رسالة التطويبات في ضوء لوقا الإنجيلي

  • strict warning: Declaration of views_handler_field::query() should be compatible with views_handler::query($group_by = false) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/handlers/views_handler_field.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of content_handler_field::element_type() should be compatible with views_handler_field::element_type($none_supported = false, $default_empty = false, $inline = false) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/cck/includes/views/handlers/content_handler_field.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_handler_sort::options_validate() should be compatible with views_handler::options_validate($form, &$form_state) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/handlers/views_handler_sort.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_handler_sort::options_submit() should be compatible with views_handler::options_submit($form, &$form_state) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/handlers/views_handler_sort.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_handler_sort::query() should be compatible with views_handler::query($group_by = false) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/handlers/views_handler_sort.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_handler_filter::options_validate() should be compatible with views_handler::options_validate($form, &$form_state) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/handlers/views_handler_filter.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_handler_filter::query() should be compatible with views_handler::query($group_by = false) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/handlers/views_handler_filter.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_plugin_query::options_submit() should be compatible with views_plugin::options_submit($form, &$form_state) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/plugins/views_plugin_query.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_plugin_style_default::options() should be compatible with views_object::options() in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/plugins/views_plugin_style_default.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_plugin_row::options_validate() should be compatible with views_plugin::options_validate(&$form, &$form_state) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/plugins/views_plugin_row.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_handler_field_user::init() should be compatible with views_handler_field::init(&$view, $options) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/modules/user/views_handler_field_user.inc on line 0.

رسالة التطويبات في ضوء لوقا الإنجيلي

الأب د. لويس حزبون
2019/02/16

بعد صلاة يسوع على الجبل ودعوته للرسل تكلم لوقا الإنجيلي عن عظة يسوع الكبرى في السهل مما يوكّد ان اعماله تسبق أقواله (لوقا 24: 19 واعمال الرسل 1: 1). وفي عظته يُحدِد يسوع معيارا لسلوك التلميذ الكامل من خلال رؤيته الخاصة والتي تتلخص في التطويبات والويلات معلنا الفرق بين الفقراء والاغنياء. وتبدو رؤيته انقلابا للمواقف الحاضرة (لوقا 1: 51-35)؛ فالتطويبات هي أسمي ما ظهر في تاريخ الايمان. ومن هنا تكمن أهمية البحث في وقائع النص الانجيلي وتطبيقاته.

أولاً: تحليل وقائع نص انجيل لوقا (لوقا 6: 17، 20- 26)

17 ثُمَّ نَزَلَ معَهم فوَقَفَ في مَكانٍ مُنْبَسِط، وهُناكَ جَمعٌ كَثيرٌ مِن تَلاميذهِ، وحَشْدٌ كَبيرٌ مِنَ الشَّعْب مِن جَميعِ اليَهودَّية وأُورَشَليم، وساحِلِ صورَ وصَيْدا

تشير عبارة " نَزَلَ " الى نزول يسوع مع رسله الإثني عشر إلى السهل ليلتقي مع التلاميذ والشعب اليهودي وأيضًا الأمم، هؤلاء الذين جاءوا يسمعونه ويلمسونه لينالوا قوّة تخرج منه؛ فقد نزل معهم لكي يرفعهم. ويعُلق القديس أمبروسيوس" ينال المرضى الشفاء في السهل لينموا في القوّة شيئًا فشيئًا، ويستطيعوا تسلُّق الجبال. ينزل الرب ليشفي جراحاتنا لكي يجعلنا نشاركه طبيعته باتِّحاده بنا". أمَّا عبارة "مَكانٍ مُنْبَسِط" باليونانية πεδινός فتشير الى السهل على جانب الجبل ربما يرمز الى سهل مؤاب حيث أعطى سفر التثنية الاشتراع للشعب. فالسهل يدلُّ على انفتاح رسالة المسيح على العالم الواسع، العالم الوثني نظراً ان الناس عند لوقا الإنجيلي جاؤوا من العالم اليهودي (اليهودية وأورشليم) ومن العالم الوثني (صور وصيدا) فالبشارة تتوجَّه الى جميع البشر. أمَّا عبارة "هُناكَ جَمعٌ كَثيرٌ مِن تَلاميذهِ" فتشير إلى التلاميذ الآخرين الذين يُشكلون جمعا بالإضافة الى الاثني عشر الذين اختارهم يسوع. فهؤلاء التلاميذ يختلفون عن الاثني عشر وعن جمهور الذين أتوا من كل مكان، فنجد هنا التشديد على وجود عدد كبير جدا من تلاميذ يسوع. أمَّا عبارة " تَلاميذهِ" فتشير الى كل من يدرس او يتعلم متبعا معلما معينا (متى 10: 24)، والتلميذ لا يعني قبول تعليم معلمه فحسب، بل السير بمقتضاه في الحياة. ولقب التلاميذ في الإنجيل يدل أولا على إتباع يسوع ويستخدم بشكل خاص للدلالة على الاثني عشر (متى 10: 1)، ويُطلق هذ اللقب بعد صعود المسيح على كل من يعترف بيسوع رباً ومسيحاً (اعمال الرسل 6: 1). أمَّا عبارة "حَشْدٌ" في الأصل اليوناني πλῆθος فتشير الى جمهور غفير من أناس آخرين مجتمعين في مكان محدود لكي يسمعوا يسوع وينالوا الشفاء. أمَّا عبارة "جَميعِ اليَهودَّية وأُورَشَليم" فتشير الى العالم اليهودي؛ وأمَّا عبارة "ساحِلِ صورَ وصَيْدا: فتشير الى العالم الوثني. وعليه فان الناس الذين جاؤوا ليسمعوا يسوع ليس هم فقط من العالم اليهودي، ولكن أيضا من العالم الوثني. فالبشارة موجّهة الى جميع البشر يهودا كانوا أم وثنيين. أن الجمع الذي احتشد حول المسيح بعد نزوله من على الجبل كان مكونًا من تلاميذه الذين تركوا كل شيء وتبعوه، وأيضاً من كثيرين من المتألمين والمرضى والمعذبين من اليهود والوثنيين.

20 وَرَفَعَ عَيْنَيْه نَحوَ تَلاميذِه وقال: "طوبى لَكُم أَيُّها الفُقَراء، فإِنَّ لَكُم مَلَكوتَ الله

تشير عبارة " رَفَعَ عَيْنَيْه نَحوَ تَلاميذِه " الى رفع يسوع عينيه ليرفع بصيرة تلاميذه معه نحو السماء حين يتحدَّث إليهم. أمَّا عبارة "التلاميذ" فتشير إلى العظة التي كانت موجّهة الى التلاميذ اولا، وإن كانت الجموع تصغي اليه أيضا. أمَّا عبارة " طوبى " في اليونانية μακάριος مأخوذة من أصل عبري אַשְׁרֵי، (ومعناها هنيئا، فتشير الى صيغة تقليدية في الكتاب المقدس والدين اليهودي للتعبير عن الانباء بفرح مُقبل (اشعيا 30: 18) او عن شكر على فرح حار (مزمور 32: 1-2) او عن الوعد بمكافأة في إرشادات الحكماء (أمثال 3: 13)، وهي تقصد دائما فرحا يمنحه الله. افتتح المسيح وعظته، لا بالوصايا والوعيد، بل بالتهنئة، لأنه أتى من عند الآب لكي يُردَّ للبشر سعادة فقدوها بسبب الخطيئة، وجعل الفرح من اهم أركان ملكوته. فالطوبى او السعادة هي وليدة اتحاد الروح والقلب والحياة كله بالله تعالى. أمَّا عبارة "لَكُم" فتشير الى صيغة مخاطبة الجمع وهنا موجّهة لا الى التلاميذ فقط بل الى الفقراء عامة، والى المسيحيين الفقراء والبؤساء خاصة. يقدِّم يسوع تطويبًا شخصيًا لسامعيه. أمَّا عبارة "الفُقَراء" في انجيل لوقا فتشير الى الفقراء الحقيقيين أي الطبقة الاجتماعية المسحوقة ماديا، أولئك الفقراء المحتاجين الى خيرات هذه الدنيا، في حين أنَّ الكلام يدور في انجيل متى حول الفقراء بالروح أي الفقر الروحي (متى 5: 3). وهنا يخاطب يسوع مباشرة تلاميذه وهو يعني ان فقرهم الفعلي بركة لأنه يُعينهم على الاحتفاظ باتكالهم على الله، ويشجعهم ويعزِّهم في الأوضاع الشاقة التي يعيشونها حاليا وهكذا يؤهلهم لملكوته. يرى يسوع الفقراء باعتبارهم ينتمون الى الملكوت؛ وكثيرا ما عبَّر يسوع عن معزَّته الخاصة للفقراء، فقد وجّه رسالته إليهم (لوقا 7: 22)؛ وهذه الأفضلية التي يخصُّ بها الفقراء هي الدليل على وجود الله المطلق، وهي دعوة الى انتظار كل شيء من نعمته، ودعوة الناس الى الشفقة على البؤساء، وليس هو بالأمر المستغرب على لوقا الإنجيلي. أمَّا عبارة " مَلَكوتَ الله " فتشير الى حياة التقوى في القلب (متى 6: 33) والنظام الذي أتى المسيح لينظِّمه (متى 4: 17) ومجد المسيح وسلطانه (متى 16: 28) وسلطان الله على الكل (متى 6: 10) والحالة السماوية (متى 8: 11). ليس الزمن والأرض وقفا على الانسان، بل هناك ما هو أعظم من هذا او ذاك هناك الحياة الأبدية. إن ملكوت الله حقيقة سرِّية لا يستطيع أن يُطلعنا على طبيعتها إلاَّ يسوع وحده. على أنه لا يكشفها إلاَّ إلى المتواضعين والصغار، وتلاميذه وليس لحكماء هذا العالم (متى11: 25). إن يسوع يطوِّب الفقراء لا لأنه ينزع عنهم الحرمان الزمني أو الألم، وإنما ليرفعهم وسط الآلام إلى ملكوته الإلهي. للفقراء السعادة في السماء أمَّا الأغنياء فقد استوفوا أجرهم على الأرض كما ورد في مثل الغني ولعازر (لوقا 16: 19-31).

21 طوبى لَكُم أَيُّها الجائعونَ الآن فَسَوفَ تُشبَعون. طوبى لَكُم أَيُّها الباكونَ الآن فسَوفَ تَضحَكون

تشير عبارة "الجائعونَ الآن فَسَوفَ تُشبَعون" الى رؤية يسوع الجياع كأولئك الذين يختبرون رعاية الآب السماوي. فنجد انقلاب الوضع الحالي كما ورد في نشيد تعظم "أَشَبعَ الجِياعَ مِنَ الخَيرات والأَغنِياءُ صرَفَهم فارِغين "(لوقا 1: 53)؛ ينطق يسوع بالتطويب والبركة للجياع، وقد سبق وأعلن الأنبياء اشعيا، وارميا وحزقيال عن "شبع الجياع" (اشعيا 49: 10، وارميا 31: 12، وحزقيال 34: 29). اما عبارة " الآن " فتشير الى صفة الحياة الحاضرة في حياة المسيحي كل يوم لان المسيح أتى ينشر ملكوت الله في هذا العالم من الآن. أمَّا في مفهوم لوقا فتدل "الآن" على آنية الخلاص التي لم تأتِ بعد، بل يبقى وعدا ينفَّذ في وقت لاحق. وتردد ت كلمة " ألان" مرتين في التطويبات (لوقا 6: 21) ومرتين في الويلات " الوَيلُ لَكم أَيُّها الشِّباعُ الآن فسَوفَ تَجوعون. الوَيلُ لَكُم أَيُّها الضَّاحِكونَ الآن فسَوفَ تَحزَنونَ وتَبكون" (لوقا 6: 25). وأمَّا عبارة" الباكون " فتشير الى رؤية يسوع للباكين كأولئك الذين يعرفون راحة الآب. فهم أولئك المتألمون لسبب او لآخر، وهم ضحايا الظلم الاجتماعي لكن يكتشفون في الألم قيما روحية. ويعلق القديس أمبروسيوس "يليق بكم أن تبكوا على العالم، لكن تفرحوا في الرب؛ تحزنوا للتوبة وتبتهجوا بالنعمة، لذلك يأمر معلِّم الأمم موصيًا: إِفرَحوا مع الفَرِحين وابْكوا مع الباكين" (رومة 12: 15)". وفي هذا الصدد يقول صاحب المزامير "أخَذَني الحَنَقُ بِسَبَبِ الأشْرارِ الَّذينَ تَرَكوا" (مزمور118: 53). ويُعلق العلامة أوريجانوس " بكى يسوع هو نفسه لكي يضع أساس هذا التطويب". أمَّا عبارة " فسَوفَ تَضحَكون" تشير الى الانباء بالفرح الذي يعقب البكاء كما ورد في نبوءة اشعيا "يمسَحُ السَّيِّدُ الرَّبُّ الدُّموعَ عن جَميعِ الوُجوه ويَرفَعُ عارَ شَعبه عن كُلِّ الأَرض لِأَنَّ الرَّبَّ قد تَكَلَّم. فيُقال في ذلك اليَوم: هُوَذا إِلهُنا الَّذي آنتَظَرْناه وهو يُخَلِّصُنا هُوَذا الرَّبُّ الَّذي آنتَظَرْناه فلنَبتَهِجْ ونَفرَح بِخَلاصِه"(اشعيا 25: 6-9). وهذا يدل على التناقض بين الحاضر والمستقبل. وأكد يسوع هذا الكلام بقوله الى تلاميذه " الحَقَّ الحَقَّ أَقولُ لَكم: ستَبكون وتَنتَحِبون، وأمَّا العاَلمُ فَيَفَرح. ستَحزَنون ولكِنَّ حُزنكم سيَنقَلِبُ فَرَحاً" (يوحنا 15: 20). فالبكاء والضحك تميزان البؤساء والسعداء في هذا العالم. ولكن الانجيل يُبيّن انه لا يكفي الانسان أن يكون بائسا او سعيداً في الواقع لينال السعادة أو البؤس، بل لا بد له ان يتفهّم ويتقبّل وضعه في ضوء الخلاص. أمَّا عبارة "الآن" فتشير الى الحاضر الذي يستمد معناه من المستقبل. وكل ما في الوقت الحاضر من قيود ومتطلبات فهي تُشكل الحقائق التي ينبثق منها الرجاء السعيد للمؤمن. وقد تردد مرة أخرى في تكلم يسوع عن الباكين الآن.

22 طوبى لَكمُ إِذا أَبغَضَكُمُ النَّاس ورَذَلوكم وشتَموا اسمَكُم ونَبذوه على أَنَّه عار مِن أَجلِ ابنِ الإِنسان

تشير عبارة " أَبغَضَكُمُ النَّاس ورَذَلوكم وشتَموا اسمَكُم ونَبذوه " الى أربع اهانات موجَّهة الى المسيحيين ويمكن ان نلخصها بالشتم بالمقابلة مع الويل بالمديح "الوَيلُ لَكُم إِذا مَدَحَكم جَميعُ النَّاس" (لوقا 6: 25). فهناك التركيز على الشتم والمديح. ويُعلق القديس كيرلس الكبير " علَّم يسوع تلاميذه بأن اضطهادهم في المستقبل ليس بالشيء الجديد؛ طالما اُضطهد الأنبياء والرسل من قبل". أمَّا عبارة "رَذَلوكم" في الأصل اليوناني ἀφορίσωσιν(معناها افرز) الى طرد اتباع يسوع من المجمع، فلا يحق للمحكوم عليه دخوله لمدة تتراوح بين 30-90 يومًا. اما عبارة " وشتَموا اسمَكُم" في الأصل اليوناني ὀνειδίσωσιν (عيّر) فتشير الى الحكم المدني على اتباه يسوع. أمَّا عبارة "نَبذوه" ἐκβάλωσιν في اليونانية (معناها شهَّروكم) فتشير الى حكم أدبي يُحرم فيه الإنسان من حقوقه الدينية والمدنية والشخصية. ويُطبق لوقا الإنجيلي ذلك على المسيحيين " سيُسلِمُكُمُ الوالِدونَ والإِخوَةُ والأَقارِبُ والأصَدقاءُ أَنفُسهم، ويُميتونَ أُناساً مِنكم" (لوقا 21: 16). ويُفصل الاضطهاد عن آخر الأزمنة، ويصبح الاضطهاد في نظره من أوضاع المسيحي العادية. وهو نصيب المسيحي في حياته الحاضرة. لكن السعادة تجد ينبوعها في حضور يسوع مع تحمل البغض والتشهير والاضطهاد من أجل اسمه. أمَّا عبارة "عار" فتشير الى شدَّة حساسية لوقا الانجيلي الى كل ما يُكرم الانسان ويرفع شانه او بكل ما قد يُقلل من حسن ظنِّ الناس فيه، او بما قد يُثير سخريتهم منه. يكفي ان نذكر أيضا الوكيل الخائن الذي فضَّل السرقة على التعرض لعار الاستعطاء (لوقا 16: 3). لكن العار يصبح شرفا جليلا بالنسبة الى الوضع المسيحي الجديد (اعمال الرسل 5: 41)، حيث انَّ احتمال العار من أجل المسيح يُصبح لدى المسيحي إكراما جليلا. مبارك من يُحكم عليه بما سبق لكونه مسيحي. لم يعد رأي الناس مقياسا مقبولا لدى لوقا الإنجيلي، لان ما يهم لوقا الإنجيلي هو ما يقرِّب المؤمن من ربّه، ابتداء من المذلة التي تشركنا بما عاناه يسوع من عار في آلامه.

23 افرَحوا في ذلك اليَومِ واهتُّزوا طَرَباً، فها إِنَّ أَجرَكُم في السَّماءِ عظيم، فهكذا فَعَلَ آباؤهُم بِالأَنبِياء.

تشير عبارة " افرَحوا في ذلك اليَومِ واهتُّزوا طَرَباً" الى ذلك اليوم الذي يبدأ الآن، فيه يدعو يسوع الى الفرح حتى في غمرة الفقر والعراقيل اليومية والمعاناة. أمَّا عبارة "إِنَّ أَجرَكُم في السَّماءِ عظيم" فتشير الى رؤية يسوع هؤلاء المنبوذين من اتباعه هم الذين ينالون على أعظم المكافآت. أمَّا عبارة " فَعَلَ آباؤهُم بِالأَنبِياء " فتشير الى ذكّر يسوع الكثير الى استشهاد الأنبياء (لوقا 11: 47-51 و13: 33 و34) علما ان كثيرا ما شدَّد اليهود على الاضطهادات التي عاناها الأنبياء وعلى استشهادهم في أثر اضطهاد انطيوخس الرابع في سنة 167 ق. م. (2 ملوك 6-7). بعد التذكير بالمضطهدين في الماضي وهم الأنبياء، يسوع يتنبأ بان التلاميذ هم ايضاً يُضَّطهدون وبالتالي يواصلون هم عمل الأنبياء.

24 لكِنِ الوَيلُ لَكُم أَيُّها الأَغنِياء فقَد نِلتُم عَزاءَكُم.

تشير عبارة "الوَيلُ" في الأصل اليوناني οὐαὶ الى كلمة للدُّعاء بالهلاك والعذاب على من وقع في هَلكة يستحقُّها بقصد التهديد والتحذير. وهي هنا لا تدل على لعنة او حكم لا رجوع عنه، بل الى تهديد ورثاء بمعنى "ما أتعسكم!". وبالتالي فهي دعوة قوية الى التوبة كما جاء في تهديد يسوع الى مدن بحيرة طبرية" الوَيلُ لكِ يا كُورَزِين! الوَيلُ لكِ يا بَيتَ صَيدا! فلَو جَرى في صورَ وصَيدا ما جَرى فيكُما مِنَ المُعجِزات، لَأَظهَرتا التَّوبَةَ مِن زَمَنٍ بَعيد، فلَبِستا المُسوحَ وقَعَدتا على الرَّماد" (لوقا 10: 13). أمَّا عبارة " الأَغنِياء " فتشير الى رؤية يسوع لهم كأشخاص يبحثون عن المتعة والشبع معتمدين على الحاضر وهمّهم التمتع في اللحظة الحاضرة. فهم متَّكلون على أموالهم، وتكديس خيراتهم وتوسيع ممتلكاتهم، وقد أعمت الثروة عيونهم عن معاينة الله وإخوتهم وقلوبهم بلا رحمة. فالشبع في الغنى لا يُكسب الانسان الاّ المال، والمال لا يدوم. أمَّا عبارة " فقَد نِلتُم عَزاءَكُم" في اليونانية ἀπέχετε (معناها استوفى حقه) فتشير الى فعل مقتبس من لغة إدارة الأعمال. وهنا تذكر هذه العبارة في مثل لعازر الفقير، يقول ابراهيم للغني "يا بُنَيَّ، تَذَكَّرْ أَنَّكَ نِلتَ خَيراتِكَ في حَياتِكَ ونالَ لَعاَزرُ البَلايا. أمَّا اليَومَ فهو ههُنا يُعزَّى وأَنت تُعَذَّب" (لوقا 16: 25).

25 الوَيلُ لَكم أَيُّها الشِّباعُ الآن فسَوفَ تَجوعون. الوَيلُ لَكُم أَيُّها الضَّاحِكونَ الآن فسَوفَ تَحزَنونَ وتَبكون.

تشير عبارة " الشِّباعُ " الى الذين اِمتلأوا من مسرات العالم، ويشعرون أنهم ليسوا في عوز إلى الله، فلا يطلبون عمله فيهم. أمَّا عبارة "لضَّاحِكونَ" فتشير الى الذين يسلكون في الحياة باستهتار، لا يُبالون بخلاص نفوسهم وميراثهم الأبدي، يلهيهم العالم بإغراءاته عن طريق التوبة. ويصف القديس يوحنا الشباع بقوله " فِلأَنَّك تَقول: أَنا غَنِيٌّ وقدِ اغتَنَيتُ فما أَحْتاجُ إِلى شَيء، ولأَنَّكَ لا تَعلَمُ أَنَّكَ شَقِيٌّ بائِسٌ فَقيرٌ أَعْمى عُرْيان"(رؤية 3: 18).

26 الوَيلُ لَكُم إِذا مَدَحَكم جَميعُ النَّاس فَهكذا فَعَلَ آباؤُهم بِالأَنبِياءِ الكَذَّابين.

تشير عبارة "الوَيلُ لَكُم إِذا مَدَحَكم جَميعُ النَّاس" الى الذين يسعون وراء المجد الباطل وكسب مديح الجماهير أكثر من كسب رضا الله عنه. وهؤلاء يَستعبدون أنفسهم للناس لا لله، يطلبون إرضاء الغير على حساب الحق، ويفرحون بكلمة المديح الزمني عِوض المجد الأبدي. أمَّا عبارة "ِالأَنبِياءِ الكَذَّابين" فتشير إلى الأنبياء الكذبة في أيام العهد القديم حيث كانت الجموع والملوك تمدحهم بسبب تكهناتهم عن الازدهار والانتصار في الحروب، وهي تكهنات محبوبة لكنها غير صادقة وغير حقيقية. فالأنبياء الكذبة هم انبياء فيهم أرواح شريرة يتنبؤون باسم الله برؤيا كاذبة وبالعرافة والباطل ومكر قلوبهم (ارميا 14: 41)، وأحيانا يحاربون الأنبياء الحقيقيين مثل النبي الكاذب صدقيا بن كنعه الذي قاوم ميخا النبي (1ملوك 22: 24) ومثل النبي الكاذب حننيا بن عزور الذي قاوم النيي ارميا (ارميا 28: 1-17). أمَّا عبارة "هكذا فَعَلَ آباؤُهم بِالأَنبِياءِ الكَذَّابين" فتشير الى أصحاب الويل بالمديح الذي سبق اليهود ان وجَّهوه الى الأنبياء الكذبة. في أيام العهد القديم كان هناك أنبياء كذبة كثيرون. وكانت الجموع والملوك يمدحونهم بسبب تكهناتهم عن الازدهار والانتصار في الحروب والنجاح، وهي تكهنات محبوبة لكنها غير صادقة وغير حقيقية. والجدير بالذكر ان الويل الأخير لا يذكر أي عقاب، ولا أي انقلاب في المستقبل لأوضاع الممدوحين، وبذلك ينتفي كل طابع انتقامي. ان الذين يقدِّرون العالم حق قدرهم يجرّدهم يسوع من سعادتهم المزعومة.

ثانياً: تطبيقات النص الإنجيلي (لوقا 6: 17، 20- 26)

بعد دراسة وقائع النص الإنجيلي نستنتج انه يتمحور حول التطويبات والويلات التي استهلها السيد المسيح في عظته الكبرى في السهل. ومن هنا نتساءل ما هو مفهوم التطويبات والويلات في ضوء انجيل لوقا؟

السؤال الأول: ما هو مفهوم التطويبات في إنجيل لوقا؟

تستهل عظة يسوع الكبرى في انجيل لوقا بتطويبات. ويُروي أربع تطويبات من تسع تطويبات ورد ذكرها في متى (5: 1-12). ويبدو ان لوقا يتناول احوالا حاضرة تدعو الى العمل، أمَّا متى الإنجيلي فيتناول مواقف يقوم عليها البِر. يُشدد متى الانجيلي على دور التطويبات الارشادي، وأمَّا لوقا فيُشدد على طابعها الاجتماعي.

ا) معنى طوبى

من هنا نتساءل عن كلمة معنى كلمة "طوبى" كي ننتقل الى مفهوم التطويبات في مفهوم لوقا الإنجيلي. طوبى في العربية معناها غبطة وسعادة، وبركة وخيرٌ دائم وهي من الطِّيب. أمَّا في الكتاب المقدس فكلمة "طوبى" في الأصل اليوناني μακάριος مأخوذة من أصل عبري אַשְׁרֵי، ومعناها هنيئا، بركه او سعادة (اشعيا 56: 2). والسعادة في "قيامة الأبرار". ويستخدم يسوع أسلوبا مألوفا في الكتاب المقدس، يُستعمل لتهنئة أحدٍ نال هبة (لوقا 10: 23) او لتبشير فئة من الناس بالسعادة (لوقا 11: 28) او للكشف عن هوية الذين هم في أفضل حال لنيل ملكوت الله (لوقا 6: 20-22)، ولكن معظم التطويبات هي مواعد للذين يتقبّلون رسالته (لوقا 12: 37 و38 و43 و14: 14). وبعبارة أخرى، كلمة "طوبى" هي تهنئة من اجل حالة من السعادة أو الفرح وعِلّة هذه السعادة. فتصف الإنسان السعيد حقاً وتعلن عن الطريقة التي يمكن أن يكون تلميذاً حقيقياً للسيد المسيح وحاملا للإنجيل. ومن هنا جاء لقب "طوباوي" الذي يطلقُ على كل من عاش سيرة صالحة على خطى السيد المسيح.

ومن هذا المنطلق، التطويبات هي وجهة نظر يسوع لرؤية الآخرين، حياتهم وتاريخهم، وظروفهم ومواقفهم. وبالتالي يوجّه نداءات لهم والى من يريد ان يتبعه (لوقا 11: 27-28)، بهدف تشجيع السامعين وبث الرجاء فيه على مثال سيدتنا مريم العذراء "طوبى لِمَن آمَنَت: فسَيَتِمُّ ما بَلَغها مِن عِندِ الرَّبّ" (لوقا 1: 45) وبطرس الرسول " طوبى لَكَ يا سِمعانَ بْنَ يونا، فلَيسَ اللَّحمُ والدَّمُ كشَفا لكَ هذا، بل أَبي الَّذي في السَّمَوات (متى16: 17). ولا تكتسب التطويبات معناها الحقيقي ما لم ترتبط بيسوع الذي يتكلم ويبذل نفسه. وقد جمع لوقا نوعين من التطويبات: النوع الأول يتناول الأوضاع الاجتماعية كالفقراء والجياع والحزانى والنوع الثاني متعلق بالاضطهاد.

ب) النوع الأول من التطويبات: الفقراء والجياع والحزانى.

يكمن النوع الاول من التطويبات الفقراء والجياع والحزانى. يبيّن يسوع ما هي الفضائل اللازمة لدخول الملكوت، بل يَظهر بمظهر المسيح المرسل الى الفقراء والجياع والحزانى، الى هؤلاء الذين يفضَّلهم الله (متى 11/ 5)، وهم غير المستفيدين في هذه الدنيا والمتوكلين على الله وحده فيعلن لهم محبة الآب الرحيم. وقد دلّ يسوع على نفسه أنه المسيح الذي يُدشِّن أزمنة الخلاص التي وُعد بها الفقراء تتميماً لنبوءة اشعيا " العُمْيانُ يُبصِرونَ، العُرْجُ يَمشُونَ مَشيْاً سَوِيّاً، البُرصُ يَبَرأُونَ والصُّمُّ يَسمَعون، المَوتى يَقومونَ، الفُقَراءُ يُبَشَّرون. وطوبى لِمنَ لا أَكونُ لَه حَجَرَ عَثرَة " (لوقا 7: 22-23).

كان المسيح قد استشهد في عظته الشهيرة المختصرة في الناصرة بالنبوءة القائلة فيه: "الرب مَسَحَنِي لِأُبَشِّرَ الْمَسَاكِينَ" (لوقا 4:18)؛ وبكونه مُرسل للفقراء طوّبى يسوع الفقراء "طوبى لَكُم أَيُّها الفُقَراء" (لوقا 6: 20)، وبهذه التهنئة يتعارض موقف يسوع كل المعارضة مع ما يقدّمه العالم من البحث عن المال والغنى. ومن دواعي العَجَب والدَّهَشة أن يُمجِّد المسيحُ مَن يعتبرهم العالم ضعفاً ورذالة. ويُشدّد يسوع في انجيل لوقا على الفقر الروحي بقدر ما يُشدد على الفقر المادي. ويركًز على الفقراء الحقيقيين أي الطبقة الاجتماعية المسحوقة ماديا. تدخل هذه النظرة الى طبقة الفقراء في الخط الشامل لإنجيل لوقا. وقد اعارهم يسوع اهتماما خاصا (لوقا 19: 8)، وكثيرا ما عبّر عن معزّته للفقراء، فنصح صاحب المأدبة ان يدعوهم " إِذا أَقَمتَ مَأَدُبَة فادعُ الفُقَراءَ والكُسْحانَ والعُرْجانَ والعُمْيان" (لوقا 14: 13)؛ وكشف للغني مصير لعازر الفقير "تَذَكَّرْ أَنَّكَ نِلتَ خَيراتِكَ في حَياتِكَ ونالَ لَعاَزرُ البَلايا. أَمَّا اليَومَ فهو ههُنا يُعزَّى وأَنت تُعَذَّب"(لوقا 16: 25). وحثَّ الى التبرع الى الفقراء " اِذْهَبْ فَبعْ ما تَملِك وأَعطِهِ لِلفُقَراء، فَيَكونَ لَكَ كَنزٌ في السَّماء" (مرقس 10: 21)، وأثنى على الارملة الفقيرة (متى 12: 43)، ووجَّه رسالته الى الفقراء أولا "رُوحُ الرَّبِّ عَلَيَّ لِأَنَّهُ مَسَحَني لِأُبَشِّرَ الفُقَراء "(4: 18) فكان تبشير الفقراء أهم ما في رسالة يسوع التي تتم نبوءة اشعيا (61: 1). وفي الواقع أتى المهتدون الأوائل الى المسيح من الفقراء، الطبقة الاجتماعية المحرومة.

وحين يتكلم يسوع عن الفقراء يشمل الصغار أيضا " أَحمَدُكَ يا أَبَتِ، رَبَّ السَّماءِ والأَرض، على أَنَّكَ أَخفَيتَ هذِه الأَشياءَ على الحُكَماءِ والأَذكِياء، وَكَشَفْتَها لِلصِّغار"(لوقا 10: 21)، كما يشمل أيضا الوضعاء "فمَن رفَعَ نَفْسَه وُضِع، ومَن وَضَعَ نَفْسَه رُفِع "(لوقا 14: 11)، علما ان يسوع وُلد هو نفسه بينهم. وهذه الأفضلية التي يخص بها الفقراء والصغار هي الدليل على وجود الله المطلق. إذ هي دعوة الى انتظار كل شيء من نعمته. وعندما يخاطب يسوع تلاميذه "طوبى لَكُم أَيُّها الفُقَراء" (لوقا 6: 20) فانه يعني ان فقرهم الفعلي بركة، لأنه يُعينهم على الاحتفاظ باتكالهم على الله، وهكذا يؤهلهم لملكوته. فأصحاب التطويبة كلهم فقراء بمال الأرض، أغنياء بمال الله، وكلهم تجردوا من متاع الدنيا ليربحوا المسيح وملكوته. فيمثِّل هؤلاء الفقراء مثالاً يجب أن يُقتدي به كل الذين يريدون أن ينعموا برضى الله وخلاصه. "فالمتكبر يسعى إلى السلطة البشرية، يقول أوغسطينوس، بينما الفقير يسعى إلى ملكوت السماوات".

وعندما يتكلم يسوع عن الجياع والباكين والمخذولين يحاول تسليط الضوء على الظروف الواقعية والتاريخية التي يعيشها البشر كل يوم. وما كلمة "الآن" الاَّ ان تقوّي هذا الانطباع وتعزِّزه. فكلمة "طوبى لَكُم أَيُّها الجائعونَ الآن فَسَوفَ تُشبَعون" (لوقا 6: 21). يُشدد لوقا الإنجيلي هنا على الجياع جسديا، وهو ما يتفق مع أسفار العهد القديم التي تتحدث عن إهتمام الله بالفقراء. ولقد فاجأ يسوع مستمعيه بنطق البركة والطوبى للجياع في حين ينظر اليهود الى الثروات كعلامة على نعمة الله وفضله. لكن موقف يسوع تجاه الجياع يتفق مع تقليد قديم كما جاء في سفر المزامير "مُجْري الحُكْمِ لِلمظْلومين رازِقِ الجِياعِ خُبزًا " (مزمور 146: 7) وكما جاء أيضا في اقوال اشعيا النبي "لِذلك هكذا قالَ السَّيِّدُ الرَّبّ: ها إِنَّ عَبيدي يأكُلون وأَنتُم تَجوعون ها إِنَّ عَبيدي بَشرَبونَ وأَنتم تَعطشون" (اشعيا 65: 13) ويتفق ايضا مع صلاة سيدتنا مريم العذراء أم يسوع "أَشَبعَ الجِياعَ مِنَ الخَيرات" (لوقا 1: 53).

وهذه التطويبة تتضارب مع قيم العالم في السعي وراء الحاجات الشخصية مثل الاكل والشرب والملبس في حين الله يكافئ الجياع بالاكتفاء الذاتي. الجياع هم الذين يجعون إلى البر السماوي لأجل نفوسهم ولأجل من حولهم. وقد قال نبي الله إشعياء: "هَكَذَا قَالَ السَّيِّدُ الرَّبُّ: "هُوَذَا عَبِيدِي يَأْكُلُونَ وَأَنْتُمْ تَجُوعُونَ. هُوَذَا عَبِيدِي يَشْرَبُونَ وَأَنْتُمْ تَعْطَشُونَ" (إشعياء 65:13)، حيث أنَّ السعادة عند الله تعني الفرح والرجاء وعدم الاتكال على الظروف الخارجية. فجاء في كتابات يوحنا الصليبي ما يؤكّد ذلك "لي السماوات، والأرض لي، والكون كله لي، لأني بالله أمتلك كل شيء".

وأما الباكونَ الآن فسَوفَ تَضحَكون" فتشير الى الإنباء بالفرح الذي يعقب البكاء كما ورد في نبوءة اشعيا (اشعيا "َيمسَحُ السَّيِّدُ الرَّبُّ الدُّموعَ عن جَميعِ الوُجوه ويَرفَعُ عارَ شَعبه عن كُلِّ الأَرض لِأَنَّ الرَّبَّ قد تَكَلَّم" (25: 8).
وهنا يُظهر الانجيل انه لا يكفي الانسان أن يكون باكيا او بائسا في الواقع لينال السعادة، بل لا بد له ان يتفهّم ويتقبّل وضعه في ضوء الخلاص. فالتعزية الإلهية هي للذين قد عُفي عن إثمهم، وقد قبلوا من يد الرب ضعفين عن كل خطاياهم (إشعياء 40: 2).

ويتضارب البكاء مع الضحك، لكن المكافأة هي العزاء كما جاء في تعليم بولس الرسول " الله هو الَّذي يُعَزِّينا في جَميعِ شَدائِدِنا" (2 قورنتس 1: 4)، وهذه الشدائد هي متاعب الحياة، والفقر والتعرض للموت بما فيه من مضايق ومحن. والبكاء مطلوب خاصة للخاطئين ليصلوا الى هدفهم بالاقتراب من الرب "أَيُّها الخاطِئُونَ، أُندُبوا شَقاءَكم واحزَنوا وابكوا. لِيَنقَلِبْ ضَحِكُكم حُزْنًا وفَرَحُكم غَمًّا" (يعقوب 4: 9). ويُعلق الكاتب الفرنسي برنانوس "هناك حزن واحد لا غير ينبغي التوقف عنده، حزن عدم التوصل الى القداسة".

ونستنتج مما سبق ان قصد يسوع بالتطويبات، من ناحية، ان يرى المؤمن فقره الحقيقي وبؤسه وجوعه وبؤسه وحقارته التي يعاني منها الشيء الكثير، ومن ناحية أخرى ان ينظر المؤمن الى جميع الذين يحيطون به من فقراء وجياع وحزانى ومرذولين. لذا نجد ان الفكرة العامة التي تنطوي عليها تطويبات في إنجيل لوقا هي الوعد بالخلاص لمن هم "الآن" فقراء وجائعون وباكون والمضطهدون... فملكوت الله يبدو انقلابا للمواقف الحاضرة. ويحدث مبدأ انقلاب الأوضاع بعد الموت ووضَّح يسوع هذه المواقف في مثل الغني ولعازر الفقير التي يصف تغيير الموقف الذي يؤدي اليه الانتقال من هذه الدنيا الى الآخرة (لوقا 16: 19-26). فجاء في تصريح ابينا إبراهيم الى الرجل الغني: "يا بُنَيَّ، تَذَكَّرْ أَنَّكَ نِلتَ خَيراتِكَ في حَياتِكَ ونالَ لَعاَزرُ البَلايا. أَمَّا اليَومَ فهو ههُنا يُعزَّى وأَنت تُعَذَّب" (لوقا 19: 25).

ج) النوع الثاني من التطويبات: المضطهدون:

يكمن النوع الثاني من التطويبات في الاضطهاد "طوبى لَكمُ إِذا أَبغَضَكُمُ النَّاس ورَذَلوكم وشتَموا اسمَكُم ونَبذوه على أَنَّه عار مِن أَجلِ ابنِ الإِنسان" (لوقا 6: 22). يقدِّم يسوع التطويبات في صيغة المخاطب، كلّم به المسيح الذين اختارهم ليكونوا رسلاً. وكأنه يقول لهم: لقد تولدتْ فيكم مبدئياً الصفات التي بنَيْتُ عليها التطويبات، وذلك يجعلكم ممقوتين من قومكم الذين تربَّيتم بينهم. فأقول لكم طوباكم أنتم متى عاملوكم على الكيفية التي شرحتُها الآن. فمتى طردوكم وأهانوكم وعيّروكم وأفرزوكم من أجل البر، ومن أجل ابن الإنسان، لا تحزنوا ولا تتكدروا، بل افرحوا وتهللوا. أولاً لأن أجركم في السماء لقاء ذلك يكون عظيماً، ثم لأنكم بذلك تماثلون الأنبياء الأقدمين، فتشتركون في شرفهم الدائم.

يشير يسوع هنا الى تلاميذه والى كل من يرغب إتباع يسوع. فمن أراد ان يتبع يسوع، لا بدَّ له ان يواجه معارضة واضطهاد. والاضطهاد في نظر لوقا هي المضايق، والمضايق هي محن الحياة اليومية. والواقع إن المؤمن الحقيقي يُوصف باستمرار في العهد الجديد كشخص مُعرضٍ للاضطهاد. فأتباع يسوع هم مضطهدون من اجل المسيح، لأنهم فقراء، وحزانى، وودعاء وجياع، وعطاش، وانقياء القلوب، ومسالمون، لا يعتبرهم العالم، بل يحتقرهم ويتجنبهم ويُخرجهم من دوائره. ويطلب يسوع منَّا ان نفرح عندما نُضطهد، فالاضطهاد قد يكون خيرا لنا: لأنه يقوِّي إيمان من يحتملون، ويُعزينا ان نعرف ان أعظم انبياء الله قد اضطهدوا في الماضي (مثل إيليا، وارميا، ودانيال).

واضطهادنا في الوقت الحاضر يعني اننا أثبتنا أننا أمناء، وفي المستقبل سيكافئ الله الأمناء بإدخالهم الى الملكوت السماوي حيث لا اضطهاد بعد. وخير مثال على ذلك ما نجده في الجماعات المسيحية الأولى التي أنشأها بولس الرسول فوجّه اليها هذه الكلمات: "يَجِبُ علَينا أَن نَجتازَ مَضايِقَ كَثيرة لِنَدخُلَ مَلَكَوتَ الله" (اعمال الرسل 14: 22)؛ فالاضطهادات والمضايقات أي المصاعب على انواعها في نظر لوقا الإنجيلي هي نصيب كل تلميذ للمسيح في حياته الحاضرة التي يجب ان يجتازها للدخول في مجد المسيح كما فعل المسيح "ما مِن تِلميذٍ أَسمى مِن مُعَلِّمِه"(لوقا 6: 40) وذلك للسير على خطى يسوع الذي قال لتلميذي عمّواس بعد قيامته من بين الأموات "أَما كانَ يَجِبُ على المَسيحِ أَن يُعانِيَ تِلكَ الآلام فيَدخُلَ في مَجدِه؟" (لوقا 24: 26).

ومن هذا المنطلق، فإن احتمال العار من اجل المسيح هو فخر للمسيح امام الله ومدعاة للسرور كما ورد في سيرة الرسل " أَمَّا الرسل فانصَرَفوا مِنَ المَجلِسِ فَرِحين بِأَنَّهم وُجِدوا أَهلاً لأَن يُهانوا مِن أَجْلِ الاسْم" (اعمال الرسل 5: 41) لأنَّ ما يهمّ تلميذ المسيح هو كل ما يقرّبه من ربه، ابتداء من الاضطهاد الذي يشركه بما عاناه يسوع من إهانة في آلامه. وفي هذا الصدد يقول غاندي" كلما توطَّدت أواصر الصلة بيني وبن المسيحيين الحقيقيين، أي الذين يعيشون في سبيل الله، أدركت ان الموعظة التطويبات هي كل المسيحية لمن يريد ان يحيا حياة مسيحية".

الصليب هو جزء من حياتنا اليومية، وغيابه قد يدعو الى القلق، وهذا الصليب اليومي هو المحن الصغيرة او الكبيرة التي تملأ حياتنا. فما دامت المحنة حاضرة في حياتنا، يمكننا القول إننا في طريق التطويبات. فيسوع لا يطلب من تلاميذه شهرة او ثورة، بل بالحري نوحا وجوعا واضطهاد، ولكن الرب يؤكد لهم انهم سيكافئون. فرَجاؤُنا في المسيحِ ليس مَقصورًا على هذهِ الحَياة، والاّ " فنَحنُ أَحقُّ جَميعِ النَّاسِ بِأَن يُرْثى لَهم" (1 قورنتس 15: 19).

لكن السؤال كيف لنا أن نقنع مساكين الارض الذين يعيشون على هامش الحياة ويتقبلوا واقعهم؟ كيف لنا أن نقول للجياع الى الخبز هنيئا لكم جوعكم؟ كيف لنا ان نقول لمن يبكي دما على حالته، أو على ابنائه الذين صرعتهم يد الغدر أمامه؟ كيف لنا أن نطمئن المضطهدين والمنبوذ ين والمهجر ين والمبغوضين والمرفوضين؟ الصورة تتوضح عندما يتوجه الرب الى أصحاب الويل.. فالويل سيكون لمن بنى حياته وسعادته على الخبز والمال والبغض والرفض والعنف واضطهاد الاخرين.

السؤل الثاني: ما هو مفهوم الويلات؟

في انجيل لوقا تلي التطويبات أربع ويلات تأييداً لعبرة التطويبات كما ورد في أسفار العهد القديم (طوبيا 13: 14 وأشعيا 3: 10-11). وهذه الويلات التي تقابل التطويبات تدلُّ على تحسُّر يسوع وحزنه على أولئك الذين رفضوا التجُّدد، وفضلوا مديح الناس على رضى الله، ولا سيما وقت الاضطهاد.

"الوَيلُ" في الأصل اليوناني οὐαὶ تعبّر عن كلمة للدُّعاء بالهلاك والعذاب على من وقع في هَلكة يستحقُّها بقصد التهديد والتحذير. لكهنا لا تدل على لعنة او حكم لا رجوع عنه، بل الى تهديد ورثاء بمعنى "ما أتعسكم!" وبالتالي فهي دعوة قوية الى التوبة كما جاء في تهديد يسوع الى مدن بحيرة طبرية" الوَيلُ لكِ يا كُورَزِين! الوَيلُ لكِ يا بَيتَ صَيدا! فلَو جَرى في صورَ وصَيدا ما جَرى فيكُما مِنَ المُعجِزات، لَأَظهَرتا التَّوبَةَ مِن زَمَنٍ بَعيد، فلَبِستا المُسوحَ وقَعَدتا على الرَّماد" (لوقا 10: 13). وبالتالي الويل تُعبّر عن حسرة المسيح وتوجّعه على الأغنياء والشباع والضاحكون وطالبي مدح الناس، فهي ليست تعبير القلب القاسي الشامت، لكنّها تعبير القلب الجريح الكسير لأجلهم. وبكلمة موجزة "الويل هي رثاء أكثر من لعنة.

تعلن الويلات التي تناقض التطويبات ويل سعداء هذا العالم تأييد لعبرة التطويبات حيث تبرز ما تعد به التطويبات لا بل ما تتطلبه أيضا، وعليه قال يسوع " الوَيلُ لَكُم أَيُّها الأَغنِياء" حيث ان الغنى يعرض قلوبنا الى أخطار ثلاث، وهي: يمنع الانسان ان ينظر الى أبعد من الحياة الحاضرة، وبالتالي يعجز عن الاهتمام بما يأتي بعدها، أي الحياة الابدية؛ فالغني يتنعم بأمواله في الوقت الحاضر دون ان يتوقع انه قد يموت وفي هذا الصدد يقول يسوع " فهكذا يَكونُ مصيرُ مَن يَكنِزُ لِنَفْسِهِ ولا يَغتَني عِندَ الله " (لوقا 12: 21).والغنى أيضا يُطوي الانسان على نفسه ويمنعه من التفكير في غيره من المحتاجين الى ما هو ضروري؛ ولذلك ينصح يسوع الناس "بيعوا أَموالَكم وتَصَدَّقوا بِها واجعَلوا لَكُم أَكْياساً لا تَبْلى، وكَنزاً في السَّمواتِ لا يَنفَد، حَيثُ لا سارِقٌ يَدنو ولا سوسٌ يُفسِد " (لوقا 12: 33-34) وأخيرا يحتل ا الغنى في حد ذاته مكان الله في قلب الانسان فيصبح المال الها معبوداً كما صرّح يسوع المسيح "ما مِن خادِمٍ يَستَطيعُ أَن يَعمَلَ لِسَيِّدَيْن، لِأَنَّه إِمَّا أَن يُبغِضَ أَحَدَهُما ويُحِبَّ الآخَر، وإِمَّا أَن يَلَزمَ أَحَدَهما ويَزدَرِيَ الآخَر. فأَنتُم لا تَستَطيعونَ أَن تَعمَلوا لِله ولِلمال"(لوقا 16:13). فالمال في الأصل اليونانية μαμωνᾷ. مشتقة من العبرية הַמָּמוֹן (معناها ما هو أمين)، ما يمكن الاعتماد عليه، وما هو دائم. ولذلك يوصي صاحب الرسالة الى العبرانيين " تَنَزَّهوا عن حُبِّ المال واقنَعوا بما لَدَيكم" (عبرانيين 13: 5).

الويلات موجّهة ليس فقط الى الأغنياء بل أيضا الى الشباع والضاحكين والذين يمتدحهم الناس. وهي موجَّهة أيضا إلى من يضع ثقته وأمانه بنفسه وأمواله وإلى من يعتقد بأن سعادته تكمن في رَغَد الحياة وملذاتها وبتصفيق الناس له ومدحهم إياه. الأغنياء والشباع والضاحكون وطالبو مدح الناس يطلبون السعادة فلن يجدوها، وقد خدعتهم فيها الظواهر والاباطيل. فكانوا كمن يسعون وراء سراب بعيد. الأغنياء المفتنون بذواتهم، المتنعمون بمال ارضهم، الغافلون عن آخرتهم، الويل لهم. ان الذين يقدّرهم العالم حق قدرهم، يجرّدهم يسوع من سعادتهم المزعومة. وفي هذا الصدد يقول القديس غريغوريوس النيصي في عظاته عن التطويبات: "كل واحد يسعى إلى الخير والسعادة ولكن الفشل يكمن في عدم التمييز بين الخير والسعادة الحق، وبين ما نظنه أو يُخيّل لنا بأنه السعادة والخير".

وهذه الويلات تدلُّ على تحسّر يسوع وحزنه على أولئك الذين رفضوا التجدد، وفضّلوا العالم ومديح الناس على رضى الله، ولا سيما في وقت الاضطهاد. وينوح الرب على الأغنياء الذين يجدون تعزيتهم في كَثرة الأموال "الوَيلُ لَكُم أَيُّها الأَغنِياء فقَد نِلتُم عَزاءَكُم"(لوقا 6: 24) ويَشجب موقف الشباع والضاحكين وطالبين مديح الناس "الوَيلُ لَكم أَيُّها الشِّباعُ ...الوَيلُ لَكُم أَيُّها الضَّاحِكونَ" (لوقا 6: 20-23). ويوضِّح ارميا النبي سبب هذه الويلات بقوله "مَلْعونٌ الرَّجلُ الَّذي يَتَّكِلُ على البَشَر ويَجعَلُ مِنَ اللَّحمِ ذراعاً لَه وقَلبُه يَنصَرِفُ عنِ الرَّبّ" (ارميا 17: 5).

اما يسوع فيأتي بالسعادة، وهي في متناول الجميع. هذه السعادة ليست، كما يتوهمَّ الناس، وقفا على اغنياء الدنيا، من ذوي المال والجاه والسلطان، إنما يجدها الناس في الفقر والجوع والالم والدموع. فقد قلب يسوع قيم الأشياء، فإذا بأسباب الشقاء تُصبح مع يسوع اسباباً للسعادة، وبابا للملكوت. إنها معجزة المسيحية، تجعل من الفقير غني الملكوت ومن الحزين فرحا، ومن الجائع شبعا، ومن المضطهد سعيدا.

ومن هذا المنطلق، فالتطويبات هي في القلب كرازة يسوع لأنها تقوم قبل كل شيء على إعلان الإنجيل، إعلان البشارة، ولأنَّها زمن تحقيق النبوءات ومواعيد الله، ووهي تُعلِن من الآن ما سيحصل عليه التلاميذ من البركات والمكافأة. وبعبارة أخرى تكشف التطويبات عن هدف الوجود الإنساني، عن الغاية القُصوى للأعمال الإنسانية وهي أن الله يدعونا إلى سعادته الخاصة؛ وهذه التطويبات موجّهة بنوع خاص إلى الفقراء المساكين والحزانى والجياع والمضطهدين وكل الذين يتخذون موقف الفقراء أمام الله ويتوجّهون إليه كمخلّصهم الوحيد. وهي الدعوة موجّهة إلى كل واحد شخصياً.

نستنتج مما سبق ان يسوع يوضّح الفرق في الصفات بين المنتمين الى ملكوت لله، والعائشين للعالم الحاضر من ناحية، وناحية أخرى يوضِّح أيضا الفرق بين السعادة التي هي نصيب الفئة الأولى، والتعاسة التي تنتظر الفئة الثانية. هناك فرق بين طريق التطويبات وطريق العالم. فطريق التطويبات تدعو الانسان ان يكون مستعداً للعطاء، في حين طريق العالم هي طريق الأخذ من الآخرين؛ طريق التطويبات تدعو الى المحبة والمساعدة، في حين طريق العالم تدعو الى البغض والكره والإساءة الى الآخرين. وفي النهاية فطريق التطويبات تؤدي الى الحصول على كل شيء، في حين طريق العالم تنتهي الى لا شيء. وفي هذا الصدد قال المطران يوحنا بطرس موشي، رئيس أساقفة الموصل لدى اضطهاد اهل العرق في السنوات الاخيرة "أن شعبه المسيحي في العراق قد خسر كل شيء ما عدا الإيمان والأخلاق وربح الله". إن كان في العالم ذلك الشقاء الذي نشكوه، اليس العالم يسحق الانسان سحقا باعتناقه مبادئ هي نقيض المبادئ الانجيلية كما جاءت في التطويبات؟

الخلاصة

بعد صلاة يسوع على الجبل ودعوته للرسل أن نزل يسوع الى السهل وألقى عظة التطويبات، عظة فريدة وافية شاملة أبدية، تُعتبر دستور الملكوت الروحي الجديد. وردت هذه الموعظة في انجيل متى التي كتبه الى اليهود، في حين لوقا كتب للأمم بل للعالم أجمع، لذلك اكتفى بالعنصر الجوهري العملي في الموعظة. وجّه السيد المسيح الخطاب إلى تلاميذه: الفقراء والجياع، والباكين، والمضَّطهدين. وهي فئات لحالات ماديّة، اجتماعيّة، تطوّرت إلى حالات روحيّة معنويّة، تتمشّى معها وتوافقها. فأعلن يسوع السعادة للفقراء، والشقاء للأغنياء الذين اعتبروا نفوسهم شبعوا (لوقا 6: 17-26).

لذلك صفحة التطويبات هي أصعب ما نواجِه وهي تُشكل التحدي الأكبر للإنسان المعاصر، وحتى للإنسان المؤمن؛ وهذا التحدي يتطلب اهتداءً عميقاً ومستمراً. فالتطويبات تُبيّن التناقض الفاضح بين ما نعيشه وبين ما يعرضه علينا المسيح. فهو عرض بعكس التيار، إذ يتعارض مع عقلية إنسان اليوم وما تصوره وسائل الإعلام ومجتمع الاستهلاك، وتقديس الجسد والغِنى والعظمة والقوة واللذة؛ لان العالم الذي نعيش فيه مبني على مبدأ الحياة للأقوى والأعنف والأغنى، وتتربع على ذروته المِتع الأرضية والملذات، بينما يُبيّن يسوع في كلامه على الملكوت وكأنه يميل في اختياره إلى الفقراء والحزانى والمضطهدين وكل من ينبذهم العالم.

التطويبات هي نداء يوجّهه يسوع إلى كل الذين يريدون أن يتبعوه وان يكونوا تلاميذه. وأفضل مثال لكل صفة في التطويبات نجدها في يسوع نفسه. "فالمسيح يسوع لم يتفوه بالتطويبات وحسب، إنما هو نفسه عاش التطويبات، لا بل هو نفسه "التطويبات". وعندما نظر إلى يسوع ندرك حقاً معنى التطويبات وطريق يسوع المسيح التي هي السبيل الوحيد إلى السعادة الأبدية التي يصبو إليها قلب الإنسان لأنها الطريق الأساسية لبلوغ ملء قامة المسيح ولبلوغ النضج والحرية في حياتنا الروحية ونصبح شعب التطويبات.

ولا يسعنا أخيراً الاّ نختتم بكلمات البابا القديس يوحنا بولس الثاني في عظته على جبل التطويبات يوم 24 آذار 2000 بقوله "اَعتَبِروا، أَيُّها الإِخوَة، دَعوَتَكم" (1 قورنتس 1: 16)، ويبدو وكأن عيش التطويبات في عالم اليوم مغامرة تفوق طاقاتكم. ولكن المسيح لا يقف متفرجاً، ولا يدعكم تواجهون وحيدين هذا التحدي! هو دائماً معكم ليحوّل ضعفكم إلى قوة. آمنوا ولتكن لكم الثقة فيه، هو القائل: "حَسبُكَ نِعمَتي، فإِنَّ القُدرَةَ تَبلُغُ الكَمالَ في الضُّعف" (2 قورنتس 12: 9).

دعاء

أيها الآب السماوي، نسألك باسم ابنك يسوع المسيح، الذي طوّب الفقراء والجياع والحزانى والمضطهدين من اجل اسمه، امنحنا النعمة ان نرى نفوسنا كما ترها أنت فنسير على روح التطويبات وننال السعادة الأبدية التي وعدتنا بها. آمين.

علق عن طريق الفيس بوك علق عن طريق الموقع

التعليقات

أرسل تعليقا

لن يظهر للقراء