صلاة يسوع الكهنوتية

  • strict warning: Declaration of views_handler_field::query() should be compatible with views_handler::query($group_by = false) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/handlers/views_handler_field.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of content_handler_field::element_type() should be compatible with views_handler_field::element_type($none_supported = false, $default_empty = false, $inline = false) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/cck/includes/views/handlers/content_handler_field.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_handler_sort::options_validate() should be compatible with views_handler::options_validate($form, &$form_state) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/handlers/views_handler_sort.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_handler_sort::options_submit() should be compatible with views_handler::options_submit($form, &$form_state) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/handlers/views_handler_sort.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_handler_sort::query() should be compatible with views_handler::query($group_by = false) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/handlers/views_handler_sort.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_handler_filter::options_validate() should be compatible with views_handler::options_validate($form, &$form_state) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/handlers/views_handler_filter.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_handler_filter::query() should be compatible with views_handler::query($group_by = false) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/handlers/views_handler_filter.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_plugin_query::options_submit() should be compatible with views_plugin::options_submit($form, &$form_state) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/plugins/views_plugin_query.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_plugin_style_default::options() should be compatible with views_object::options() in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/plugins/views_plugin_style_default.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_plugin_row::options_validate() should be compatible with views_plugin::options_validate(&$form, &$form_state) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/plugins/views_plugin_row.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_handler_field_user::init() should be compatible with views_handler_field::init(&$view, $options) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/modules/user/views_handler_field_user.inc on line 0.

صلاة يسوع الكهنوتية

الأب د. لويس حزبون
2019/06/08

صلى يسوع من أجل نفسه أثناء صلاته الكهنوتية (يوحنا 17: 1-5) ، ومن لأجل تلاميذه ((يوحنا 17: 6-19) وأخيرا صلى من أجل كنيسته ( يوحنا 17: 20-26) ؛ وفي إنجيل الأحد السابع للفصح يتكلم يوحنا الإنجيلي عن هذا الجزء الأخير من الصلاة التي رفعها يسوع عشية صلبه من أجل وحدة الكنيسة، الوحدة بين المؤمنين، الوحدة المبنيّة على وحدانيّة المؤمنين مع الربّ يسوع والآب (يوحنا 17: 20-26)؛ وتكشف الصلاة أعمق رغبات النفس، إنّه مُعزٍّ لنا، نحن مؤمنين القرن الحادي والعشرين، أن نُفكّر في حقيقة أنّ الربّ يسوع قد صلّى من أجلنا أيضاً، صلّى من أجل إيماننا، ومن أجل قداستنا، ومن أجل وحدتنا. ومن هنا تكمن أهمية البحث في وقائع النص الانجيلي (يوحنا 17: 23-26) وتطبيقاته في صلاة يسوع من اجل كنيسته (يوحنا 17: 20-26).

اولا: وقائع النص الانجيلي (يوحنا 17: 23-26)

20 لا أَدْعو لَهم وَحدَهم بل أَدْعو أَيضاً لِلَّذينَ يُؤمِنونَ بي عن كلامِهم

تشير عبارة "أَدْعو أَيضاً لِلَّذينَ يُؤمِنونَ بي عن كلامِهم " في اليونانية ἐρωτῶ (معناها اسأل) الى صلاة يسوع الذي يشفع الى الجماهير الغفيرة التي تأتي اليه ويؤمنون به خلال كرازة تلاميذه ورسله. وهو الذي يشفع من يقبل عمله الفدائي، لكي يصير الكل واحدًا. يتمتعون بالوحدة الحقيقية والمجد الذي من عند الآب؛ يصلي يسوع الى مسيحيي العصور المقبلة، يصلي من اجلنا كلنا. إذ تشمل صلاة يسوع هنا تلاميذه وجماعة المؤمنين به عن طريق تبشيرهم (يوحنا 4: 35-42)؛ وتمتد هذه الصلاة لتشمل البشرية المستعدة لقبول الخلاص عبر كل الأجيال حتى انقضاء الدهر، لأن الله " يُريدُ أَن يَخْلُصَ جَميعُ النَّاسِ ويَبلُغوا إِلى مَعرِفَةِ الحَقّ" (1طيموتاوس 2: 3-4)؛ أمَّا عبارة " يُؤمِنونَ بي عن كلامِهم " فنشير الى الإيمان، أي العلاقة مع المسيح يمرّ عبر تبشير الرسل. ويعلق المطران بيتسابالا "إنّ الإيمان ليس شأنًا خاصًا، بل يجب إيصاله وإعلانه. لا يعيش المؤمن لنفسه؛ حيث أنّ الإيمان المسيحي يتعزّز وينمو عندما تتمّ الشهادة له. إن الإيمان الّذي لا يتم تقاسمه، ينطفئ، ويموت". أمَّا عبارة "كلامهم" فتشير الى كلام التلاميذ وبكرازتهم وبأقوالهم التي سجلوها في الأناجيل والرسائل وسفر الرؤيا، انها "كلمة الله" (1 تسالونيقي 2: 13). "كلمة الله" دعيت "كلامهم" لأنها عُهدت إليهم بصفة رئيسية في البداية لكي يُكرز بها" كما يُعلق على ذلك القديس أوغسطينوس.

21 فَلْيكونوا بِأَجمَعِهم واحِداً: كَما أَنَّكَ فِيَّ، يا أَبَتِ، وأَنا فيك فَلْيكونوا هُم أَيضاً فينا لِيُؤمِنَ العالَمُ بِأَنَّكَ أَنتَ أَرسَلتَني

تشير عبارة "لْيكونوا بِأَجمَعِهم واحِداً" الى طلبة يسوع في صلاته لوحدة تلاميذه المحيطين به والى المؤمنين الذي يقبلون كلامهم اي الى الكنيسة. وتكررت عبارة "ليكونوا" سبع مرات في هذه النص وأربع مرات من السبع مرات يطلب أن يكون أتباعه واحدًا؛ هذه الوحدة تأتي من الوحدة الإلهية وتأتي من الآب إلينا من خلال الابن في الروح القدس. يسوع يتضرع لتتم الوحدة في كنيسته. فلنطلب من الله أن يساعدنا للدخول بالعمق في مشروعه لكل واحد منا. أمَّا عبارة " واحِداً " فتشير الى الوحدة التي هي من اهتمامات يسوع الأولى، حيث كانت رغبته ان يصير الكل واحدًا، جسدًا واحدًا بقلبٍ واحدٍ وفكرٍ واحدٍ ورجاءٍ واحدٍ. فقد شغل موضوع الوحدة قلب السيد المسيح، فقد سبق أن طلب لأجلها (يوحنا 17: 13)، وها هو يطلبها بلجاجة من الآب. وتقوم الوحدة على عمل الله في حياة الخدام (الرسل والتلاميذ والكهنة)، كما تقوم على عمله في كل المؤمنين على مستوى الشعب. أمَّا عبارة "كَما أَنَّكَ فِيَّ، يا أَبَتِ، وأَنا فيك فَلْيكونوا هُم أَيضاً فينا" فتشير الى طبيعة الوحدة ومبدئها. فهذه الوحدة تتجذر في سر الحياة الإلهية لأنها تقوم على انضمام المؤمنين الى يسوع مما يؤدي الى اتحادهم في المحبة التي تجمع بين ألاب والابن (يوحنا 5: 19-20). أمَّا عبارة "فينا" فتشير الى الإيمان بالثالوث. "إنهم (الثالوث) فينا ونحن فيهم، بكونهم هم واحد في طبيعتهم، ونحن واحد في طبيعتنا. إنهم فينا بكونهم الله في هيكله، ونحن فيهم كخليقة في الخالق" كما يعلق القديس يوحنا الذهبي الفم. أمَّا عبارة "لِيُؤمِنَ العالَمُ بِأَنَّكَ أَنتَ أَرسَلتَني" فتشير الى وحدة المؤمنين كعلامة للعالم لتدخل الله في الازمنة الأخيرة وكدليل على صحة رسالة يسوع بما ان يسوع هو النبع التاريخي للوحدة. فالوحدة تبيّن ان يسوع من الآب أتى حاملا رسالة وحقيقة ليستا من هذه العالم (يوحنا 3: 3-8). أمَّا عبارة " العالَمُ " فتشير الى مدلول إيجابي اي العالم خليقة الله ولا تدل هنا على مدلوله سلبي إذ " بِحَسَدِ إبليسَ دَخَلَ المَوتُ إِلى العالَم " (الحكمة 2: 24) فصار قسم منه عالم ظلمات ورئيسه (المؤقّت) إبليس. يجب على "العالم" أن يعرف أنّ يسوع الإنسان. ولكن "العالم الشرير" "لم يعرف الله" ويتجاهل المسيح. ومن خلال طلب الوحدة لتلاميذه وكنيسته يقصد يسوع وحدة البشرية التي يريد ان يُظهر لها سر الله بواسطة وحدة تلاميذه. وبالعكس فإن الانقسام في الكنائس هو أكبر العوائق في رسالة الكنيسة ولا يوجد ما يؤذي كل البشر مثل الانقسام.

22 وَأنا وَهَبتُ لَهم ما وَهَبْتَ لي مِنَ المَجْد لِيَكونوا واحِداً كما نَحنُ واحِد

تشير عبارة "وَأنا وَهَبتُ لَهم ما وَهَبْتَ لي مِنَ المَجْد" الى كيفية تتميم الوحدة. مبدأ الوحدة هو المجد الذي ناله المسيح من الآب بعد الصليب والذي يُشرك فيه يسوع المؤمنين به. فمن خلال آلام الصليب يحملنا يسوع المسيح إلى مجده كما جاء في تعليم صاحب الرسالة الى العبرانيين "فذاكَ الَّذي مِن أَجْلِه كُلُّ شَيءٍ وبِه كُلُّ شَيء، وقَد أَرادَ أَن يَقودَ إِلى المَجْد ِكَثيرًا مِنَ الأَبناء، كانَ يَحسُنُ به أَن يَجعَلَ مُبدِئَ خَلاصِهم مُكَمَّلاً بِالآلام" (عبرانيين 2: 10)، فيصبحون بدورهم تجليا لمجد المسيح. فاشتراكهم بهذا المجد يوحّدهم لأنهم كلهم به أبناء. أمَّا عبارة " المَجْد فتشير الى عطية إلهية: "الرَّبُّ الإِلهُ يَهَبُ النِّعمَةَ والمَجْد" (مزمور 84: 12). وفي هذا الصدد يقول القديس غريغوريوس النيسي "الروح القدس هو هذا المجد، ولا يمكن أن ينكره أي شخص يفحص بدقة كلام السيد المسيح وهو يقول: وَأنا وَهَبتُ لَهم ما وَهَبْتَ لي مِنَ المَجْد. في الحقيقة أعطى السيد المسيح هذا المجد لتلاميذه عندما قال لهم: " خُذوا الرُّوحَ القُدُس" (يوحنا 22:20). أمَّا عبارة "لِيَكونوا واحِداً كما نَحنُ واحِد" فتشير الى كلام يسوع مرة أخرى عن وحدة التلاميذ؛ ومثال هذه الوحدة هي وحدة الآب والابن، لا وحدة المصالح والمكاسب، بل وحدة المحبة والتواضع والبذل والوداعة. وتتحقق الوحدة بحب بعضهم لبعض. ويؤكد السيد المسيح أن مصدر الوحدة هو قبوله، كابن الإنسان، المجد من أبيه ليهبه لمؤمنين به. وهكذا يركز السيد المسيح على الوحدة كأمرٍ أساسي وجوهري، وهي ليست بالوحدة الظاهرية كتجمع القيادات الكنسية معًا، لكنها وحدة عمل الروح القدس الذي يضم الكل بالروح لغاية مقدسة كاملة. وهذه الغاية هي أن يصير الكل واحدًا في الآب والابن كما هما واحد. فمن يقبل السيد المسيح "الطريق" يسير به إلى حضن الآب متحدًا معه، كما يسير به إلى قلوب المؤمنين ليختبر وحدة الإخوة. ولانَّ الروح القدس هو روح الآب وروح الابن، لذا يرى البعض أنه روح الوحدة، هو واهب عطية الوحدة، إذ يجمع الكل معًا ليعمل الكل في الكل (1 قورنتس 12: 4). ويعلق القديس باسيليوس بقوله "إن يسوع صلى لِيَكونوا واحِداً كما نَحنُ واحِد لأنه عندما يكون الله الذي هو واحد في كل واحدٍ، فإنه يجعل الكل واحدًا، ويضيع العدد في حلول الواحد".

23 أَنا فيهِم وأَنتَ فِيَّ لِيَبلُغوا كَمالَ الوَحدَة ويَعرِفَ العالَمُ أَنَّكَ أَنتَ أَرسَلتَني وأَنَّكَ أَحبَبتَهم كَما أَحبَبتَني

تشير عبارة "أَنا فيهِم وأَنتَ " الى كيان واحد ذاتي، فالآب كله للابن والابن كله للآب. وكل ما لأحدهم هو للآخر "وجَميعُ ما هو لي فهو لَكَ وما هو لَكَ فهو لي" (يوحنا 17: 10)، ومن الآيتين نفهم طبيعة الوحدة بين الآب والابن. وحدة في الآب كما هي في الابن، كذلك يكون الابن يسوع فينا، وهكذا تكون وحدتنا كاملة، فتنقل محبة الآب بوساطة الابن الى المؤمنين فيتمتعون بالحب الواحد، حب الآب؛ الجدير بالذكر ان يسوع لم يقل "أنت فيَّ وأنت فيهم" لأن حلول الآب في المسيح يختلف عن حلوله في المؤمنين. ولم يقل المسيح "هم فيك وأنا فيك" لأن ثبوت المسيح في الآب غير ثبوت المؤمنين فيه. والوحدة بين الآب والابن قائمة على أساس التساوي بينهما فهم واحد في الجوهر. أمّا الإنسان فكل واحد مختلف عن الآخر، ولكن وحدتنا مع الله تعني انسكاب قوته فينا ليعيد تشكيلنا لنصير على صورته، وتعمل هذه القوة فينا فتلغي عداواتنا وانقساماتنا ونتقدس، وتعلن لنا الوحدة الكائنة في المسيح والآب بقوة الروح الواحد الذي نستقي منه (1قورنتس 13:12) والجسد الواحد الذي نغتذي عليه (قورنتس 16:10، 17). أمَّا عبارة "يَعرِفَ العالَمُ" فتشير الى هدف وحدة التلاميذ، وهي شهادة للاب والابن، حيث أنه يعرف العالم ويكتشف من خلال وحدة التلاميذ حب الآب للبشر؛ وهذا الحب هو حب الابن منعكسا عليهم؛ ومن هذا المنطلق فإن المعرفة لا تشير الى مجرد معرفة عقلية وفكرية فحسب، وانما ايضا الى معرفة واقعية، شخصية وحيوية؛ انها اتحاد الروح والقلب والإرادة لمعرفة الله الآب المرُسِل ومحبته. وإن التعرف الى الله من خلال رسالة الابن هو أعظم معرفة في العالم. وأمَّا عبارة "أَنَّكَ أَحبَبتَهم كَما أَحبَبتَني" فتشير الى ان الآب يُحبنا في الابن، " ذلِك بِأَنَّه اختارَنا فيه قَبلَ إِنشاءِ العالَم لِنَكونَ في نَظَرِه قِدِّيسينَ بِلا عَيبٍ في المَحبَّة" (أفسس 1: 4). ويميّز القديس أوغسطينوس بين حب الآب لابنه وحب الآب لنا. إن الآب يحب الابن من جهة لاهوته، إذ ولده مساويًا لنفسه. يحبه أيضًا كونه جسدًا، لأن الابن الوحيد صار إنسانًا، وبكونه الكلمة، فإن جسد الكلمة هو عزيز عليه. أمَّا بالنسبة لنا فبكوننا أعضاء في ذاك الذي يحبه، ولكي ما نصير هكذا؛ لقد أحبنا لهذا السبب قبل أن يخلقنا"؛ وبعبارة أخرى "حب ألاب لابنه حب سرمدي، أمَّا حبُّه لنا بالنعمة التي تؤهلنا لهذا الحب "كما يعلق القديس أمبروسيوس. وقد أوضح السيد المسيح هنا أنه ليس وحده يُحبُّ تلاميذه، لكن ابوه أيضًا يُحبهم.

24 يا أَبَتِ، إِنَّ الَّذينَ وهَبتَهم لي أُريدُ أَن يَكونوا معي حَيثُ أَكون فيُعايِنوا ما وَهَبتَ لي مِنَ المَجد لأَنَّكَ أَحبَبتَني قَبلَ إِنشاءِ العالَم

تشير عبارة " يا أَبَتِ" في الأصل اليوناني πατήρ الى اللفظة التي يستعملها الطفل في علاقاته الودية مع أبيه. وكان اليهود يرفضون استخدامها في صلواتهم، لما فيها من المودة الحميمة. أمَّا مرقس الإنجيلي فقد احتفظ باللفظة الآرامية אַבָּא "آبا" التي استعملها يسوع (مرقس 14: 36). فيسوع قد صلى مثل الطفل، وصلاته الكهنوتية كلها هي مناجاة الابن لآبيه. فهذا الابتهال أضاف على صلاة يسوع جوّها واعطاها اتجاهها؛ أمَّا عبارة " أُريدُ" فتشير الى المرّة الوحيدة التي فيها يتكلم يسوع كالابن الذي جعل الآب كل شيء في يديه كما جاء في انجيل يوحنا "ِإنَّ الآبَ يُحِبُّ الابن فجَعَلَ كُلَّ شيءٍ في يَدِه"(يوحنا 3: 35) والذي يعتبر بيت الآب بيته (يوحنا 8: 35)؛ ولأن الآب والابن واحد فإرادة الابن هي إعلان عن إرادة الآب. المسيح هنا يقول أريد وهي أعمق بكثير من "ادعو" (يوحنا 17: 9). أمَّا عبارة " أَن يَكونوا معي حَيثُ أَكون" فتشير الى يسوع الذي يريد ان يقاسمه المؤمنون في طاعته وآلامه (يوحنا 13: 36) كما يقاسمونه في ارتفاعه في المجد "مَن أَرادَ أَن يَخدُمَني، فَلْيَتْبَعْني وحَيثُ أَكونُ أَنا يَكونُ خادِمي ومَن خَدَمَني أَكرَمَهُ أَبي" (يوحنا 12: 26). لم يقل يسوع "أريد أن هؤلاء يكونون حيث أكون أنا"، بل أضاف "يكونوا معي". فإن الوجود معه هو أعظم بركة. إن امنية التلميذ ان يكون مع يسوع، ويسوع يطلب هذه النعمة لجميع احبائه، فيكونوا معه وهو معهم ويقاسموه. هذا هو مجد الوحدة وإكليلها الفاخر (يوحنا 12: 26). فمن يتبع المسيح في الصليب سيتبعه في المجد (رؤ4:14). ويؤكد ذلك يوحنا البشير "فرأَينا مَجدَه مَجداً مِن لَدُنِ الآبِ لابنٍ وَحيد مِلؤُه النِّعمَةُ والحَقّ" (يوحنا 1: 14). أمَّا عبارة "فيُعايِنوا ما وَهَبتَ لي مِنَ المَجد" فتشير الى المجد الذي ناله المسيح بالجسد هو نفس مجد لاهوته الذي كان له منذ الأزل وهو نفس مجد الآب. مجد الكلمة المتجسد (فيلبي 8:2-11) والذي اكتسبه بطاعته لله الآب (عبرانيين 2: 9) فنحن حين ننظر مجده ينعكس مجده علينا فنتمجد، ويكمل فرحنا. مجد المسيح الذي هو أيضًا مجد الآب كما جاء في تعليم بولس الرسول "كَيما تَجثُوَ لاسمِ يسوع كُلُّ رُكبَةٍ في السَّمَواتِ وفي الأَرْضِ وتَحتَ الأَرض ويَشهَدَ كُلُّ لِسانٍ أَنَّ يسوعَ المسيحَ هو الرَّبّ تَمْجيدًا للهِ الآب" (فيلبي 2: 10-11). ومن هذا المنطلق نستنتج أن َّمجد الآب والابن هو واحد. فطلب يسوع قبل موته ان يشاهدوا مجده، ووضَّح ذلك بولس الرسول بقوله" نَحنُ جَميعًا نَعكِسُ صورةَ مَجْدِ الرَّبِّ بِوُجوهٍ مَكشوفةٍ كما في مِرآة، فنَتَحوَّلُ إِلى تِلكَ الصُّورة، ونَزدادُ مَجْدًا على مَجْد" (2 قورنتس 3: 18). ويكمن ن مجد الابن في المحبة التي تجمع بين الآب والابن. وهذا هو اساس كل وجود بشري ونهايته. يبدأ المؤمنون بالمسيح ان يعيشوا هذه النعمة بالإيمان على الأرض، وتكتمل في السماء بمعاينة مجد يسوع وجها لوجه. هذه الغاية التي يسير نحوها المسيحيون يوما بعد يوم مستندين الى صلاته كما جاء في تعليم بولس الرسول "فنَحنُ اليومَ نَرى في مِرآةٍ رُؤَيةً مُلتَبِسة، وأمَّا في ذلك اليَوم فتَكونُ رُؤيتُنا وَجْهًا لِوَجْه" (1 قورنتس 13: 12). وهذا تم التعبير عنه يوحنا الرسول " يَجلِسَ معي على عَرْشي، كما غَلَبتُ أَنا أَيضًا فجَلَستُ مع أَبى على عَرشِه " (رؤية 3: 21). أمَّا عبارة "أَنَّكَ أَحبَبتَني قَبلَ إِنشاءِ العالَم" فتشير الى المحبة الذي كان الابن يتمتع بها في وجوده منذ البدء لدى الآب اي قبل انشاء العالم. هذا يعود بنا الى الازل، أي قبل الخلق لما كان الابن في حضن الآب. ولقد امتد حب الله الآب لابنه ليشمل كل الذين آمنوا به وقبلوه (يوحنا 16:3).

25 يا أَبتِ البارّ إِنَّ العالَمَ لم يَعرِفْكَ أَمَّا أَنا فقَد عَرَفتُكَ وعَرَفَ هؤلاءِ أَنَّكَ أَنتَ أَرسَلتَني.

تشير عبارة "يا أَبتِ البارّ" (πάτερ δίκαιε) الى الله العادل (1 يوحنا 9:1) دلالة على بر الله وعدله وأنه سيعطي أكاليل البر لمن آمنوا به ويمتعهم بالمجد.، وهذه العبارة هي فريدة في العهد الجديد (يوحنا 17: 11). ويدل هذا الابتهال على عدالة الله في دينونته بسبب استقامة حكمه ونزاهته (مزمور 119: 137)، وتشير هذه العبارة أيضا الى أمانته ورحمته (مزمور 7: 18) حيث ان برّ الله هو مصدر كل صلاحٍ ومجدٍ لنا؛ فهذه النعمة وعد بها الآب البار، وقدم الابن المصلوب ثمنًا لها لنتأهل لقبولها؛ أمَّا عبارة "إِنَّ العالَمَ لم يَعرِفْكَ أَمَّا أَنا فقَد عَرَفتُكَ" فتشير الى العالم الذي لم يعرف الله مباشرة معرفة شخصية كما يعرف الآب الابن، لأن الله بار. إن يسوع يخاطب الآب كأنه يخاطب من بتمجيده سيظهر ظلم حكام العالم ضد ابنه معلناً عدالته "وهو، مَتى جاءَ أَخْزى العالَمَ على الخَطيئِة والبِرِّ والدَّينونَة: أَمَّا على الخَطيئَة فَلأَنَّهم لا يُؤمِنونَ بي. وأَمَّا على البِرّ فلأَنِّي ذاهِبٌ إِلى الآب فلَن تَرَوني. وأَمَّا على الدَّينونة فَلأَنَّ سَيِّدَ هذا العالَمِ قد دِين" (يوحنا 16: 8-11). ان العالم يستحق الدينونة. إذ يرد له ما يستحقه وهو يعرف الله ومعرفة الله هي الحياة الابدية. رفض العالم يسوع نتيجة خطاياهم فانفصلوا عنه فحرموا من مجده. اما عبارة " عَرَفتُكَ " فتشير الى اتحاد الآب والابن. ولا أحد يعرف الآب إلاّ الابن. المسيح يعرف الآب ويثبت فيه وفي محبته. أمَّا عبارة "عَرَفَ هؤلاءِ أَنَّكَ أَنتَ أَرسَلتَني" فتشير الى هؤلاء الذين قبلوا الحق المعلن في المسيح فاستمتعوا بمجد المسيح واتحدوا به فكانت لهم حياة أبدية ((يوحنا 3:17).

26 عَرَّفتُهم بِاسمِكَ وسأُعَرِّفُهم بِه لِتَكونَ فيهمِ المَحبَّةُ الَّتي أَحبَبتَني إِيَّاها وأَكونَ أَنا فيهِم

تشير عبارة "عَرَّفتُهم بِاسمِكَ" الى رسالة يسوع هنا على الأرض وهي اظهار حب الله للبشر. فالله محبة والمسيح إستعلنها على الصليب في أعمق معانيها. ومن أدرك محبة الآب وعرفه رفض محبة العالم الزائف الفاني؛ أمَّا عبارة "سأُعَرِّفُهم بِه " فتشير الى التعريف باسم الله الآب عمل بدأه الابن بتجسده وصليبه وسيمتد للأبدية فالله لا يُدْرَكْ كماله، وهذا ما فعله المسيح بأن أرسل الروح القدس ليرشد إلى جميع الحق (يوحنا 13:16). ويتابع جماعة الرسل والكنيسة متابعة إظهار معرفة الاب السماوي للبشر، وهي معرفة دائمة النمو. هذه المعرفة بأسرار الله يقدِّمها الابن، العارف وحده بكمال الأسرار الإلهية، إذ هو واحد مع أبيه كما جاء في انجيل يوحنا "إِنَّ اللهَ ما رآهُ أَحدٌ قطّ الابنُ الوَحيدُ الَّذي في حِضْنِ الآب هو الَّذي أَخبَرَ عَنه"(يوحنا 1: 18). فإنّ عمل يسوع لم ينته بعد؛ فهناك الموت والقيامة وفيهما يكتشف التلاميذ اسم الله وعمله، وهناك زمن الكنيسة الذي يبدأ بالصعود ويمتد حتى نهاية العالم. ويعلق على "لقد عرَّفتهم اسمك بالإيمان، وسأجعله معروفًا بالعيان"؛ أمَّا عبارة " لِتَكونَ فيهمِ المَحبَّةُ الَّتي أَحبَبتَني إِيَّاها وأَكونَ أَنا فيهِم" فتشير الى هدف معرفة الله، الا وهو ادخالهم في الحياة، فالآب لا يظهر ذاته الا في العطاء وبفصد العطاء، وأمنية يسوع هي اتحاد البشر بحبِّه. وهذا الاتحاد لا يثمر إلا بحضور الابن فيهم. انه مِلْ النِّعمَةُ والحَقّ (يوحنا 1: 14-16). كلما نعرف ربنا بالأكثر نزداد ثباتا فيه، وامتلاء من ثمار الروح فنمتلئ حباً له وللناس. اما عبارة " وأَكونَ أَنا فيهِم" فتشير الى يسوع المسيح الذي هو القيامة والحياة (يوحنا 25:11) فحينما يكون فينا تكون لنا حياة أبدية. وصحيح أن المسيح سيفارق تلاميذه بالجسد ولكنه سيظل فيهم بالروح للأبد. والهدف النهائي أن يسكن المسيح فينا ويتحد بنا فهذا هو المجد الذي أراده للبشر والحياة الأبدية لهم في المجد.

ثانياً: تطبيقات النص الإنجيلي (يوحنا 17: 23-26)

بعد دراسة وقائع النص الإنجيلي (يوحنا 17: 23-26)، يمكن ان نستنتج انه يتمحور حول صلاة يسوع من اجل وحدة كنيسته واهداف هذه الوحدة ومعاينة مجده الإلهي.

1) وحدة المسيحيين

يتسع طلب يسوع في صلاته الكهنوتية من الصلاة لأجل ذاته الى الصلاة من أجل التلاميذ واخيرا الى الصلاة من اجل الكنيسة: "لا أَدْعو لَهم وَحدَهم بل أَدْعو أَيضاً لِلَّذينَ يُؤمِنونَ بي عن كلامِهم" (يوحنا 17: 20). يصلي يسوع للذين يؤمنون به عن يد الرسل وتلاميذهم بما فيهم نحن الذين نتبعه اليوم طالباً الوحدة ومعاينة مجده.

إن أعظم رغبة يطلبها يسوع للكنيسة هي ان تكون واحدة؛ غير أن الوحدة هي عطيّة تنزل من الآب السماوي. ويجب أن تُطلب منه. فمن الآب السماوي يطلب الربّ يسوع ان يكون اتباعه متحدين كشهادة لحقيقة محبة الله.

بعمل المسيح والآب والروح القدس يصير المؤمنين واحداً (أفسس14:3-20)

وكانت هذه الوحدة على سلم أولويات يسوع كما ورد في موضع آخر من الانجيل “ولي خِرافٌ أُخْرى لَيسَت مِن هذِه الحَظيرَة فتِلكَ أَيضاً لابُدَّ لي أَن أَقودَها وسَتُصغي إِلى صَوتي فيَكونُ هُناكَ رَعِيَّةٌ واحِدة وراعٍ واحِد" (يوحنا 10: 17)، وهو يضحي بحياته من اجل هذه الوحدة. " أَنَّ يسوعَ سيَموتُ عَنِ الأُمَّة، ولاعنِ الأُمَّةِ فَقَط، بل لِيَجمَعَ أيضاً شَمْلَ أَبناءِ اللهِ المُشَتَّتين" (يوحنا 11: 52-53). وصار المسيح رأسا للكنيسة كما يؤكده بولس الرسول " ليَجمعَ تَحتَ رأسٍ واحِدٍ هو المسيح كُلَّ شَيء ما في السَّمواتِ وما في الأَرْض " (افسس 1: 10)

ويصف القدّيس بولس الرسول هذه الوحدة في الكنيسة على أنّها جسد المسيح. " وكما أَنَّ الجَسَدَ واحِدٌ ولَه أَعضاءٌ كَثيرَة وأَنَّ أَعضاءَ الجَسَدِ كُلَّها على كَثرَتِها لَيسَت إِلاَّ جَسَدًا واحِدًا، فكذلكَ المسيح. 13 فإِنَّنا اعتَمَدْنا جَميعًا في رُوحٍ واحِد لِنَكونَ جَسَدًا واحِدًا، أَيَهودًا كُنَّا أَم يونانِيِّين، عَبيدًا أَم أَحرارًا، وشَرِبْنا مِن رُوحٍ واحِد" (1 قورنتس 12، 12-13)، " فأَنتُم جَسَدُ المَسيح وكُلُّ واحِدٍ مِنكُم عُضوٌ مِنه" " (1 قورنتس 12، 27).

ونستنتج مما سبق ان الوحدة في الكنيسة لا تعني ان يُقيم المؤمنون أماكن عبادتهم على نمط واحد، أو أنهم يجتمعون في مكان واحد. والوحدة المنشودة ليست مؤسساتية: الهدف ليس جمع المسيحيين تحت مسمى الكاثوليك او الأرثوذكس...، بل جعل الجميع يعترفون ببعضهم البعض كمسيحيين. والوحدة المقصودة تتخطّى كلّ هذه الشكليّات، وتسمو على هذه الفروقات، في روح المحبّة المتبادلة ورباط التضامن. المطلوب الوحدة في الفكر والهدف والمشاعر بلا انقسامات أو تحزبات، فنحن جسد واحد ونحن من كلنا أعضاء في جسد المسيح (أفسس 4: 3-6) وإذا فهمنا أن المسيح وحدنا في جسده وجعلنا جسد واحد، فهذه وحدة كيان. والطريق لوحدتنا أن نثبت في المسيح فثباتنا في المسيح يملانا بالروح القدس الذي يسكب محبة الله فينا. فلا يصلح أن نكون واحداً فقط، بل المهم أن نكون واحداً في المسيح وفي الآب. فهناك من اتحدوا في الشر. ولكن من الذي يتحد بالمسيح سوى من أحب إخوته بل وأعدائه. وعن طريق وحدتنا مع المسيح أيضاً نتحد مع الآب. فالجماعة لا تتحد إلاّ بالوجود في الآب والابن.

وفي الواقع تعثّر واقع رجاء الوحدة المسيحيّة في أيّامنا وأصيب بصدمة كُبرى، لأنّ كلّ واحد يُحبّ عقيدته وتقاليده ومفهومه الخاصّ لكلمة الربّ أكثر من محبّته لأخيه. إن كنّا نحبّ حقّاً أحدنا الآخر كما نُحبّ سيّدنا، فإنّنا لن نغلق الباب في وجه أخ من كنيسة أخرى، ولن نمنعه من الجلوس إلى مائدة أبيه. ومن الأمور المؤسفة أنّ دعاة الطائفيّة يبذلون أقصى ما يبذلون من جهد ليُقيموا أمام العالم واجهة متنافرة منقسمة، تُعطي العالم فكرة سيئة عن المسيح وعن المسيحيّة. فإنّ الوحدة كما رآها الربّ يسوع تُحطّم الحواجز الّتي أقامتها الطائفيّة الكنسية. فهي وحدة شركة وعلامة وشهادة

أ‌) وحدة المسيحيين شركة

صلي يسوع لوحدة المسيحيين من اجل تكون وحدتهم شركة في وحدة الآب والابن "فَلْيكونوا بِأَجمَعِهم واحِداً: كَما أَنَّكَ فِيَّ، يا أَبَتِ، وأَنا فيك فَلْيكونوا هُم أَيضاً فينا" (يوحنا 17: 21). صلي يسوع من أجل وحدة المسيحيين لكي تكون على مثال وحدة الآب والابن. صلى من أجل الوحدة بين المؤمنين المبنيَّة على وحدانية المؤمنين مع يسوع والآب. ويُعلق سمعان اللاهوتيّ الحديث "ما هو في طبيعة الابن بالنسبة إلى أبيه، يعطينا أن نكونه بالنسبة إليه من خلال التبنّي والنعمة "(لأخلاق، 1: 6-8). إنّ الألوهيّة التي نتشارك فيها لا يمكن تقسيمها إلى أجزاء منفصلة، ويتتبّع منها بالضرورة أنَّنا، نحن أيضًا، عندما نشارك فيها بشكل حقيقي، نصبح غير منفصلين عن الرُّوح الواحد ونشكّل جسدًا واحدًا مع الرّب يسوع المسيح.

لدى اعتراف المؤمن بالله الواحد: الآب والابن والروح القدس ينفتح للمحبة التي تربط الآب والابن، والتي يشركه فيها الروح "أَنَّ مَحَبَّةَ اللّه أُفيضَت في قُلوبِنا بِالرُّوحَ القُدُسِ الَّذي وُهِبَ لَنا" (رومه 5: 5). ويمكن للمسيحيين ان يعرفوا الوحدة فيما بينهم لو كانوا يَحيون في اتحاد مع الله. فكما يقول لنا في مثل الكرمة والاغصان، كل غصن يحيا مع الكرمة يتحد مع بقية الاغصان الأخرى جميعها " أَنا الكَرْمةُ وأَنتُمُ الأَغصان. فمَن ثَبَتَ فيَّ وثَبَتُّ فيه فَذاكَ الَّذي يُثمِرُ ثَمَراً كثيراً (يوحنا 15: 5).

وهكذا تصبح الكنيسة شراكة، شراكة المؤمنين أحدهم مع الآخر وشراكة بين المؤمن والله. وفي هذه الشراكة المزدوجة يبلغ الإنسان ملء قامة المسيح، هذا ما أنهى به صلاته التي سيتابعها من أجل شعبه لكي يتابعوا نموهم في التعرف إلى الله “لِتَكونَ فيهمِ المَحبَّةُ (يوحنا 17: 26) ويكون الله فيهم.

وبعبارة أخرى، من خلال المشاركة في الحياة الإلهية “فَلْيكونوا هُم أَيضاً فينا " (يوحنا 17: 21)، يتم توسيع الوحدة بين الآب ويسوع وتقاسمها مع المؤمنين بصورة مرئيًة ومفهومًة للعالم من خلال محبتهم لبعضهم البعض والصلاة من اجل بنءا جسد السميح وتحقيق الشركة الكاملة والمنظورة في كنيسة المسيح.

ب‌) وحدة المسيحيين علامة

صلى يسوع لوحدة المسيحيين لتكون علامة للعالم تدل على انَّ يسوع أتى من الله فعلا. إنّ وحدة المؤمنين هي العلامة الأولى للبشارة "لِيُؤمِنَ العالَمُ بِأَنَّكَ أَنتَ أَرسَلتَني" (يوحنا 17: 21). إنّ الوحدة بين المؤمنين هي علامة ورمز للوحدة بين يسوع والآب. ويركز انجيل يوحنا كثيرًا على هذه العلاقة ابين الآب ويسوع (يوحنا 19: 5؛ 28: 6؛ 25: 10).

وإذا كانت وحدة المؤمنين، ليست مجرد مسألة تنظيمية، بل هي ثمرة العمل الإلهي لكن يجب أن تكون مرئية تاريخياً. لان العالم يحتاج لرؤية وحدتنا. " إذا أَحَبَّ بَعضُكُم بَعضاً عَرَف النَّاسُ جَميعاً أَنَّكُم تَلاميذي" (يوحنا 13: 35). ان وحدة المسيحيين الروحية تقنع العالم بصحة ارساليتهم. بما أن يسوع هو مصدر الوحدة، فإنها تشهد أمام العالم بحقيقة رسالته؛ فالعلامة الوحيدة التي تركها يسوع لإخوته ليست تنظيما كنسيا، ولا جمالا للمراسيم الدينية، ولا تماسكا لعقائدنا، بل الوحدة في الحب المعاش في علاقاتنا الأخوية اليومية.

يرى الناس حضور المسيح وسطهم من خلال المحبة المتبادلة" إذا أَحَبَّ بَعضُكُم بَعضاً عَرَف النَّاسُ جَميعاً أَنَّكُم تَلاميذي" (يوحنا13: 35). فالوحدة في المحبّة نداءً كي يؤمن العالم. ودون الوحدة المرئيّة لا يولد الإيمان، لأنّه تنقص المحبّة، الّتي هي الطريق الوحيد كي تؤمن القلوب بالسيّد المسيح وتُرحّب بكلمته على أنّها كلمة الحياة الأبديّة له.

عيشنا كإخوة هي بشرى عملية، وعمل نبوي، ورجاء من أجل جميع البشر بل هو أول ارتداد وأول عمل رسولي نقوم به. والتبشير يتمّ أولاً عندما تشعّ الحياة الأخوية، “أنظروا كم يحبّ بعضهم بعضاً”. أين جوابنا وجواب رعايانا المسيحية وكنائسنا على هذه الحاجة؟

ج) وحدة المسيحيين شهادة

صلى يسوع لوحدة المسيحيين لتكون شهادة حب الآب. وهذا ما يجعل الشهادة موثوق بها. إن أعظم رغبة يطلبها يسوع لتلاميذه هي أن يكونوا واحداً كشهادة قوية حقيقة لمحبة الآب للبشرية، التي أظهرها تعالى ببذل ابنه الواحد "فإِنَّ اللهَ أَحبَّ العالَمَ حتَّى إِنَّه جادَ بِابنِه الوَحيد لِكَي لا يَهلِكَ كُلُّ مَن يُؤمِنُ بِه بل تكونَ له الحياةُ الأَبدِيَّة "(يوحنا 3: 16). وتتم هذه الوحدة باشتراك التلاميذ بمجد يسوع الذي وهبه لهم لأنهم كلهم به أبناء ويتمتعون بالحب الواحد، حب الآب: "أَنا فيهِم وأَنتَ فِيَّ لِيَبلُغوا كَمالَ الوَحدَة ويَعرِفَ العالَمُ أَنَّكَ أَنتَ أَرسَلتَني وأَنَّكَ أَحبَبتَهم كَما أَحبَبتَني" (17: 23). حيث أكبر عثرة تعطل الإيمان هي عدم المحبة بين المؤمنين.

إن اعلان محبة الآب للابن توحّد الكل في كمال الوحدة. وبعبارة أخرى يريد يسوع أن يُظهر سر الله بواسطة وحدة التلاميذ. "وَأنا وَهَبتُ لَهم ما وَهَبْتَ لي مِنَ المَجْد لِيَكونوا واحِداً كما نَحنُ واحِد" (يوحنا 17: 22). فهل نعمل على اتحاد جسد المسيح أي الكنيسة لنكون شركة في وحدة الآب والابن، وعلامة حضور المسيح بيننا وشهادة حب الله للبشرية؟

فكما كانت الجماعة المسيحية الاولى "الَّذينَ آمَنوا قَلبًا واحِدًا ونَفْساً واحِدة" (أعمال 4: 32)، فكذلك علينا أن نكون جسدًا واحدًا مؤلّفًا من أعضاء مختلفة. هذا ما يستحقّه حقًّا المسيح نفسه، الّذي هو رأسنا الحقيقيّ. (أفسس 1: 22). ويحثُّنا بولس الرسول في هذا أيضا قائلاً " سيرةً مِلؤُها التَّواضُعُ والوَداعَةُ والصَّبْر، مُحتَمِلينَ بَعضُكُم بَعضًا في المَحبَّة ومُجتَهِدينَ في المُحافَظَةِ على وَحدَةِ الرُّوحِ بِرِباطِ السَّلام. فهُناكَ جَسَدٌ واحِدٌ ورُوحٌ واحِد، كما أَنَّكم دُعيتُم دَعوَةً رَجاؤُها واحِد. وهُناكَ رَبٌّ واحِدٌ وإِيمانٌ واحِدٌ ومَعْمودِيَّةٌ واحِدة، وإِلهٌ واحِدٌ أَبٌ لِجَميعِ الخَلْقِ وفوقَهم جَميعًا، يَعمَلُ بِهم جَميعًا وهو فيهِم جَميعًا " (أفسس 4: 2-6). ومن هذا المنطلق يحتتنا القدّيس أغناطيوس الأنطاكيّ بطريرك أنطاكية وشهيد " إنّه لخيركم إذًا أن تحافظوا على وحدة لا تشوبها شائبة، بحيث تنعمون باتّحاد دائم بالله. (رسالة إلى أهل أفسس). ومن هذا المنطلق، لا يمكن اعتبار الوحدة المسيحية خيارًا بل ضرورة واجبة للحفاظ على التنوّع والتعددية في الكنيسة الواحدة الجامعة الرسولية التي أسسها السيد المسيح.

2) معاينة مجد المسيح

لا يطلب يسوع في صلاته الكهنوتية الوحدة بين المسيحيين فحسب بل ان يعاينوا مجده ايضا. والمجد ناشئ عن حياة المسيح فينا واتحاد جسده بجسدنا. المسيح فيكم رجاء المجد (عبرانيين 10:2). وهو مجد حلول الروح القدس فينا الذي يوزِّع على كل واحد مواهبه. والمجد الذي نأخذه الآن هو عربون المجد أن يُعلن فينا (رومة 18:8). المجد الذي أعطاه المسيح لنا هو سبب وحدة الكنيسة. ويُعلق سمعان اللاهوتيّ "إنَّ المجد المُعطى إلى الابن من قبل الآب، يعطينا إيّاه الابن بدوره بواسطة النّعمة الإلهيّة " (لأخلاق، 1: 6-8). فيسوع يصلي كي تنتقل الكنيسة المجاهدة الى الكنيسة الممجَّدة. ويطلب يسوع هذه المعاينة تكليلا لعمله. "يا أَبَتِ، إِنَّ الَّذينَ وهَبتَهم لي أُريدُ أَن يَكونوا معي حَيثُ أَكون فيُعايِنوا ما وَهَبتَ لي مِنَ المَجد لأَنَّكَ أَحبَبتَني قَبلَ إِنشاءِ العالَم" (17: 24). والمجد هنا هو الكشف عن محبة الله، التي تبلغ ذروتها الخدمة المتواضعة والتي تبلغ ذروتها في غسل الأرجل وفي الصليب. وإنّ طريق الصليب هو الطريق إلى المجد الحقيقي. فمجد المسيح بجسده بدأ بالصليب.. وهذا المجد يتحول للإنسان إذا قبل الصليب مع المسيح (لوقا 22: 28- 30).

وإنّ الصليب، قبل أن يكون رمزًا للمعاناة والتضحية، هو المكان الذي يعرف فيه الإنسان حب الله الذي لا يُقاس، حيث ان الوحدة لا تُبنى بادعاء العظمة، بل حب الآخر أكثر من حب الذات. فقط مثل هذا الحب، الذي يعرف كيف يبذل ذاته، ويعرف كيف يُصغّر نفسه على مثال يوحنا المعمدان (يوحنا 3: 30) لإفساح المجال للآخر، وبهذا الامر يمكنه بناء الوحدة، وبالتالي يصبح صورة لمحبة الله، وللوحدة بين الآب ويسوع.

وهنا يسوع يقول لأبيه: "اريد" وهي المرة الوحيدة يتكلم بهذه الصيغة. انه يتكلم كالابن الذي جعل الآب كل شيء في يديه كما يوكده يوحنا الإنجيلي" إِنَّ الآبَ يُحِبُّ الابن فجَعَلَ كُلَّ شيءٍ في يَدِه". (يوحنا 3: 35). فأمنية التلميذ ان يكون مع يسوع، ويسوع يطلب هذه النعمة لجميع تلاميذه، فيكونوا بقربه ويقاسموه المجد. والمعاينة هي ليست مشاهدة مجد المسيح فحسب كما جاء في تعليم بولس الرسول "ونَحنُ جَميعًا نَعكِسُ صورةَ مَجْدِ الرَّبِّ بِوُجوهٍ مَكشوفةٍ كما في مِرآة، فنَتَحوَّلُ إِلى تِلكَ الصُّورة، ونَزدادُ مَجْدًا على مَجْد، وهذا مِن فَضْلِ الرَّبِّ الَّذي هو روح" (2 قورنتس 3: 18) أنما تكمن المعاينة أيضا في معرفة المحبة التي تجمع بين الآب والابن. "عَرَّفتُهم بِاسمِكَ وسأُعَرِّفُهم بِه لِتَكونَ فيهمِ المَحبَّةُ الَّتي أَحبَبتَني إِيَّاها وأَكونَ أَنا فيهِم"(يوحنا 17: 26).

ويطلب يسوع في صلاته ان نشاركه في محبة ابيه السماوي له التي هي اجود ما يملكه. هذه هي قمة الانجيل العظمى. إن حب الله بالذات، هو حب الثالوث الاقدس الذي به يحب الآب والابن، هو حب الله يشاركه يسوع على المؤمنين؛ وهذه النعمة تبدأ على الأرض في الإيمان وتكتمل في السماء. فمعاينة مجد المسيح هي غاية كل المؤمنين به وأساس كل وجود بشري ونهايته كما جاء في تعليم بولس الرسول " فنَحنُ اليومَ نَرى في مِرآةٍ رُؤَيةً مُلتَبِسة، وأَمَّا في ذلك اليَوم فتَكونُ رُؤيتُنا وَجْهًا لِوَجْه. اليَومَ أَعرِفُ مَعرِفةً ناقِصة، وأَمَّا في ذلك اليَوم فسَأَعرِفُ مِثْلَما أَنا مَعْروف. (1 قورنتس 13: 12). ومن هذا المنطلق يحتتنا القدّيس أغناطيوس الأنطاكيّ بطريرك أنطاكية وشهيد " يجب أن تمجّدوا الرّب يسوع المسيح في كلّ أوجه حياتكم، هو الذي مجّدكم " رسالة إلى أهل أفسس).

اختتم يسوع صلاته بوعده أن يتابع رسالته على الأرض عن طريق كشف الآب للعالم: "يا أَبتِ البارّ إِنَّ العالَمَ لم يَعرِفْكَ أَمَّا أَنا فقَد عَرَفتُكَ وعَرَفَ هؤلاءِ أَنَّكَ أَنتَ أَرسَلتَني (17: 25). ومن خلال الرسالة بإظهار حب الله للبشر، يتحد المؤمن بالله فيشاهد مجده وعندما يشاهد مجد الله يبلغ قمة وجوده ويتحقق كيانه لأنه " يكون هو حيث المسيح". هذه هي صلاة يسوع المسيح الكهنوتية وهذه هي وصيته لنا.

وباختصار صلاة يسوع تكمن في سير الكنيسة المجاهدة على الارض نحو الكنيسة الممجدة في السماء حيث يشترك جميع المؤمنين في نفس الحب الذي عند الآب لابنه الحبيب "لِتَكونَ فيهمِ المَحبَّةُ الَّتي أَحبَبتَني إِيَّاها وأَكونَ أَنا فيهِم (يوحنا 17:26). وإن معرفتنا بان يسوع قد صلى من أجلنا جميعا، لا بد أن تعطينا الثقة ونحن نعمل من أجل ملكوته.

الخلاصة

صلّى يسوع في صلاته الكهنوتية من أجل ان يكون اتباعه معه واحداً، كما انه واحد مع ابيه السماوي. فالمؤمنون على كثرتهم، يجب ان يكونوا واحدا، لان الله واحد. والوحدة المقصودة بصلاة يسوع هي وحدة قلب وفكر وعقيدة وإيمان. عندما يكون المؤمنون في المسيح، يكون المسيح في المؤمنين. وكل مَن كان مِن المسيح يسعى الى الوحدة. وأمَّا من كان همه التفريق فهو ليس من أتباع المسيح.

من البديهي أنّ أولئك الذين لا يهتمّون بوحدة الكنيسة، إنّما هم يحبّون أنفسهم بدل أن يحبّوا الرّب يسوع المسيح. فإنّ هؤلاء الأشخاص تقودهم الرغبة في المجد والسيطرة والربح، لا الرغبة في الطاعة ومساعدة الآخرين وإرضاء الله. وقد وبّخهم بولس الرّسول حين قال: " كُلُّهم يَسعى إِلى ما يَعودُ على نَفْسِه، لا إِلى ما يَعودُ على يسوعَ المسيح" (فيلبي 2: 21). فَلنَبحثْ عن مصلحة الرّب يسوع المسيح ورغبته، من دون أن نقلقَ بشأن مصالحِنا.

الوحدة هي شركة في وحدة الآب والابن وهي علامة ليؤمن العالم شهادة حب الآب. فهل نعمل على اتحاد جسد المسيح أي الكنيسة؟ يمكننا ان نصلي من اجل الوحدة، وان نبني بعضنا بعضا وان نعلي شأن المسيح "مُجتَهِدينَ في المُحافَظَةِ على وَحدَةِ الرُّوحِ بِرِباطِ السَّلام. فهُناكَ جَسَدٌ واحِدٌ ورُوحٌ واحِد، كما أَنَّكم دُعيتُم دَعوَةً رَجاؤُها واحِد. وهُناكَ رَبٌّ واحِدٌ وإِيمانٌ واحِدٌ ومَعْمودِيَّةٌ واحِدة، وإِلهٌ واحِدٌ أَبٌ لِجَميعِ الخَلْقِ وفوقَهم جَميعًا، يَعمَلُ بِهم جَميعًا وهو فيهِم جَميعًا" (أفسس 3:4-6). ولا يمكن أن يكون كلّ هذا مجرّد ثمرة جهد بشري. لهذا سيتم إرسال المُعزي إلينا، الروح الذي سيقيم فينا وسيبقى معنا إلى الأبد (يوحنا 14: 16). الروح القدس الّذي يجعلنا نختبر حب الله وما قاله من صلاته إلى الآب: " تعرِفونَ أَنِّي في أَبي وأَنَّكم فِيَّ وأَنِّي فِيكُم. " (يوحنا 14: 20).

دعاء

أيها الـربّ يسوع،
يا مَن في ليلـة إقبالـك علـى الموت من أجلنـا،
صلّيـتَ لكـي يكــون تلاميـذك بأجمعهــم واحــداً كما أنّ الآب فيـك وأنتَ فيــه.
اجعلنا أن نشعــر بعـدم أمانتنـا ونتألّـم لانقسامنـا.
أعطنـا صدقـاً فنعـرف حقيقتنـا، وشجاعـة فنطـرح عنّـا ما يكمن فينـا من لامبالاة وريبـة، ومن عـداء متبـادل.
وامنحنا يـا ربّ أن نجتمــع كلّنـــا فيـك فتصعــد قلوبنـا وأفواهنا بلا انقطاع صلاتـك من أجل وحـدة المسيحيّيــن، كمــا تريـدها أنتَ وبالسبــل التي تــريــد.
ولنجد فيـك، أيهـا المحبّـة الكـاملـة، الطريـق الذي يقـود إلى الوحـدة، فـي الطـاعـة لمحبتـك وحقّـك. امين

علق عن طريق الفيس بوك علق عن طريق الموقع

التعليقات

أرسل تعليقا

لن يظهر للقراء