بشارة يوحنا المعمدان: التوبة للخلاص

  • strict warning: Declaration of views_handler_field::query() should be compatible with views_handler::query($group_by = false) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/handlers/views_handler_field.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of content_handler_field::element_type() should be compatible with views_handler_field::element_type($none_supported = false, $default_empty = false, $inline = false) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/cck/includes/views/handlers/content_handler_field.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_handler_sort::options_validate() should be compatible with views_handler::options_validate($form, &$form_state) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/handlers/views_handler_sort.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_handler_sort::options_submit() should be compatible with views_handler::options_submit($form, &$form_state) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/handlers/views_handler_sort.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_handler_sort::query() should be compatible with views_handler::query($group_by = false) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/handlers/views_handler_sort.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_handler_filter::options_validate() should be compatible with views_handler::options_validate($form, &$form_state) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/handlers/views_handler_filter.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_handler_filter::query() should be compatible with views_handler::query($group_by = false) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/handlers/views_handler_filter.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_plugin_query::options_submit() should be compatible with views_plugin::options_submit($form, &$form_state) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/plugins/views_plugin_query.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_plugin_style_default::options() should be compatible with views_object::options() in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/plugins/views_plugin_style_default.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_plugin_row::options_validate() should be compatible with views_plugin::options_validate(&$form, &$form_state) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/plugins/views_plugin_row.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_handler_field_user::init() should be compatible with views_handler_field::init(&$view, $options) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/modules/user/views_handler_field_user.inc on line 0.

بشارة يوحنا المعمدان: التوبة للخلاص

الأب د. لويس حزبون
2018/12/08

في الاحد الثاني للمجيء يصف لوقا الإنجيلي بشارة يوحنا المعمدان الداعية الى التوبة وخلاص الله لجميع البشر على يد يسوع المسيح (لوقا 3: 1-6)؛ وبهذه البشارة أعدَّ يوحنا المعمدان كل البشر لاستقبال الرب يسوع " فَيُؤمِنَ عن شَهادتِه جَميعُ النَّاس" (يوحنا 1: 7)؛ ومن هنا تكمن أهمية البحث في وقائع النص الانجيلي وتطبيقاته.

أولاً: تحليل وقائع نص انجيل لوقا (لوقا 3: 1-6)

1 في السَّنَةِ الخامِسَةَ عَشْرَةَ مِن حُكْمِ القَيصَرِ طيباريوس، إِذ كانَ بُنطِيوس بيلاطُس حاكِمَ اليَهوديّة، وهيرودُس أَميرَ الرُّبعِ على الـجَليل، وفيلِبُّس أَخوهُ أَميرَ الرُّبعِ على ناحِيَةِ إِيطورِيَةَ وطَراخونيطِس، وليسانياس أَميرَ الرُّبعِ على أَبيلينة،

تشير عبارة "في السَّنَةِ الخامِسَةَ عَشْرَةَ مِن حُكْمِ القَيصَرِ طيباريوس " الى سنة 26 ميلادية والمسيح عمره 30 عاماً فالمسيح ولد سنة 4 ق.م. (لوقا 3: 22)؛ أمَّا عبارة " القَيصَرِ " فتشير الى لقب رسمي للأباطرة الرومانيين أُخذ من اسم يوليوس قيصر الشهير وقد ورد هذا اللقب نحو 30 مرة في العهد الجديد. ويلقَّب به أغسطس (لوقا 2: 1) وطيباريوس (لوقا 3: 1) وكلوديوس (اعمال 11: 28) ونيرون (اعمال 25: 8). أمَّا عبارة "طيباريوس " فيشير الى طيباريوس يوليوس قيصر، الإمبراطور الروماني الثاني (لوقا 20: 22). ولد السنة الـ 42 ق.م. وكان ابناً لأوغسطس بالتبني وصهراً فخلفه على الحكم. حكم في القرن الأول من 14 -37م. وفي ملكه حكم اليهودية كواليين فاليريوس كراتوس وبيلاطس البنطي. بدأ يوحنا يكرز في السنة 15 لملكه (لوقا 3 :1). خاف بيلاطس الذي تميّزت سنواته الأخيرة بالشكاوى وتنفيذ أحكام الإعدام الامبراطور طيباريوس (يوحنا 19 :12) فأبعد وقتاً ما عن روما. وبنى هيرودس انتيباس طبرية على بحيرة طبرية إجلالاً له. وفي أيام طيباريوس صلب المسيح. أمَّا عبارة " بُنطِيوس بيلاطُس حاكِمَ اليَهوديّة " فتشير الى حكم بيلاطس من السنة 26 الى السنة 36. وكان محافظا بالأحرى، بحسب الكتابة التي عُثر عليها في سنة 1961. ويلقّب بالبنطي، باللاتينية Pontius بنطيوس (متى 27: 2) وهو وال أقامته الحكومة الرومانية نائباً أو حاكماً على اليهودّية في سنة 29 م. واستمرّ حكمه بضع سنين إلى ما بعد صعود يسوع الى السماء، وكانت قيصرية مركز ولايته. وكان يصعد بيلاطس إلى أورشليم إلى دار الولاية فيقضي للشعب هناك (يوحنا 18: 28). وأمَّا أيام حكومته فلم تكن مرضية لليهود لأنه كان قاسياً جدّاً غير مهتم إلا لمنافعه الشخصية. وفضلاً عن ذلك فهو الذي سلم المسيح لليهود مع أنه اعترف ببراءته (يوحنا 19: 6). ويُرّجح أن إجابة بيلاطس لطلب اليهود بصلب يسوع كانت لغاية المحافظة على مركزه. لكنه رفض اجابة طلب اليهود لما أرادوا منه أن يغيّر الكتابة التي على الصليب (يوحنا 19: 19-22) وأنه سمح ليوسف أن يأخذ جسد يسوع بعد موته ويدفنه (متى 27: 57-61). وأخيراً وضع حرّاساً على القبر يحرسون جسد يسوع (متى 27: 62-66). وقد أقيل من وظيفته لقسوته وقد نفي إلى فرنسا ومات هناك. ويقول بعضهم أنه مات منتحراً. أمَّا عبارة " هيرودُس أَميرَ الرُّبعِ على الـجَليل" فتشير الى حكم هيرودس انتيباس على الجليل وعبر الأردن من السنة 4 ق. م. (بعد موت ابيه هيرودس الكبير) الى السنة 39 م. وهو الابن الثاني لهيرودس الكبير من زوجته الرابعة السامرية ملثاكي، لذلك يُعتبر هيرودس انتيباس نصفه ادومي ونصفه سامري من الناحية الوراثية. وتثقف في روما، ثم عاد وعُيِّن حاكماً على الجليل بينما نال أخوه وراثة العرش فتنافس وإياه طويلاً. وبنى عدة أماكن، أشهرها مدينة طبريا. ولما جلس على العرش اتسعت مطالبه، حتى حملته امرأته على الذهاب إلى روما ليطلب أن يمنح لقب ملك. وهناك غضب عليه الإمبراطور كاليغولا ونفاه إلى ليون، ثم إلى إسبانيا. وهو الذي تزوج بامرأة أخيه، هيروديا، ونال توبيخ يوحنا المعمدان حتى قطع رأسه وقدمه هدية لسالومة ابنة هيروديا (مرقس 6: 16- 28) وكان هيرودس واحداً من القضاة الذين مَثِل يسوع أمامهم، وأخذ يجادل يسوع ويسأله (لوقا 23: 7- 12). وظن هيرودس أن يوحنا قد قام من الأموات (مرقس 6: 16). وهو الذي سماه يسوع ثعلباً (لوقا 13: 32). أمَّا عبارة " أَميرَ الرُّبعِ " فتشير الى انقسام مملكة هيرودس إلى أربعة أجزاء، جاء من هنا لفظ رئيس ربع (لوقا 1: 5).. أمَّا عبارة " ناحِيَةِ إِيطورِيَةَ " فتشير الى منطقة ومملكة عاصمتها خلقيس. سكنها الايطوريون (التكوين 25 :15) وهم قبيلة عربية في شرقي الأردن. حين تقدّمت نحو الشمال اخذت بالحضارة الآرامية. وفي سنة 105 ق.م. احتلّ ارسطوبوليس الملك اليهودي قسما من إيطورية. ولكن جاء بومبيوس وحرّرها. بين سنة 85 وسنة 40 حكمها بطليموس ابن منايوس تحت مراقبة الرومان، ولكن مملكته كانت قد تقلّصت. ضمّت إيطورية في عزّها سهل البقاع فكانت عاصمتها الإداريّة خلقيس أي عنجر اللبنانيّة. وبعلبك عاصمتها الدينيّة. وفي عهد بطليموس ابن منايوس (85-40 ق.م.)، امتدّت حتى البحر المتوسّط، فضمّت أبيلينة وهدّدت دمشق كما قال يوسيفوس في العاديات (15 :393، 418؛ 14 :126)، وفي الحرب اليهودية (1 :103، 115، 185-186)؛ أمَّا عبارة "فيلِبُّس أَميرَ الرُّبعِ على ناحِيَةِ إِيطورِيَةَ وطَراخونيطِس "الى المناطق الوثنية التي امتد حكمه عليها وهي مناطق في شمال بحيرة طبرية الى الشرق وحكمها من السنة 4 ق. م. الى سنة 34 م. لم يذكر لوقا الإنجيلي الجولان وباشان وحوران. أمَّا عبارة "ليسانياس " اسم يوناني Λυσανίας, (معناه نهاية الحزن) فتشير الى رئيس ربع على ابيلينة وكان في السنة الخامسة عشرة من حكم طيباريوس؛ أمَّا عبارة " أَبيلينة" فتشير الى مقاطعة ابيلا تسمى أحيانا ب(رافانا) الرومانية التي تعتبر إحدى المدن العشرة في حلف المدن العشرة (ديكابوليس) الذي أقيم أيام اليونان والرومان. وهي منطقة وثنية. وكانت هذه المنطقة ايام لوقا الإنجيلي خاضعة الى هيرودس أغريبا الثاني. وقويلبة (حرثا) اليوم هي امتداد لمدينة (ابيلا)، وهي بلدة أردنية تقع تبعد عن مدينة اربد 18 كم على الحدود الأردنية السورية. وقد ظلت (ابيلا) مدينة مسكونة تاريخيا إلى اليوم. وبقيت على مر العصور الرومانية والبيزنطية والإسلامية مدينة عامرة بالسكان، وما زالت أثار حرثا أو (ابيلا) مدفونة تحت الأرض تنتظر من يستكشفها. فانطلاقا من هذا النص ان يسوع كان قد اتم َّسنة ال 29 (لوقا 3: 23). وبهذا حدَّد دنيزيوس الصغير في القرن السادس مطلع عصرنا المسيحي. يبدو ان هذا التقدير يَقصر عن الوقع بعدَّة سنوات. في هذا ال آية يفتتح لوقا الإنجيلي رسالة يوحنا المعمدان بتحديد موقعه من تاريخ العالم الوثني ومن تاريخ شعب الله (لوقا 1: 5/ 2: 1-2) دلالة على أن تاريخ الله يمتزج مع تاريخ الإنسان. فهناك تاريخ واحد فقط يجمع الله والإنسان، ولا يحتاج الإنسان أن يبحث عن تاريخ آخر إن أراد لقاء الله. بهذا اتضح التاريخ المدني العالمي للأحداث الخطيرة التي بها كان الخلاص للبشر.

2 وحَنَّانُ وقَيافا عَظيمَي الكَهَنَة، كانت كَلِمَةُ اللهِ إلى يوحَنَّا بْنِ زَكَرِيَّا في البَرِّيَّة

تشير عبارة "حَنَّانُ" الى عظيم الكهنة من عائلة صدّوقية، فتولى منصب عظيم الكهنة من السنة 6 الى السنة 15. حيث عزلته السلطات الرومانية. وكان أكثر عظماء الكهنة الذين جاءوا من بعده من عائلته وكان له نفوذ واسع؛ وكان حَنَّانُ حمو قيافا عظيم الكهنة (يوحنا 18: 13). ويبدو ان السلطات الرومانية عزلت حنَّان، رئيس الكهنة الذي أقامه اليهود، واقاموا قيافا، زوج ابنه في مكانه. إلا ان حنَّان ظل محتفظا بلقبه (اعمال الرسل 4: 6) عند اليهود لأنهم كانوا يعتقدون وظيفة رئيس الكهنة مدى الحياة. وهذا ما يبِّر اسمه الى جانب قيافا (يوحنا 18: 13-24). أمَّا عبارة "قَيافا" لفظة أرامية קַיָפָא‎ (معناها صخرة) فتشير الى عظيم الكهنة فتولى القضاء الأعلى من السنة 18 الى السنة 36 م. (لوقا 3: 2، واعمال الرسل 4: 6)، وهو صهر "حنَّان عظيم الكهنة. "وقَيافا هو الَّذي أَشارَ على اليَهودِ أَنَّه خَيرٌ أَن يَموتَ رَجُلٌ واحِدٌ عَنِ الشَّعب" (يوحنا 18: 14). وبها القول ينقل قيافا النقاش الى الصعيد السياسي: فأن يسوع يُثير البلبلة، أيَّا كانت دوافعه الدينية، فينبغي القضاء عليه ليسود النظام العام. يُذكر لوقا الانجيلي عظيم الكهنة في الختام بصفة رئيس شعب الله، مقابل القيصر الوثني. وتدل الآية على ان اعلان الخلاص يعني الوثنيين واليهود على حد سواء.
أمَّا عبارة " عَظيمَي الكَهَنَة" بالعبرية הַכֹּהֵן הַגָּדוֹל (معناه الكاهن العظيم او الرئيس) في اليونانية ἀρχιερεύς فتشير الى رئيس الكهنة بالمفرد، وكان رئيس الكنة قيافا وذلك بحسب الشريعة لا يوجد سوى رئيس كهنة واحد. وهو الرجل الوحيد الذي يدخل إلى قدس الأقداس مرّة في السنة (خروج 29 :42). إنّه حقًّا الوسيط بين الله والبشر (عبرانيين 5 :1). فهو رئيس السنهدرين الذي تصل صلاحيّاته إلى جميع اليهود في العالم. وهو كافل خزنة الهيكل. وامتلك عظيم الكهنة سلطة قضائيّة وإداريّة. كان هناك رئيس كهنة واحد في نظام الشريعة اليهودية، يقيمه الله من نسل هارون، ويظل في منصبه طيلة حياته، ولكن لحق هذا النظام افساد فكانت روما تعيِّن الرؤساء الكهنة الموالين لها، حتى تضمن السيطرة على اليهود. وحين يترك عظيم الكهنة وظيفته، فهو يبقى خاضعًا لكلّ القواعد ويحافظ على جزء كبير من هيبته (مثلاً، حنان في محاكمة يسوع مع أنّ عظيم الكهنة كان قيافا، (يوحنا 18 :13-14). وينعم رئيس الكهنة باعتبار كبير جدًّا. وذكر العهد الجديد حنان، قيافا، يوناتان، حنانيا الأول بأسمائهم. سنة 70 ب.م.، وتحالفوا مع الكتبة والشيوخ والفريسيّين ليهلكوا يسوع. كان عظماء الكهنة يرتبطون ارتباطًا كلّيًّا بالسلطة السياسيّة. وإن عدد الرؤساء السياسيين والدينيين المذكور اعلاه هو سبعة، وهي علامة الملء والاكتمال. أمَّا عبارة " كانت كَلِمَةُ اللهِ إلى يوحَنَّا بْنِ زَكَرِيَّا في البَرِّيَّة " فتشير الى دعوة يوحنا النبوية كما كانت دعوة ارميا (ارميا 1: 2، 4). فقد تلقى يوحنا المعمدان هبة كلمة الله فأصغي إليها وفسح لها المجال لتغيير حياته، فتجلت فيه وأُحدِث أمرا جديداً غّير تاريخ البشرية. عندما تتدخّل كلمة الله حقاً في حياة الإنسان وتغيِّره وتغِّيِّر محيطه. أمَّا عبارة " يوحَنَّا بْنِ زَكَرِيَّا " فتشير الى "المعمدان" وذلك لكونه عمّد يسوع وهناك ألقاب أخرى مضافة إليه "الشهيد الأول" و"الصائم" و"أقرب صديق للمسيح" و"السابق" للمسيح. وُلد يوحنا تقريباً سنة 7 ق. م. في عين كارم حسب التقليد المسيحي، وهو ابن زكريا وأليصابات وكلاهما من سبط اللاويين، وهو نسيب يسوع المسيح. ويصف لوقا الإنجيلي والدي يوحنا المعمدان بقوله "كانَ في أيَّامِ هيرودُس مَلِكِ اليَهودِيَّة كاهِنٌ اسمُه زَكَرِيَّا مِن فِرقَةِ أَبِيَّـا، لَه امَرأَةٌ مِن بَناتِ هارونَ اسمُها أَليصابات، وكانَ كِلاهما بارّاً عِندَ الله، تابعاً جميعَ وَصايا الرَّبِّ وأَحكامِه، ولا لَومَ علَيه. ولَم يَكُنْ لَهما وَلَد لأَنَّ أَليصاباتَ كانَت عاقِراً، وقَد طَعَنا كِلاهُما في السِّنّ" (لوقا 1: 5- 7). وكان من حق يوحنا أن يصير كاهنًا بصفة ابيه كاهنا، ولكنه كُرّس منذ ولادته من أجل أن يكون سابق المسيح (لوقا 1: 5-25)، وكان ملاخي قد سبق وتنبأ عن يوحنا المعمدان (ملاخي 1:3). أمَّا عبارة " البَرِّيَّة " باليونانية ἔρημος (معناها منطقة غير مزدحمة) فتشير الى منطقة شبه صحراوية، قليلة السكان والتي تبعد نحو قرابة 32كم عن اورشليم وبيت لحم. ولم تكن برّيّة قاحلة، إنّما كانت تضم ست مدن مع قراها (يشوع 15: 61-62)، لكنها منطقة غير مزدحمة وغير مُحاطة بالحقول والكروم كبقيّة البلاد. وفي هذه البرية عاش يوحنا صباه "أَقامَ في البَراري إِلى يَومِ ظُهورِ أَمرِه لإِسرائيل" (لوقا 1: 80)؛ والبرية تحمل في الكتاب المقدس رنة عميقة. فهناك عاش الشعب العبراني بداية مسيرته مع الرب، والى هناك أراد الرب ان يُعيد شعبه (هوشع 2: 16)؛ وقد ترك يوحنا المعمدان الهيكل والكهنوت وذهب إلى البرية ليهيئ الطريق لربنا يسوع فاتخذ صورة إيليا الساكن في البراري والجبال وبنفس قوته. عُثر في عام 1947 على آثار ومخطوطات قمران فيها النص التالي " حينئذ نزل كثيرون الى البرية، ممن يبتغون العدل والحق، ليقيموا هناك". وفي الواقع، البرية، وهي مكان الإصغاء بامتياز. هي المكان الذي يصمت فيه الإنسان ليصغي إلى كلمة الله. وعندما يصمت الانسان يتكلم الله. فلا عجب أيضا أن بيلاطس هيرودس وقيافا أقوى قيادات فلسطين في ذاك الوقت اهتزوا أمام نبي قادم من البرية صار أعظم من أي حاكم آخر في زمانه وفي كل التاريخ لأنه أصغي إلى كلمة الله وعاشها وبشّر بها. وبين كل هؤلاء العظماء لم يوجد من استحق أن يكون سابقًا للمسيح سوى يوحنا. لا تقاس العظمة بما يملك الانسان بل بما يؤديه من عمل لله. ان العظماء حقا هم الذين يعمل الله بهم!

3 فَجاءَ إِلى ناحِيَةِ الأُردُنِّ كُلِّها، يُنادي بِمَعمودِيَّةِ تَوبَةٍ لِغُفرانِ الخَطايا،

تشير عبارة " فَجاءَ ناحِيَةِ الأُردُنِّ كُلِّها " الى مغادرة يوحنا المعمدان البرية لينادي في ناحية الأردن، وكان فيها عدد لا بأس فيه من السكان، نتيجة للأبنية التي شيَّدها هيرودس الكبير وهيرودس أرخلاوس. وتشكل هذه الناحية مكان نشاط يوحنا المعمدان، كما ان الجليل واليهودية يشكِّلان مكان نشاط يسوع. بدأ يوحنا حياته في البرية ولكنه كرز في نواحي الأردن. أمَّا عبارة " ناحِيَةِ " بالونانية περίχωρος, ( تعني منطقة مستديرة) فتشير الأماكن المحيطة بالأردن. أمَّا عبارة "يُنادي" في اللغة اليونانية κηρύσσω وفي العبرية יִּקְרְאּ فتشير الى المناداة باسم الملك كما هو الشأن مع يوسف في مصر "نَزَعَ فِرعَونُ خاتَمَه مِن يَدِه وجعَلَه في يَدِ يوسف، وأَلبَسَه ثِيابَ كَتَّانٍ ناعِم وجَعَلَ طَوقَ الذَّهَبِ في عُنُقِه، وأَركَبَه مَركَبَتَه الثَّانِيَة، ونادَوا أَمامَه: ((اِحذَرْ)). وهكذا أَقامَه على كُلِّ أَرضِ مِصْر"(تكوين 41: 42-43). ثم انتقل المعنى الى الحقل الديني أي المناداة العلنية باسم الله "أُنفُخوا في البوقِ في صِهْيون وآهتِفوا (نادوا) في جَبَلِ قُدْسي ولْيَرتَعِدْ جَميعُ سُكَانِ الأَرض فإِنَّ يَومَ الرَّبِّ آتٍ وهو قَريب "(يوئيل 2: 1). وتُستعمل هنا هذا الفعل " يُنادي " للدلالة على كرازة يوحنا المعمدان، ويطلقه لوقا الانجيلي على كرازة يسوع الأولية (لوقا 4: 18- 19) وعلى تبشيره العادي (لوقا 4: 44 و8: 1) وعلى كرازة الرسل (لوقا 9: 2 و12: 3) وعلى كرازة بولس الرسول (اعمال الرسل 9: 20) وسائر المرسلين (لوقا 8: 39)، وعلى وكرازة الكنيسة الأولى (اعمال الرسل 8: 5). ويجدر بالذكر ان فعلي "نادى" و "بشّر" هما شبه مترادفين؛ أمَّا عبارة ِ"مَعمودِيَّةِ تَوبَةٍ لِغُفرانِ الخَطايا" فتشير الى مضمون المناداة. وفي انجيل متى، يرد مضمون المناداة بإيجاز بعبارة " توبوا، قدِ اقتَربَ مَلكوتُ السَّموات " (متى 3: 2)، او يُشار اليه بعبارتي "بشارة الملكوت" (متى 4: 23) او "البشارة" (متى 26: 13). أمَّا عبارة " مَعمودِيَّةِ " فتشير الاغتسال الذي كان يُمارس في الدين اليهودي للأطِّهار من النجاسات الطقسية (مرقس 7: 4)؛ أمَّا معمودية يوحنا فأنها تختلف عنها حيث لا تُمنح إلا مرَّة واحدة، كاستعداد أخير الى الدينونة أي الى معمودية آخر الأزمنة (مرقس 1: 8). جاء يوحنا بمعموديَّته يهيئ الطريق لمعموديّة السيِّد المسيح. وهي تحتوي على شرط جوهري، أي التحول الباطني (متى 3: 2). وتهدف هذه المعمودية الى مغفرة الخطايا، التي كانوا ينتظرونها من ذلك الحين، من حيث انها هبة من ملكوت الله المُعلن عنه (اشعيا 1: 16). أمَّا عبارة " تَوبَةٍ " في الأصل اليوناني μετάνοια (تغيير في العقلية) فتشير الى تبديل في القلوب والنظر في الأمور. وهو موضوع رئيسي عالجه إرميا والانبياء في العهد القديم، ورد بلفظة عبرية שׁוּבָה أي تغيير الطريق والعودة دون شرط الى إله العهد. فالتوبة موقف نتحول به من الخطيئة الى البر، وتقتضي تغييراً في السلوك واتخاذ اتجاها جديدا في أسلوب الحياة كلها، وبالتالي فهي لا تكتفي بالانتماء الى نسل إبراهيم لنيل الخلاص، بل بتبديل عميق على مستوى السلوك، والانفتاح على ما يطلبه يوحنا المعمدان. وهي من وصايا يسوع الأخيرة لرسله "تُعلَنُ بِاسمِه التَّوبَةُ وغُفرانُ الخَطايا لِجَميعِ الأُمَم، اِبتِداءً مِن أُورَشَليم" (لوقا 24: 37). الله الذي يعمل وما علينا الا ان نتجاوب مع ندائه بعمل ظاهر. فعلامة التوبة هي قبول العماد من يد يوحنا المعمدان. أمَّا عبارة " غُفرانِ الخَطايا "فتشير الى ستر الخطيئة للمؤمن فرداً كان أو شعباً وعدم حساب الله لها (مزمور 32: 1) ومحو المعاصي والآثام وستر وجه الله عنها وعدم تذكرها (اشعيا 43: 25 وعبرانيين 8: 12). والغفران هي صفة من صفات الله المقدسة (مرقس 2: 5ـ 12). وعطية الله للمؤمن (أعمال الرسل 13: 38) بواسطة كفارة المسيح عن بني البشر (عبرانيين 9: 9ـ 28).

4 على ما كُتِبَ في سِفرِ أَقْوالِ النَّبِيِّ أَشعْيا: ((صَوتُ مُنادٍ في البرِّيَّة: أَعِدُّوا طَريقَ الرَّبّ واجعَلوا سُبُلَه قَويمَة

تشير عبارة " صَوتُ مُنادٍ في البرِّيَّة "الى كرازة يوحنا المعمدان المكلف برسالة من الله من اجل الشعب كله متممّا بذلك نبوءة اشعيا (اشعيا 40: 3). وهنا يقف يوحنا في خط الأنبياء الذين نادوا بالتوبة (هوشع 3: 4-5). أمَّا عبارة " أَعِدُّوا طَريقَ الرَّبّ واجعَلوا سُبُلَه قَويمَة" فتشير الى نبوءة اشعيا "صَوتُ مُنادٍ في البَرِّيَّة: أَعِدُّوا طَريقَ الرَّبّ وآجعَلوا سُبُلَ إِلهِنا في الصَّحْراءِ قَويمة" (أشعيا 40: 3). وقد استبدل لوقا الإنجيلي " سُبُلَ إِلهِنا " ب " سُبُلَه " مطبقاً هذه النبوءة على مجيء المسيح نفسه. الرب باليونانية κύριος هو الله في العهد القديم، وهنا الرب يدل على يسوع المسيح الذي يُهيئ يوحنا له الطريق. كانت تُهيَّا الطريق لوصول الملك؛ وأما التهيئة لوصول المسيح فهي تهيئة خلقية روحية بواسطة خدمة يوحنا المعمدان التي شدَّدت على التوبة وغفران الخطايا والحاجة الى المُخلص. إن كان السيِّد المسيح هو "كلمة الله"، فإن يوحنا مجرَّد الصوت الذي يعد الطريق للكلمة. أمَّا عبارة "أَعِدُّوا طَريقَ الرَّبّ" فتشير الى صورة مألوفة في ذاك الزمان، وهي قبل ان يقوم الملك بأي رحلة، يُرسل رسلا يُخبرون بزيارته حتى يتم إعداد الطريق أمامه. وبالمثل كان يوحنا يقول لسامعيه ان يّعدُّوا حياتهم لمجيء الرب إليهم. هل هناك أي عبارة أفضل من هذه، يمكنها وصف تحضيرنا لملاقاة مسيح الرب مخلصا في عيد الميلاد وملكا ديانا في نهاية الازمنة؟ اما عبارة "طَريقَ الرَّبّ " فتشير الى شريعة مشيئة الله. يُطبّقها المسيح الربّ على نفسه بقوله " أَنا الطَّريقُ " (يوحنّا 14، 6)، إذ بواسطته، تتوفّر لنا، إمكانيّة الوصول إلى الآب؛ وكما أن السيّد المسيح مقبول لدى الآب، فهكذا نحن أيضاً، مقبولون لدى الربّ أبينا. ولا عجب أن يتبنّى المسيحيّون الأوّلون الّذين ساروا على خطى المسيح لقب الطريق (أعمال 9: 2). لقد كان طريقهم خدمة الربّ. أمَّا عبارة " اجعَلوا سُبُلَه قَويمَة " فتشير الى طلب يوحنا من المؤمنين السبل مستقيمة، لا التواء او اعوجاج. إنّ الطريق الّتي يقترحها يوحنّا المعمدان هي طريق التوبة. ويعلق القديس أمبروسيوس" ظهر الصوت يهيئ الطريق للكلمة. هل سنعيش زمن المجيء بكل ابعاده، نُعد طريق الرب ونجعل سبله قويمة؟ ان زمن المجيء يحتم علينا ايضا ان نكون ساهرين متيقظين، وحذرين مستعدين، ومستشعرين عودة ربنا يسوع مسارعين الى التوبة وعمل البر، وعيش حياة المصالحة ومحبة القريب.

5 كُلُّ وادٍ يُردَم وكُلُّ جَبَلٍ وتَلٍّ يُخفَض والطُّرُقُ الـمُنعَرِجَةُ تُقَوَّم والوَعْرَةُ تُسَهَّل

تشير عبارة "كُلُّ وادٍ يُردَم وكُلُّ جَبَلٍ وتَلٍّ يُخفَض" الى اذلال عظماء هذه الدنيا وذلك بناء على نبوءة اشعيا "عُيونُ البَشَرِ المُتَشامِخَةُ تُخفَض وتَرَفُّعُ الإِنْسانِ يوضَع " (اشعيا 2: 11). أمَّا عبارة "كُلُّ جَبَلٍ وتَلٍّ يُخفَض" فتشير الى كل عظمة بشرية تنحني أمام المسيح الآتي كما يترنم صاحب المزامير " أَيَّتُها الجبالُ الشَّامِخات لِماذا تَحسُدينَ الجَبَلَ الَّذي اْبتَغاه اللهُ لِسُكْناه؟ فالرَّب يَسَكُنُه على الدَّوام" (مزمور 68: 17).

6 وكُلُّ بَشَرٍ يَرى خَلاصَ الله

تشير عبارة " وكُلُّ بَشَرٍ يَرى خَلاصَ الله" الى اقتباس من نبوءة اشعيا " يَتَجَلَّى مَجدُ الرَبِّ ويُعايِنُه كُلُّ بَشَر لِأَنَّ فَمَ الرَّبِّ قد تَكَلَّم" (أشعيا 40: 5)، ورأى الربيون أن أية إشعياء هذه تتكلم عن عودة الشعب من السبي أما الإنجيليين فرأوها واضحة أنها عن خلاص المسيح المعلن. ويُبيِّن لوقا الإنجيلي من خلال هذه ال آية ان الخلاص الذي يأتي به يسوع يخص جميع الناس، اليهود والوثنيين معا كما جاء في نشيد سمعان الشيخ " فقَد رَأَت عَينايَ خلاصَكَ الَّذي أَعدَدَته في سبيلِ الشُّعوبِ كُلِّها (لوقا 2: 30- 31). فالخلاص يصل الى البشرية كلها كما أكد ذلك بولس الرسول الى اهل رومة " إنَّ خَلاصَ اللهِ هذا أَرسِلَ إِلى الوَثَنِيِّين وَهُم سيَستَمِعونَ إِلَيه " (اعمال الرسل 28: 28). اما عبارة " يَرى " فتشير الى رؤية ما وراء التاريخ وهي رؤية الخلاص وما تستطيع أعين الجميع أن تراه، إذ يرى الانسان ما يجري وما يقوم به يسوع المسيح من خلاص مما يُغيِّر تاريخ البشرية حيث يرى الانسان الله ويعرفه ويختبر خلاصه. أمَّا عبارة "بَشَر" فتشير في الأصل اليوناني σὰρξ (تعني جسد) فتشير الى كل إنسان ويعلق القديس اوغسطينوس "اعتاد الكتاب المقدَّس أن يصف الطبيعة البشريّة بقوله "كل جسد" ولا يعني جسدًا بدون نفس ولا عقل، بل "كل جسد" تعني "كل إنسان". اما عبارة " كُلُّ بَشَرٍ " فتشير الى جميع شعوب العالم بأسره، فلا يراد بها شعب بني إسرائيل فحسب، بل جميع الناس في أقاصي الأرض قاطبة. لأن رحمة المخلِّص غير محدودة، فلم تخلِّص أُمَّة دون أخرى بل اِفتدى المسيح جميع الأمم. ويعلِّق القديس كيرلس الكبير، قائلًا: "كل إنسان أبصر خلاص الله الآب، لأنه أرسل ابنه فاديًا ومخلِّصًا، ولم يقتصر الأمر على قومٍ دون آخرين". أمَّا عبارة " خَلاصَ الله" فتشير في العهد القديم الى النجاة من الشر او الخطر (خروج 14: 13 ومزور 106: 8 - 10). أمَّا في العهد الجديد فتدل عبارة " خَلاصَ الله" على انقاذ الخطأة بالإيمان بيسوع المسيح (2 قورنتس6: 2)، ويشمل الخلاص غفران الخطيئة وقيودها ونتائجها وتطهير النفس وفرح ازلي كما أعلن ملاك الرب ليوسف "ستَلِدُ ابناً فسَمِّهِ يسوع، لأَنَّه هوَ الَّذي يُخَلِّصُ شَعبَه مِن خَطاياهم " (متى 1: 21)، ويؤكد ذلك بولس الرسول بقوله" ولَمَّا بُلِغَ بِه إِلى الكَمال، صارَ لِجَميعِ الَّذينَ يُطيعوَنه سَبَبَ خَلاصٍ أَبَدِيّ" (العبرانيين 5: 9)

ثانياً: تطبيقات النص الإنجيلي (لوقا 3: 1-6)

بعد دراسة وقائع النص الإنجيلي (لوقا 3: 1-6) نستنتج ان النص يتمحور حول اعداد يوحنا المعمدان طريق الرب يسوع من خلال بشارة معمودية تَوبَةٍ لِغُفرانِ الخَطايا وخلاص لجميع الناس.

1) بشارة تَوبَةٍ لِغُفرانِ الخَطايا

جاءَ يوحنا إِلى ناحِيَةِ الأُردُنِّ كُلِّها، يُنادي بِمَعمودِيَّةِ تَوبَةٍ لِغُفرانِ الخَطايا (لوقا 3: 3). وبناء على دعوة الله له اخذ يدعو الناس الى التوبة (متى 3: 2) في منطقة الأردن مستخدما المعمودية علامة التوبة. وكان هدف بشارته هو إعداد الشعب لقبول يسوع المخلص. لذلك طلب يوحنا من الشعب ان يعترفوا بحاجتهم الى الغفران. لذلك يجب ان يتوبوا عن الخطايا لكي يكونوا متأهبين لقبول المسيح. ومن هنا نتناول مفهوم التوبة ومسيرتها.

ا) ما هو مفهوم التوبة؟

إن الله يدعو البشر ليدخلوا في شركة معه. إلا أن الأمر يتعلق ببشر خطأة، خطأة بالولادة (مزمور 51: 7)؛ فبمعصية آدم، أبيهم الأول، دخلت الخطيئة العالم (رومة 5: 12)، ومنذ ذاك وهي تسكن فيهم داخل عمق أعماق الـ "أنا" (رومة 7: 20).
ونحن جميعا أيضا خطأة بذنب شخصي، لأن كل واحد منَّا "بِيعَ لِيَكونَ لِلخَطيئَة" (رومة 7: 14)، قد قبل برضاه نير الشهوات الخاطئة (رومة 7: 5). ومن ثم فإن تلبية نداء الله سيتطلب منا، بادئ ذي بدء، اهتداء على امتداد الحياة، استعدادا للتوبة. فمن أجل ذلك يحتل الاهتداء والتوبة مكاناً بارزاً في وحي الكتاب.
وفي الكتاب المقدس تنوّه بعض الصيغ بموقف الإنسان الذي يُعدّ ذاته طواعية الى التوبة عن طريق السير مع الله: عن طريق "البحث عن الرب" (عاموس 5: 4، هوشع 10: 12)، عن "البحث عن وجهه" (هوشع 5: 15)، عن "الاتضاع أمامه" (1 ملوك 21: 29)، عن "توطيد القلب فيه" (1 صموئيل 7: 3).
أمَّا المفردات الأكثر استعمالاً للتعبير عن التوبة في العهد القديم فهي فعل " שׁוּבָה "، الذي يُعبِّر عن فكرة تغيير الطريق، والعودة، والتراجع كما هي الحال في اللغة الآرامية טובו أي "ارجعوا". وهذا الفعل يعني، في الإطار الديني، أننا نحيد عما هو شرير ونتجه نحو الله ونعود دون شرط الى إله العهد. فهذا تعريف جوهر الاهتداء، الذي يقتضي تغييراً في السلوك، واتجاهاً جديداً في أسلوب التصرف بالحياة كله. وفي حقبة متأخرة، أخذ التمييز يتضح وضوحاً متزايداً بين وجه التوبة الباطني، وبين الأفعال الخارجية التي تفرضها.
وفي العهد الجديد استخدم للتعبير عن التوبة اللفظة اليونانية μετάνοια (معناها تغيير في العقلية أي الندامة). التوبة تعني تبديل في القلوب والنظر في الأمور. وتستهدف الرجوع الذاتي في الباطن وتحوّل من الخطيئة الى البر؛ وهي تقتضي بالتالي تغييراً في السلوك واتخاذ اتجاها جديدا في أسلوب التصرف بالحياة كله. الله الذي يعمل وما علينا الا ان نتجاوب مع ندائه بعمل ظاهر. ينبغي أن نقيم اعتباراً لهذين الوجهين الخارجي والباطني المتميزين، مع كونهما متكاملين أوثق تكامل.
وركّزت كرازة يوحنا المعمدان على موضوع الدعوة الى التوبة " يُنادي بِمَعمودِيَّةِ تَوبَةٍ لِغُفرانِ الخَطايا" (لوقا 3: 3). كانت الدعوة متَّجهة إلى التوبة العمليّة والسلوك: تقويم الطُّرُقُ الـمُنعَرِجَةُ وتسهيل والوَعْرَةُ" (لوقا 3: 5)، دعوة لترك كل طريق معْوج أو مُلتو، فإنه لن يبصر أحد الخلاص وهو قابع في شرِّه واعوجاج حياته. ومعنى هذا ان نحوّل وجوهنا الى الجهة المقابلة، ان نتحوّل 180 درجة من جهة التركيز على الذات، الذي يؤدي الى تصرفات خاطئة مثل الكذب، والخداع، والسرقة، والنميمة، والانتقام، والفساد، وخطاي الجنس، الى إتباع طريق الله ووصاياه. والتوبة تعني إذن التطهّر من الخطيئة، وتقويم اعوجاج القلب والعقل، وردم وِديان النزوات المنحرفة، وهدم الادعاءات والكبرياء، ومقاومة الأنانيّة الّتي تُدمّر وتُفسد علاقاتنا مع القريب والتغلَب عليها. ومن هذا المنطلق فأن التوبة تُعد الناس لعطيَّة الملكوت (اشعيا 1: 16، حزقيال 36: 35). وقد استخدم يوحنا المعمودية كعلامة التوبة ومغفرة الخطايا من المسيح الآتي. وكان اليهود قد استخدموا المعمودية علامة لقبول كل من يعتنق اليهودية.
بادر يسوع وأرسل خلال حياته الأرضية الرسل ليكرزوا بالتوبة ويبشروا بإنجيل الملكوت (مرقس 6: 12). ثم بعد قيامته جدَّد لهم هذا التكليف بالرسالة. ولذا فإنهم سينطلقون للدعوة باسمه بين جميع الأم، إلى التوبة لغفران الخطايا "تُعلَنُ بِاسمِه التَّوبَةُ وغُفرانُ الخَطايا لِجَميعِ الأُمَم، اِبتِداءً مِن أُورَشَليم"(لوقا 24: 47)، لأن الخطايا ستغفر لكل من يغفر كهنة الرب لهم كما أوصى يسوع "مَن غَفَرتُم لَهم خَطاياهم تُغفَرُ لَهم، ومَن أَمسَكتُم عليهمِ الغُفْران يُمسَكُ علَيهم " (يوحنا 20: 23).
والتوبة تتطلب الاهتداء أخلاقياً أولا، وقد كان يسوع قد سبق فدعاهم إليه. ويردّ الله على هذه التوبة بمنح غفران الخطايا أعمال 2: 38، 3: 19، 5: 31) وبقبول العماد وهبة الروح القدس (أعمال 2: 38). ومع ذلك فإنه فضلاً عن التحوّل الأدبي، ينبغي أن يتضمن الاهتداء ثانيا فعل إيمان إيجابي بالمسيح، نفوس وحارسها" (1 بطرس 2: 25)، ويقول اكليمنضوس "ان كل الابواب مفتوحة لمن يتوب توبة قلبية صادقة، وان الاب يقبل بفرح الابن الذي يتوب حقا" (39: 2؛ 42).

ب) ما هي مسيرة التوبة؟

للتوبة جانبان: البعد عن الخطيئة والاقتراب من الله. لذلك تتطلب التوبة أعمال داخلية مع اعمال خارجية لها كما جاء في نبوءة "مَزِّقوا قُلوَبَكم لا ثِيابَكم وآرجِعوا إِلى الرَّبِّ إِلهكم" (يوئيل 2: 12-13). ولننال المغفرة يجب ان ننفذ كلا الامرين، تتطلب التوبة جهدا في تجديد الحياة وهذا الجهد يقوم على مسيرة على الصعيد الماضي والحاضر والمستقبل

على الصعيد الماضي:
تقوم التوبة على الصعيد الماضي على فحص الضمير الندامة. الله لا يغفر خطايانا قبل ان نأتي اليه. ويقوم فحص الضمير بالعودة الى الذات وبحث الانسان عن خطاياه الشخصية التي يكون قد ارتكبها سواء أكان بالفكر او القول او بالفعل او بالإهمال ضد وصايا الله ووصايا الكنيسة ووجباته الشخصية وذلك بعد اعترافه الجيد الأخير.
وتقوم الندامة على ملاقاة الانسان من أخطأ اليه، والذي هو الله والقريب والذات والتأسف على ما ارتكب من الخطايا. لولا الندامة لما حصلت المرأة الخاطئة على المغفرة من يسوع (لوقا 7: 27) ولا ابن الشاطر (لوقا 15: 12) ولا العشار (لوقا 18: 10). ولكي تكون الندامة مقبولة لدى الرب يجب ان تكون باطنية أي ان تكون صادرة من قلب مستحق متواضع كما يقول الرب "إِرجعوا إِلَيَّ بكُلِّ قُلوبِكم" (يوئيل 2: 12). ويردّ الله على هذه الندامة بمنح غفران الخطايا (أعمال 2: 38، 3: 19، 5: 31)
ان فضيلة التوبة التي يحض عليها العهد القديم والجديد (حزقيال 18: 30 11) والعهد الجديد (متى 3: 2)، كانت في كل وقت شرطا اساسيا لمغفرة الخطايا (لوقا 24: 47). إن الخطايا سيتم غفرانها تماماً على صورة "وادٍ يُردَم وجَبَلٍ وتَلٍّ يُخفَض وطريق ـمُنعَرِجَةُ تُقَوَّم والوَعْرَةُ تُسَهَّل" (لوقا 6: 6).

على الصعيد الحاضر:
تقوم التوبة على الصعيد الحاضر على الاعتراف بالخطايا والحلة والتعويض. يوقم التائب باعتراف عن خطاياه ضد الله والقريب والذات لكاهن مفوَّض من قبل الكنيسة التي تقلدها السيد المسيح سلطته الروحية. وفي هذا الصدد يقول مجمع ترانت ان الكاهن صاحب السلطة لمغفرة الخطايا لا يمكنه ممارستها كما يقتضي الا إذا كان له ان يعرف خطايا التائب واستعداده. وهذا ما لا يستطيعه الاّ باعتراف الخاطئ نفسه، كما ولا يستطيع فرض العقوبة (التعويض) المناسبة بدونه (D. 899). ويعلق العلامة أوريجانوس " ينبغي ان لا يخجل التائب من الاعتراف بخطاياه بين يدي كاهن الرب طالبا الدواء (في تفسيره لسفر الاحبار العظة 2: 4). ويقول البابا بندكتس الحادي عشر "ان عادة الاعتراف هو فعل تواضع وبالتالي فعل تكفير" (D. 470).
وبعد الاعتراف تأني الحلة، وهي الحكم الذي به يعلن الكاهن باسم المسيح وسلطته مغفرة خطايا التائب. وهذه المغفرة هي الدافع الأساسي لمسيرة التوبة لكي يعود المرء ابنا حراً وشريكاً في حياة الله الآب. والحل من الخطايا ليس يقوم به الكاهن فقط بإعلان غفران الخطايا بل حلها بالفعل. وكما يسوع المسيح غفر خطايا المقعد في كفرناحوم (لوقا 5: 20 شفاء المقعد) وغفر خطايا المرأة الخاطئة (لوقا 7: 47)، كذلك قلد ايضا رسله سلطان مغفرة الخطايا. عندما ظهر يسوع لرسله مساء قيامته، فقالَ لَهم ((السَّلامُ علَيكم! كما أَرسَلَني الآب أُرسِلُكم أَنا أَيضاً. قالَ هذا ونَفَخَ فيهم وقالَ لَهم: ((خُذوا الرُّوحَ القُدُس. 23 مَن غَفَرتُم لَهم خَطاياهم تُغفَرُ لَهم، ومَن أَمسَكتُم عليهمِ الغُفْران يُمسَكُ علَيهم "(يوحنا 19: 19- 23). بهذا الكلام وكَّل إلى رسله الرسالة التي اخذها من ابيه وبشَّرها على الارض. وهذه الرسالة تقوم بطلب وخلاص ما قد هلك، "لِأَنَّ ابْنَ الإِنسانِ جاءَ لِيَبحَثَ عن الهالِكِ فيُخَلِّصَه (لوقا 19: 10). ويعلق القديس أمبروسيوس: "ليس عند الله محاباة، فلقد وعد برحمته جميع البشر، وقلد رسله سلطان المغفرة، دون أي استثناء" (في التوبة 1/3: 10).
وبعد الحلة لا بد من التكفير او التعويض عن الخطايا، وهو ما يفرضه الكاهن على الخاطئ تعويضا عن خطاياه. والتعويض في سر الاعتراف يقوم على اعمال التوبة المفروضة على التائب تكفيرا عما يتأتى عن الخطيئة من عقوبات زمنية ما زالت باقية حتى بعد ان غفرت الخطيئة ورفع العقاب الابدي. يجب على الخاطئ، بعد مغفرة خطيئته، ان يكفر ايضا عنها، كماورد مع آدم وحواء أبوينا الاولين (التكوين 3: 16) ومريم اخت موسى (العدد 12: 14-15)؛ وداود (2 صموئيل 12: 13-14). وقد طلب المسيح من تلاميذه ان يحملوا الصليب معه (متى 16: 24؛ 10: 38) أي ان يقوموا بأعمال التوبة.

على الصعيد المستقبل:
تقوم التوبة على الصعيد المتقبل على القصد. والقصد هو عزم الإرادة الصادق على عدم الرجوع الى الخطيئة وأسبابها، وذلك بالتخلي عن مغريات العالم والتجارب الخاطئة التي تؤدي الى الموت الابدي، والابتعاد عن كل ما يعوقه عن سماع كلام الله والعمل به. فلا يمكن أقول إننا نؤمن بالله ونادمين على خطايانا ثم بعد ذلك نحيا كما نشاء (لوقا 3: 7-8)، بل ينبغي ان نثبت بالإيمان بيسوع المسيح ولا ندع مغريات الحياة وصعوباتها تُبعدنا عنه مرة ثانية.
وإذ نحن ندنو من نهاية عام ونستعد لعيد الميلاد والسنة الجديدة، لننظر إلى الوراء، كي نرى كيف عشنا طرق الحياة هذه. ينبغي أن نقّر لأنفسنا إذا كنّا قد سلكنا الطريق المستقيمة الضيّقة الّتي تقود إلى الخلاص. فإذا كان الجواب لا، فهذا هو الوقت المناسب لتغيير اتّجاه مسارنا وتغيير اتجاهاتنا فنندم ونعترف بخطايانا فنحصل على الغفران وننال الخلاص.

2) ما معنى بشارة خلاص لجميع الناس

جاءَ يوحنا إِلى ناحِيَةِ الأُردُنِّ كُلِّها يُنادي " بِمَعمودِيَّةِ تَوبَةٍ لِغُفرانِ الخَطايا" فحسب، إنما نادى أيضا بان " كُلُّ بَشَرٍ يَرى خَلاصَ الله" (لوقا 3: 6). وهكذا قد دعا يوحنا المعمدان كل البشر للاستعداد للقاء الرب يسوع. وبناء على دعوة الله اخذ يدعو الناس الى برنامج حياة (لوقا 3: 7- 12؛ 5: 1). فمن هنا نسأل ما معنى بشارة الخلاص؟
الخلاص فكرة مشتركة بين كل الديانات. وخلاص البشر له دور رئيسي في الكتاب المقدس. ففي أسفار العهد الجديد وردت اللفظة اليونانية σώζω " الرب يخلص" (متى 1: 21). ، " σωτηρ المخلّص" ( لوقا 2: 11) 110 مرة لتشير إلى فكرة الخلاص .
وفي أسفار العهد القديم وردت اللفظة العبرية: ישע "يشع" (وَسِع بالعربية) (اشعيا 62: 11)، وישועה و"هوشعنا" הֹושִׁ֘יעָ֥ה تعني "امنح الخلاص!" (مزمور 118: 25)، ومنها اشتقت أسماء العلم مثل يسوع، ويشوع، إشعيا، ألشياع، هوشع، وترجع هذه المصادر إلى نفس الاختبار الأساسي: أن يخلص المرء يعني أن يُنشل من خطر كاد يهلك فيه. وبحسب طبيعة الخطر تتم عملية الإنقاذ أو الحماية، أو الفداء، أو الشفاء، للتطهير (حزقيال 36: 29) او للتحرير (إرميا 31: 7، غلاطية 5: 1) أو للسعادة (اٍشعيا 52: 7) وذلك بفضل علاقتها بملكوت الله.
وكشف لنا الكتاب المقدس أن الخلاص هبة من الله، ويأتي من الرب (مزمور 37 :39) هو إله خلاص" أَنقِذْني مِنَ الدِّماءِ يا أللهُ إلهُ خَلاصي" (مزمور 51: 16). ووصف لنا أيضا مداخلات الله في سبيل خلاص شعبه منذ الخلق مرورا بإبراهيم حتى مجيء المسيح قمة تاريخ الخلاص. إنّ الله " يُريدُ أَن يَخْلُصَ جَميعُ النَّاسِ ويَبلُغوا إِلى مَعرِفَةِ الحَقّ" (1 طيموتاوس 2: 4) " إِنَّ اللهَ، بَعدَما كَلَّمَ الآباءَ قَديمًا بِالأَنبِياءَ مَرَّاتٍ كَثيرةً بِوُجوهٍ كَثيرة" (عبرانيين 1:1)، عندما بلغ ملء الزّمان، أرسل ابنه، الكلمة المتجسد، الذي مسحه الروح القدس، ليبشّر المساكين، ويشفي منكسري القلوب (أشعيا 61: 1، لوقا 4: 18).
والإنجيل يقدّم الخلاص لكل مؤمن (رومه 1: 16). لان الله يُريدُ أَن يَخْلُصَ جَميعُ النَّاسِ ويَبلُغوا إِلى مَعرِفَةِ الحَقّ " (1 طيموتاوس 2: 4). وقد بشَّر يوحنا المعمدان " كُلُّ بَشَرٍ يَرى خَلاصَ الله" (لوقا 3: 6) بغض النظر عن انتماءاتهم الوثنية واليهودية: " القَيصَرِ طيباريوس وبُنطِيوس بيلاطُس حاكِمَ اليَهوديّة، وهيرودُس أَميرَ الرُّبعِ على الـجَليل، وفيلِبُّس أَخوهُ أَميرَ الرُّبعِ، وليسانياس أَميرَ الرُّبعِ وحَنَّانُ وقَيافا عَظيمَي الكَهَنَة (لوقا 3: 1-2). والجدير بالذكر ان عدد الوارد أسماؤهم هم سبعة، وهي علامة الملء والاكتمال وإشارة إلى أن الخلاص هو من نصيب الجميع.

لأجل هذا أرسل ابنه كمخلص للعالم (1 يوحنا 4: 14) وكمخلص يريد أن يقود كل الناس إلى الخلاص (1 طيموتاوس 4: 2)، إنه جاء ليخلص الخطأة (1 طيموتاوس 1: 15)، وبموته وقيامته، صار لنا " سَبَبَ خَلاصٍ أَبَدِيّ" (عبرانيين 5) ، لان" حياة يسوع وعمله الفدائي يهدف بطبيعته إلى خلاص البشر (القديس أوغسطينوس، رسائل 187، 11، 34) : جاء على الأرض ليبحث عن الهالك فيخلصه (لوقا 9: 56)، ليخلص العالم، لا ليحكم عليه "فإِنَّ اللهَ لَم يُرسِلِ ابنَه إِلى العالَم لِيَدينَ العالَم بل لِيُخَلَّصَ بِه العالَم" (يوحنا 3: 17، ) أنه " كَلِمَةُ الخَلاص " (أعمال 13: 26).
ومن هذا المنطلق بدأ خلاص الله للإنسان منذ الخلق ويستمر في مجرى التاريخ إلى الأزمنة الأخيرة. فالخلق هو"بدء تاريخ الخلاص الذي بلغ ذروته في المسيح" (التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية، 280). والكنيسة تعلم أن" كل حياة المسيح سر خلاص. "والمسيح وحده هو السر" (القديس اوغسطينوس، رسائل 187، 11، 34) . أي العلامة المنظور Sacramentum) (لحقيقة الخلاص الخفية Mysterium) ). وبهذا المعنى ايضا" الكنيسة في هذا العالم سر الخلاص، والعلامة والأداة لشركة الله والبشر "التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية،680).
اسم "يسوع" يعني " الله يخلص" ويعبّر عن هويته ورسالته معا. فبيسوع يلخص الله كل تاريخه الخلاصي في سبيل البشر (التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية، 430). فكل ما عمله يسوع، وما قاله، وما تألمه، كان هدفه إعادة الإنسان الخاطئ إلى دعوته الأولى: " عندما تجسد وصار إنسانا، لخّص في ذاته تاريخ البشر الطويل، وحصل لنا الخلاص، بحيث أن ما فقدناه بآدم، (كوننا على صورة الله ومثاله)، نستعيده في المسيح يسوع" التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية، 518. وقد وجّه خلاصه أولا إلى اليهود (أعمال 13: 26)، وبعد ذلك إلى الأمم الأخرى (أعمال 13: 47)، وشرط الخلاص هو الإيمان بالرب يسوع والدعاء باسمه (أعمال 16: 30- 31).
فعمل خلاص البشر هذا ومجد الله الأعظم الذي مهّدت له الأعمال الإلهية في شعب العهد القديم، أتمّه المسيح الرب ولا سيما في سر ميلاده وفصح آلامه السعيدة وقيامته من بين الأموات وصعوده المجيد، سر فصحي به "حطّم الموت بموته، وجدّد الحياة بقيامته" (دستور عقائدي في الليتورجيا المقدسة، 5).

الخلاصة

نظرًا لأهميّة الدور الذي يقوم به القدِّيس يوحنا المعمدان، يحدّثنا الإنجيلي لوقا عن تاريخ ظهوره كحقيقة واقعة تمت في زمن حُكْمِ القَيصَرِ طيباريوس، وبُنطِيوس بيلاطُس حاكِمَ اليَهوديّة، وهيرودُس، وفيلِبُّس أَخوهُ وليسانياس وفي عهد وحَنَّانُ وقَيافا عَظيمَي الكَهَنَة.

فلما صارت إليه كلمة الله ودعاه ليبدأ العمل. جاء إلى المنطقة القريبة من الأردن، وبدأ ينادى ببشرى الخلاص لكل الناس. اليهود والأمم، الكبار والصغار، الرجال والنساء، لكي تمتلئ بالأمل والرجاء كل نفس يائسة مثل الوادي المنخفض، وتتضع كل نفس متكبرة وعالية مثل الجبل، ولتكن أهداف الناس مستقيمة في طلب الرب، وضمائرهم خالية من كل مكر وشر. فهيَّا قلوب البشر بالتوبة لقبول الخلاص على يد يسوع المسيح. إن دعوة يوحنا دعوة توبة وخلاص. إن وعظ يوحنا المعمدان وكلامه يرتكز على فعل "توبوا" والتي تعني باليوناني " تغيير الوجهة إلى الاتجاه المعاكس، تغيير الطريق، ترك طريق الموت والخطيئة والظلمة للعودة إلى طريق الحياة والنعمة والنور والخلاص. ولا تزال دعوة يوحنا قائمة في كل نفس، فإن أعماقنا لن تبصر خلاص الله ما لم نسمع صوت يوحنا في داخلنا يملأ قلوبنا المنسحقة بالرجاء، ويحطِّم كل عجرفة وكبرياء، ويحول مشاعرنا الداخليّة عن المعوجَّات ويجعل ودياننا العميقة سهلة.

دعاء

أيها الآب السماوي نبتهل إليك، باسم ابنك يسوع المسيح، أن تُقوّم قلبنا؛ وعلّمنا كيف نُعدّ الطريق لابنك الوحيد حتى نستعد لاستقباله بقلوب نقيّة طاهرة فننطلق لحياة جديدة وننال الخلاص الابدي. آمين.

علق عن طريق الفيس بوك علق عن طريق الموقع

التعليقات

أرسل تعليقا

لن يظهر للقراء