة الموتى"، ويعمم هذه القيامة "سيقوم جميع الموتى بأجسادهم في اليوم الأخير عند المجيء الثاني للرب يسوع الذي صرَّح “مَشيَئةُ الَّذي أَرسَلَني أَلاَّ أُهلِكَ أَحَداً مِن جَميعِ ما أَعْطانيه بل أُقيمُه في اليَومِ الأَخير. فمَشيئةُ أَبي هيَ أَنَّ كُلَّ مَن رأَى الِابنَ وآمَنَ بِه كانَت له الحياةُ الأَبَدِيَّة وأَنا أُقيمُه في اليَومِ الأَخير" (يوحنا 6: 39-40). وسيقوم الموتى بالجسد عينه الذي كانوا يلبسونه على الأرض. واجساد الأبرار ستتغيَّر وتتمجّد على مثال جسد المسيح القائم من الموت" الَّذي سيُغَيِّرُ هَيئَةَ جَسَدِنا الحَقير فيَجعَلُه على صُورةِ جَسَدِه المَجيد بما لَه مِن قُدرَةٍ يُخضِعُ بِها لِنَفْسِه كُلَّ شيَء" (فيلبي 3: 21). اما أجساد الأشرار خالدة بغير فساد، لكن لن تكون ممجّدة. عدم الفساد لا بد منه لعقاب الجسد الابدي في جهنم "إِذا كانت عينُكَ حَجَرَ عَثرَةٍ لَكَ، فَاقْلَعْها وأَلقِها عنكَ، فَلأَن تَدخُلَ الحياةَ وأَنتَ أَعَور خَيرٌ لكَ مِن أَن يكونَ لكَ عَينان وتُلقى في جَهَنَّمِ النَّار" (متى 18: 9).
ونستنتج مما سبق أن الإيمان بالقيامة يمنح الإنسان إمكانية عيش حياة مختلفة، تمكنه من أن يبقى بعيدًا عن الخوف من الموت، لأن كل من يثق بالآب سيبقى حيًا، ولا يمكن أن يموت كما اكَّد يسوع "فلا يُمكِنُ بَعدَ ذلك أَن يَموتوا، لِأَنَّهُم أَمثالُ المَلائِكَة، وهُم أبناءُ اللهِ لِكَونِهِم أَبناءَ القِيامة" (لوقا 20: 36)، وليس عليه أن يقلق لاستمرارية حياته لأنه يستطيع منذ الآن أن يتذوق حياة لا تعرف الموت كما صرَّح يسوع لمرتا " أَنا القِيامةُ والحَياة مَن آمَنَ بي، وَإن ماتَ، فسَيَحْيا" يوحنا 11: 25). فمن يثق بيسوع ويضع حياته بين يديه لا يمكن أن يموت بعد ذلك لان العلاقة مع الله من خلال يسوع هي ضمانة قيامتنا بعد الموت الارضي. ومن هنا لا تنتهي حياة المؤمن مع الزمن. إنّ هدفها هو الأبديّة. ويختبر المؤمن بهجة الخلاص في العالم الحاضر ولكنّه يتمتّع بالخلاص الكامل من جميع الوجوه في السماء. فهناك حياة أبديّة، التي يدخل فيها الإنسان منتصراً على الموت بالقيامة. كشف الروح القدس الحياة الّتي يرغب في أن يُشركنا فيها على امتداد الأبديّة كما جاء في تعليم بولس الرسول " ما لم تَرَهُ عَيْنٌ ولا سَمِعَت بِه أُذُنٌ ولا خَطَرَ على قَلْبِ بَشَر، ذلكً ما أَعدَّه اللهُ لِلَّذينَ يُحِبُّونَه. فلَنا كَشَفَه اللهُ بِالرُّوح، لأَنَّ الرُّوحَ يَفحَصُ عن كُلِّ شَيء حتَّى عن أَعماقِ الله " (1 قورنتس 2: 9-10). هل نحن نؤمن حقاً بالقيامة؟ وهل إيماننا بالقيامة هذا يُؤثر أو يُسيِّر ويقود طريقة عيشنا في هذه الأرض وبعد موتنا في الحياة الأبدية؟ يقول القديس بولس: وإِذا لم يَكُنِ المسيحُ قد قام، فإِيمانُكم باطِل ولا تَزالونَ بِخَطاياكم، ونَحنُ أَحقُّ جَميعِ النَّاسِ بِأَن يُرْثى لَهم" (1 قورنتس 15: 19).

الخلاصة

يعلن قانون الرسل، قانون الايمان الذي نتلوه في قداس كل الاحد "نترجى قيامة الموتى"، ويعمم هذه القيامة بانه سيقوم جميع الموتى بأجسادهم في اليوم الأخير عند المجيء الثاني للرب يسوع (يوحنا 6: 39-40)، وسيقوم الموتى بالجسد عينه الذي كانوا يلبسونه على الأرض. واجساد الأبرار ستتغيَّر وتتمجّد على مثال جسد المسيح القائم من الموت (فيلبي 3: 21)؛ و
وهذا الجسد هو جسد بعيد عن الوجع والالم كما جاء رؤية يوحنا " وسيَمسَحُ كُلَّ دَمعَةٍ مِن عُيونِهم. ولِلمَوتِ لن يَبْقى وُجودٌ بَعدَ الآن، ولا لِلحُزنِ ولا لِلصُّراخِ ولا لِلأَلَمِ لن يَبْقى وُجودٌ بَعدَ الآَن، لأَنَّ العالَمَ القَديمَ قد زال " (رؤيا 21: 4) وهو جسد روحاني " "يُزرَع جِسْمٌ بَشَرِيٌّ فيَقومُ جِسْمًا رُوحِيًّا" (1 قورنتس 44:15)،
وهذا الجسد هو جسد منير" الصِّدِّيقونَ يُشِعُّونَ حِينَئذٍ كالشَّمْسِ في مَلَكوتِ أَبيهِم." (متى 13: 43)؛ أمَّا أجساد الأشرار خالدة بغير فساد، لكن لن تكون ممجّدة. عدم الفساد لا بد منه لعقاب الجسد الابدي في جهنم "وإِذا كانت عينُكَ حَجَرَ عَثرَةٍ لَكَ، فَاقْلَعْها وأَلقِها عنكَ، فَلأَن تَدخُلَ الحياةَ وأَنتَ أَعَور خَيرٌ لكَ مِن أَن يكونَ لكَ عَينان وتُلقى في جَهَنَّمِ النَّار"(متى 18: 8-9).

الدعاء:

أيها الآب السماوي، انزع من قلوبنا كل شك حول قيامة الموتى وافتح عيوننا لا على الزمن الحاضر فقط بل بما سوف يأتي أيضا، لا على ما هو مرئيّ فقط، بل على ما هو غير مرئيّ أيضا، ، امنحينا إيماناً في القيامة في اليوم الأخير لنتحضّر على ملاقاتك، ولنثبت على رجاء القيامة السعيدة فننعم مع جميع موتانا المؤمنين بالحياة الأبدية في ملكوتك السماوي . آمين

علق عن طريق الفيس بوك علق عن طريق الموقع

التعليقات

أرسل تعليقا

لن يظهر للقراء