عرس قانا الجليل ومعجزة المسيح الأولى

  • strict warning: Declaration of views_handler_field::query() should be compatible with views_handler::query($group_by = false) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/handlers/views_handler_field.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of content_handler_field::element_type() should be compatible with views_handler_field::element_type($none_supported = false, $default_empty = false, $inline = false) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/cck/includes/views/handlers/content_handler_field.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_handler_sort::options_validate() should be compatible with views_handler::options_validate($form, &$form_state) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/handlers/views_handler_sort.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_handler_sort::options_submit() should be compatible with views_handler::options_submit($form, &$form_state) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/handlers/views_handler_sort.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_handler_sort::query() should be compatible with views_handler::query($group_by = false) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/handlers/views_handler_sort.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_handler_filter::options_validate() should be compatible with views_handler::options_validate($form, &$form_state) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/handlers/views_handler_filter.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_handler_filter::query() should be compatible with views_handler::query($group_by = false) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/handlers/views_handler_filter.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_plugin_query::options_submit() should be compatible with views_plugin::options_submit($form, &$form_state) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/plugins/views_plugin_query.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_plugin_style_default::options() should be compatible with views_object::options() in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/plugins/views_plugin_style_default.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_plugin_row::options_validate() should be compatible with views_plugin::options_validate(&$form, &$form_state) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/plugins/views_plugin_row.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_handler_field_user::init() should be compatible with views_handler_field::init(&$view, $options) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/modules/user/views_handler_field_user.inc on line 0.

عرس قانا الجليل ومعجزة المسيح الأولى

الأب د. لويس حزبون
2019/01/19

يصف يوحنا الإنجيلي معجزة الخمر في عرس قانا الجليل (يوحنا 2: 1-11) كآية أولى اتى بها يسوع لإظهار مجده الإلهي كي يؤمن به تلاميذه؛ والايمان بيسوع هو هدف انجيل يوحنا " أتى يسوعُ أَمامَ التَّلاميذ بِآياتٍ أُخرى كثيرة لم تُكتَبْ في هذا الكِتاب، وإِنَّما كُتِبَت هذه لِتُؤمِنوا بِأَنَّ يسوعَ هو المسيحُ ابنُ الله، ولِتَكونَ لَكم إِذا آمَنتُمُ الحياةُ بِاسمِه" (يوحنا 20: 30- 31)؛ فغاية انجيل اليوم هو ظهور المسيح، وحمل الناس على الايمان بشخصه، كأبن الله الذي حوَّل ماء التطهير إلى خمر العهد الجديد الذي يحمل سر الخلاص. فالمسيح أتى ليحوّل حياتنا إلى فرحٍ وحياة ٍأفضل؛ ومن هنا تكمن أهمية البحث في وقائع النص الانجيلي وتطبيقاته.

أولاً: تحليل وقائع نص انجيل يوحنا (يوحنا 2: 1- 11)

1 وفي اليَومِ الثَّالِث، كانَ في قانا الجَليلِ عُرسٌ وكانَت أُمُّ يَسوعَ هُناك.

تشير عبارة "اليَومِ الثَّالِث" الى الأيام الثلاثة بعد لقاء يسوع مع نثنائيل وهو من قانا الجليل (يوحنا 1: 51) واختيار التلاميذ الأولين (يوحنا 1: 35- 51)، وهو اليوم السادس من الأيام التي تمّت فيها الحوادث الأولى. يفتتح يسوع انجيله في اليوم السابع بعد عماد يسوع في بيت عنيا عبر الأردن (يوحنا 1: 28) على غرار سفر التكوين بأوَّل تجلِّ مجده من خلال معجزة عرس قانا الجليل (يوحنا 2: 11). بدأ يسوع عمله خلال أسبوع للدلالة على الخلقية الجديدة، وينتهي هذا الاسبوع بكشف كيانه العميق وايمان التلاميذ في قلب عرس يُعلن مجي الملكوت. وهذا الأسبوع يعود بنا الى اسبوع الخلق الأوّل: لقد بدأ الله يخلق، بواسطة الكلمة المتجسّد، شعباً جديداً يعلن كلمته. اما اليوم الثالث في العهد القديم فيأخذ الرقم ثلاثة أهميّة كبيرة، يأخذ الرقم ثلاثة أهميّة كبيرة في العهد القديم، فهو يرتبط دوماً بعدد أيّام المحنة التي يليها الخلاص: إخوة يوسف يتحرّرون في اليوم الثالث (التكوين 41، 18)، إسرائيل يسير ثلاثة أيام نحو الحرّية؛ (خروج 15، 22) يبقى يونان ثلاثة أيام في بطن الحوت، (يونان 2، 1)، ينتظر الشعب لمدّة ثلاثة أيّام تجلّي الرب على الجبل قبل إعطائهم الوصايا العشر التي هي اساس عهدهم مع الله وعلاقتهم به. (خروج 19، 10. 16). وأمَّا في الديانة المسيحية فيدل اليوم الثالث على قيامة الرب" حيث" قام الرب في اليوم الثالث، كما في الكتب"؛ يوم إعلان المسيح مجد الوهيته كابن الله المنتصر. والقيامة هي سر فرحنا وقمة تجلي يسوع على الأرض وانتصاره على الموت. ويُعلق القديس كيرلس الكبير قوله "في اليوم الثالث لا يخلو من معنى رمزي، فالعدد الثلاثي يشير إلينا بالبداية والوسط والنهاية. فقد جاء يسوع المسيح بنفسه إلى كنيسته في المرحلة الثالثة ليقيم عرسه معها. المرحلة الأولى هو عصر الآباء ما قبل الناموس، والثانية عصر الأنبياء في ظل الناموس، والثالث عهد النعمة حيث أشرق النور الحقيقي على العالم ليُبدد ظلمته. يحتفل بالزفاف في اليوم الثالث، أي في العصر الأخير من العالم". أمَّا عبارة "قانا الجَليلِ" فتشير الى كفرقانا (كفر كنّا) لتي تبعد نحو 9 كم شرق الناصرة وعلى بعد 18 كم غرب بحيرة طبريا؛ وقد ورد اسم قانا الجليل في انجيل يوحنا أربع مرات (يوحنا 2: 1، 11؛ 4: 46؛ 21: 2). وفيها تمَّت أيضا الآية الثانية، وهي شفاء ابن خادم الملك (يوحنا 4: 46 -54). "قانا الجليل" وهي تابعة لسبط أشير (يشوع 19: 28) ويميِّزها يوحنا الإنجيلي عن قانا التابعة لسبط إفرايم في منطقة السامرة (يشوع 16: 8). ويعلق القديس كيرلس الكبير "أن الاحتفال لم يتم في أورشليم بل خارج اليهودية (يوحنا 3)، في قانا احدى قرى جليل الأمم. ومن الواضح جدًا أن مجمع اليهود رفض العريس السماوي، ولكن كنيسة الأمم قبلته بقلب متهلل". وقد بُنيت كنيسة في العهد الصليبي في قانا الجليل في موضع العرس وآثارها باقية حتى الآن. والبعض يعتقد ان قانا، هي القرية اللبنانية جنوب بيروت في قضاء صور. وأما عبارة "عُرسٌ" في الأصل اليوناني γάμος وبالآراميّة חֲתֻנָּה ومعناها "المشروب"، فتشير الى الزِّفافُ والتزويجُ، إذ درجت عادة تقدمة الخمر للمدعوّين. والاحتفالات بالعرس تدوم مدة اسبوع (متى 22: 1-10). اوجد الله الزواج سُنَّة حيث يترك الرجل أباه وأمه ويلتصق بامرأته ويكونان جسداً واحداً (تكوين 2: 20-24). وقد أيّد المسيح هذه السُنَّة من خلال وجوده على الارض (متى 19: 5-6)؛ يأخذ العرس دوماً رمزيّة العهد الذي أقامه الله بينه وبين إسرائيل (ارميا 51: 1)، وقد شبّه الكتاب المقدس علاقة الله مع شعبه (اشعيا 54: 5)، ثم علاقة المسيح مع كنيسته، بالعرس، وبعلاقة العريس بالعروس (متى 9: 15)، وملكوت السماوات يشبه العرس (متى 2:22-14)، بدأ يسوع خدمته العلنية في عرس قانا الجليل، وفي نهاية خدمته عند نهاية العالم نجد "عُرسُ الحَمَل" (رؤيا 7:19-9). فالمسيح هو عريسنا؛ أمَّا عبارة "أُمُّ يَسوعَ" فتشير الى مريم العذراء التي يسمّيها يوحنا الإنجيلي باسم ابنها البكر (لوقا 2: 7) كما هي العادة في شرقنا. ولكن أهمية هذا اللقب ليوحنا الانجيليّ لا تكمن في شخصها التاريخيّ فحسب، بل تتخطّاه الى ناحية الدّور الّذي لعبته في مخطّط الخلاص الإلهيّ، فهي التي قبلت كلمة الله وحملته واعطته للعالم، وهي قادرة أن تطلب من ابنها وربّها أن يتمّم النقص البشري بخمر الفرح الإلهيّ دوماً. أمَّا عبارة " هُناك " فتشير الى مريم التي سبقت ابنها يسوع الى العرس في قانا، وذلك لكي تساعد اهل العريس. قد تكون مريم هناك ليس كأحد المدعوين وإنما كأحد أفراد الأسرة، لهذا أدركت أن الخمر قد فرغت الأمر الذي لا يدركه المدعووُّن بل أصحاب العرس.

2 فدُعِيَ يسوعُ أَيضاً وتلاميذُه إِلى العُرس

تشير عبارة "دُعِيَ يسوعُ " الى اشتراك يسوع في أفراح قانا الجليل من اجل تقديس الزواج المسيحي بحضوره، ورفعه من درجة عقد طبيعيّ بين الرجل والمرأة إلى مقام سرّ إلهيّ يمنح النعمة لهما كي يعيشا عيشةً مقدّسة، ويتحمّلا بصبرٍ ومودَّة متبادَلة أعباء الحياة المشتركة، ويُربّيا أولادهما تربية صالحة. بدأ يسوع رسالته في عقد زواج، بدأها يوم توثَّقت عرى المحبة بين شخصين متحابين، بدأها يوم ارتبط قلبان بخاتم الزواج بعهد. بالرغم من ان يسوع كان له مهمة خلاص العالم، وهي أعظم رسالة في تاريخ البشرية ومع ذلك شارك في احتفالات العرس لأنها تضم الناس وقد جاء يسوع ليكون مع الناس. حضور يسوع وسط الناس يحوّل حياتهم إلى عرسٍ (مرقس 2: 18-20). فهل نعتبر نحن المناسبات الاجتماعية جزأً من رسالتنا ونشترك فيها؟ أمَّا عبارة "تلاميذه" فتشير الى خمسة منهم، وهم: اندراوس وبطرس وفيليبس ونثنائيل ويوحنا الحبيب (يوحنا 1: 35-51). أمَّا بقية التلاميذ الاثني عشر فلم يكونوا تتلمذوا بعد ليسوع. ان السيد المسيح هو العريس السماوي، وتلاميذه باكورة كنيسة العهد الجديد هم العروس الروحية.

3 ونَفَذَتِ الخَمْر، فقالَت لِيَسوعَ أُمُّه: لَيسَ عِندَهم خَمْر

تشير عبارة "نَفَذَتِ الخَمْر" الى نقص الخمر على مستوى الضيافة. ولا عجب أن فرغت الخمر لأنّ احتفالات الزواج تتمُّ على مدى أسبوع بأكمله (التكوين 29: 27؛ القضاة 14: 12)، وكانت المآدب تُقدَّم لضيوف كثيرين. لان نفاذ الخمر يعتبر ورطة كبرى. فعرفت مريم بنقص الخمر واخبرت ابنها وكأنها تنتظر منه ان يفعل شيئاً. أمَّا في مفهوم الملكوت فالخمر ضروري من أجل العيد كما جاء في نبوءة اشعيا "ناحَ النَّبيذُ وذَبُلَ الكَرْم وتَنَهَّدَ جَميعُ فَرِحي القُلوب"(اشعيا 24: 7). إنه يشير للفرح والشعب اليهودي بسبب خطاياه ما عاد لهم فرح (يوئيل 1: 5)؛ أمَّا عبارة "لَيسَ عِندَهم خَمْر" فتشير الى حث مريم ابنها للرحمة مما يدل على دورها المنفتح على الآخر في حاجاته، والعمل على سدِّها. إنها تعبّر عن ثقتها وإيمانها بابنها يسوع، بأنه قادر أن يفعل شيئاً فيُزيل القلق والارتباك لأصحاب العرس. ويعلق القديس كيرلس الكبير "قدمت الطلب بروح التواضع دون أن تضع الحَلْ كما لو كانت أكثر من ابنها حكمة أو حبًا للآخرين". وهنا نرى دور شفاعة، فهي تطلب المستحيل من ابنها فيعطيها. وهي ما زالت تشعر بكل من هو ليس فرحًا وتتشفع له حتى يدخل المسيح حياته فيفرح. هل نحاول ان نتعلم كيفية الخروج من ذاتنا، لنهتم بالآخر؟ أمَّا عبارة " الخَمْر" فتشير الى الخمر المصنوع من العنب (أرميا 6: 9) وقد ذُكرت الخمر مع الحنطة والزيت كعطية عظمى للإنسان، وكانت في كل بيت يقدمونها للضيوف لا سيما في الأعياد (تكوين 14: 18). والخمر تعبير عن سر الشركة مع المسيح. فالمسيح حَوَّل الخمر إلى دمه وبدون شركة مع المسيح في القداس الإلهي لا فرح. لكن نهى الكتاب المقدس عن السكر بالخمر، وعلّم أن السكر بها خطيئة " لا تَشرَبوا الخَمرَ لِتَسكَروا، فإِنَّها تَدعو إِلى الفُجور" (افسس 5: 18).

4 فقالَ لها يسوع: ما لي وما لَكِ، أَيَّتُها المَرأَة؟ لَم تَأتِ ساعتي بَعْد

تشير عبارة "ما لي وما لَكِ" الى عبارة كتابية لصد كل تدخّل في غير مكانه او للتعبير عن الرفض (قضاة 11: 12 و2 صموئيل 16: 10 1 ملوك 17: 18) وللتعبير عن انقطاع في الصلة والعلاقة بين المتكلّم والمُخاطَب، وتنطوي على نوع من القسوة ، ويدل على تباعد في وجهات النظر بين يسوع ومريم امه. فيسوع لا ينظر الى حاجة بسيطة في عرس، بل الى ساعة إعلان مجده كمسيح التي لم تَحِنْ بعد، وهي ساعة الآلام والموت والقيامة (يوحنا 7: 30، 8: 20، 12: 23). أمَّا عبارة " المَرأَة؟" باليونانية γύναι فلا تشير الى قلة احترام او إجلال حيث أعاد يسوع هذا اللقب لمريم عند الصليب" فرأَى يسوعُ أُمَّه وإِلى جانِبِها التِّلميذُ الحَبيبُ إِلَيه. فقالَ لأُمِّه: أَيَّتها المَرأَة، هذا ابنُكِ" (يوحنا 19: 26)، فمن أوصى بإكرام الوالدين لن يحتقر أمه. بل قال الكتاب المقدس "كان خاضعا لهما" (لوقا 2: 51). وكذلك لفظة " يا امرأة" لا تتضمن حتما أي توبيخ إنما هو مطابق للعادات اليهودية والهلينية، وأطلق الله على العذراء مريم لقب امرأة حينما قال إن نسل المرأة أي المسيح سيسحق رأس الحية "أَجعَلُ عَداوةً بَينَكِ وبَينَ المَرأَة وبَينَ نَسْلِكِ ونَسْلِها فهُوَ يَسحَق رأسَكِ وأَنتِ تُصيبينَ عَقِبَه " (التكوين 3: 16)، وأطلق يسوع هذا اللقب على المرأة السامرية " صَدِّقيني أَيَّتُها المَرأَة تَأتي ساعةٌ فيها تَعبُدونَ الآب لا في هذا الجَبَل ولا في أُورَشَليم" (يوحنا 4: 21)، حيث ان المرأة تعني السيدة. أمَّا في مفهوم انجيل يوحنا فتُوحي لفظة "المرأة" الى المرأة الثانية مقابل حواء المرأة الأولى؛ ومعها يبدأ نسل جديد هو يسوع، بكر الخلائق كلها (قولسي 1: 15)، إذ صارت العذراء مريم حواء الجديدة، ويُعلق القديس يوحنا الذهبي الفم " لا يتحدث يسوع هنا مع مريم بكونها أما له بل بكونها حواء الجديدة". أمَّا عبارة "ساعتي" فتشير في انجيل يوحنا الى الوقت الذي حدَّده الآب لظهور مُسبق لمجد يسوع الإلهي من خلال الآيات والمعجزات، وتدل أيضا في اغلب الأحيان على ساعة الصلب، لأن الصلب هو عبور او انتقال الى المجد "أَتَتِ السَّاعَةُ الَّتي فيها يُمَجَّدُ ابنُ الإِنسان" (يوحنا 12: 23).

5 فقالَت أُمُّه لِلخَدَم: مَهما قالَ لَكم فافعَلوه

عبارة "لِلخَدَم" في الأصل اليوناني διάκονοι (معناها الشمامسة وليس العبيد) تشير إلى خدام أسرار الله الذين يعمل بهم السيد المسيح لخدمة وبهجة شعبه. وكنيسة العهد الجديد تدعو الشمامسة بهذا الاسم الذين يقومون بخدمة المذبح مع خدمة الموائد والاهتمام باحتياجات الفقراء والمرضي (اعمال الرسل 6: 3-4). أمَّا عبارة "مَهما قالَ لَكم فافعَلوه" فتشير الى ثقة مريم بيسوع ليعالج المشكلة، إذ لم تتراجع امام ما يتبين أنه موقف رفض من قبل ابنها، بل عرفت أن وراء تلك الكلمات، قلباً رحوماً شفوقاً وعطوفا. بدأت تعمل بأن هيّأت الخدم لكي يجتمعوا لإطاعة ما يأمر به. وهذا الامر يُذكَّرنا ما قاله "فِرعَون لِجَميع المِصرِّيين لَمَّا جاعَت كُلُّ أَرضِ مِصْر: اِذْهَبوا إِلى يوسف، فما يَقُلْه لَكُم فاَصنَعوه" (التكوين 41: 55). مريم التلميذة المؤمنة ترجو تدخّل الله في حينه. فأدركت أن يسوع لا بُد من تدخله عند الضرورة لسد الاحتياجات وكانت مصرَّة في إيمانها وثقتها ولم تقطع الرجاء به. وهذه هي العظة الوحيدة التي قالتها العذراء. وهذه هي وصية الآب لنا من السماء يوم التجلي " هذا هَو ابنيَ الحَبيبُ الَّذي عَنهُ رَضيت، فلَهُ اسمَعوا " (متى 17: 5). هل نثق مثل مريم بيسوع ونتركه يعالج المشكلة لأنه يرى ويعمل الأفضل؟ أمَّا عبارة "افعلوا" فتشير الى فعل امر يدل على إصرار مريم في إيمانها وثقتها في طاعة ابنها يسوع. فهي لم تقطع الرجاء بل استعدّت ان تعمل بمشيئة ابنها يسوع، فدعت الخدَم ان يعملوا مثلها. دور القديسة مريم هو توجيه أنظارنا إلى مسيحنا والطاعة الكاملة له. فالطاعة تصنع المعجزات على ما فعل الصبي حين اعطى أرغفته فتكاثرت بيد يسوع واطعمت الجماهير (يوحنا 6: 9).

6 وكانَ هُناكَ سِتَّةُ أَجْرانٍ مِن حَجَر لِما تَقْتَضيه الطَّهارةُ عِندَ اليَهود، يَسَعُ كُلُّ واحِدٍ مِنها مِقدارَ مِكيالَينِ أَو ثَلاثَة

تشير عبارة "سِتَّةُ" الى ستة أجران حسب أيام الأسبوع من الأحد حتى الجمعة، كل جرن يخصص ليومٍ معينٍ للتطهير، في حين يُخصص يوم السبت للعبادة والراحة فلا يمارس فيه الشخص عملًا يحتاج إلى تطهير. وعدد ستة تدل على عدد أيام الخلق لان الرب خلق كل شيء في سنة أيام (التكوين 1: 31- 31-2-1)، كما تدل على اجنحة السرافيم والكاروربيم (اشعيا 6: 2) وتشير الى التطهير المسيحاني لان رقم (6) يرمز الى النقص او عدم الكمال وهنا يدل على الإنسان الناقص الذي خلق في اليوم السادس. اما القديس أوغسطينوس فيعلق "هذه الأجران الستة تعني العصور الستة التي لم تكن بدون نبوات الاجاجين الستة، وهذه العصور هي 1. من آدم إلى نوح. 2. من نوح إلى إبراهيم.3. من إبراهيم إلى داود.4. داود إلى السبي البابلي 5. من السبي البابلي إلى يوحنا المعمدان. 6. من يوحنا المعمدان إلى نهاية العالم. وهذا الجرن السادس يلمّح الى عرس السيد المسيح مع الكنيسة المجتمعة من الأمم". أمَّا عبارة " أَجْرانٍ" فتشير الى أجاجين من الحجارة للاستعمال الطقسي في الديانة اليهودية من اجل التطهير او الاغتسال الشرعي، حيث لم يكن جائزا لليهودي أن يأكل ما لم يغتسل أولًا كما ورد في انجيل مرقس "أَنَّ الفِرِّيسِيِّينَ واليهودَ عامَّةً لا يَأكُلونَ إِلاَّ بَعدَ أَن يَغسِلوا أَيدِيَهُم حتَّى المِرفَق، تَمَسُّكاً بِسُنَّةِ الشُّيوخ. وإذا رجَعوا مِنَ السُّوق، لا يَأكُلونَ إِلاَّ بَعدَ أَن يَغتَسِلوا بِإِتْقان. وهُناكَ أَشياءُ أُخرى كَثيرةٌ مِنَ السُّنَّةِ يَتمسَّكونَ بها، كَغَسْلِ الكُؤُوسِ والجِرارِ وآنِيَةِ النُّحاس"(مرقس 7: 3-4)؛ ويعلق القديس يوحنا الذهبي الفم "إن فلسطين بلد تُعرف بقلة المياه، فلا توجد القنوات والينابيع في كل موضع لهذا كانوا يملأون الأجران بالماء، حتى لا يسرعوا إلى الأنهار متى تدنسوا في أي وقت، بل يجدون وسائل التطهير بين أيديهم". وتوحي هذه الاجران في الانجيل الى تطهير مسيحاني. أمَّا عبارة "مِكيالَينِ أَو ثَلاثَة" في الأصل اليوناني μετρητὰς ، وهي مشتقة من الكلمة العبرية בַּתִּים (معناها بَث وهي مكيال سعة لمواد سائلة ) فتشير الى سعة نحو 45 لترا. وبالتالي تسع الاجاجين الستة نحو 540 لترا من الماء حيث ان كل جرن يسع مِقدارَ مِكيالَينِ أي 90 لترا ماء. او نحو 810 لترا في حالة يسع كل جرن نحو ثلاثة مكاييل أي 135 لتر ماء. واليهود كانوا بحاجة الى مثل هذه الكمية الكبيرة من الماء للتطهير او الاغتسال الشرعي الطقسي لأنهم يتنجّسون رمزيا بلمسهم مواد الحياة اليومية واتصالهم الاجتماعي، فيتطهرون بغسل أيديهم. إنما برمزية يوحنّا الإنجيلي نفهم أن المقصود هو أن رغم كثرة المياه، رغم كثافة الوصايا، رغم الثبات في الشريعة، لم يقدر الشعب أن يخلص، بل بقي عطشاناً.

7 فَقالَ يسوعُ لِلخَدَم: امتلأوا الأَجرانَ ماءً. فمَلأُوها إِلى أَعْلاها.

تشير عبارة "امتلأوا الأَجرانَ ماءً" الى مشاركة الخدم في المعجزة حيث انها لا تحصل دون سعي البشر، وجهودهم التي لا يغفلها الرب. فما دام في استطاعتنا أن نملأ الأجران ماء نعمل ما في وسعنا، ويعمل هو ما يستحيل علينا عمله؛ عندئذٍ المستحيل يصبح ممكناً، واللامنطقي في حكمة البشر يُصبح منطقياً في حكمة الله. ويعلق القديس يوحنا الذهبي الفم " لقد اهتم بالغير واستخدم كل وسيلة ليغرس فيهم الرأي السديد الخاص به، فكم بالأكثر كان يليق به أن يفعل ذلك مع أمه". اما عبارة "ماءً" فتشير الى رمز الطبيعة البشرية الخاطئة المحتاجة الى تطهير (معمودية وغسل) كما ورد في العهد القديم أخذها العهد الجديد أيضاً، فالكتاب المقدّس يبتدئ بالماء (ماء الغمر) وينتهي بالماء (نهر الماء الحيّ في الفصل الأخير من سفر الرؤيا): هي مياه الخلق، مياه الطوفان، (خروج 29، 4؛ 30، 18-21)، مياه الغسل، المياه تقدّم الى الضيوف ليغتسلوا بعد السفر (تكوين 18، 4) مياه تطهير اليهود، كما في عرس قانا، مياه المعمودية، مياه جنب المسيح. والمياه أيضاً مصدر الخطر لجماعة التلاميذ في العاصفة (لوقا 8، 24)، ولبطرس حين كان يغرق. ويسوع يحوّل مياه شرّنا الى خمر فرح الخلاص ويملا نقصنا برحمته. أمَّا عبارة "فمَلأُوها إِلى أَعْلاها" فتشير الى عدم تردد الخدم لحظة في ملء الاجاجين ماء. وهذا الامر يُذكرنا في تاريخ شعب العهد القديم عندما جعل موسى أَمامَهم كلام العهد. فأَجابَ كُلُّ الشَّعبِ "كُلُّ ما تَكَلَّمَ الرَّبُّ بِه نَعمَلُه "(خروج 19: 8). ونحن، هل نلبي الدعوة مثل الخدم في قانا الجليل؟ الأجران الممتلئة ماء ترمز للديانة اليهودية التي يتهيأ يسوع لأن ينفخها بروح مسيحية جديدة. (2 قورنتس 5: 17).

8 فقالَ لَهم: اِغرِفوا الآنَ وناوِلوا وَكيلَ المائِدَة. فناوَلوه،

تشير عبارة " اِغرِفوا الآنَ" الى الخدم الذين استقوا الماء بأنفسهم شهودًا على الأعجوبة الكائنة، ويشهدون أن الأعجوبة لم تكن خيالًية. اما عبارة " وَكيلَ المائِدَة " فتشير الى مدير التشريفات، وهي عادة شرقية حيث يتبرع رجل مرموق الكرامة من أهل العريس بتنظيم وضبط حفل العرس، ولذلك فهو يظل يقظا دون أن يسكر حتى يضبط الحفل، فشهادته لها قيمتها. ويعلق القديس يوحنا الذهبي الفم" أنه لكيلا يقول أحد أن الشهادة قد صدرت عن أناس سكارى لا يدرون الفارق بين الخمر والماء، جاءت الشهادة من وَكيلَ المائِدَة الذي يحرص ألاَّ يسكر، إذ يلتزم بتدبير أمر العرس بوقارٍ وحكمةٍ". وكون المسيح هو الذي يطلب أن يشرب وَكيلَ المائِدَة فهذا يشير أنَّ المسيح هو العريس الحقيقي والكل مدعويه. والمسيح أيضًا أراد أن يعترف وَكيلَ المائِدَة بنوعية الخمر التي تحمل قوة إلهية قادرة أن تعطي فرحًا حقيقيًا لوجود الله.

9 فلَمَّا ذاقَ الماءَ الَّذي صارَ خَمْراً، وكانَ لا يَدري مِن أَينَ أَتَت، في حينِ أَنَّ الخَدَمَ الَّذينَ غَرَفوا الماءَ كانوا يَدْرُون، دَعا العَريسَ

تشير عبارة "الماءَ الَّذي صارَ خَمْراً" الى المعجزة التي أوضحت سلطان يسوع على الطبيعة، واظهرت قوة الله. وليس غرابة أن يحوِّل السيد المسيح الماء إلى خمرٍ، فهو الذي يخرج من الأرض خمرًا (مزمور 107: 37)، حيث يهب الأرض أن تنتج كرومًا يُعصر عنبها ويتحول إلى خمر. حوّل يسوع ماء التطهير إلى خمر، كي ينقلنا من حرفية الناموس حيثُ التطهير إلي فرح الروح، لنعيش في عصرٍ جديدٍ ببداية جديدة. ويقول بولس الرسول: " قد زالتِ الأَشياءُ القَديمة وها قد جاءَت أشياءُ جَديدة" (2 قورنتس 5: 17). وهنا نتساءل من اين جاءت هذه الخمرة؟ فالعريس لا جواب له. أمَّا الخدم فكانوا يعرفون، ولكن لا نعرف إن آمنوا؛ أمَّا التلاميذ فآمنوا. ولا زالت الكنيسة تشرب من خمرة عرس قانا الجليل المُحوّل الى دم المسيح حتى عودته. وصارت مياه التطهير عند اليهود خمرا للعهد الجديد من اجل عالم جديد من خلال عشاء الفصح وتقديس الخمر (مرقس 14: 13- 25). وهذه المعجزة تدل على مياه التطهير لدى اليهود التي صارت خمرة العهد الجديد من أجل عالمٍ جديدٍ (مرقس 14: 13-25). قد جاء يسوع إلى العالم ليحوِّل حياتنا إلى عرسٍ فرحٍ. تحويل ماء حياتنا إلى خمر يشير إلى الفرح الروحي الأبدي كما جاء في تعليم بولس الرسول "دَعوا الرُّوحَ يَملأُكُم، واتْلوا مَعًا مَزاميرَ وتَسابِيحَ وأَناشيدَ رُوحِيَّة. رَتِّلوا وسَبِّحوا لِلرَّبِّ في قُلوبِكم واشكُروا اللهَ الآبَ كُلَّ حينٍ على كُلِّ شَيءٍ بِاسمِ رَبِّنا يسوعَ المسيح " أفسس 18:5-20). فالمعجزة إذا تمَّت فتدل على تتميم ارادة ابيه السماوي، أمَّا مريم هنا فهي الوسيطة او الشفيعة. وصلواتنا تكون مقبولة بشفاعتها. اما عبارة " خَمْراً" فتشير الى فرح العهد الجديد إي الإنجيل (أشعيا 25: 6؛ مزمور 104، 14- 15 ) ، الخمر هو رمز البركة التي ينالها الشعب المختار نتيجة العهد مع الله (إرميا 2، 21)، الخمر في هذا النص الإنجيلي هو رمز إعادة تجديد العهد بين الله وشعبه، يسوع المسيح بآية التحويل يعيد تجديد العهد المحطّم بين الله وشعبه، محطّم بسبب خيانة الشعب لربّ العهد.

أمَّا عبارة " وكانَ لا يَدري مِن أَينَ أَتَت" فتشير الى وكيل المائدة الذي شرب الخمر وأعجبته وتوقف عند هذا، وهو من رأى معجزة المسيح وأعجبه كلامه ولكنه لم يتغير ولم يؤمن. أمَّا عبارة "غَرَفوا " في الأصل اليوناني ἠντληκότες (ومعناها سحب من مصدر ٍعميقٍ) فتشير الى اجران ضخمة جدًا وأفواهها متسعة، ولا يمكن سكب الخمر منها إلا بسحبها بكوز يده طويلة. أمَّا عبارة "كانوا يَدْرُون" فتشير الى الخدم الذين عرفوا المسيح لشخصه وعرفوا قوته ونعمته، وعلموا أنه ابن الله فدخلوا في شركة معه (متى 26: 29). هؤلاء اختبروا قوة التجديد ولذة الفرح. أمَّا عبارة "العريس" تشير الى عدم ذكر اسمه ولا اسم أمه. إن هذا الغياب هو رمز مقصود من قبل الكاتب لإظهار العريس الحقيقيّ: فيسوع هو الّذي سدّ النقص وقدّم في النهاية الخمر الجيّدة، هو العريس الحقيقيّ الّذي يدخل في عهد جديد، عهد حبّ مع الإنسانيّة. ويرى البعض ان العريس هو سمعان (متى 10: 4) وقيل انه بعد تلك الآية قام وترك كل شيء وتبعه فكان من تلاميذه الاثني عشر ولُقِّب بسمعان الغيور (لوقا 6: 15). فقد صار عروسًا للعريس الحقيقي الرب يسوع المسيح كما صرّح يوحنا ان يسوع هو العريس الحقيقي (يوحنا 3: 29) الذي قدَّم خمر العرس وعرسه هو عرس الحمل المسيحاني الذي بشّر به يوحنا المعمدان بمجيئه. والعريس في آخر الامر هو المسيح المصلوب الذي يُثبت العهد الجديد بدمه "هذه الكَأسُ هي العَهْدُ الجَديدُ بِدَمي" (1 قورنتس 11: 25)؛ علما ان لقب "عريس" هو أحد الألقاب التي اتخذها الله لنفسه (اشعيا 54: 5) وقد أطلق يسوع على نفسه هذه اللقب "سَتَأتي أَيَّامٌ فيها يُرفَعْ العَريسُ مِن بَيْنِهم"(متى 8: 15).

10 قالَ له: كُلُّ امرِىءٍ يُقَدِّمُ الخَمرَةَ الجَيِّدَةَ أَوَّلاً، فإِذا سَكِرَ النَّاس، قَدَّمَ ما كانَ دونَها في الجُودَة. أَمَّا أَنتَ فحَفِظتَ الخَمرَةَ الجَيِّدَةَ إِلى الآن

تشير عبارة "الخَمرَةَ الجَيِّدَةَ إِلى الآن" الى الخمرة التي يحتفظ بها الله الى الأزمنة الأخيرة، وهي زمن يسوع المسيح. وهذا الزمن يمثل النعمة في العهد الجديد بجودتها ووفرتها لذلك تعتبرها الديانة اليهودية من النعم المسيحانية (التكوين 49: 10). فقد صرّح المسيح ان العهد الجديد المؤسس في شخصه، خمر جديد يشق الزقاق القديمة (مرقس 2: 22)، ويعلق القديس اوغسطينوس "العريس الذي قيل له: "قد أبقيت الخمر الجيدة إلى الآن" يمثل شخص الرب. لأن الخمر الجيدة - أعني الإنجيل - حفظه المسيح حتى الآن". أما الخمر فيتميز بكونه "يفرح قلب الإنسان" (مزمور 104: 15). وهو أحد عناصر الوليمة الخاصة بالمسيح المنتظر، ولكن أيضاً، وقبل كل شيء جزءاً من عشاء الافخارستيا، حيث يغترف المؤمن الفرح من محبة المسيح. والسعادة التي وعد بها الله مؤمنيه، يعبّر عنها غالبا في صورة وفرة الخمر الكثيرة (عاموس 9: 14. فإن خمر العرس في قانا الجليل يُظهر أنَّ خمر العرس، هو الخمر الطيب المنتظر "حتى الآن"؛ وهو هبة محبة المسيح، وعلامة الفرح الذي يحققه مجيء المسيح (يوحنا 2: 10). أمَّا عبارة "الخَمرَةَ الجَيِّدَةَ " فلا تشير الى خمر فحسب، إنما خمرا جيدا، ويعلق القديس يوحنا الذهبي الفم " لم يحوِّل المسيح الماء خمرًا فحسب، لكنه صيَّره خمرًا فائق الجودة"، مما يدل على الوليمة في آخر الأزمنة التي يخص بها يسوع المؤمنين في ملكوت أبيه أي الافخارستيا. ويعلق القديس ايريناوس "المسيح يقدم لكنيسته كأس الخمرة الكاملة التي لا تنضب، نبع الفرح والحياة الأبدية والعهد الجديد بدمه". فقبل ان يشرب المسيحي المؤمن الخمرة الجديدة في ملكوت الله، سيشرب على ممر الأيام، الخمرة التي تحوّلت الى الدم المسكوب في مخلصه" كما جاء في تعليم بولس الرسول" أَلَيسَت كَأسُ البَرَكةِ الَّتي نُبارِكُها مُشارَكَةً في دَمِ المسيح؟ " (1 قورنتس 10: 16). وهناك سؤالان: من اين جاءت هذه الخمرة؟ وما قيمة هذه الآية؟ كما كانت الخمر التي صنعها يسوع هي الأفضل واجود، كذلك حياتنا معه هي الأفضل. فلماذا نؤجر الأفضل للنهاية؟

11 هذِه أُولى آياتِ يسوع أَتى بها في قانا الجَليل، فأَظهَرَ مَجدَه فَآمَنَ بِه تَلاميذُه.

تشير عبارة "أُولى آياتِ يسوع" الى اول برهان على صدق رسالة المسيح ضد الاناجيل الابوكرافية التي ورد فيها عن معجزات عملها يسوع وهو طفل. ويعلق القديس يوحنا الذهبي الفم " إن يوحنا المعمدان قد قال من قبل عن المسيح "وأنا لم أكن أعرفه، لكن ليظهر لإسرائيل، لذلك جئت أعمد بالماء" (يوحنا 1: 31)، فلو كان المسيح فعل في عمره المبكر عجائب لما كان اليهود قد احتاجوا إلى آخر يعلن عنه. لأن ذاك (يسوع) الذي جاء بين الناس وبمعجزات صار معروفًا، ليس فقط للذين في اليهودية وإنما أيضًا للذين في سورية وما وراءها. إن أول معجزة صنعها المسيح هي تحويل الماء إلى خمر، وآخر آية صنعها هي تحويل الخمر إلى دمه في العشاء الأخير " أَخَذَ كَأساً وشَكَرَ وناوَلَهم إِيَّاها قائلاً: اِشرَبوا مِنها كُلُّكم فهذا هُوَ دَمي"(متى 26: 27). أمَّا عبارة "آياتِ" باليونانية σημεῖον فتشير الى طبيعة صانع العمل، أي هي عمل يكشف عن طبيعة من عمله وهي بذلك تختلف عن اللفظة δύναμις التي تشير الى أعمال قدرة او عمل القوة. فالمعجزة تدل على عمل قدرة يسوع δύναμις أمَّا الآيات فتشير الى معجزات التي تعلن مجد يسوع وتشهد على افتتاح الزمن المسيحاني (متى 12: 38). فقد اعتبر يوحنا الإنجيلي معجزة قانا الجليل آية أي فعل رمزي على غرار العهد القديم (اشعيا 66: 19) بحيث تدل المعجزة على حدث يُمكن المؤمنين من الشعور منذ الآن بمجد يسوع في الأزمنة الأخيرة وتدعو الجميع البشر للتعرف على يسوع كابن الله. فالمسيح بدأ نظاما جديدا في العالم. وهكذا، أعلن يسوع مجده وأدَّى شهادة للعصر المسيحاني الجديد. أمَّا " ثانِيَةُ آياتِ يسوع، أَتى بِها بَعدَ رُجوعِه مِنَ اليَهوديَّةِ إِلى الجَليل" فهي شفاء يسوع لطفل في كفرناحوم (يوحنا 4: 54). أمَّا عبارة " مَجدَه " فتشير الى الحضرة الإلهية إذ أُعلن حضور الآب في ابنه وحيد، الذي يخبر عنه. "الكَلِمَةُ صارَ بَشَراً فسَكَنَ بَينَنا فرأَينا مَجدَه مَجداً مِن لَدُنِ الآبِ لابنٍ وَحيد مِلؤُه النِّعمَةُ والحَقّ " (يوحنا 1: 14). يكشف الله المجد في الكتاب المقدس تارة بصورة بهاء نيّر يلازم ما هو مقدس، وتارة أخرى بصورة أحداث تكشف قدرته تعالى. اللَّه يُمجدنا حينما يعلن حضوره فينا، ونحن نمجده حينما نعلن حضوره في العالم. لذلك تحتفل الكنيسة بعيد عرس قانا الجليل مع أعياد الظهور الإلهي الذي فيه استعلن الثالوث. أمَّا عبارة "آمَنَ بِه تَلاميذُه" فتشير الى باكورة إيمان التلاميذ الذي جاء نتيجة للمعجزة. عندما شاهد التلاميذ معجزة يسوع آمنوا به. هم قبلًا أعجبوا به وتبعوه، لكنهم هنا عرفوا مجده فآمنوا به. وبلغت ذروة إيمان التلاميذ في عيد الفصح " فَرأَى وآمَنَ" (يوحنا 20: 8). وكما عرف تلميذي عمواس المسيح وقت كسر الخبز، عرفه التلاميذ هنا حينما حَوَّل الماء إلى خمر. فالمعجزة ليس مجرد عمل فائق للعقل البشري، لكنها تُظهر قوة الله وتولّد الايمان وتُجدِّد الخليقة. وبما ان هذه الآية لم يتبعها حديث كباقي الآيات أخرى فهذا يعني ان يوحنا الإنجيلي أراد ان يعطي هذه الآية تفسيرا جديدا متعلق بالعصر الجديد الذي كان مزمعا ان يبدأه.

12 ونَزَلَ بَعدَ ذلكَ إِلى كَفَرناحوم هو وأُمُّه وإِخوَتُه وتَلاميذُه، فأَقاموا فيها بِضعَةَ أَيَّام"

تشير عبارة "نَزَلَ" الى النزول لموقع قانا الجليل بصفته اعلى من كفرناحوم الواقعة على شاطئ البحيرة. ويلمح متى الإنجيلي سبب نزوله الى كفرناحوم بقوله " بلَغَ يسوعَ خَبرُ اعتِقالِ يوحنَّا، فلَجأَ إِلى الجَليل. ثُمَّ تَركَ النَّاصِرة وجاءَ كَفَرْناحوم على شاطِئِ البَحرِ في بِلادِ زَبولونَ ونَفْتالي فسَكَنَ فيها" (متى 4: 12 -13). واصبحت قانا الجليل كأورشليم رمزا الى حضور الله ومجده. أمَّا عبارة " هو وأُمُّه " تشير الى ذكر يسوع ومريم دون ذكر يوسف، فمن المرجَّح أنَّه قد مات. أمَّا عبارة "كفرناحوم" فتشير الى مدينة هامة اقام السيد المسيح فيها خلال خدمته في الجليل، وجعل منها مركزاً لدعوته حتى أنها دعيت " مَدينتِه" (متى 9: 1). وكان موقعها على طريق رئيسي للتجارة، وفيها حامية رومانية ومركزا لجباية الضرائب. وفيها تمّت دعوة مَتَّى العشار ليصير تلميذا ليسوع (متى 9:9)، كما كانت موطنا لعدة تلاميذ آخرين (متى 4: 13)، ومقراً لرجل من حاشية الملك (يوحنا 4: 46). وكان فيها مجمعٌ كبير. وبرغم من أن يسوع قد جعل منها مركزاً لأعماله، إلا أنه أدانها لعدم إيمان أهلها به " وأَنتِ، يا كَفَرناحوم، أَتُراكِ تُرفَعينَ إِلى السَّماء؟ سيُهبَطُ بِكِ إِلى مَثْوى الأَموات. فلَو جَرَى في سَدومَ ما جرى فيكِ مِنَ المُعجِزات، لَبَقِيَت إِلى اليَوم " (متى 11: 23). أمَّا عبارة "إِخوَتُه" فتشير في الكتاب المقدس الى أبناء أم واحدة، كما تدل على أبناء عمومته والاقارب كما هي العادة المتبعة في الشرق. (التكوين 13: 8؛ 14: 16؛ 29: 15؛ الاحبار 10: 4؛ 1 اخبار 23: 22). وهنا تدل على الأقارب. أمَّا عبارة " فأَقاموا فيها بِضعَةَ أَيَّام " فتشير تركيز يوحنا الإنجيلي على خدمة المسيح في اليهودية خاصة في اورشليم، وتحدث قليلاً عن خدمته في الجليل (يوحنا 1:2-22؛ 43:4-54؛ 1:6-9:7؛ 1:21-25)، أمّا الأناجيل الثلاثة (متى ومرقس ولوقا) فركّزت على خدمة المسيح في الناصرة والجليل.

ثانياً: تطبيقات نص الإنجيلي (يوحنا 2: 1- 11)

بعد دراسة وقائع النص الإنجيلي (يوحنا 2: 1- 11) نستنتج انه يتمحور حول ثلاث نقاط وهي: ساعة مجد المسيح، وساعة ايمان التلاميذ وساعة تضامن مريم، ام يسوع.

1) ساعة مجد المسيح

فتشير كلمة " ساعة " في انجيل يوحنا الى الوقت الذي حدَّده الآب لظهور مُسبق لمجد يسوع الإلهي من خلال الآيات والمعجزات، وتدل أيضا في اغلب الأحيان على ساعة الصلب، لأن الصلب هو عبور او انتقال الى المجد "أَتَتِ السَّاعَةُ الَّتي فيها يُمَجَّدُ ابنُ الإِنسان" (يوحنا 12: 23)، ويسميّها يوحنا الإنجيلي أيضاً ساعة الارتفاع، وساعة التمجيد، لأنّه موت يعطي الحياة للبشريّة. وان تقديمه الساعة في عرس قانا هو اعلان يسوع للشعب، وللمرّة الأولى، عمّا هو مزمع أن يتحقّق في حياة المسيح وفي موته وقيامته. هو استباق لساعة الموت، لساعة تمجّد ابن الإنسان.

كان هدف يسوع من عمل معجزة تحويل الماء خمرا هو إظهار مجده "هذِه أُولى آياتِ يسوع أَتى بها في قانا الجَليل، فأَظهَرَ مَجدَه (يوحنا 2: 11). إن كلمة المجد في النص العبري من الكتاب المقدس وردت بلفظة "כְבוֹד". وهي تفيد الثقل والوزن أي الاحترام. فمجد الله في العهد القديم يدل على تجليه بعظمته وسلطانه وبهاء قداسته وقوة عمله وقدرته التي تتجلى للإنسان من خلال الأحداث (خروج 16: 10).

وإن مجد الله كله حاضر في شخص يسوع المسيح حيث انه ابن الله، فهو "شُعاعُ مَجْدِه وصُورةُ جَوهَرِه"(عبرانيين 1: 3)، ويؤكد ذلك بولس الرسول أنَّ مجد الله يتجلى "على وجه المسيح" هو الَّذي أَشرَقَ في قُلوبِنا لِيَشُعَّ نورُ مَعرِفَةِ مَجْدِ اللّه، ذلِكَ المَجْدِ الَّذي على وَجْهِ المسيح"(2 قورنتس 4: 6)، ومنه يشعّ على جميع البشر " ونَحنُ جَميعًا نَعكِسُ صورةَ مَجْدِ الرَّبّ"(2 قورنتس 3: 18). هو "رب المجد" (1 قورنتس 2: 8)، هذا المجد الذي سبق ورآه إشعيا النبي "وتكلّم عنه" (يوحنا 12: 41). وبعبارة أخرى، كلمة المجد تُحدد كيان المسيح، الابن الواحد للآب، الممتلئ نعمة وحقا كما جاء في مقدمة الانجيل "الكَلِمَةُ صارَ بَشَراً فسَكَنَ بَينَنا فرأَينا مَجدَه مَجداً مِن لَدُنِ الآبِ لابنٍ وَحيد مِلؤُه النِّعمَةُ والحَقّ" (يوحنا 1: 14).

ويكشف إنجيل يوحنا لنا بوضوح المجد في حياة يسوع وعجائبه وموته، حيث ان يسوع هو الكلمة المتجسد. الابن الوحيد للآب، الممتلئ نعمة وحقاً. في جسده يسكن ويسطع مجد ابن الله الوحيد (يوحنا 1: 14). ويتجلى هذا المجد في الاتحاد المتسامي بين يسوع وأبيه الذي أرسله (يوحنا 10: 30). فأعمال يسوع هي أعمال الآب، الذي في الابن، "يأتي بها" (يوحنا 14: 10) ويُعلن فيها مجده الذي هو نور وحياة للعالم. ويسطع هذا المجد في عجائبه كآيات تُظهر ان الله حاضر فيه، يعمل، ويتجلى، ويأتي لكي يخلصنا، ويُعلن مجده خاصة في آلام المسيح. فالآلام هي ساعة يسوع، بل أسمى ظهور مجد إلهي فيه. فيسوع "يُقدس" نفسه مقدّماً ذاته للموت (يوحنا 17: 19)؛ فالماء والدم الخارجان من جنب المسيح، يرمزان إلى خصوبة موته، الذي صار منبع حياة، وفي هذا يقوم مجده (يوحنا 7: 37-39). والعهد الجديد يحتفظ بالمجد لابن الانسان الذي سيأتي ببهاء مجده على الغمام في آخر الأزمنة.

ويظهر هذا المجد من أول معجزة في عرس قانا الجليل (يوحنا 2: 11). ويخص انجيل يوحنا المسيح المقيم بيننا بهذا المجد؛ ويصف عجائب المسيح كآيات تظهر ان الله حاضر فيه، يعمل ويتجلى ويأتي لكي يخلصنا؛ وهذا هو معنى أُولى آياتِ يسوع الذي أَتى بها في قانا الجَليل، فأَظهَرَ مَجدَه (يوحنا 2: 11). وفي قانا الجليل كانت أول معجزة يسوع بتحويل الماء الى خمر، وفي اورشليم كانت آخر معجزاته بتحويل الخمر الى دم. وفي العشاء الأخير قدّم السيد المسيح آخر قطرة من دمه. إنها الخمرة المسيحية، إنها العهد الجديد الذي يريد الله ان يقطعه مع بني البشر بدمه على الصليب. فاظهر مجده فعلم التلاميذ ان عيد الفصح قد بدأ حقا.

ونستنتج مما سبق أنه لمّا حوّل يسوع الماء الى خمر أظهر ألوهيته ومجده. واظهر نفسه المسيح، والعريس، ومؤسس العهد الجديد، فقد صبَّ يسوع "الخَمرَةَ الجَيِّدَةَ إِلى الآن" (يوحنا 2: 10) التي يحتفظ بها الله الى الأزمنة الأخيرة. لان وفرة هذه الخمرة وجودتها هما صورة لعطاء الله وتجديد كل شيء بالمسيح. حيث يتجلّى مجد الربّ بجودة الخمر وفيضه الذي يكشف مَحبّة الله. وفي هذا الصدد قال أحد مفسري الكتاب المقدس: "سر قانا الجليل قائم على وجود المسيح، العريس الحقيقي، المستتر، او بالأصح الذي بدأ يُظهر نفسه".

2) ساعة إيمان التلاميذ

"فَآمَنَ بِه تَلاميذُه" (يوحنا 2 :11). التلاميذ الذين آمنوا به هم تلاميذ يوحنا المعمدان كما ورد في الفصل السابق (يوحنا 1: 35-51)، إذ أشار يوحنا المعمدان بقوله " هُوَذا حَمَلُ اللهِ الَّذي يَرفَعُ خَطيئَةَ العالَم". وفي اليوم التالي، ردَّد شهادته امام أثنين من تلاميذه: اندراوس ويوحنا، كانا قد تبعا يسوع. وأندراوس كان قد اقتاد أخاه سمعان ال يسوع، ثم دعا يسوع فيلبس، الذي جلب بدوه نتنائيل من قانا الجليل. هؤلاء جميعا رافقوا يسوع الى العرس.

أمَّا التلاميذ الذين عاينوا الآية وآمنوا فهم: أندراوس ويوحنا اللذين تبعا يسوع استنادا على شهادة يوحنا المعمدان "هُوَذا حَمَلُ اللهِ الَّذي يَرفَعُ خَطيئَةَ العالَم" (يوحنا 1: 29)؛ واندراوس اقتاد أخاه سمعان بطرس الى يسوع. ثم دعا يسوع فيلبس الذي جلب بدوره نتنائيل من قانا (يوحنا 1: 35-51) وهؤلاء جميعا رافقوا يسوع الى العرس حيث كانت أمه مريم قد سبقتهم، ومن اجلهم عمل يسوع هذه الآية. فعبَّر هؤلاء التلاميذ عن إيمانهم بالقاب أطلقوها على يسوع. فجات شهادة اندراوس بقوله " وَجَدْنا المَشيح ومَعناهُ المسيح" (يوحنا 1: 41)، وشهادة فيلبس " الَّذي كَتَبَ في شأنِه موسى في الشَّرِيعَةِ وذَكَرَه الأنبِياء، وَجَدْناه، وهو يسوعُ ابنُ يوسُفَ مِنَ النَّاصِرَة" (يوحنا1: 45)؛ ثم شهادة نتنائيل "راِّبي، أَنتَ ابنُ الله، أَنتَ مَلِكُ إِسرائيل" (يوحنا 1: 49) وختم يسوع هذه الشهادات معلناً نفسه ابن الانسان " ستَرونَ السَّماءَ مُنفَتِحَة، وملائِكَةَ اللهِ صاعِدينَ نازِلينَ فَوقَ ابنِ الإِنْسان" (يوحنا 1: 51).

وإن هدف انجيل يوحنا هو الشهادة للمسيح وإعلان سر المسيح وحمل الناس على الايمان بشخصه في الدرجة الأولى كما صرّح يوحنا الإنجيلي: "وأتى يسوعُ أَمامَ التَّلاميذ بِآياتٍ أُخرى كثيرة لم تُكتَبْ في هذا الكِتاب، وإِنَّما كُتِبَت هذه لِتُؤمِنوا بِأَنَّ يسوعَ هو المسيحُ ابنُ الله، ولِتَكونَ لَكم إِذا آمَنتُمُ الحياةُ بِاسمِه" (يوحنا 20: 30).

ومن خلال معجزة قانا الجليل أراد يسوع أن يقوّي إيمان تلاميذه الجُدُد برسالته السماويّة. فقد تبعَ يسوعَ خمسةُ رجال وأرادوا أن يكونوا لـه تلاميذ. وكان يسوع يعرف أنَّهم كانوا بحاجةٍ إلى برهان يُبيّن لهم أنّهم لم يُخطئوا في اتّباعه والبقاء معه. فاغتنمَ هذه الفرصة، وقدَّم لهم البرهان الذي يُزيل عنهم كلَّ تردّد، ويؤكّد لهم أنّهم كانوا على صواب عندما لبّوا دعوته وانضمّوا إليه. وكان البرهان الذي قدّمه لهم أنه صنع معجزةً لا يصنعها إلاّ الله وحدَه. واطّلع الرجال الخمسة مع أهل العرس على هذه المعجزة فمجّدوا قدرته الفائقة وآمنوا به وتبعوه نهائيّاً.

إن الإيمان هو منبع ومركز للحياة الدينية. وعلى الإنسان أن يتجاوب بالإيمان مع مخطط الله الذي يحققه على ارضنا وفي تاريخنا. وانجيل يوحنا هو إنجيل إيمان. ففيه يتركز الايمان، اول ما يتركز في يسوع ومجده الإلهي. وتلاميذ المسيح هم "الذين آمنوا به" (أعمال 2: 44) "والذين يؤمنون" (1 تسالونيقي 1: 7). لقد كان باستطاعة جميع الحاضرين في عرس قانا الجليل "أن يسمعوا ويروا" (متى 13: 13) كلمة يسوع ومعجزته التي تعلن مجيء الملكوت (11: 3 – 6). ولكن، أن يرى الناس حقاً، ويؤمنوا (مرقس 1: 15)، إنما كان ذلك ميزة اختص بها التلاميذ (يوحنا 2: 11).

هذه هي المرّة الأولى التي يعلن فيه يوحنا الإنجيلي ان تلاميذ يسوع "يؤمنون به". وكان ذلك باكورة ايمانهم. وقد بلغت ذروتها في عيد الفصح "فَرأَى وآمَنَ "(يوحنا 2: 8-28). فالإيمان الذي يتكلم عنه يوحنا الإنجيلي يؤلف جماعةً من التلاميذ حول يسوع (يوحنا 10: 26-27). وعلى أثر توجيه يوحنا المعمدان (يوحنا 1: 34-35) اكتشف تلاميذه مجد يسوع في قانا الجليل من خلال ايمانهم (يوحنا 2: 11). "فقبلوا كلام المسيح" (يوحنا 12: 46-47) و"سمعوا صوته" (يوحنا 10: 26-27) وتبَّثوا ايمانهم بفم بطرس في كفرناحوم " يا ربّ، إِلى مَن نَذهَب وكَلامُ الحَياةِ الأَبَدِيَّةِ عِندَك؟"(يوحنا 6: 68).

نستنتج مما سبق أنَّ إمان التلاميذ يؤلف بواكير الايمان الجديد. وعليه ينبغي ان نؤمن بيسوع (يوحنا 4: 39) وباسمه (يوحنا 1: 12). فالإيمان يجب أن يبلغ إلى الحقيقة غير المرئية لمجد يسوع، دون حاجة إلى رؤية العلامات الكثيرة التي تُظهره (يوحنا 2: 11-12). وإلحاح يوحنا على الإيمان وعلى أهميته، يفسّره هدف إنجيله بالذات: الا وهو حمل قرّائه على أن يشاركوه إيمانه القائم على أن "يسوع هو المسيح، ابن الله" (يوحنا 20: 31)، وعلى أن يصيروا أبناء الله بفضل الإيمان "بالكلمة" المتجسد (يوحنا 1: 9-14).

3) ساعة تضامن مريم، ام يسوع

يحيط انجيل يوحنا حياة يسوع بمشهدين يُبرز فيهما دور مريم في تضامنها مع يسوع ابنها. في المشهد الأول في عرس قانا الجليل (يوحنا 2: 10-12) حيث يُحدِّد يسوع دور مريم كمؤمنة، وفي المشهد الثاني في الجلجلة (يوحنا 29: 25: 27) حيث يحدد يسوع دور مريم كأم لتلاميذ والبشرية.

المشهد الأول

عرفت مريم كيف تكون حاضرة لحضور الله، عرفت كيف تسمع كلمة الله وتعمل بها. فكما ولدت مريم يسوع، هكذا في قانا، ساعدت ابنها ثانيةً كي يُولد في حياته العَلنية، ليبدأ رسالته ويُظهر مجده. فدور مريم رئيسي، فهي التي لفتت انتباه يسوع الى نقص الخمر. وبالرغم من تباين وجهتي النظر بين يسوع وأمه حول ساعته لعمل المعجزات ولخلاص البشر، فقد خضعت بكل كيانها لسر تلك الساعة؛ إنها التلميذة الأولى.

وتوجّهت مريم بالكلام إلى الخدم في العُرس كي يتقيّدوا بأوامر يسوع " مَهما قالَ لَكم فافعَلوه". إنها الوصية الوحيدة التي تُطلقها مريم في الانجيل كله. وهذه الوصية تتعلق بالخضوع التام للمخلص الوحيد يسوع المسيح. وقبلت ان تكون خادمة. فوقفت بقرب ابنها، وأرشدت الناس، بإيمانها وطاعتها واستسلامها الى طرق الحياة الجديدة وفتحتها لهم. حوّلت مريم الأنظار الى المسيح، لا اليها؛ فدورها يقوم بتمهيد الطريق المؤدي الى يسوع هي المرأة التي تضع ذاتها في خدمة الآخرين ليبلغوا الى يسوع. ومن هنا جاء القول المأثور: الى يسوع بمريم " انها تمثل الكنيسة التي هي المدخل البشري الى المسيح.

وبالرغم من أن مريم لم تدرك ما كان يسوع سيفعله، إلا أنها وثقت به وآمنت بقدرته العجائبية. أدركت مريم أن نظر ابنها ينفذ الى أبعد وأسمى من هموم الساعة الحاضرة. واستبق يسوع ساعته فخلق خمر الاعجوبة كآية لمجد وهبة العهد الجديد بدمه. يُعلق سعيد عقل من أشهر الشعراء اللبنانيين قائلا " إن مريم في قانا الجليل خَرْبطتْ ساعة الله". إنها قدّمت الساعة.

فالأعجوبة هي جواب لطاعتها وإيمانها. من يؤمن بيسوع، وإن وجد نفسه في بعض المواقف لا يفهمها، عليه ان يواصل الثقة في يسوع أنه يعمل بأفضل الطرق. فالأعجوبة هي جواب لطاعتها وإيمانها. وقد ارشدت الناس بإيمانها وطاعتها واستسلامها الى طرق الحياة الجديدة، وفتحتها لهم. فكانت أول كلمة إيمان لمريم "أَنا أَمَةُ الرَّبّ فَليَكُنْ لي بِحَسَبِ قَوْلِكَ" (لوقا 1: 38)، وهي كلمة الالتزام الشخصي لرسالة المسيح. وآخر كلمة إيمان لها في الانجيل كانت "مَهما قالَ لَكم فافعَلوه" (يوحنا 2: 5)، وهي كلمة الدعوة الموجَة الى الجميع لان يؤمنوا بيسوع ويلتزموا برسالته ويعملوا بها.

المشهد الثاني

كما كانت مريم موجودة في عرس قانا الجليل كذلك كانت مريم واقفة عند قدمي المصلوب في ساعة انتقاله الى أبيه وقد اقترب عيد الفصح (يوحنا 13: 19) فتكرَّست بكلمة ابنها يسوع أماً لكل التلاميذ. ويدعو يسوع أمّه مرّةً أخرى "امرأة" وهي واقفة عند الصليب تُمثّل الإنسانيّة المخلَّصَة (يوحنا 19: 26) كونها أصبحت أمّ البشريّة جمعاء فهي حوّاء الجديدة. ففي قانا كانت بداية عُرس الحَمَل، وأمَّا على الصليب فكان اكتمال العرس. ولم تتردّد مريم بأن تضحّي بواقع أنّها "أمّ يسوع" لتُصبح "امرأة" شعبها، حَواء الجديدة، المرأة الّتي تبدأ معها رسالة الخلاص.

ونستنتج مما سبق ان دور مريم تمثّل استمراريّة بين العهدين. فهي تمثل في قانا وعند أقدام الصليب، العهد القديم الّذي ينتظر وصول العهد الجديد ويساهم في تحقيقه، هي التي تعلن أن ماء العهد القديم قد نفذت، لم تعد بإمكانها إرواء عطش الإنسان ولا بدّ من خمرة العهد الجديد.

ويعكس دور مريم سر يسوع الذي لا يمكن فصله عن مريم امه الذي ارتضى ان يولد منها (غلاطية 4: 4). ويمكننا ان نرى في مريم، أم يسوع "المرأة النموذجية: التي تتمنى كل امرأة في قلبها ان تتمثل بها. إنّ هذه المعجزة قد حملت أبناء الكنيسة، منذ القرون الأولى، في الشرق والغرب، على أن يتضرّعوا إلى مريم العذراء ويسألوا شفاعتها التي لا تردَّ أحدا خائباً. لقد فهموا أن شفاعتها لا تتعارض مع شفاعة يسوع ولا تنوب منابها. فإن يسوع يتبنَّى شفاعة أُمّه العذراء ويحملُها إلى الله الآب، ويجعلُها مع شفاعته شفاعةً واحدةً ووساطةً واحدةً، فيبقى هو الشفيع الأصيل والوسيط الأوحد بين الله والناس، كما ذكر بولس الرسول ذلك في رسالته الأولى إلى طيموتاوس: "إنَّ اللهَ واحدٌ، والوسيطَ بينَ اللهِ والناسِ واحدٌ، ألا وهو المسيحُ يسوعُ الإنسان" (1 طيموتاوس 22: 5). وهذا الامر يحمل المسيحيّين على الثقة بمريم أُمّ يسوع وطلب شفاعتها.

الخلاصة

معجزة قانا الجليل هي اولى آيات يسوع في بدء خدمته، حيث بدأ عصرًا جديدًا مسيحانيًا، فيه تتحول مياه التطهير حسب الناموس القديم إلى خمرٍ من صنف جديد. وفي هذه الآية ظهرت ساعة مجد ليسوع وساعة إيمان للتلاميذ وساعة تضامن امه مريم. إن رموز عرس قانا الجليل بما فيها من "عرس" و"خمر" و"اليوم الثالث" و"الساعة" تحملنا الى إدراك مكانة عرس يسوع، الحمل الذبيح وقيامته في اليوم الثالث. وأما إيمان التلاميذ فيفسح المجال لإيمان الكنيسة. وأما مريم، ام يسوع فتصبح اماً للبشرية. فمن واجبنا ان نُندّد بالخطيئة التي تحجب مجد الله (إشعيا 52: 5) من ناحية، ومن ناحية أخرى ان نعترف بمجد الله (مزمور 147: 1) وبمجد المسيح يسوع ابنه، لأن فيه نقول" لله: آمين، إكراماً لمجده" (2 قورنتس 1: 20). وبه يرتفع "لله المجد أبد الدهور" (رومة 16: 27). ولله نقدم المجد من أجل ميلاده (لوقا 2: 20)، ومن اجل معجزاته (مرقس 2: 12)، ومن أجل موته (لوقا 23: 4). وفي المسيح يسوع يرتفع التمجيد للآب على مدى جميع الأجيال والدهور (3: 21). كما ان مجد الله يتجلّى في كلام مريم إلى الخدم وإلى كلّ منّا "مَهما قالَ لَكم فافعَلوه". ومن خلال أيماننا، سيتمكّن مجد الله من أن يتجلّى.

أمَّا الخمر الجديدة التي حوَّلها الرب يسوع فتشير إلى سر الافخارستيا إذ نشرب خمرا جديدة قدَّسها الرب يسوع ومنحنا إياها دما كريما للعهد الجديد "لَن أَشرَبَ بعدَ الآن مِن عَصيرِ الكَرْمَةِ هذا حتَّى ذلك اليَومِ الَّذي فيهِ أَشرَبُه مَعَكُم جَديداً في مَلكوتِ أَبي" (متى 26: 29). الخمرة التي صيَّرها الرب في عرس قانا الجليل لا بد أنها انتهت أخيرًا. أمَّا الخمرة الجديدة (دمه الكريم) التي يعطينا إياها فهي حياة أبدية. العرس انتهى أمَّا عرسه السماوي وفرح قلوبنا فهو بلا نهاية ولا انقضاء الى دهر الدهور كلها.

وأخيرا فقد اشترك يسوع في أفراح عرس قانا الجليل ليقدِّس الزواج المسيحي بحضوره، ويرفعه من درجة عَقْدٍ طبيعي بين الرجل والمرأة إلى مقام سرٍّ إلهيّ يكون مجلبةً للنِعَمِ الكثيرة التي يحتاج إليها المتزوِّجون طَوال أيام حياتهم، فيستطيعون بفضلها أن يعيشوا عيشةً مقدّسة، ويتحمّلوا بصبرٍ ومودَّة متبادَلة أعباء الحياة المشتركة، ويربّوا أولادهم تربية صالحة.

دعاء

أيها الآب السماوي، يا من مجّدت ابنك يسوع من خلال تحويله الماء خمرا، أعطنا نعمة الايمان به ربا ومخلصا وان نقبل يسوع ومريم في عداد عائلاتنا فنتمم كل ما يطلبه منا يسوع فننال مجده بشفاعة امه مريم العذراء. يا قدّيسة مريم، يا والدة الله، صلّي لأجلنا!

علق عن طريق الفيس بوك علق عن طريق الموقع

التعليقات

أرسل تعليقا

لن يظهر للقراء