الصيد العجائبي وكنيسة قربانية ومرسلة

  • strict warning: Declaration of views_handler_field::query() should be compatible with views_handler::query($group_by = false) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/handlers/views_handler_field.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of content_handler_field::element_type() should be compatible with views_handler_field::element_type($none_supported = false, $default_empty = false, $inline = false) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/cck/includes/views/handlers/content_handler_field.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_handler_sort::options_validate() should be compatible with views_handler::options_validate($form, &$form_state) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/handlers/views_handler_sort.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_handler_sort::options_submit() should be compatible with views_handler::options_submit($form, &$form_state) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/handlers/views_handler_sort.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_handler_sort::query() should be compatible with views_handler::query($group_by = false) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/handlers/views_handler_sort.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_handler_filter::options_validate() should be compatible with views_handler::options_validate($form, &$form_state) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/handlers/views_handler_filter.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_handler_filter::query() should be compatible with views_handler::query($group_by = false) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/handlers/views_handler_filter.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_plugin_query::options_submit() should be compatible with views_plugin::options_submit($form, &$form_state) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/plugins/views_plugin_query.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_plugin_style_default::options() should be compatible with views_object::options() in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/plugins/views_plugin_style_default.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_plugin_row::options_validate() should be compatible with views_plugin::options_validate(&$form, &$form_state) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/plugins/views_plugin_row.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_handler_field_user::init() should be compatible with views_handler_field::init(&$view, $options) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/modules/user/views_handler_field_user.inc on line 0.

الصيد العجائبي وكنيسة قربانية ومرسلة

الأب د. لويس حزبون
2019/05/11

يصف يوحنا الإنجيلي تَرائي يسوعُ لِتَلاميذِه بعدَ قِيامَتِه مِن بَينِ الأَموات للمَرَّةُ الثَّالِثَةُ في انجيله حيث يتمَّ الصيد العجائبي بهدف تقوية إيمانهم، ويشدد عزيمتهم في دعوتهم كصيادي بشر للقيام برسالة كنسية قربانية ومرسلة. ومن هنا تكمن أهمية البحث في وقائع النص الإنجيلي.

اولا: وقائع النص الانجيلي (يوحنا 21: 1-14)

1 وتَراءَى يسوعُ بَعدَئِذٍ لِلتَّلاميذِ مَرَّةً أُخْرى. وكانَ ذلكَ على شاطئِ بُحَيرَةِ طَبَرِيَّة. وتراءى لَهم على هذا النَّحْو

تشير عبارة "تَراءَى" في اليونانية ἐφανέρωσεν (معناها أظهر ذاته) الى ظهور وإعلان يسوع عن نفسه لتلاميذه وإظهار مجده خلافـًا للظهورَين الأوّلين حيث يقول إنّ يسوع "جاء " ἦλθεν (يوحنا 20: 19، 26). ويذكّرنا فعل أظهر خاصّة في قانا الجليل، حيث أظهر مجده (يوحنا 2: 11)، وفي صلاته الكهنوتيّة إلى الآب عندما قال: "أَظهَرتُ اسمَكَ لِلنَّاسِ الَّذينَ وَهَبتَهُم لي مِن بَينِ العالَم" (يوحنا 17: 6). وها هو الآن يُظهر ذاته للتلاميذ، بعد القيامة. وأن هذا الظهور هو إعلان عن نفسه لتلاميذه ليتأكدوا من قيامته. ويعلق القديس يوحنا الذهبي الفم " ماذا يعنى تَراءَى "؟ أن المسيح لم يكن يُرى إلا عندما يتنازل، لأن جسده غير فاسد، وفي نقاوة (جسد روحاني) بلا اختلاط ". ويعتبر هذا الفضل من الانجيل أطول عرض لظهور السيد المسيح في الجليل بعد قيامته. أمَّا عبارة " بَعدَئِذٍ ٍ " في الأصل اليوناني Μετὰ ταῦτα (معناها بعد هذه الامور) فتشير الى تعبير مستعمل كثيرًا في الإنجيل، ليربط، من جهّة، الحدث الذي ينوي روايته بما سبق، وليبُيّن، من جهّة أخرى، مرحلة جديدة في كتابته. فما يُروى الآن مرتبط بظهور الربّ بعد القيامة لتلاميذه ولتوما (يوحنا 20: 19-31). أمَّا عبارة " اِلتَّلاميذِ " فقد وردت سبع مرات (يوحنا 21: 1 ،2، 4، 7،8، 12، 14) في هذا النص الإنجيلي، دلالة على كمال مجموعتهم، أي الكنيسة بكاملها وأهمية دورهم في المشاركة في رسالة الكنيسة. أمَّا عبارة " مَرَّةً أُخْرى "فتشير الى ما بعد المرّات السَّابقة. وتؤكّد الآية (20: 14) هذا الأمر، إذ تقول لنا، إنّ هذه الرّواية تخبر عن الظهور الثالث للتلاميذ، بعد أن قام يسوع من بين الأموات ليدخلهم من جديد، رغم خيانتهم وشكّهم ونكرانهم، الى حالة الصداقة معه والى المصالحة مع الله الآب. أمَّا عبارة" بُحَيرَةِ طَبَرِيَّة" فتشير إلى بحر الجليل، مكان اللّقاء الأوّل والدعوة الأولى حيث عاد يسوع الى تلاميذه الذين دعاهم منذ ثلاث سنين؛ وكان بحر الجليل يدعى في أيام السيد المسيح بُحَيرَةِ طَبَرِيَّة" وذلك نسبة الى مدينة طبرية التي تأسست سنة 20م على ساحلها الغربي على اسم الإمبراطور الروماني طيباريوس (يوحنا 9: 1)، وقد استخدم الإنجيلي يوحنا هذا الاسم الشائع وقت تدوينه للإنجيل. وكانت تسمى قديماً بأسماء متنوعة، مثل "بحر كناره" (عدد 34: 11) و"كنورت"(يشوع 12: 3) نسبة إلى مدينة كيناريت التي كانت على ساحلها في الزمن القديم ((يشوع 19: 35)، وسُمِّيت هكذا لأنها على شكل كِنّاره؛ وهي معروفة أيضا بسهل، ثم سُمِّيت "بحيرة "جينسارات" Γεννησαρέτ (متى14: 34) المشتقّة من الكلمة العبرية גִּנֵּיסָר "גן" أي الجنة او بساتين الأمير) لقربها من إقليم جِناسر (1 المكابي 11: 67) المشهور بالحدائق الملكية المحيطة بقصر الحاكم هيرودس على شواطئ الشمال الغربي من البحيرة (متى 14: 34). ويُطلق على البحيرة ايضا اسم "بحر الجليل" (متى 4: 18) لوقوعها في الطرف الشرقي لإقليم الجليل. والمسيحيون يُسمُّونها "بحيرة يسوع"، لانَّ يسوع عاش حياته العلنية على ضفافها (متى6: 45). وأطلق سترابو (46 ق. م. – 24م) في موسوعته (التاريخ الجغرافي) على البحيرة طبرية اسم "طريخيا" أي المُملح وذلك لوجود مكان لتمليح الأسماك، كما يؤكد ما جاء في كتاب ياقوت "قال لي من شاهد هذا الموقع انه يصاد منها نوع من أفضل السمك، يُملح ويحمل إلى البلدان". وأمَّا في زمن بليني الأكبر المؤرّخ الروماني (23-97م) فسُميت باسم بحيرة "ترشيحه" نسبة إلى المدينة التي كانت في الطرف الجنوبي للبحيرة. وللبحيرة شكل بيضوي غير منتظم ويشبه القيثارة أو الكمثرى. ويبلغ أقصى طول لها من الشمال إلى الجنوب 21كم، وأقصى عرض لها من الشرق إلى الغرب 13كم؛ أمَّا مساحتها فهي 165كم2، وعمقها تقريباً 49م. وتقع أعمق أجزاء البحيرة على مستوى 254م تحت سطح البحر الأبيض المتوسط، وكتلة مياها نحو 4،236م3. وتبعد البحيرة مسافة 50كم عن البحر الأبيض المتوسط. وتستمد البحيرة مياهها من نهر الأردن، حيث ان مياهها عذبة وصافية وكثيرة السمك. وتهبُّ على بحيرة طبرية العواصف الهوجاء من حين الى آخر. وكانت تحيط في البحيرة أيام المسيح نحو ثلاثين مدينة للصيادين، وأكبرها مدينة كفرناحوم. ولم يزل الصيد جاريًا عليها حتى يومنا هذا. أمَّا شاطئ البحيرة الفاصل بين البحر والأرض، فهو رمز العالم المتلاطم بالأمواج، وبين الأرض الصلبة.

2 كان قدِ اجتَمَعَ سِمْعانُ بُطرُس وتوما الَّذي يُقالُ له التَّوأَم ونثنائيل وهو مِن قانا الجَليل وَابنا زَبَدى وآخَرانِ مِن تَلاميذِه

تشير عبارة "سِمْعانَ بُطرُس" الى سمعان واسم ابيه يونا (متى 16: 17) واسم أخيه اندراوس واسم مدينته بيت صيدا. فلما تبع سمعان يسوع سمَّاه يسوع "كيفا" Κηφᾶς (يوحنا 1: 42) وهي كلمة آرامية כֵיפָא معناها صخرة والصخرة باليونانية Πέτρος أي بطرس (متى 16: 18). وهو أوّل التلاميذ الذي رافق يسوع منذ بداية الإنجيل، وكان معه في مختلف المنعطفات من رسالته، واعترف به أنّه قدوس الله، ثمّ أنكره، وكان أوّل الدّاخلين إلى القبر. وبعد قيامة يسوع، حقَّق بطرس ما أنبأ المسيح عنه "أَنتَ صَخرٌ وعلى الصَّخرِ هذا سَأَبني كَنيسَتي" (متى 16:17). وقد دعا يسوع بطرس ثلاث مرات. دعاه أولا ليكون تلميذا له، (يوحنا 1: 15-42) ودعاه ثانيةً لكي يكون رفيقا له ملازما باستمرار (لوقا 5: 10) ثم دعاه ثالثة لكي يكون رسولا له (لوقا 6: 13-14). وظلَّ بطرس مركز الصَّدارة وصاحب شأن كبير في التقليد المسيحي القديم، رغم نكرانه ليسوع (1 قورنتس 15: 5)؛ أمَّا عبارة "توما" في الأصل الأرامي תוֹמָא وفي اليونانية Δίδυμος (معناه توأم) فتشير الى أحد الاثني عشر رسولاً (متى 10: 3)؛ وكان توما يتمتّع ببعض السلطة لدى الرسل (يوحنا 11: 16). وكان مع البقية في العلية في أورشليم بعد صعود يسوع الى السماء (أعمال الرسل 1: 13). وذُكر توما في لوائح الرسل الاثني عشر (متى 10: 3) وقد قام توما بدور على جانب من الأهمية في انجيل يوحنا؛ (يوحنا 14: 5، 21: 2)، حيث أنه كان مستعداً للذهاب مع يسوع حتى الموت حُباً له كما جاء في شهادته "َلْنَمْضِ نَحنُ أَيضاً لِنَموتَ معَه" (يوحنا 11:16)، وهو يُمثل جميع الذين يشكّون بقيامة يسوع ويريدون ان يروا وان يلمسوا كي يؤمنوا. ولم يتوقف توما عند الشك بل كان سبباً لتعميق ايمانه بالبحث عن الاجابة. فالشك ادّى الى سؤال، والسؤال الى الجواب، والجواب الى الايمان. فكشف يسوع امامه أدلة لآلامه، حينئذ أعلن توما إيمانه. أمَّا "نثنائيل" الصورة اليونانية Ναθαναὴλ للاسم العبري נְתַנְאֵל (معناها عطية الله) والأرجح ان كنيته او لقبه بَرْثُولَمَاوْس בַר־תַּלְמַי عن الآرامية ومعناه ((ابن تولماي)) (متى 10: 3، يوحنا 1: 45-51) فهو يهودي من بلدة قانا في الجليل (قرب الناصرة) وقد وصفه يسوع بانه إسرائيلي لا غش فيه (يوحنا 1: 47). وقد احضره فيلبس الى يسوع، ليؤمن به مسيحا، ومحقق نبوات العهد القيم الا ان نثنائيل لم يصدق ذلك اولاً. لان اسم الناصرة لم يرد في العهد القديم ولا في تلك النبوات، بل قال: " أَمِنَ النَّاصِرَةِ يُمكِنُ أَن يَخرُجَ شيء صالِح؟" (يوحنا 1: 46). ولكنه آمن بيسوع لما أخبره انه يعرف انه كان تحت شجرة التينة قبل ان يأتي اليه مع فيلبس. وللحال آمن واعترف انه ابن الله (يوحنا 1: 46-51). ويذكره يوحنّا في الفصل الأوّل، ويغيب ذكره بعد ذلك حتّى رواية هذا الظهور. أمَّا عبارة "َابنا زَبَدى" قد استُعلمت هنا للمرة الأولى؛ وهذه التسمية غير مألوفة في إنجيل يوحنا. أمَّا عبارة "زَبَدى " أسم عبري זַבְדִּי (معناه الله قد أعطى) فتشير الى زوج سالومة وأب لإثنين من الرسل وهما يعقوب ويوحنا. ولم يكن عاملاً كأحد الفعلة الذين يحملون طعام كل يوم بيومه بل كان أرفع مرتبة من ذلك، إذ كان معه أجرى في سفينته عند دعوة يسوع لابنيه يعقوب ويوحنا ليكونا في جملة رسله (مرقس 1: 19 -20). وقد كانت امرأته تنفق من مالها على السيد المسيح لسد احتياجاته كما ذكر عنها أكثر من مرة (مرقس 15: 40، 16: 1). وأمَّا عبارة "آخَرانِ مِن تَلاميذِه" فقد تشير الى فيلبس من بيت صيدا وأندراوس من كفرناحوم، وبما انهما مجهولي الهوية فهما قد يرمزان الى أنا وأنت، ولكلّ واحد منّا يقرأ النّص ويطبّقه على حياته الخاصّة من خلال الاختبار الشخصيّ مع يسوع إذ لنا مكان أيضاً للمضي في تلك السفينة. وهؤلاء التلاميذ السبع هم من بين التلاميذ الاولين في إنجيل يوحنّا الذين بدأ يسوع بإظهارِ نفسِه لهم (يوحنا 1: 35 -51). تشير الآية ان عدد التلاميذ سبعة وهو الرقم الذي يشير "الى كمال الأزمنة" كما علق القديس أوغسطينوس. والعدد سبعة هو عدد الكمال الذي يرمز دون شكّ إلى الجماعة المؤمنة بكاملها أي الكنيسة التي يظهر لها الربّ القائم من بين الأموات. وربما كما يقول البعض أن القانون الروماني يتطلب سبعة شهود للشهادة. على كل حال لقد مرَّ هؤلاء التلاميذ بحالة الشك، وكانوا بحاجة إلى مسيرة إيمانية طويلة كي يفهموا أنهم بعيدون عنه؛ وبطرس أنكر سيده (متى 26: 72)؛ وتوما شَكَّ بإيمانه بمعلمه (يوحنا 20: 25)، ونثنائيل شكَّ بأن يخرج من الناصرة شيء فيه صالح (يوحنا 1: 46)، وابنا زبدى أرادا أن يجلس واحد عن يمينه والآخر عن شماله في مجده الأرضي (مرقس 10: 37)، وطلبا ناراً تنزل على من رفض المسيح (لوقا 9: 55). يظهر يسوع لهؤلاء السبعة من التلاميذ كي يقوى إيمانهم ويرسلهم مبشرين باسمه.

3 فقالَ لَهم سِمعانُ بُطرُس: أَنا ذاهِبٌ لِلصَّيد. فقالوا له: ونَحنُ نَذهَبُ معَكَ. فخَرَجوا ورَكِبوا السَّفينَة، ولكِنَّهم لم يُصيبوا في تِلكَ اللَّيلَةِ شَيئاً
تشير عبارة "أَنا ذاهِبٌ لِلصَّيد" الى عودة بطرس الى الحياة العادية السابقة لمزاولة مهنته في الصيد وكأن المغامرة التي عاشها هو والتلاميذ مع يسوع قد انتهت؛ وخرج التلاميذ لصيد ليس كنوعٍ من الترفيه، وإنما للعمل، حتى يجدوا ما يسد احتياجاتهم المادية؛ والآن عاد بطرس الى الصيد من جديد، والأحلام تحطّمت والآمال اندثرت وإذ به يصطدم بموت المعلّم، لقد اصطدم إيمان بطرس بفشل الصليب، ففضّل العودة الى ضماناته الماضية، الى شبكة قديمة وقارب يعود به الى حياته الماضية. عاد بطرس الى حالة ما قبل التعرّف على يسوع. صار فجأة مرة أخرى صياد لا للناس بل للسمك. كانت الحالة النفسية متقلبة، والمستقبل بالنسبة له لم يكن واضحًا. اما عبارة " ونَحنُ نَذهَبُ معَكَ " الى خروج التلاميذ السبع للصيد، ليس كنوعٍ من الترفيه، وإنما للعمل، كمورد رزق لهم حتى يجدوا ما يسد احتياجاتهم المادية. ما أجمل أن يجتمع الإخوة معًا ليس فقط في العبادة، بل في العمل، فتزداد المحبة المتبادلة بينهم، ويجدون مسرّتهم في الوحدة العملية. اما عبارة " فخَرَجوا ورَكِبوا السَّفينَة" فتشير الى عودة لتلاميذ إلى عملِهم السابق كصَيّادَين والذي كان يسوع قد هيّأهم له أو أنبأهم به " ها هي ذي ساعَةٌ آتية، بل قد أَتت فيها تَتفرَّقون فيَذهَبُ كُلُّ واحدٍ في سَبيلِه وتَترُكوني وَحْدي" (يوحنا16: 32). أمَّا عبارة "لم يُصيبوا في تِلكَ اللَّيلَةِ شَيئاً " فتشير الى الإخفاق في الصيد بسبب غياب يسوع عن حياتهم، فبدونه لا صيد مثمر؛ فالليلة تشير للظلام ورمزياً لغياب المسيح. وغياب المسيح يشير لهُ رمزياً أيضا بغياب السمك إذ ان السمكة باليونانية ιχθύς وتحمل هذه الحروف أوائل حروف العبارة ησοῦς Χριστός, Θεοῦ Υἱός, Σωτήρ وتعنى يسوع المسيح ابن الله المخلص. لذلك اتخذت السمكة رمزاً للمسيحيين في أوائل عصور المسيحية. فكل عمل في حياتنا يتمّ خارجاً عن إرادة الله يكون مصيره الفشل والإحباط (يوحنا 15: 4). فالرسالة بدون المسيح هي فشل كامل. وإن أفضل لحظة لمعرفة الرب هي لحظة الفشل والإرهاق والهزال: وهناك حيث تنهار مقاومتنا وغطرستنا، يستطيع الربّ عندها الاقتراب منّا ليقول لنا بأنّ اقترابه هو هبة مجانيّة مضمونها القوة والنعمة. وبالتالي نحن نتعرف على الرب عندما ندرك بأننا بدونه لا يُمكننا فعل أي شيء. أمَّا عبارة " تِلكَ اللَّيلَةِ شَيئاً" فتشير للظلام ورمزياً لغياب المسيح. ليلة قد نستطيع وصفها بالعقيمة لكنها ستتحوّل بحضور الربّ وبقيامته إلى فجر الصّيد الوفير والخيرات.

4 فلَمَّا كانَ الفَجْر، وقَفَ يسوعُ على الشَّاطِئ، لكِنَّ التَّلاميذَ لم يَعرِفوا أَنَّه يسوع

تشير عبارة "الفَجْر" الى نور المسيح، شمس البر، وهو النور الذي يُبدِّد ظلمة الفشل؛ وهو الصباح الذي يظهر فجأة كي يزيل سلطان الظلام، إنه نور العالم. ويعلق القديس أوغسطينوس. "وقد جاءهم السيد في الصباح أي عند نهاية الأزمنة". أمَّا عبارة " يسوعُ " فتشير الى الشّخص ذاته الذي أخبر عنه الإنجيل، والذي صلب ومات وقام. أمَّا عبارة "وقَفَ " فتشير الى وقوف يسوع على الشاطئ فجأة وظهوره للتلاميذ. أنه لم يأتِ إلى هذا الشاطئ ماشيًا كمن انطلق من موضع إلى آخر. وقوفه يلمِّح الى وضع المنتصر القائم من الموت. حيث يذكرنا الفعل عند الظهور الأوّل والثاني إذ وقف يسوع في الوسط بين التلاميذ قائمًا من الموت ومنتصرًا عليه (يوحنا 20: 19، 26). فوقوفه يدل على الى قيامته. ويعلق البابا غريغوريوس البابا الكبير "وقف يسوع بعد قيامته على الشاطئ كمن يتحدث إلى تلاميذه بتصرفاته الخاصة بسرّ قيامته". أنه واقف ينتظر على شاطئ بر الخلاص وصول تلاميذه. أمَّا عبارة "الشَّاطِئ" فتشير الى الأرض الثابتة وهي تلميح الى ثبات القيامة بعكس البحر الذي هو رمز الشك والشر حيث كان التلاميذ. وتلمِّح الآية ان يسوع نفسه هو الذي جاء الى تلاميذه، لان منه تأتي المبادرة. ولم يكن ظهور يسوع هذه المرة في يوم العبادة، ولا حين كانوا مجتمعين للصلاة، وإنما ظهر لهم على الشاطئ وهم منهمكون في عملهم: صيد السمك. مسيحنا مشتاق أن يعلن ذاته للبشرية حتى في لحظات عملهم، كما بعث بالملائكة إلى الرعاة الساهرين في حراستهم لغنمهم ليبشروهم بميلاد السيد المسيح. أمَّا عبارة " لتَّلاميذَ لم يَعرِفوا أَنَّه يسوع " فتشير الى التلاميذ السبعة الذين لم يعرفوا انه يسوع كما كان الحالة مريم المجدليّة عند القبر (يوحنا 20: 14)، وتلميذي عمّاوس على طريق عمّاوس (لوقا 24: 30). وكيف يمكن للتلاميذ ان يعرفوا يسوع إن لم يؤمنوا بقيامته؟ انهم بحاجة إلى آية لكي يعرفوه.

5 فقالَ لَهم: أَيُّها الفِتْيان، أَمعَكُم شَيءٌ مِنَ السَّمَك؟ أَجابوه: لا

تشير عبارة "الفتيان" في الأصل اليوناني Παιδία الى علاقة قوية مع عاطفة وحنو نحو المتحدث إليهم؛ هكذا تحدث السيد المسيح مع تلاميذه بروح الأبوة نحو أبناءٍ أعزاءٍ لديه، إذ أصبحوا أبناء للَّه يتمتعون بالبنوة الإلهية. وقد سبق أن دعاهم يسوع " يا بَنِيَّ" في خطبة العشاء (يوحنا 13: 33). ويعلق العلامة القدّيس بطرس خريزولوغُس "وجدَ الرّب يسوع تلاميذَه من دون إيمانٍ صلب ومُنهَكي القوى والعزيمة. لذلك، ناداهم "أيّها الفتيان" (العظة 78). أمَّا عبارة "أَمعَكُم شَيءٌ مِنَ السَّمَك؟" في الأصل اليوناني προσφάγιον (ما يأكلونه مع الخبز) فتشير الى سؤال يسوع عن السمك الذي اصطادوه. يبادر يسوع في طلب السمك، لم يكن الجوع هو الدّافع الى طلب الطعام، لكنه واسطة لدخول المسيح إلى عالم تلاميذه والتمهيد لهم للطعام الإفخارستيي، فيكون كلّ ذلك علامة لهم لكي يعرفوا ويؤمنوا. ويُعلق العلامة القدّيس بطرس خريزولوغُس ". لقد دعاهم إلى المائدة كالأطفال: "أيّها الفتيان، أمعَكم شيءٌ من السمك؟"، حتّى تقودَهم إنسانيّتُه إلى النعمة، والخبزُ إلى الثقة والغذاءُ إلى الإيمان. لن يؤمنوا بجسده القائم من بين الأموات لو لم يروه يأكلُ كإنسان" (العظة 78). حين طلب يسوع الطعام، ظنّوه بحاجة إليهم. وسُرعان ما اكتشفوا أنّهم بحاجة إليه. فمن دون يسوع لا يستطيع التلاميذ شيئا (يوحنا 15: 4-5). أمَّا عبارة " أَجابوه: لا" فتشير الى عقم رسالة التلاميذ المنطلقين دون إيمان بيسوعٍ قائمٍ من بين الأموات، الحيّ. عرف التلاميذ أن لا ثمار بمعزل عن يسوع. وإذا لم يكن يسوع حاضرًا في حياتنا، فلا يمكننا أن نختبر سوى العدم والفراغ؛ بدونه لن يكون لدينا أي شيء نتناوله.

6 فقالَ لَهم: أَلقُوا الشَّبَكةَ إِلى يَمينِ السَّفينة تَجِدوا. فأَلقَوها، فإِذا هُم لا يَقدِرونَ على جَذبِها، لِما فيها مِن سَمَكٍ كَثير

تشير عبارة "ألقوا" الى حركة عادية للصيد غير ان يسوع انجز العمل الذي بدأه التلاميذ كي يجعله أكثر فاعلية. وفي هذا الصدد يقول أوريجانوس العلاّمة "إنّ كلمة الرب تتضمن قوة تكفي من يسمعها حتى دون أن يفهمها". امر السيد المسيح مرتين في الإنجيل المقدس أن تًلقى الشباك للصيد. في الصيد الأول (لوقا 5: 4-6) قبل الآلام، ولم يقل إن الشباك تلقى على الجانب اليمين أم اليسار، وقد جاءوا بسمكٍ كثيرٍ حتى كادت الشباك أن تتمزق. وفي الصيد الأخير، بعد القيامة أمر بإلقاء الشبكة على الجانب اليمين، ومع أنها قد جاءت بسمكٍ كثيرٍ لم تتمزّق الشباك. ويعلق القديس اوغسطينوس "إن المعجزة الأولى قبل قيامة السميح تشير إلى الكنيسة في العالم الحاضر، وهي تتمتع بنعمة المسيح، أما الثانية فتشير إلى الكنيسة في العالم القادم، أو فيما بعد القيامة، حيث تتمتع الكنيسة بمجد المسيح". أمَّا عبارة " يَمينِ السَّفينة " فتشير الى جهّة اليمين إشارة إلى القوّة الإلهيّة، التي هي عن اليمين (مرقس 16: 5). واليمين يدل على جموع المُخلّصين الذين يشاركون المسيح في الملكوت، على مثال المسيح الجالس عن يمين الآب. أمَّا عبارة "الشَّبَكةَ" فتشير الى شبكة على شكل الجرس، لها أثقال من الرصاص مربوطة بأطرافها يستخدمها الصيادون في بحيرة طبرية. وتُلقى الشبكة مسطحة مفرودة على المياه، فتقوم أثقال الرصاص بسحبها الى الأسفل فتغطِّي السمك تحتها حيث يجذب الصيادون بعد ذلك حبلا يسحبون به الشبكة حول السمك. ولشبكة ترمز للكنيسة التي تنتشل المؤمنين من بحر هذا العالم لتعود بهم إلى شاطئ السلام حيث المسيح. أمَّا عبارة "فإِذا هُم لا يَقدِرونَ على جَذبِها" فتشير إلى النجاح الذي يصيبه التلاميذ المتَّكلين على كلمة الله ونعمته أكثر من على جهدهم الشخصي فقط. إنَّ طاعة التلاميذ لكلمة يسوع أتت بنتائج فاقت جميع توقعاتهم. فنجاح الرسالة يتوقّف على حضور يسوع القائم من الموت كما صرَّح يسوع: "لأَنَّكُم، بِمَعزِلٍ عَنِّي لا تَستَطيعونَ أَن تَعمَلوا شيئاً " (يوحنا 15: 5). أمَّا عبارة " كَثير" في الأصل اليوناني πλήθους (معناها كمية او كثرة او جمهور) فتشير الى كثرة، ويستعملها يوحنّا في موضع آخر في انجيله حيث يقول إن المسيح قد شفى كثير من المرضى وذوي الأسقام (يوحنا 5، 3). هو المسيح لا يزال يتابع مهمّته، إنّما هذا المرّة من خلال تلاميذه الّذين يقودون سفينته.

7 فقالَ التَّلميذُ الَّذي أَحبَّه يسوعُ لِبُطُرس: إِنَّه الرَّبّ. فلَمَّا سَمِعَ سِمْعانُ بُطرُس أَنَّه الرَّبّ، اِئتَزَرَ بِثَوبِه، لأَنَّه كانَ عُرْياناً، وأَلْقى بِنَفْسِه في البُحَيرة"

تشير عبارة "التَّلميذُ الَّذي أَحبَّه يسوع" الى يوحنا الإنجيلي، التلميذ الحقيقي، وهو أول من عرف الرب من خلال "الصيد العجيب". فكان الوسيط بين بطرس ويسوع. ونبّه بطرس، فألقى بطرس عندئذٍ بنفسه في المياه. أن وجود التلميذ الحبيب الى جانب بطرس يربط هذه النص بباقي الانجيل. هذا التلميذ هو الشّاهد على هذه الأمور وهو الذي دوّنها، ونحن نعلم أنّ شهادته حقّ" (يوحنا 21:24). يصفه الإنجيل في العشاء مع التلاميذ أنّه كان "مُتَّكِئاً إِلى جانبِ يسوع" (يوحنا 13: 23). هو الذي كان عند الصّليب واقفا إلى جانب أمّ يسوع، فقالَ يسوع لأُمِّه: "أَيَّتها المَرأَة، هذا ابنُكِ" (يوحنا 19: 26). وهو الذي وصل إلى القبر أوَّلاً فأَبصَرَ اللَّفائِفَ مَمْدودة، ولكنَّه لَم يَدخُلْ ... ثم دخل إلى القبر "فَرأَى وآمَنَ" (يوحنا 20: 5، 8). أمَّا عبارة "أَحبَّه يسوعُ" فتشير الى يوحنا الحبيب صاحب الانجيل الرابع، ولكن الكاتب لا يفصح عن اسمه ليجعل كل واحد منا مستعداً ان يصبح ذاك التلميذ الذي يحبّ يسوع ويُحبّه يسوع (يوحنا 19: 26-27)؛ فهو رمز للتلميذ المُخلِص الأمين الحبيب القريب من القلب؛ أمَّا عبارة " إِنَّه الرَّبّ" فتشير الى معرفة يوحنا الحبيب ليسوع ولم يعرفه الآخرون، لأنهم "لم يروا بذات النظرة" كما يوقل القديس ايرونيموس. وهذا ما أعلنه الرب يسوع "طوبى لأَطهارِ القُلوب فإِنَّهم يُشاهِدونَ الله" (متى 5: 8)؛ ويعلق القدّيس بطرس خريزولوغُس "المحبوب يرى أوّلاً، لأنّ عين الحبّ ترى دائمًا بطريقة أفضل، والمحبوب يتحسَّس دائمًا بطريقة أفضل" (العظة 78) . يوحنا هو صورة التلميذ الحقيقي الذي عرف الرب وامن به ودعا رفاقه التلاميذ ان يؤمنوا انه الرب. أمَّا عبارة "اِئتَزَر" في الأصل اليوناني διεζώσατο فتشير إلى العمل الذي قام به يسوع نحو تلاميذه حينما ائتزر διέζωσεν عند غسل أرجل التلاميذ (يوحنا 13: 4، 5). سيكلّف يسوع بطرس برعاية القطيع، أي بالقيام بالدّور الذي قام به الرّبّ. أمَّا عبارة "ثوب" باليونانية ἐπενδύτην فتشير الى سترة الصيّاد أو الثوب الخارجي، وهو أشبه بمعطف للرجال في عصرنا الحالي. أمَّا عبارة "اِئتَزَرَ بِثَوبِه" فتشير الى الاستعداد للخدمة (يوحنا 13، 4). وأقتنع بطرس بحضور الرب نتيجة إعلان يوحنا عن ذلك، ولبس ثوبه، وعاد الى حالة الإنسان المستعدّ، المتصالح مع الله والمرتمي في بحر البشر لجمع النفوس للرب. أمَّا عبارة "لأَنَّه كانَ عُرْياناً" فتشير الى شقاء الانسان وضعفه وخجله بعد الخطيئة الأولى مثل آدم وحواء في الفردوس عندما خالفا أمر الله: " فآنفَتَحَت أَعيُنُهما فعَرَفا أَنَّهما عُريانان" (التكوين 3: 7). أمَّا عبارة "أَلْقى بِنَفْسِه في البُحَيرة" فتشير رمى بطرس بنفسه في المياه ذاهباّ الي الى يسوع دون إشارات حذر أو خوف أو تعجّب. ان هذا العمل هي رمز لمعمودية بطرس، واختياره لاتباع الرب. يجد بعض الشرّاح في هذه الحركة عبورًا في مياه الأموات قبل الوصول إلى يسوع القائم والمنتصر على الموت. والهدف الأوّل والأخير لكلّ رسول هو يسوع الرّب والمعلّم، دونه لا قيمة لأيّ عمل رسوليّ. ويُعلّق القديس يوحنا الذهبي الفم على هذه العبارة بقوله "أن بطرس الرسول اتسم بالحماس والغيرة المُتقدة، واتسم يوحنا بالهدوء، لذلك تعرف يوحنا بهدوء على شخص المسيح أولًا، لكن بطرس هو الذي جاء إليه أولًا حيث ألقى نفسه في البحر تجاه المسيح، ولم ينتظر أن يأتي مع التلاميذ بالسفينة".

8 وأَقبَلَ التَّلاميذُ الآخَرونَ بِالسَّفينَة، يجُرُّونَ الشَّبَكَة بِما فيها مِنَ السَّمَك، ولَم يَكونوا إِلاَّ على بُعدِ نَحوِ مائَتَيْ ذِراعٍ مِنَ البَرّ

تشير عبارة "نحوِ مائَتَيْ ذِراعٍ" الى نحو 90 متر تقريباً حيث ان كل ذراع يساوي 45سم. وبالتالي كان بإمكان التلاميذ أن يميّزوا يسوع. لكنّهم لم يعرفوه، تمامًا كما لم تعرفه مريم المجدليّة عندما ظهر لها، وكان واقفا (يوحنا 20: 14) وكما لو يعرفه تلميذا عمّاوس (لوقا 24: 13-35). يسوع سرّ لا يُسبر؛ فقد يتعرّف الإنسان فورًا على الربّ الحاضر معه، وقد يبقى عاجزًا عن معرفته. ويُعلق القديس أوغسطينوس " أن السفينة تبعد حوالي على بُعدِ نَحوِ مائَتَيْ ذِراعٍ مِنَ البَرّ" بما ان السفينة تضم اليهود والأمم الوثنية، فإن رقم 100 يشير إلى الوقوف عن يمين السيد المسيح (فريق اليهود) فيكون رقم 200 إشارة إلى وقوف الفريقين معًا على ذات المسافة، أو يتمتع الفريقان بذات المكافأة والمجد".

9 فلَمَّا نَزَلوا إِلى البَرّ أَبَصروا جَمْراً مُتَّقِداً علَيه سَمَكٌ، وخُبزاً

تشير عبارة "أَبَصروا جَمْراً مُتَّقِداً علَيه سَمَكٌ، وخُبزاً" فتشير الى السمك والخبز اللذين كانا معدّين على الشاطئ، من قبل يسوع. أمَّا عبارة " سَمَكٌ " في اللغة اليونانيّة ὀψάριον (معناها سمك) فتشير الى نفس اللفظة اليونانية في الفصل السّادس من إنجيل يوحنّا، ولا يستعملها يوحنّا إلاّ في هذين الفصلين، للربط بين هذين الحدثين. أمَّا عبارة "خُبز" تشير إلى علامة للعشاء الذي تناوله يسوع وتلاميذه في العشاء الأخير. وكما أخذ يسوع زمام المبادرة في العشاء الأخير كذلك قام هو نفسه هنا بالخدمة في تحضير الطعام. ومن ناحية أخرى، فالخبز مع السّمك هو تذكير واضح أيضا بالفصل السّادس. لا بدّ إذا من أن يكون هناك رابط وثيق، بين هذه الرِّواية وبين الفصل السّادس، الذي يستفيض فيه يسوع بالكلام على خبز الحياة، أي الافخارستيا.

10 فقالَ لَهم يسوع: هاتوا مِن ذلِك السَّمَكِ الَّذي أَصَبتُموه الآن

تشير عبارة "هاتوا مِن ذلِك السَّمَكِ" الى طلب يسوع من التلاميذ إحضار ثمر تعبهم الرسوليّ. يسوع يطلب من كلّ واحد منّا ثمرة الإيمان، وثمرة الإيمان هي إعلان الإنجيل واجتذاب الجميع الى الملكوت؛ أمَّا عبارة "أصَبتُموه" فتشير الى أمر السيد المسيح تلاميذه أن يقدموا من السمك الذي اصطادوه، موضحًا أن الأعجوبة الكائنة لم تكن خيالية من ناحية. ومن ناحية أخرى تشير الى رفع يسوع من قدر التلاميذ مع انه لولاه لما استطاعوا شيئا كما صرّح يوما "لأَنَّكُم بِمَعزِلٍ عَنِّي لا تَستَطيعونَ أَن تَعمَلوا شيئاً" (يوحنا 15: 5).

11 فصَعِدَ سِمْعانُ بُطرُس إِلى السَّفينَة، وجذَبَ الشَّبَكَةَ إِلى البَرّ، وقدِ امتلأَت بِمِائَةٍ وثَلاثٍ وخَمسينَ سَمَكةً مِنَ السَّمَكِ الكَبير، ولم تَتَمزَّقِ الشَّبَكةُ معَ هذا العَدَدِ الكَثير

تشير عبارة "السَّفينَة" الى رمز الكنيسة في العهد الجديد. وهنا نجد الكنيسة غير مقسومة بين المسيحيين الذين جاؤوا من العالم اليهودي والآخرون الذين جاؤوا من العالم الوثني، بل صارت كما تنبّا يسوع " فيَكونُ هُناكَ رَعِيَّةٌ واحِدة وراعٍ واحِد"(يوحنا 10: 16)؛ أمَّا عبارة "جذَبَ الشَّبَكَةَ" فتشير الى بطرس وحده الذي يقوم بهذه المهمّة، في حين لم يَقدِر التلاميذ على جَذبِ الشبكة (يوحنا 21: 6). والمراد أنّ بطرس يتمّم عمله، ليس بقوَّته فقط، بل بقوّة من أعطى السّمك الكبير والكثير. وفعل جذب يُذكرنا بقوله المسيح " ما مِن أَحَدٍ يَستَطيعُ أَن يُقبِلَ إِليَّ، إِّلا إِذا اجتَذَبَه الآبُ الَّذي أرسَلَني" (يوحنا 6: 44)؛ " وأَنا إِذا رُفِعتُ مِنَ الأَرض جَذَبتُ إِلَيَّ النَّاسَ أَجمَعين" (يوحنا 12: 32). فالآب يجذب، والمسيح يجذب، وبطرس أيضا يجذب نحو المسيح. انه دور بطرس في رئاسة الكنيسة (يوحنا 13: 23، 18: 16)؛ أمَّا القديس أوغسطينوس يعُلق "أن جذب الشبكة إلى الشاطئ يشير إلى تحقيق الدينونة في اليوم الأخير. أمَّا عبارة "ِمِائَةٍ وثَلاثٍ وخَمسينَ سَمَكةً" فتشير الى عدد الشعوب الخاضعة للإمبراطورية الرومانية ويرمز الى "الامتلاء" بحسب العلاّمة ايرونيموس، لان علماء الطبيعة الاقدمين لاحظوا ان هناك 153 صنفاً للسمك، حيث ان مغزى العدد هو الإعلان عن شموليّة الخلاص الّذي تمّمه يسوع، لقد دعا البشرية جمعاء، بكافة شعوبها وألوانها، دون تهميش لأّي نوع أو لون أو عرق أو دين أو سياسة، لان الجميع مدعوون الى الدخول في شبكة الخلاص، ولذلك فان شبكة الرسل عليها ان تجمع جميع الأسر البشرية في الكنيسة الواحدة (متى 13: 47-50). أمَّا القديس أوغسطينوس فلاحظ أن المجموع 153 هو حصيلة جَمعِ كل الأرقام من 1 إلى 17. وهكذا نكون امام الرقم 17 المكوّن من (7) و (10) أي (10) رمز كلمات الله العشر، و(7) رمز الكمال، رسل العهد الجديد السبع. أمَّا البابا غريغوريوس فيعلق على رقم (17) يقول " أن كل عمل في العهد القديم يرتبط بالوصايا، وأنه يكمل في العهد الجديد بالروح القدس الذي يقدم سبع نعم " روحُ الحِكمَةِ والفَهْم روح المَشورَةِ والقُوَّة روحُ المعرفةِ وتَقوى الرَّبّ" (اشعيا 11: 2-3). وهناك اجتهادات تفسيرية أخرى لرقم (153) فهو مكوّن من (3) و (50) و (100)، فالرقم(3) رمز الانتصار وتحقيق القيامة "في اليوم الثالث"، وفيه رمزيّة الثالوث: الآب والابن والروح القدس. والرقم (50) هو رقم سنة اليوبيل في العهد القديم، أي سنة الحرية، أمَّا في العهد الجديد فهو يوم العنصرة وحلول الروح القدس. وأمَّا الرقم (100) فهو قطيع المسيح الذي لا يُعد ولا يحصى، ولا يهلك أحد من هذا القطيع، وهنا نذكر ال 100 خروف (متى 18: 12) والبحث عن الخروف الضال. وهناك تفسير آخر عن طريق القيمة العددية للأحرف العبرية، فلكل حرف في هذه اللغة قيمة عددية: تبدأ مع حرف الألف وقيمته (1) وتنتهي مع حرف التاء آخر حروف الأبجدية العبرية وقيمته (400)، وعليه فإن عبارة “أبناء الله" وفي العبرية בני לוהים" بنَي لوهيم" تساوي القيمة العددية 153 بحيث ان: ب = 2، ن = 50، ي =10، ل = 30، و = 6، هـ = 5، ي = 10، م = 40. أمَّا عبارة "السَّمَكِ الكَبير" فتشير الى المؤمنين الذين يُحسبون عظماء في ملكوت الله. أمَّا عبارة "لم تَتَمزَّقِ الشَّبَكةُ" فتشير الى الكنيسة، والملكوت الذي يتّسع لجميع البشر، والتلاميذ يعملون بناء على كلام المسيح القائم من الموت، يباشرون العمل فيجمعون الناس من كل مكان في جماعة واحدة في الكنيسة. ويعلق العلامة الأب لاغرانج "ان الشبكة تمثّل الكنيسة التي ستبقى واحدة مهما كثر فيها المؤمنون". ويختلف يوحنا عن لوقا فيشير الى ان الشبكة لم تتمزق، إذ نحن في العالم الجديد، حيث لا موضع للشر والانقسام (رؤيا:21: 1). والشبكة تستمد صلابتها من حقيقة يسوع التي لا تتمزّق. هي علامة قوّة الخلاص ورمز لوحدة الكنيسة التي، على مثال ثوب يسوع وشبكة بطرس، لا تتمزّق. ويعلق البابا غريغوريوس الكبير " في الصيد الأول تمزقت الشبكة بسبب الأشرار الذين دخلوا مع المختارين، فمزقوا الكنيسة بهرطقاتهم. وفي الصيد الأخير أصطيد السمك الكبير ولم تتمزق الشبكة، لأن كنيسة المختارين المقدسة تبقى في سلام خالقها الذي لا يُعاق، وليس من انشقاقات تمزقها".

12 فقالَ لهم يسوع: تَعالَوا افْطُروا! ولَم يَجرُؤْ أَحَدٌ مِنَ التَّلاميذِ أَن يَسأَلَه: مَن أَنتَ؟ لِعِلمِهم أَنَّه الرَّبّ

تشير عبارة "تَعالَوا افْطُروا" في الأصل اليوناني ἀριστήσατε (اخذ وجبة الفطور) الى دعوة للمشاركة في الوليمة التي أعدّها لهم كعلامة للحضور الإلهي، لذلك الدعوة للقاء الرب أكثر من دعوة الى طعام مادي. فالرب يسوع هو صاحب الدعوة: "هلمّوا افْطُروا!"؛ يدعو الرب لمشاركته في الوليمة الافخارستيا المُعدَّة، لا سيّما وأن "السمك موضوع على الجمر والخبز معدّ" (يوحنا 21: 9)؛ وما القربان إلاّ جمرة غافرة مطهِّرة توزّع لغفران الخطايا والحياة الأبدية. اما عبارة "ولَم يَجرُؤْ أَحَدٌ مِنَ التَّلاميذِ" فتشير الى هيبة المسيح بعد القيامة ومجد جسد ه الممجد بالرغم ان له نفس الشكل. أمَّا عبارة " لِعِلمِهم أَنَّه الرَّبّ" فتشير الى معرفة التلاميذ ان يسوع هو يسوع التاريخيّ وأيقنوا أيضاً أنّه يسوع ابن الله وفادي البشر بعد ان كانوا يجهلونه " التَّلاميذَ لم يَعرِفوا أَنَّه يسوع" (يوحنا 21: 4). تمت معرفتهم للرب بدون كلامٍ من قبل الرب ولا من قبلهم، وكان التلاميذ بحاجة الى انتظار هذه اللّحظة ليدركوا حقيقة يسوع الإلهيّة. وكما عرف تلميذا عمّاوس الرّب عند كسر الخبز، كذلك نال الرسل الجواب على أسئلتهم في وجبة الفطور التي ترمز الى سرّ الإفخارستيّا. فهناك يعطينا الرّب جسده ودمه، ومن خلالهما ندخل في سرّ هوّيته.

13 فدَنا يسوع فأَخَذَ الخُبزَ وناوَلَهم، وفعَلَ مِثلَ ذلك في السَّمَك

تشير عبارة "أَخَذَ الخُبزَ وناوَلَهم" الى وليمة الرب الذي يدعو اليها التلاميذ لتناول الافخارستيا. فالتلاميذ يُدعون ويشاركون في الطعام الذي يقدمه لهم المسيح القائم من الموت" (يوحنا 6: 1-13). لم يعرف التلاميذ يسوع في الظهور الثالث، لكن يسوع كشف عن هويّته، بواسطة الصّيد العجيب، وبواسطة "الطعام الافخارستيّ". إن تناول يسوع الطعام بمعية تلاميذه تمكن التلاميذ من كشف هويته ورؤية الرب.

14 تِلكَ المَرَّةُ الثَّالِثَةُ الَّتي تَراءَى فيها يسوعُ لِتَلاميذِه بعدَ قِيامَتِه مِن بَينِ الأَموات.

تشير عبارة "المَرَّةُ الثَّالِثَةُ" الى الظهور الثالث للسيد المسيح للتلاميذ، والسابع بعد قيامته، وقد تمّ ذلك في اليوم الثالث من قيامته. ويعني يوحنا المرة الثالثة فيها يذكر في إنجيله الظهورات: مرتين في فصل 20 ومرة في فصل 21). وإن أقدم قائمة لظهورات يسوع القائم من بين الاموات يقدّمها لنا القديس بولس في سنة (55 م)، انطلاقاً من تقليد كان قد تسلّمه قبل ذلك، فطبقاً لاعتراف الإيمان القديم هذا "تَراءَى لِصَخْرٍ فالاْثَني عَشَر، ثُمَّ تَراءَى لأَكثَرَ مِن خَمْسِمِائَةِ أَخٍ معًا لا يَزالُ مُعظَمُهُم حَيّاً وبَعضُهُم ماتوا، ثُمَّ تَراءَى لِيَعْقوب، ثُمَّ لِجَميعِ الرُّسُل، حتَّى تَراءَى آخِرَ الأَمرِ لي أَيضًا أَنا السِّقْط " (1 قورنتس 15: 5-8). إلاّ أَنَّ الأناجيل لا تورد من هذه القائمة إلا الظهورين الأولين لسمعان بطرس (لوقا 24: 34)، وللأحد عشر (يوحنا 20: 19-29) الذين انضَمً إليهم بعض التلاميذ الأَخرين (لوقا 24: 33-50). ومع ذلك، تذكر الاناجيل ظهورات أخرى لبعض الأفراد. ويمكن ان نرتب الظهورات كما يلي: فكان الظهور الأول لمريم المجدلية (يوحنا 20: 15-16) والظهور الثاني للنسوة عند القبر (متى 28: 9)، والظهور الثالث الى تلميذي عماوس (لو 24: 13)، والظهور الرابع لبطرس وحده (لوقا 24: 34)، والظهور الخامس للعشرة رسله بدون توما (يوحنا 20: 19)، والظهور السادس للإحدى عشر رسله في اليوم الثامن حين آمن توما (يوحنا 21: 26)، والظهور السابع لسبعة رسله (يوحنا 21: 2)، ما بين 8 أيام و14 يومًا من قيامته، والظهور الثامن للتلاميذ على جبل في الجليل (متى 28: 16)، والظهور التاسع. لأكثر من 500 أخٍ دفعة واحدة (1 قورنتس 15: 6)، والظهور العاشر الى يعقوب (1 قورنتس 15: 7) والظهور الحادي عشر لكل التلاميذ عند صعوده إلى السماء (مرقس 16: 19-20). أمَّا عبارة " تَراءَى فيها يسوعُ لِتَلاميذِه بعدَ قِيامَتِه مِن بَينِ الأَموات" فتشير إعادة تقدمة الرّواية "تَراءَى يسوعُ بَعدَئِذٍ لِلتَّلاميذِ مَرَّةً أُخْرى (يوحنا 21: 1) وإنهائها بالعبارة نفسها، وهي طريقة أدبيّة وإنشائيّة. ويعلق القديس يوحنا الذهبي الفم "نراه ونتمتع ببقية البركات التي تفوق كل اللغات. إني أتوسل إليكم أن نستخدم كل وسيلة حتى لا نفقد بركة مجدٍ كهذا. فإنه ليس شيء صعبًا إن أردنا، ليس شيء ثقيلًا إن كنا نهتم بذلك. "إِذا صَبَرنا مَلَكنا مَعَه (2 طيموتاوس 2: 12).

ثانياً: تطبيقات النص الإنجيلي

انطلاقا من الملاحظات الوجيزة حول وقائع النص الإنجيلي (يوحنا 21: 1-14) يمكن ان نستنتج انه يتمحور حول الصيد العجائبي ودعوة الرسل للرسالة التي يكلفهم بها يسوع القائم من الموت لتأسيس الكنيسة قربانية ومرسلة.

(1) مبادرة يسوع في الصيد

معظم احداث انجيل يوحنا حصلت في اورشليم وفي الهيكل، أمَّا بعد قيامته فتمت الاحداث حول بحيرة طبرية في الجليل. فبعد أحداث الفصح، رجع التلاميذ الى الجليل لمزاولة مهنة الصيد التي يعتاشون من خلالها، وكأنّهم أضاعوا ثلاث سنوات من عمرِهم سُدى، لأنّهم فقدوا كُلَّ رجاء بخلاصِ يسوع. فأخذ بطرس المبادرة ودعا التلاميذ الى الصيد في بحيرة طبرية، لكنهم لم يصيبوا في تلك الليلة شيئا من السمك.
وفيما هم راجعون، عند الصباح وأياديهم فارغة، أتى يسوع إليهم " وقف على الشَّاطِئ، وقال لهم " أَيُّها الفِتْيان، أَمعَكُم شَيءٌ مِنَ السَّمَك"؛ فلم يعرف التلاميذ انه يسوع؛ وهذا ما نراه يَتَكَرَّر دائمًا في كلّ ظُهورٍ للمسيح القائم، لا يَعرِفونَه إلاّ من خِلالِ آية أو مَوقِفٍ مألوف عندَه لكي يُبدّد الظلمة من قلوبهم وعن عيونهم؛ كما حدث مع مريم المجدلية عند القبر (يوحنا 20: 14)، وتلميذي عمّاوس عند كسر الخبز (لوقا 24: 16).

وإنّ عدم معرفة يسوع القائم من الموت يدلُّ على التغيير أو التحوُّل الذي حصل في شخص يسوع بالقيامة. التلاميذ كانوا بحاجة الى آية لكي يعرفوه، حيث ان مريم المجدلية عرفته من صوته (يوحنا 20: 16) وتلميذا عمّاوس عرفاه عند كسر الخبز (لوقا 24: 30، 35)؛ وأمَّا التلاميذ في رواية الصيد العجيب فلا حضور يسوع الجسديّ ولا كلمته سمَحا بمعرفتِه إنما هي "آية" الصيد العجائبي، كما حدث في مطلع خدمة يسوع الرسولية في الجليل حين داعا بطرس اول الرسل بعد الصيد العجائبي ( لوقا 5: 11) ، وعرف التلاميذ انه الرب يسوع الذي امرهم، "أَلقُوا الشَّبَكةَ إِلى يَمينِ السَّفينة تَجِدوا" (يوحنا 21: 6) وعرفوا انه الرب يسوع القائم الذي اعدّ الطعام لهم بيديه (يوحنا 21: 12)؛ ويوحنا الحبيب هو اول من انفتحت عينيه وفهم مغزى الحدث كما حصل امام القبر الفارغ (يوحنا 20: 8) فقالَ لِبُطُرس: ((إِنَّه الرَّبّ)). (يوحنا 21: 7). لم يتراءى يسوع للرسل كي يتمتعوا بمشاهدته، بل ليُسيِّرهم في طريق الايمان الَّذِي يَشُوبُهُ الشَّكُّ بِالقِيَامَة ويدعوهم لحمل رسالة التبشير باسمه.

(2) معرفة يسوع من خلال الصيد والفطور

اقترب يسوع من تلاميذه بصمت، ودخل في حياتهم وفي اهتماماتهم، وهم في البداية لم يعرفوه ثم أخذوا يَعرِفُونه من خلال وفرة السمك في الصيد مُتَذَكِّرِينَ الصَّيدَ الأَوَّل الَّذِي مِن خِلالِهِ دَعَاهُم لِيَكُونُوا صَيَّادِي النَّاس (لوقا 5: 1-11). وان الصيد العجائبي يُعد وسيلة لإعادة الصلة بالماضي في بداية رسالته العلنية. " ولَم يَجرُؤْ أَحَدٌ مِنَ التَّلاميذِ أَن يَسأَلَه: مَن أَنتَ؟ لِعِلمِهم أَنَّه الرَّبّ (يوحنا 21: 12)، لأن إيمانهم تحوَّل الآن إلى معرفة؛ ويُبيّن لنا يوحنّا الإنجيليّ تكملة بين حضور يسوع الأرضيّ، الزمني (يوحنا 2/ 11؛ 17/ 6)، وحضوره المُمَجَّد بعد القيامة (يوحنا 21: 12).

ويُجسِّد الصيد العجائبي صورة القيامة، حيث جاء يسوع حياً بعد موته ودعا تلاميذه الى الطعام، وأخذ يخدمهم ويهتم بهم. "فأَخَذَ الخُبزَ وناوَلَهم، وفعَلَ مِثلَ ذلك في السَّمَك" (يوحنا 21: 13) وكأنَّنا في وليمة افخارستيا، وأمام هذا المشهد بدِّد شكَّهم ولم يَدَع لهم المجال أن يَسألوا من هو كما جاء في الانجيل "لم يجرؤ أحد منهم ان يقول: من أنت؟ لعلمهم انه الرب". عرفوه كما عرفه التلميذ الذي يُحبه يسوع. وفرحوا بوجوده وبمقاسمته الطعام المادي والروحي أي الافخارستيا.

وأراد يوحنا في مشهد تناول يسوع الفطور مع تلاميذه ان يبيّن لهم أن يسوع القائم من بين الأموات هو كائن حقيقي وشخصي، لا شبح من الاشباح. يسوع بينهم وهم يعرفون انه أصبح من عالم آخر، لقد بدَّدت نعمة إيمان الفصح كل مقاومة في قلوبهم. وتغيّرت حياة الرسل عندما أدركوا من هو يسوع. فعلى سبيل المثال تغيّرت شخصية بطرس من مندفع الى صخرة. وكذلك تغيّرت علاقته بيسوع. فقد غفر له الرب، وأدرك الآن مغزى كلمات يسوع عن موته وقيامته. وتغيّر عمل التلاميذ من صياد سمك الى "صيادي بشر". وكان هذا الظهور للتلاميذ، هو الأخير، في إنجيل يوحنّا، قبل تكليفهم برسالة الانجيل.

(3) دعوة المسيح لتأسيس الكنيسة

يمثل الصيد العجائبي رسالة الى الرسل التي يكلفهم بها يسوع القائم من الموت، فيسوع دعا التلاميذ لان يكونوا "صيادي بشر" (متى 4: 18-22)؛ وتكمن هذه الرسالة بحسب انجيل يوحنا في تأسيس كنيسة قربانيه ومرسلة.

ا) كنيسة قربانية

بعد الصيد دعا يسوع تلاميذه السبعة للوليمة التي أعدّها لهم؛ واخذ الخبز وناول تلاميذه ومن ثم السمك. ويعلق البابا غريغوريوس الكبير عن تقديم الوليمة لسبعة من تلاميذه فقط " أولئك هم وحدهم ممتلئون بنعمة الروح القدس السباعية (اشعيا 11: 2، 3)، ويكونون معه في وليمته الأبدية. ويعلن بولس الرسول بالحق: "ومَن لم يَكُنْ فيه رُوحُ المسيح فما هو مِن خاصَّتِه" (رومة 8: 9). وما يعنيه أنه لا يفرح أحد فيما بعد عند رؤية المجد الإلهي ما لم يقوده الآن الله الساكن فيه".

وفي الخبز والسمك تلميح الى الافخارستيا. إن آباءَ الكنيسة، يرون هنا صورة المسيح: "السّمك المشوي، إنه المسيح المتألّم "الخُبزُ الَّذي نَزَلَ مِنَ السَّماء" (يوحنا 6: 41)؛ وكذلك في عِلمِ الأيقونات، الخبز والسمك يرمزان إلى العشاءِ الإفخارستييّ. هكذا من خلال هذا النصّ، يوحنّا يُشير إلى قرَّائه إلى أن احتفالاتهم الإفخارستيّة هي امتداد وتأوين لما عاشَه الشهود الأوّلون للقيامة. ويؤكد بولس الرسول هذه التعليم بقوله "فإِنَّكُمَ كُلَّمَا أَكَلتُم هَذا الخُبْز وشَرِبتُم هذِه الكَأس تُعلِنونَ مَوتَ الرَّبِّ إِلى أن يَأتي" (1 قورنتس 11: 26). ولم تنقطع الكنيسة قط عن الاجتماع للاحتفال بالسرالفصحي عن طريق الافخارستيا التي نذكر فيها انتصاره يسوع على الموت وفي الوقت نفسه نرفع فيها "الشُّكرُ للهِ على عطائِه الَّذي لا يُوصَ" (2 قورنتس 9: 15). وهذا الجو من الايمان والفرح الفصحى يجب ان يسود كل احتفالاتنا في القداس الإلهي.

أشبع يسوع تلاميذه من الشبكة الفارغة وأشبع الألوف من الأرغفة الخمسة، كذلك يشبع جوع البشرية من خبزه الذي يتحوّل في كلّ ذبيحة إلهيّة. ان كل عمل يتمّ في الكنيسة ينتهي بوليمة المشاركة كعلامة للحضور الإلهي حيث يُحتفل بحضور المسيح السرّي القائم من الأموات فيكسر خبز جسده ويهرق دمه الذي يغذّي الكنيسة ويُحييها. فالإفخارستيا تكشف لنا سّر ابن الله وتقودنا إلى الإيمان به كما حدث مع تلميذي عماوس عند كسر الخبز كما جاء في انجيل لوقا "لمَّا جَلَسَ يسوع معَهُما لِلطَّعام أَخذَ الخُبْزَ وبارَكَ ثُمَّ كسَرَهُ وناوَلَهما. فانفَتَحَت أَعيُنُهما وعرَفاه" (لوقا 24: 30-31).

وأمَّا سؤال يسوع لتلاميذه "أعِندَكم شيء يؤكَل؟" (يوحنا 21: 5) فيترَدَّد في أناجيل القيامة! وكأنه مقدمة لِما تقومُ عليه القيامة وهو الافخارستيا. اليوم، في وسطنا، يعطينا يسوع نفسه لنأكل ويقول لنا "انظروا وتذوقوا ما أطيّب الرب"... خذوا جسدي، اشربوا دمي. أعطيكم القوّة كلّ يوم كي تعبروا من الشكّ إلى الإيمان، كي تخرجوا من القبر، كي تعبروا البحر. أنا لست بشبح. ويؤكد ذلك يوحنا الحبيب بقوله "ذاكَ الَّذي رَأَيناه وسَمِعناه، نُبَشِّرُكم بِه أَنتم أَيضًا لِتَكونَ لَكَم أَيضًا مُشاركَةٌ معَنا" (1 يوحنا 1: 1-2). والخبز هو تلميح الى تناول الافخارستيا (يوحنا 6: 1-13)، فالتلاميذ يُدعون ويشاركون في الطعام الذي يقدمه لهم المسيح القائم، فيأكل معهم كما في وليمة، وكأنها دعوة للتمتع بالوليمة السماوية.

إنه يسأل ليعطي وكأنه يبرِّر عطاءه! عَطِيَّتِه تسبِق عَطِيَّتَنا له، ولَكِنَّه يُريدُ من كلِّ تلميذٍ أن يكونَ مِثله، أن يُعطي على قدرِ طاقتِه، ولكننا لا نستطيع أن نعطي إن لم نأخذ عطيَّته أوّلا وهي جسده! فكلَّ واحدٍ مِنّا مدعوٌّ أن يكونَ قربانٌ يُؤكل مِن أجلِ الملكوت. هل نعطي اليوم عيش الإفخارستيا المكان الأول في حياتنا؟ هل ندرك أن الإفخارستيا هي عطيّة الله المطلقة والنهائية للكنيسة وللبشريّة؟

ب) كنيسة مرسلة

صورة الكنيسة القربانيّة لا تنفصل عن الكنيسة المرسلة. تقوم رسالة الكنيسة الأساسية على نقل البشارة "الإنجيل" إلى أقاصي الأرض، كما جاء في تعليم يسوع "كما أَرسَلَني الآب أُرسِلُكم أَنا أَيضاً" (يوحنا 20: 21). فالكنيسة هي مُرسلة إلى العالم لتلقي الشبكة وتبقى الحقيقة المميَّزة التي يتعرّف فيها المؤمن على يسوع الحيّ والقائم من الموت، وهي مدعوة لأن تضمّ جميع الشعوب وتمنحهم ملء النعمة والخلاص.

وقد حصلت الاعجوبة بعد الفصح، وذلك يعني ان ساعة التلاميذ قد دنت ليأخذوا شبكة معلمهم ويلقوها في البحر. فبأمر من يسوع يتوجب عليهم ان يلقوا الشبكة "أَلْقُوا الشَّبَكةَ إِلى يَمِينِ السَّفِينَةِ تَجِدُوا"(يوحنا 21: 6). ومِن دون كلمة المسيح تبقى شبكة الخلاص فارغة؛ أمَّا مع كلمة المسيح فالشبكة تمتلئ ولا تتمزّق، لان الله يحفظ رعيته ويجمع البشر في ملكوت الله. إن لكلمة الرب سلطانا كبيرا، كما قال النبي أشعيا "كما يَنزِلُ المَطَرُ والثَّلجُ مِنَ السَّماء ولا يَرجِعُ إِلى هُناك دونَ أَن يُروِيَ الأَرض ويَجعَلَها تُنتِجُ وتُنبِت لِتُؤتِيَ الزَّارعَ زَرعاً والآكِلَ طَعاماً فكذلك تَكونُ كَلِمَتي الَّتي تَخرُجُ مِن فمي: لا تَرجِعُ إِلَيَّ فارِغة بل تُتِمُّ ما شِئتُ وتَنجَحُ فيما أَرسَلْتُها لَه" (أشعيا 55: 10-11).

فالشبكة تشبه الرسالة التي بقوّةِ طاعة لكلمة المسيح تستطيع اصطيادَ النفوس لتُعيدها الى ربِّها ومُخلِّصها. فالتلاميذ مدعوون ان "يتَلمِذوا جَميعَ الأُمَم "(متى 28: 19)، كما يرمز عدد 153 سمكة التي اصطادوها؛ إذ ترمز هذه المجموعة من الأسماك إلى كلّ أصنافِ البَشَر الذين هم مَدعوون للدخول الى المَلكوت بواسطة بِشارةِ التلاميذ؛ أما السمكة في اللغة اليونانية “ΙΧΘΥC" فهي أول كل حرف لخمس كلمات معناها "يسوع المسيح ابن الله المُخَلِص". فالتلاميذ عليهم ان يبشّروا الشعوب كي يؤمنوا بالمسيح ابن الله المخلص كما ترمز إليه السمكة. والكنيسة تتابع بشارة الرسل؛ ولذلك فإن الكنيسة مَدعُوَّة أن تَفتَحَ أبوابها لكل البشر كي تجمع الشعوب والأمم في الوحدة وتمنحهم ملء النعمة والخلاص!

والكنيسة مدعوة أيضا على مثال مؤسّسها بأن تضم الأشرار والأخيار حيث استعمل كارل راهنر هذا التعبير “كنيسة الخاطئين المقدّسة". ويمثل عدد السمك (153) ضخامة عمل الغد. أمَّا السفينة فتدُل على الكنيسة، والشبكة تدُل على الرسالة، والصيد الوفير يدُل على الثمار الكثيرة للبشارة. وهنا وَعدٌ بأن شبكة الكنيسة لم تتمزق بل تبقى قوية متماسكة متينة صَلبة رغم المتاعب والمصاعب. إنها ترمز إلى وحدة الجماعة التي من أجلها صلب المسيح وهي تماما "كالجنود الذين لم يمزِّقوا القميص بعد صلب يسوع" (يوحنا 23: 19).

ولذلك فان الكنيسة "ستبقى واحدة مهما كثُر المؤمنون" كما يصرّح العلاَّمة الاب لاغرانج. ويتوقف نجاح رسالة الكنيسة على حضور الرب القائم من الموت، وعلى كلمته كما صرّح السيد المسيح "لأَنَّكُم بِمَعزِلٍ عَنِّي لا تَستَطيعونَ أَن تَعمَلوا شيئاً " (يوحنا 15: 5). فعمل الكنيسة الرسولي يتمّ بكلمة يسوع وحضوره الحيّ الحَاضِر فِي كَنيِسَتِهِ وَمَعَ كَنِيسَتِهِ كما جاء في بشارة انجيل يوحنا "فِي البَدءِ كَانِ الكَلِمَة وَالكَلِمَة كَانَ مَعَ الله وَكانَ الكَلِمَة الله (يوحنا 1: 1). ولا تحقّق الكنيسة هدفها إلاّ بنعمة الروح القدّس. فالكنيسة هي العلامة المميزة في عصرنا الحاضر التي يتعرّف فيها الناس على يسوع الحيّ والقائم من الموت. كنيسة المسيح مدعوّة لإكمال حضوره في هذا العالم والمساهمة في تتميم عمل الخلاص الّذي يُحققه. فهل ندرك أننا ببعدنا عن الله والكنيسة نخسر ونتعرّى من كل شيء؟

الخلاصة

يعيش التلاميذ من جديد، بعد القيامة، مصاعب الحياة اليوميّة لكن يسوع لم يتركهم بل هو حاضر في فشلهم ويعطي علامات عن قيامته. فمن من يؤمن بالمسيح القائم يختبر مدى عنايته وحنانه. ومن هنا يمكن ان نتلخص راوية ظهور يسوع على شاطئ البحيرة في ثلاث نقاط: حقيقة ومعجزة وعقيدة. أمَّا الحقيقة فهي قيامة المسيح؛ وأمَّا المعجزة فهي معجزة الصيد العجائبي ومن خلالها التعرف على المسيح الحي القائم من بين الأموات. وأمَّا العقيدة فهي قدرة المسيح الإلهية على الكون وتأسيسه كنيسة قربانية ومرسلة لنقل البشارة "الإنجيل" إلى أقاصي الأرض التي تبشّر كما جاء في وعظة بطرس الأولى "فيَسوعُ هذا قد أَقامَه اللّه، ونَحنُ بِأَجمَعِنا شُهودٌ على ذلك". هذه هي مُهمّة الرُسل الحقيقية ورسالة الكنيسة الأساسية. ولنختتم بحثنا مع تساؤلنا مع القديس البابا غريغوريوس الكبير عن رموز الصيد العجائبي "إلى ماذا يشير البحر إلا للعصر الحاضر الذي يضطرب بضجيج الظروف وفوضى هذه الحياة الفانية؟ ماذا تعني صلابة الشاطئ إلا استمرارية السلام الأبدي غير المنقطع؟ وحيث أن مخلصنا قد عبر فعلًا إلى ما وراء الجسد الفاني، لذلك وقف بعد قيامته على الشاطئ كمن يتحدث إلى تلاميذه بتصرفاته الخاصة بسرّ قيامته".

دعاء

أرسل لنا يا ربّ صيّادين قدّيسين يُطيعونَ مشيئتِكَ ويعملونَ بها. ويقودنا إلى شاطئ الأمان والسلام، من خلال كنيستك الواحدة، المقدسة الجامعة والرسولية. آمين

علق عن طريق الفيس بوك علق عن طريق الموقع

التعليقات

أرسل تعليقا

لن يظهر للقراء