بشارة يوحنا المعمدان والضمير الاخلاقي

  • strict warning: Declaration of views_handler_field::query() should be compatible with views_handler::query($group_by = false) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/handlers/views_handler_field.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of content_handler_field::element_type() should be compatible with views_handler_field::element_type($none_supported = false, $default_empty = false, $inline = false) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/cck/includes/views/handlers/content_handler_field.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_handler_sort::options_validate() should be compatible with views_handler::options_validate($form, &$form_state) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/handlers/views_handler_sort.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_handler_sort::options_submit() should be compatible with views_handler::options_submit($form, &$form_state) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/handlers/views_handler_sort.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_handler_sort::query() should be compatible with views_handler::query($group_by = false) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/handlers/views_handler_sort.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_handler_filter::options_validate() should be compatible with views_handler::options_validate($form, &$form_state) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/handlers/views_handler_filter.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_handler_filter::query() should be compatible with views_handler::query($group_by = false) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/handlers/views_handler_filter.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_plugin_query::options_submit() should be compatible with views_plugin::options_submit($form, &$form_state) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/plugins/views_plugin_query.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_plugin_style_default::options() should be compatible with views_object::options() in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/plugins/views_plugin_style_default.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_plugin_row::options_validate() should be compatible with views_plugin::options_validate(&$form, &$form_state) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/plugins/views_plugin_row.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_handler_field_user::init() should be compatible with views_handler_field::init(&$view, $options) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/modules/user/views_handler_field_user.inc on line 0.

بشارة يوحنا المعمدان والضمير الاخلاقي

أ‌. د. لويس حزبون
2018/12/15

في الاحد الثالث للمجيء يصف لوقا الإنجيلي ردود فعل الجموع امام بشارة يوحنا المعمدان للناس حول تربية الضمير بدعوتهم الى فحص النفس والحياة القويمة. أذ أخذوا يسألونه " ماذا نَعمَل؟". ماذا نعمل كي نكون مستعدّين للمسيّح متى جاء؟ " ماذا نَعمَل؟" كي نعيش حياة صالحة وننال الخلاص والحياة الأبدية؟ فأعطاهم الارشادات العملية في تقويم الذات (لوقا 3: 10-18)؛ ومن هنا تكمن أهمية البحث في وقائع النص الانجيلي وتطبيقاته.

أولاً: تحليل وقائع نص انجيل لوقا (لوقا 3: 10-18)

10 فسَأَل الـجُموع يوحَنَّا: ((فماذا نَعمَل ؟))

تشير عبارة" يوحَنَّا " الى صيغة عربية للاسم باليونانية Ἰωάννην المشتقة من اللغة العبرية יוֹחָנָן ويعني (الله حنون)؛ وهو يوحَنَّا بْنِ زَكَرِيَّا وأليصابات (لوقا 1: 5-8)، وُلد في السنة السابعة ق.م، ولقبه معروف ب "السابق" او “المعمدان" وذلك لكونه عمّد يسوع. أمَّا عبارة "فماذا نَعمَل؟" فتشير الى استيقاظ قلوب الناس أمام إنذار يوحنا بالدينونة (لوقا 3: 7-9). وهكذا كان سؤال الناس لعظة بطرس الأولى " فلَمَّا سَمِعوا ذلكَ الكَلام، تَفَطَّرَت قُلوبُهم، فقالوا لِبُطرُسَ ولِسائِرِ الرُّسُل: ماذا نَعمَل؟ " (أعمال الرسل 2: 37). وكذلك كانت رد فعل بولس الرسول، وهو على طريق الشام، يوم طرقت النعمة أبواب قلبه، في سؤاله العفوي "ماذا أَعمَل، يا ربّ" (اعمال الرسل 22: 10). وأوضح سؤال سجَّان هدفه بقوله لبولس الرسول " يا سَيِّدَيَّ ماذا يَجِبُ عليَّ أَن أَعمَلَ لأَنالَ الخَلاص؟ " (اعمال الرسل 16: 30).

11 فأَجابَهم: ((مَن كانَ عِندَه قَميصان، فَليقسِمْهُما بَينَه وبَينَ مَن لا قَميصَ لَه. ومَن كانَ عِنَده طَعام، فَليَعمَلْ كَذلِك)).

تشير عبارة "مَن كانَ عِندَه قَميصان، فَليقسِمْهُما بَينَه وبَينَ مَن لا قَميصَ لَه" الى طلب يوحنا المعمدان الى الجموع ان يسلكوا سلوك الإخاء والصدقة ومشاركة ما لديهم مع المحتاجين " لِأَنَّ الجَسَدَ أَعظَمُ مِنَ اللِّباس" (لوقا 12: 23)، "ولأَنَّ المَحبَّةَ تَستُرُ كَثيرًا مِنَ الخَطايا" (1 بطرس 4: 8). وتركَّزت وصية يوحنا للجموع على الرحمة والمحبة العملية. أمَّا عبارة "قَميصان " في الأصل اليوناني χιτών (معناها ثوب) فتشير الى الحاجة لثوب واحد، والثوب الآخر يُعطى لمن يحتاج اليه. وهنا نتساءل أي تغيير يمكن ان يحدث بمشاركتنا الآخرين فيما نملك؟

12 وأَتى إِلَيه أَيضاً بَعضُ الجُباةِ لِيَعتَمِدوا، فقالوا له: ((يا مُعَلِّم، ماذا نَعمَل ؟))

تشير عبارة " الجُباةِ " باليونانية τελῶναι (معناها العشَّارون) الى جُباة الضرائب الذين كانوا يجمعون العشر ويقدمونه للرومان لذلك كانوا عرضة لاحتقار المجتمع، لأنهم كانوا في خدمة الرومانيين المحتل الوثني وكانوا يمارسون غالبا مهنتهم باختلاس الاموال، إذ كانوا غشاشين، وغير أمناء وجشعين وطمَّاعين، بل مستعدِّين لخيانة مواطنيهم من اجل المال (لوقا 9: 8). وقد نبذهم الفريسيُّون وكان الرأي العام يجعلهم في عداد "الخاطئين" (لوقا 5: 30). لكن الله مستعد ان يقبل حتى أولئك الجباة لو تابوا وتغيَّرت طرقهم حقيقة كما يُعلن المعمدان.

13 فقالَ لَهم: ((لا تَجْبوا أَكثَرَ مِمَّا فُرِضَ لَكم)).

تشير عبارة " لا تَجْبوا أَكثَرَ مِمَّا فُرِضَ لَكم " الى طلب يوحنا المعمدان من الجُباةِ ان يسلكوا سلوك العدالة والامانة وان يُتقنوا عملهم ويكتفوا بما هو مفروضٌ لهم من جباية الأموال، وأن لا يستغلُّوا مركزهم، ويجمعوا ضرائب أكثر ممَّا يجب لحسابهم الخاص تحاشيا للظلم والطغيان في الخدمة والوظيفة. مطلوب من الموظف الأناني المُنهمك في مصالحه الذاتيّة أن يُغيّر سبله ويلتفت إلى خير المواطنين.

14 وسَأَله أَيضاً بَعضُ الـجُنود: ((ونَحنُ ماذا نَعمَل ؟)) فقالَ لَهم: ((لا تَتَحاملوا على أَحَدٍ ولا تَظلُموا أَحَداً، واقْنَعوا بِرَواتِبِكم)).

تشير عبارة " بَعضُ الـجُنود " الى نواة القوات المسلحة الذين يعملون ضمن الفرق الجيش الروماني التي كانت تُرسل الى الأقاليم البعيدة لحفظ السلام، فكانوا يظلمون الناس مستغلين سلطتهم، وقد دعاهم يوحنا المعمدان الى تغيير طرقهم من خلال إعلان إيمانهم أمام الجميع. أمَّا عبارة "لا تَتَحاملوا على أَحَدٍ ولا تَظلُموا أَحَداً، واقْنَعوا بِرَواتِبِكم " فتشير الى طلب يوحنا المعمدان الى الجنود ان يسلكوا سلوك العدل وإتقان عملهم وإظهار امانتهم في ممارسة المهنة الشخصيّة لان الجنود قد اشتهروا بقساوتهم وممارستهم غير الاخلاقية مثل السرقة والزنى... امَّا عبارة "لا تَتَحاملوا على أَحَدٍ " فتشير الى طلب يوحنا من الجنود أن لا يتخذوا من عملهم فرصة للتسلط على الناس والوشاية عليهم امام الرؤساء بهدف الكسب الأكبر. امَّا عبارة " ولا تَظلُموا أَحَداً " فتشير الى طلب يوحنا من الجنود أن لا يتخذوا من عملهم فرصة للتسلط على الناس فيظلموهم امَّا عبارة " واقْنَعوا بِرَواتِبِكم " فتشير الى طلب يوحنا من الجنود ان يلتزموا بالقناعة بأرزاقهم ورواتبهم وعدم التحايل على الناس وابتزازهم. وهنا نتساءل فأي تغيير يمكن ان يحدث بإتقاننا عملنا بأمانة؟

15 وكانَ الشُّعبُ يَنتَظِر، وكُلٌّ يَسأَلُ نَفسَه عن يوحَنَّا هل هو الـمَسيح.

تشير عبارة " وكانَ الشُّعبُ يَنتَظِر" الى انتظار الشعب اليهودي الى المسيح المخلص لأنه لم يكن هناك نبي في إسرائيل لفترة تزيد على أربعمائة عام. واعتقد كثيرون ان النبوءة ستعود الى الظهور مع مجيء المسيح (يوئيل 2: 27)؛ أمَّا عبارة "كُلٌّ يَسأَلُ نَفسَه عن يوحَنَّا " الى تساءل افراد الشعب عن هوية يوحنا المعمدان إذا كان هو المسيح المنتظر "إِذ أَرسَلَ إِلَيه اليَهودُ مِن أُورَشَليمَ بَعضَ الكَهَنَةِ واللاَّوِيّينَ يَسأَلونَه: مَن أَنتَ؟" (يوحنا 1: 19). أمَّا عبارة " الـمَسيح" باليونانية Χριστός, (معناها الممسوح بالزيت من اجل خدمة معينة: الملك (1صموئيل 16: 10) والكاهن (خروج 40: 13-15) فتشير الى "المشيح" المنتظر المخلص وليس مسيحا مثل سائر المسحاء بل المسيح. وفي المسيحية، المسيح هو الكلمة المتجسد وابن الله. ولكن اليهود كانوا ينتظرونه المسيح في وجه وطني وعسكري وسياسي وقومي كما يبدو من اتهاماته ليسوع المسيح أمام بيلاطس "أَخذوا يَتَّهِمونَه قالوا: وَجَدْنا هذا الرَّجُلَ يَفتِنُ أُمَّتَنا، ويَنهى عَن دَفْعِ الجِزيَةِ إِلى قَيصَر، ويَقولُ إِنَّه المسيحُ المَلِك" (لوقا 23: 2)؛ أمَّا عبارة " هل هو الـمَسيح" فتشير الى تلاميذ يوحنا الذين ظلوا زماً طويلا يتساءلون هل معلمهم هو المسيح المنتظرالذي تتكلم عنه النبوات. لعل السبب في ذلك ما رأوه فيه من تقشُّف شديد في أكلِه وشُربه وملبسه وقوة كلماته وحزمه في تبكيته الخطأة (متى 3: 4-7)، فظنَّوه أنه قادر أن يخلِّصهم من الرومان. ويُعلق العلامة أوريجانوس " من المؤكَّد أن يوحنا كان إنسانًا غريبًا يستحق إعجابًا شديدًا من كل الناس، فقد كانت حياته مختلفة تمامًا عن بقيّة الناس". ومن الواضح ان يوحنا المعمدان كان نبياً عظيما، وكان الشعب واثقاً من ان عصر المسيح الذي طالما انتظروه قد جاء. لكن يوحنا المعمدان أوضح قائلا" لَستُ المَسيح، بل مُرسَلٌ قُدَّامَه " (يوحنا 3: 29)، واكد مرة أخرى قائلا " لَمَّا أَوشَكَ يوحَنَّا أَن يُنهِيَ شَوطَه قال: مَن تَظُنُّونَ أَنِّي هو؟ لَستُ إِيَّاه. هاهُوَذا آتٍ بَعدي ذاكَ الَّذي لَستُ أَهلاً لأَن أَفُكَّ رِباطَ حِذائِه" (اعمال الرسل 13: 25).

16 فأَجابَ يوحنَّا قالَ لَهم أَجمعين: ((أَنا أُعَمِّدُكم بِالماء، ولكِن يأتي مَن هُو أَقوى مِنِّي، مَن لَستُ أَهلاً لأن أَفُكَّ رِباطَ حِذائِه. إِنَّه سيُعَمِّدُكم في الرُّوحِ القُدُسِ والنَّار.

تشير عبارة "فأَجابَ يوحنَّا قالَ لَهم أَجمعين" الى يوحنا الذي انتهز الفرصة ليوضِّح الفرق بينه وبين المسيح. أمِّا عبارة "أَنا أُعَمِّدُكم بِالماء" فتشير الى المعمودية الخاصة بيوحنا المرتبطة بالتوبة والتي تمهِّد لمعمودية الروح القدس التي أتى بها يسوع (متى 3: 11)؛ فمعمودية يوحنا تُعرَض على الجميع ولا تُمنح إلاَّ مرة واحدة، كاستعداد أخيرٍ الى الدينونة، والى معمودية آخر الأزمنة (مرقس 1: 8)، التي تحتوي على شرط جوهري، أي التحول الباطني (متى 3: 2)، وتهدف الى "مغفرة الخطايا" التي كان الشعب ينتظرها منذ ذلك الحين. وتختلف عن الإغتسال الذي كان يُمارس يوميا في الدين اليهود للتطهر من النجاسات الطقسية كما كان الحال في جماعة الاسينييِّن في قمران، وكذلك تختلف عن معمودية الدخلاء التي كانت تطهِّرهم لتمكنهم من الاتصال باليهود (مرقس 1: 4). أمَّا عبارة "مَن هُو أَقوى مِنِّي" فتشير الى صفة القوة التي تُطلق على الله في العهد القديم كما ورد في نبوءة دانيال "أَيُّها السَّيِّدُ الإِلهُ العَظيمُ الرَّهيب" (دانيال 9: 4). وكانت تطبق هذه الصفة على المشيح المنتظر في أيام يسوع. ففقد وُصف يسوع "بالقوي" وتظهر قوته في صراع مع الشيطان اثناء التجارب (مرقس 3: 27). أمَّا عبارة "مَن لَستُ أَهلاً لأن أَفُكَّ رِباطَ حِذائِه" فتشير الى عمل من اعمال العبيد (يوحنا 13: 4-17). فالتلميذ يُعفى من هذا العمل تجاه معلمه. وهذا يعني ان يوحنا المعمدان كان يعتبر نفسه اقل من تلميذ المسيح مما يدل على وداعته المشهورة "لا بُدَّ له مِن أَن يَكبُر. ولا بُدَّ لي مِن أن أَصغُر " (يوحنا3: 30). فأعلن يوحنا هنا أنه خادم لسيِّده، وأن المجد والكرامة والسجود والعظمة لا تليق إلا بالمسيح الذي اسمه يفوق كل اسم. ويُعلق القديس يوحنا الذهبي الفم "هذا هو دور الخادم الأمين ليس فقط لأنه لا ينسب لنفسه كرامة سيِّده، بل لأنه يمقت ذلك ايضا عندما يقدِّمها له كثيرون ". أمَّا عبارة " النَّار" فتشير الى عمل الله الذي يطهِّر (ملاخي 3: 2) ويمتحن (1بطرس 1: 7). وقد تتخذ النار معنى الغضب (متى 3:12) والغضب يدل على موقف الله من الخطيئة وتعامله معها وعقابه لها (اشعيا 30: 27-33). لكن يسوع يظهر بمظهر العبد الوديع المتواضع (متى 12: 18-21)، الذي يقول بولس الرسول إنه ينجِّي من الغضب (1 تسالونيقي 1: 10). أمَّا عبارة " إِنَّه سيُعَمِّدُكم في الرُّوحِ القُدُسِ والنَّار" فتشير الى الفرق بين عمل يوحنا الذي يمتاز بمعمودية الماء وعمل المسيح الذي يمتاز بمعمودية الروح القدس. وليس المقصود هنا العنصرة (اعمال الرسل 1: 5) او المعمودية المسيحية (اعمال الرسل 11: 16)، بقدر ما هو عمل الخلاص الذي افتتحه يسوع والتطهير والتقديس بالروح القدس. تعلن هذه الآية تفوق يسوع المسيح على يوحنا المعمدان خاصة تجاه بعض الجماعات التي ظلت ترتبط بوحنا المعمدان (اعمال الرسل 19: 1-7). وترمز معمودية يوحنا الى الاغتسال من الخطايا للتوبة والإصلاح، أمَّا معمودية يسوع بالروح القدس والنار فتتضمن القوة المطلوبة لعمل إرادة الله. شهد يوحنا عن المسيح الحقيقي، معلنًا أنه ليس هناك مجال مقارنة بين السيِّد المسيح وبينه، وبين معموديَّة السيِّد ومعموديَّته. أمَّا عبارة " الرُّوحِ القُدُسِ والنَّار" فتشير الى الروح القدس والنار شيء واحد. الروح القدس الذي يمتحن كالنار وفي هذه الحالة تكون واو العطف تفسيرية. ويُعلق القديس ايرونيموس " الروح القدس هو نار كما جاء في أعمال الرسل، إذ حلّ على المؤمنين على شكل ألسنة ناريّة. وهكذا تحقَّقت كلمة المسيح: "جِئتُ لأُلِقيَ على الأَرضِ ناراً، وما أَشدَّ رَغْبَتي أَن تَكونَ قدِ اشتَعَلَت! " (لوقا 12: 49). والروح هو نار الله التي تحرق الحثالة في حياة المؤمن وتلهب من اجل الله. وترمز المعمودية بالنار الى عمل الروح القدس في جلب دينونة الله على من يرفض التوبة كما جاء في تعليم بولس الرسول " وهذِه النَّارُ ستَمتَحِنُ قيمةَ عَمَلِ كُلِّ واحِد " (1 قورنتس 3: 13). وقد حلَّ الروح القدس في يوم الخميسين وفي هذا اليوم يُرجَّح انه كوِّنت المعمودية التي تنبأ بها المعمدان (اعمال الرسل 2: 33).

17 بِيَدهِ الـمِذْرى، يُنَقِّي بَيدَرَه، فيَجمَعُ القَمحَ في أَهرائِه، وأَمَّا التِّبنُ فيُحرِقُه بِنارٍ لا تُطفأ)).

تشير عبارة " الـمِذْرى " الى خشبة ذات أطراف كالأصابع (الرفش)، تُستعمل للتذرية لتُنقِّى بها الحنطة من التبن. ويعلق القديس أمبروسيوس " تكشف الإشارة إلى الـمِذْرى عن سلطان المسيح في تمييز عمل كل واحد. أمَّا عبارة " يُنَقِّي بَيدَرَه، " فتشير الى عملية الدينونة المستمرة خلال عصر الانجيل، إذ يُفصل القمح من التبن بواسطة قول الإنجيل او رفضه. ويبلغ ذلك حد الكمال في اليوم الأخير. والروح هو الريح التي تذرِّي القمح (اشعيا 41: 15-16). أمَّا عبارة " فيَجمَعُ القَمحَ في أَهرائِه" فتشير الى الحصاد، والحصاد هو صورة الدينونة الأخيرة التي ستجرى في آخر الأزمنة، لأنها ساعة فصل القمح عن الزؤان (يوئيل 4: 12-13). أمَّا عبارة "القَمحَ " فتشير الى حَبّ ينمو في سنابل، ويُتَّخَذُ من دقيقِه الخبز، ويُسمى: البُرّ والحِنْطة. والقمح يدل هنا على الذين تابوا وقوَّموا حياتهم واصلحوها. ويعلق القديس كيرلس "القمح هو رمز للأخيار الذين ثبتوا في إيمانهم ورسخوا في عقيدتهم". فمن يتوب ويؤمن له قيمة كبرى في عيني الله، إذ يبدأ حياة جديدة من الخدمة المثمرة لله. أمَّا عبارة " التِّبنُ " فتشير الى القشرة الخارجية لحبوب القمح والى ما تهشَّم من سيقان القمح والشعير بَعد درْسه، وتُعلَفه الماشية، وهو يدل هنا على الافراد الذين رفضوا التوبة والحياة لله. ويُعلق القديس كيرلس "التِبن هو رمز إلى أولئك الناس الذين ضعُفت عقولهم وسقُمَت قلوبهم، فأصبحوا قلقين تهب عليهم الرياح فتفرِّقهم". لكن اليهود اعتبروا ان الوثنيين وحدهم يُدانون، لكن يوحنا المعمدان دعا الجميع الى التوبة، لان الجميع البشر سيُدانون. أمَّا عبارة " فيُحرِقُه " فتشير الى الروح القدس، فهو كالريح التي تذكي النار التي لا تُطفا (اشعيا 66: 24). فمن يرفض الله سيرفضه الله، لأنه بلا قيمة في امتداد عمل الله. أمَّا عبارة " أَهرائِه " فتشير الى البيت الكبير الذي يُجمع فيه القمح؛ أمَّا عبارة " بِنارٍ لا تُطفأ " فتشير الى نار النعمة المُطهِّرة التي لن تُخمد ابدا حتى يتم غرضها كما جاء في نبوءة اشعيا " لا تَنطَفِئُ لَيلاً ولا نَهاراً ودُخانُها يَصعَدُ مَدى الدَّهر ومِن جيلٍ إِلى جيلٍ تَخرَب وإِلى أَبَدِ الآبِدينَ لا يَجْتازُ فها أَحَد" (اشعيا 34: 10)؛ وهذه النار تدل على الغضب والعقاب لمن يرفض ان يشارك الله في قداسته كما جاء في تعليم بولس الرسول "النَّارُ ستَمتَحِنُ قيمةَ عَمَلِ كُلِّ واحِد. فمَن بَقِيَ عَمَلُه الَّذي بَناه على الأَساسِ نالَ أَجْرَه، ومَنِ احتَرَقَ عَمَلُه كانَ مِنَ الخاسِرين" (1 قورنتس 3: 12- 15). ويُعلن يوحنا هنا ان المسيح آتٍ بعده ليُجري وقضاء والتطهير، وسيكون هذا التطهير الناتج عن معمودية يسوع أعمق بكثير من التطهير الناتج عن الاعتماد بالماء.

18 وكانَ يَعِظُ الشَّعبَ بِأَقوالٍ كَثيرةٍ غَيرِها فيُبَلِّغُهُمُ البِشارة

تشير عبارة " فيُبَلِّغُهُمُ البِشارة " في الاصل اليوناني εὐηγγελίζετο(يقدم البشارة ) فمنها اشتقت كلمة εὐαγγέλιον " انجيل" اي بشارة الخلاص، بشارة الله الذي اعلنها يسوع (مرقس 1: 14) ، ولا تدل البشارة على السِفر ذاته، بل على محتوياته، أي الخبر السار عن يسوع المسيح. وهي البشارة التي أعلنها الرسل بان الخلاص قد تمَّ عبر حياة يسوع المسيح وموته وقيامته (رومة 1: 1). وهنا تشير البشارة الى معمودية التوبة، لتنقية القلب لقبول الرب (يوحنا 3: 7-14). وقد أبرز الإنجيلي لوقا عمل القدِّيس يوحنا المعمدان الرئيسي، وهو الشهادة للسيِّد المسيح وعمله الخلاصي، ومعموديَّته بالروح القدس، وقد جاءت هذه الشهادة ممتزجة بكلمة التبكيت للتوبة مع بث روح الرجاء، مبشِّرًا الشعب برحمة الله.

ثانياً: تطبيقات النص الإنجيلي (لوقا 3: 10-18)

بعد دراسة وقائع النص الإنجيلي (لوقا 3: 10-18) نستنتج ان النص يتمحور حول تربية الضمير كي يعيش الانسان حياة صالحة وينال الخلاص والحياة الأبدية. ونم هنا نتساءل ما هو مفهوم الضمير في الكتاب المقدس؟ وكيف تمّ تربيته؟

1) ما هو مفهوم الضمير في ضوء الكتاب المقدس؟
إن لفظ "ضمير" نقصد به هنا تلك الملكة التي بها نحكم على عمل ما، قمنا أو سنقوم به. بالتالي فهو الحكم الإيجابي الذي يجعلنا نقرر أن هذا الشيء يكون (أو قد كان) في نظرنا خيراً أو شراً. ولا يورد الكتاب المقدس في العهد القديم لفظاً معيناً للدلالة على الضمير، إلا في كتاب الجامعة بمعنى قرارة النفس (الجامعة 20: 20) ، وأيضاً في الحكمة بمعنى شهادة النفس داخلياً بالشر ( الحكمة 17: 10 )، لكن الحقيقة الفعلية المقصودة بلفظ ضمير فوردت على مدى الكتاب المقدس كله.
اما لفظ الضمير وجد باليونانية συνειδήσεώς وقد اقتبسه بولس الرسول من لغة عصره الدينية. فمن المرجَّح كان يعبّر في نظره عن الحكم كردّ فعل حرّ يتطلبه مفهوم القلب في الكتاب المقدس. فالانتقال من المفهوم السابق إلى هذا المفهوم واضح جداً في النصيحة التي يسديها بولس إلى طيموتاوس: "وما غاية هذه الوصية إلاّ المحبة الناجمة عن قلب طاهر، وضمير سليم، وإيمان لا رياء فيه" (1 طيموتاوس 1: 5).
غاية تربية الضمير هو البلوغ الى النضج الأخلاقي. ويقوم على تقبل المسؤول للقيم، وعلى السيطرة على الصراعات بما يلائم كل الظروف والأوضاع، والانسان في هذه الحالة هو في مسيرة دائمة.
والضمير الاخلاقي هو حكم صادر عن العقل يعرف به الشخص البشري الصفة الاخلاقية للفعل الواقعي الذي سيفعله، أو يفعله الان، أو قد فعله. وعلى الانسان، في كل ما يقول أو يفعل، أن يتبع بأمانة ما يعلم أنه قويم وحق. والانسان انما يدرك ويعرف رسوم الشريعة الالهية بحكم ضميره. ويعرّف التعلمي المسيحي الضمير الأخلاقي بقوله" "يكتشف الانسان في ذات ضميره ناموسا لم يصدر عنه، ولكنة ملزم بطاعته، وصوته يدعو ذلك الانسان الى حب الخير وعمله والى تجنب الشر. انه ناموس حفرة الله في قلب الانسان. والضمير هو المركز يسمع فيه صوت الله" (كتاب التعليم المسيحي الكاثوليكي، 1776).
وعرّف الكردينال اللاهوتي جون هنري نيومان الضمير بانه "شريعة من روحنا ولكنة يتجاوز روحنا، ويصدر الينا أوامر، ويشعر بالمسؤولية والواجب، والخوف والرجاء (...) انه رسول ذاك الذي يكلمنا من وراء الستار، في عالم الطبيعة كما في عالم النعمة، ويُعلمنا ويحكمنا. الضمير هو الاول بين جميع نواب المسيح" (نيومان، رسالة الى دوق نورفلك، 5). واما التعليم المسيحي يُعرّف الضمير الاخلاقي " هو حكم صادر عن العقل يعرف به الشخص البشري الصفة الاخلاقية للفعل الواقعي (بند 1796).
وينسب الكتاب المقدس أحيانا وظيفة الضمير إلى القلب أو إلى الكليَتَين. لقد خفق قلب داود لمَّا أجرى إحصاء للشعب، فقال داود للرب: " قد خَطِئتُ خَطيئةً كَبيرةً فما صَنَعت" (2 صموئيل 24: 10). وكذلك خفق قلب داود لقطع طرف رداء ذلك الذي مسحه الرب (1 صموئيل 24: 6)، أو عندما قيل له إنه قد يندم لسفك الدم اعتباطاً (1صموئيل 25: 31).

2) كيف يتم تربية الضمير الأخلاقي؟
يتم تربية الضمير بقيادة من الباطن ومن الخارج معا. فالضمير لا ينمو وحده من تلقاء نفسه، ولا يتم من خلال التأثرات الخارجية فقط، انما كلاهما معا. لذلك يجب ان تنطوي تربية الضمير أيضا على تعليم في القيم والقواعد والوصايا. ولكن لا يجوز ان تكون تلقين معلومات وحسب، بل ان تتضمن نداءات وحوافز للإرادة والشعور.
تربية الضمير هي عمل الحياة كلها، وتقتضي تأهيل الانسان لتثقيف ضميره على مدى حياته، ومن هذا المنطلق تبدأ تربية الضمير منذ لطفولة حيث يتمكن الطفل في مسيرة تدريجية ان يُنمي الإحساس بالخير والشر، بالحق والباطل ومعرفة الشريعة الداخلية التي يعترف بها الضمير الاخلاقي، ولممارستها.
وتؤدي مساهمة الوالدين دورا حاسما، فان طريقة تقويهما وتصرّفهما، والصلاة المشتركة وفحص الضمير مع الطفل تؤثِّر فيه وتؤدي مساعدة مهمة في تربيته. ويُعلق التعليم المسيحي" يكون الضمير الذي أحسنت تنشئته قويما وصادقا. فيُصدر أحكامة متطابقة مع العقل ومتوافقة مع الخير الحقيقي الذي أرادته حكمة الله. وعلى كل انسان ان يتخذ الوسائل لتنشئة ضميره" (كتاب التعليم المسيحي الكاثوليكي، 1798).

اما في سن الشباب يجب ان تكون التربية مسؤولية الذات، حيث لا يجوز التضييق على الشاب ولا ان يُترك وشانه في تصرّفه الخاطئ. لذلك يجب ان يعطى بعض المتطلبات التي تحمله على الاقتناع بها والعيش بمقتضاها. "في تنشئة الضمير يكون كلام الله النور الذي يُضيء طريقنا. ولا بد لنا من تقبله في الايمان والصلاة، وممارسته عمليا"(كتاب التعليم المسيحي الكاثوليكي، 1785). فلا بد من ارتباط الضمير بالوعي حول الخير والشر بشريعة الله وبالصلاة والفطنة والايمان:

أ) الضمير مرتبط بالوعي بالخير والشر

لاحظ بولس الرسول ان الوثنين الذين هم بلا شريعة (موحى بها)، إذا عملوا بالفطرة ما تأمر به الشريعة، وكوَّنوا شريعة لأنفسهم مع أنهم بلا شريعة، فيدلّون على أن ما تأمر به الشريعة من الأعمال مكتوب في قلوبهم، وتشهد لهم ضمائرهم وأفكارهم، فهي تارة تشكوهم وتارة تدافع عنهم " (رومة 2: 14-15). ومن هذا المنطلق إن دينونة الله تنطبق لا على معرفة وتمييز الخير من الشر، بل على ممارسة هذه المعرفة إيجابياً. وهذه الممارسة يحدّدها في النهاية، لا الشريعة الموحى بها، بل الوعي بالخير والشر. ومن خلال هذا الوعي تظهر إرادة الله. فعلى سبيل المثالً عندما يعصي آدم الله، فإنه يشعر بعريه ويهرب من وجه الله (تكوين 3: 8-.1). وهذا ما يفترض أيضاً على حدّ قول بولس الرسول، أن تدبير الله مسجّل في قلب كل إنسان، حتى قبل أن يحدّده الوحي نهائياً. إن كان اللّه غير معترف به كخالق (رومة1: 19 - 21)، وإن لم يكن هناك شريعة موحى بها، فالإنسان يولد وهو في حوار مع الله، وهو أمام أي عمل، يتفاعل بحسب تدبير الله. ومن هنا جاء تعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية "ان الذين، على غير ذنب منهم، يجهلون انجيل المسيح وكنيسته، ويطلبون مع ذلك الله بقلب صادق، ويجتهدون، بنعمته، ان يتمِّموا في اعمالهم إرادته كما يمليها عليهم ضميرهم، فهؤلاء يمكنهم ان ينالوا الخلاص الابدي " (التعليم المسيحي للكنسة الكاثوليكية، رقم 847).

ب) الضمير مرتبط بشريعة الله

يسبر الله أغوار القلوب والكلى كما جاء في نبوءة ارميا "فيا رَبَّ القُوَّاتِ الحاكِمَ بِالبِرّ الفاحِصَ الكُلى والقُلوب" (إرميا 11: 20، 17)، وأمامه تكون كل أعمال البشر حاضرة (مزمور 139: 2). الله هو المرشد الشخصي لضمير الانسان الذي يحكم على نفسه من خلال علمه ونظرته إليه. ومهما كان الضمير باطنياً، فإن حكمه يخضع لحكم اللّه وشريعته كما يقول بولس الرسول “لا أدين نفسي، فضَميري لا يُؤَنِّبُني بِشَيء، على أَنِّي َلستُ مُبَرَّرًا لِذلك، فدَيَّانِي هوَ الرَّبّ" (1 قورنتس 4: 4). إن تأكيدات الانسان الصادرة عن ضميره تكون عادة مصحوبة بالتنويه باللّه (2 قورنتس 4: 2)، أو بشهادة الروح القدس. فالضمير من "ناموس الله" (رومة 9: 1). انتقد يوحنا المعمدان الفريسيين ريائهم في حفظ الشريعة، لأنهم كانوا يتمسكون بحرفية الشريعة لكنهم يتجاهلون مضمونها الحقيقي. وانتقد الصدوقيين لأنهم كانوا يستخدمون الدين لتأييد موقهم السياسي. ورأَى كثيراً مِنَ الفِرِّيسيِّينَ والصَّدُّوقيِّينَ يُقبِلونَ على مَعموديَّتِه، فقالَ لَهم: يا أَولادَ الأَفاعي، مَن أَراكم سَبيلَ الهَرَبِ مِنَ الغَضَبِ الآتي؟" (متى 3: 7). امَّا يوحنا فلم يكرز بشريعة الله فحسب، بل عاشها. وكان يوحنا يدعو الناس الى ما هو أكثر من مجرد كلمات او طقوس، فقد طلب من الشعب ان يغيّروا حياتهم، فالله ينظر الى ما هو أبعد من أقوالنا ونشاطاتنا الدينية، ليرى ما إذا كانت حياتنا تؤيد أقوالنا، وهو يحكم على أقوالنا بما يصحبها من أفعال. فالمطلوب اتفاق افعالنا مع أقوالنا. ويدعو يوحنا ضمير الشعب الى عملية الارتداد ، وهي لا تتم عن طريق الشعائر الطقسية، كما لا تكفي الذبائح ولا التقادم للهيكل ولا الحج إنما احترام الآخر "لا تَجْبوا أَكثَرَ مِمَّا فُرِضَ لَكم" (لوقا 13: 13) لا تَتَحاملوا على أَحَدٍ) ولا تفتروا الكذب على أحد (ولا تَظلُموا أَحَداً، واقْنَعوا بِرَواتِبِكم " (لوقا 3: 14)، ويَطلب تصويب المسارات التي تسير باتجاه الآخر بمشاركة الاخرين فيما لديهم، ومقاسمتهم ، والقضاء على الظلم، وعدم فعل الشرّ وعدم استغلال الآخر من أجل مصالح خاصة؛ ولذلك، فإن مهمة يوحنّا ليس فقط مساعدة فئات مختلفة من الناس على العيش مع بعضهم البعض بسلام، لكن مهمته أيضا ان يربي الضمير. وادان يسوع أيضا ضمير الفريسيين في ممارسة ماديّة للشريعة. ويسوع لا يلغي الناموس، ولكنه يوضّح أن نقاء النيَّة ينبغي أن يكون الضابط لممارستنا للناموس. يمهد الطريق لتدخل الضمير بتعليم كيفية الحكم على الأمور بحسب القلب (متى 15: 1- 20)، اعتماداً على نظرة عين صحيحة (لوقا 11: 34- 36)، وفي حضرة الآب الذي يرانا في الخفية (متى 6: 4 و6 و18). وهكذا يعدّ يسوع الطريق لظهور الضمير الحر، انتظاراً لذلك اليوم الذي نرى فيه مع تعليم بولس الرسول، أن الناموس لن يعود بُعده خارج الإنسان فقط، ولكنه سيستمدّ معناه وقوته بفضل انسكاب الروح داخل القلوب. فالمسيحي ذو الضمير المستنير، يجد نفسه إذن متحرراً تجاه كل الفرائض الطقسية في الشريعة الموسوية: "حيث يكون روح الرب، تكون الحريّة" (2 قورنتس 3: 17)، و" حريتي لا تقيّد بضمير غيري " (1 قورنتس 10: 29).

ج) الضمير مرتبط بالصلاة

يحكم على كل شيء على ضوء الانجيل. ويسوع يربط نضوج الضمير مع الصلاة " فاسهَروا مُواظِبينَ على الصَّلاة"(لوقا 21: 36). ويؤكد ذلك بولس الرسول من خلال صلاته "أَشكُرُ اللهَ الَّذي أَعبُدُ بَعدَ أَجْدادي بِضَميرٍ طاهِر، وأَنا لا أَنفَكُّ أَذكُرُكَ لَيلَ نَهارَ في صَلَواتي"(2 طيموتاوس 1: 3). فالنضوج الضمير في المسيحية هو قبل كل شي انفتاح الأذن والقلب على كلمة الله. وفي الصلاة ننفتح على الله ونصغي لكلماته، لنكون على استعداد لتقبل إرادته. "أَشكُرُ اللهَ الَّذي أَعبُدُ بَعدَ أَجْدادي بِضَميرٍ طاهِر، وأَنا لا أَنفَكُّ أَذكُرُكَ لَيلَ نَهارَ في صَلَواتي. (2 طيموتاوس 1: 3) "صَلُّوا مِن أَجلِنا فإِنَّنا واثِقونَ أَنَّ ضَميرَنا صالِح وأَنَّنا نَرغَبُ في أَن نُحسِنَ السَّيرَ في كُلِّ أَمْر" (عبرانيين 13: 18). لذا يطلب صاحب الرسالة الى العبرانيين الصلاة: "صَلُّوا مِن أَجلِنا فإِنَّنا واثِقونَ أَنَّ ضَميرَنا صالِح وأَنَّنا نَرغَبُ في أَن نُحسِنَ السَّيرَ في كُلِّ أَمْر" (عبرانيين 13: 18)

د) الضمير مرتبط بالفطنة

الفطنة هي العنصر العقلي في الضمير والحكم على إمكانية كيفية التصرّف الأخلاقي المسؤول فيها. والشرط الضروري للوصول الى الحكم على المتسم بالفطنة في واقع كل حالة لا يكمن في معرفة التعاليم الملزمة وحسب، بل أيضا في إدراك القيم التي تنطوي عليها تلك التعاليم. الضمير الفطن لا يحكم فقط بالعقل، بل أولا بالقلب وبالشخص بمجمله. وتربية الفطنة ضرورية في الضمير لان "التربية الفطنة تعلم الفضيلة، وهي تصون وتشفي مما ينجم عن الضعف والذنوب البشرية، من الخوف والانانية والكبرياء، والتضايق الناتج من الذنب، ونزوات الرضى عن الذات. ان تربية الضمير تكفل الحرية وتولد سلام القلب (التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية، رقم 1784). لذلك يسعى الانسان الى تفهم معطيات الخبرة وعلامات الازمنة، مستندا الى فضيلة الفطنة، والى نصائح الاشخاص الفهماء والى مؤازرة الروح القدس ومواهبة"(التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية، رقم 1788).

هـ) الضمير مرتبط بالإيمان

الضمير والإيمان متصلان اتصالاً لا تنفصم عراه (1 طيموتاوس 3: 9). فالضمير غير مستقلّ بذاته، بل خضع لحكم اللّه دائماً: "لا أدين نفسي، فضَميري لا يُؤَنِّبُني بِشَيء، على أَنِّي َلستُ مُبَرَّرًا لِذلك، فدَيَّانِي هوَ الرَّبّ" (1 قورنتس 4: 4). بذلك، وإنما ديّاني الرب " (1 قورنتس 4: 4). فالإيمان قد وهب "العلم " (1 قورنتس 8: 1)، الذي يكشف عن طيبة كل المخلوقات (1 قورنتس 3: 21- 23). فالضمير من "ناموس الله"، وعندما يوصف "بالصالح" أو "بالطاهر" فعنى ذلك أنه يستضيء أساساً بنور الإيمان الحقيقي (1 طيموتاوس 1: 5). في الايمان يصير اختبار الاطمئنان اطمئنانا الى الله، واختبار المطلب الأخلاقي ارتباطا حرا بالله، واختبار الوصايا نداء الى حرية الانسان. الضمير المرتبط بالإيمان لا يقلق في أي ظرف كان فهو يتحمل المسؤولية ويثق بالرب الذي هو موجود في حياته ويعمل فيه حتى لو لم يرى ذلك بوضوح. فإذا كانت النية مستقيمة، وإن كان الإيمان يوفّر اقتناعاً راسخاً، فعندئذ يكون الضمير مرتاحاً. والمسيحي هكذا يطيع السلطة المدنية "ليس خوفاً من الغضب فحسب، بل مراعاة للضمير أيضاً"، لأن إيمانه يوضّح له كيف تكون هذه السلطة " في خدمة الله " (رومه 13: 5-4). فالقلب، والضمير، والإيمان تكون بصور متنوعة، مصدراً لفعل المحبة. فإذا كانت النية مستقيمة، وإن كان الإيمان يوفّر اقتناعاً راسخاً، فعندئذ يكون الضمير مرتاحاً. "لْيُحافِظوا على سِرِّ الإِيمانِ في ضَميرٍ طاهِر." (1 طيموتاوس 3: 9). الإيمان هبة مجانية يهبها الله للإنسان. باستطاعتنا أن نفقد هذه الموهبة التي لا تقدر بثمن؛ والقديس بولس يحذّر تيموثاوس من ذلك: "تجَنّد التجنُّد الحميد، متمسكا بالإِيمانِ والضَّميرِ السَّليمِ الَّذي نَبَذَه بَعضُهم فانكَسَرَت بِهِم سَفينةُ الإِيمان" (1 طيموتاوس 1: 19).

ز) الضمير مرتبط بالحرية

يصل المؤمن إلى الحرية الكاملة " كُلُّ شَيءٍ طاهِر" (رومة 14: 20)، " كُلُّ شَيءٍ يَحِلُّ لي" (1 قورنتس 6: 12). نرى بولس الرسول يضيف في الحال "ولكِن لَيسَ كُلُّ شَيءٍ يَبْني " (1 قورنتس 10: 23). فقد ينشأ تنازع بالفعل بين الضمائر التي لم تتطور كلها بنفس الكيفيّة، وعلى نفس المستوى. والمؤمن " القوي، (رومة 15: 1) ينبغي أن يعمل ما في وسعه حتى لا يجرح أخاه، الذي لا يزال ضعيفاً: "فلا تُهلِكْ بِطَعامِكَ مَن ماتَ المسيحُ لأَجْلِه" (رومة 14: 15). " كُلُّ شَيءٍ طاهِر، ولكِن مِنَ السُّوءِ أَن يَأكُلَ المَرْءُ فيكونَ حَجَرَ عَثرَةٍ لِغَيرِه" (رومة 14: 20). ولكنه يضيف: " ولكِنِّي لن أَدَعَ شَيئًا يَتَسَلَّطُ عليَّ " (1 قورنتس 6: 12)، فينبغي إذن أن يتخلى العلم عن الأولوية لتتقدم المحبة الأخويّة. وعلى الضمير أيضاً أن يقيّد الحرية، نظراً لأنّ الحضور الإلهي يضفي عليها معناها. المحبة تكون دائما في سياق احترام القريب وضميره: "إِذا خَطِئتُم هكذا إِلى إِخوَتِكُم وجَرَحتُم ضَمائِرَهُمُ الضَّعيفة، فإِلى المسيحِ قد خَطِئتُم " (1 قورنتس 12:8). وفي دفاع بولس الرسول عن نفسه يقول “أَنا أَيضاً أُجاهِدُ النَّفْسَ لِيَكونَ ضَميري لا لَومَ علَيه عِندَ اللهِ وعِندَ النَّاس" (اعمال الرسل 24: 16). وخلاصة القول "ينبغي لكل واحد أن يكون له من الحضور في ذاته ما يجعله يسمع صوت ضميره ويتبعه. فالرجوع الى الذات ضروري كما يقول القديس اوغسطينوس " "عُد الى ضميرك وسائلة (...) عودوا، أيها الاخوة، الى الداخل، وانظروا، في كل ما تفعلون، الى الشاهد، الى الله" (القديس أوغسطينوس، في رسالة يوحنا الى اليرتين 8، 9).

الخلاصة

حذَّر يوحنا المعمدان الجماهير الذين جاءوا ليعتمدوا بأن يصنعوا أثمارا تليق بالتوبة. فكان يوحنا يتكلم كأنبياء العهد القديم فيقول للشعب ابتعدوا عن الخطيئة لتتحاشوا العقاب، ارجعوا الى الله لتنالوا البركة. لقد تغلغلت رسالة يوحنا بين الفقراء والمساكين والعشارين والجنود. فقدم لهم إرشادات عملية لكل فئة: الجموع (لوقا 3: 10) والعشّارين (لوقا 3: 12)، والجنود (لوقا 3: 14) وفقا لوضعه، لينبذوا الخطايا المحيطة بهم ويؤدوا الواجب الخاص المطلوب منهم (لوقا 3: 7-14). لا أحد مستثنى ممَّا يُذكّرنا بما قاله النبي أشعيا " يَتَجَلَّى مَجدُ الرَبِّ ويُعايِنُه كُلُّ بَشَر لِأَنَّ فَمَ الرَّبِّ قد تَكَلَّم" (أشعيا 40: 5).
وفي وسط الدهشة العامة التي أحدثها يوحنا، جعل يخبرهم لماذا عمدهم هو بالماء وأعلن ان مسيحا آتٍ بعده وأنه سيعمد بالروح القدس وال ويجري القضاء. (لوقا 3: 15-17).

دعاء

أيها الآب السماوي، نسألك باسم يسوع المسيح، الذي جاء يوحنا المعمدان يُعدّ الطريق له، دعنا ان نسر بحسب ارشاداته في ضميرٍ حرِ يغمره الايمان والصلاة والفطنة فنعمل إرادة الله لنكون اهلا لملاقاة المسيح مخلصا وديانا.

علق عن طريق الفيس بوك علق عن طريق الموقع

التعليقات

أرسل تعليقا

لن يظهر للقراء