الراعي الصالح والمعرفة والاصغاء

  • strict warning: Declaration of views_handler_field::query() should be compatible with views_handler::query($group_by = false) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/handlers/views_handler_field.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of content_handler_field::element_type() should be compatible with views_handler_field::element_type($none_supported = false, $default_empty = false, $inline = false) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/cck/includes/views/handlers/content_handler_field.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_handler_sort::options_validate() should be compatible with views_handler::options_validate($form, &$form_state) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/handlers/views_handler_sort.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_handler_sort::options_submit() should be compatible with views_handler::options_submit($form, &$form_state) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/handlers/views_handler_sort.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_handler_sort::query() should be compatible with views_handler::query($group_by = false) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/handlers/views_handler_sort.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_handler_filter::options_validate() should be compatible with views_handler::options_validate($form, &$form_state) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/handlers/views_handler_filter.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_handler_filter::query() should be compatible with views_handler::query($group_by = false) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/handlers/views_handler_filter.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_plugin_query::options_submit() should be compatible with views_plugin::options_submit($form, &$form_state) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/plugins/views_plugin_query.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_plugin_style_default::options() should be compatible with views_object::options() in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/plugins/views_plugin_style_default.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_plugin_row::options_validate() should be compatible with views_plugin::options_validate(&$form, &$form_state) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/plugins/views_plugin_row.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_handler_field_user::init() should be compatible with views_handler_field::init(&$view, $options) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/modules/user/views_handler_field_user.inc on line 0.

الراعي الصالح والمعرفة والاصغاء

الأب د. لويس حزبون
2019/05/18

يصف إنجيل يوحنا (يوحنا 10: 27-30) عمل الراعي الصالح للتعبير عن دور يسوع المسيح، الذي يفتح نافذة على العلاقة والمعرفة والثقة المتبادلة بين الراعي وخرافه المؤمنين من ناحية، وعلى سر المعرفة المتبادلة بين الآب والابن من ناحية أخرى وذلك لدعوة المؤمنين للمشاركة في حياته طريق الاصغاء والإتباع. ومن هنا تكمن أهمية البحث في وقائع النص الإنجيلي وتطبيقاته.

اولا: وقائع النص الانجيلي (يوحنا 10: 27-30)

27 إِنَّ خِرافي تُصْغي إِلى صَوتي وأَنا أَعرِفُها وهي تَتبَعُني

تشير عبارة" خرافي"(πρόβατα) الى "القَطيعُ الصَّغير" (لوقا 12: 32)، أي شعب المسيح الحقيقي المؤمن الذي سلمه نفسه اليه طوعا واختيارا. وقطعان الغنم هي عنصر اساسي في الثروات في مناطق الرعي في فلسطين. إذ أن ألبانها ولحومها تستخدم طعامًا، كما يستخدم صوفها في صنع الثياب وأغطية الخيام، ويمكن الاستفادة من جلودها وعظامها، وكانت الخراف من أهم السلع التجارية. كما كانت أهم الحيوانات التي تُقدَّم كذبائح حسب أحكام الشريعة (خروج 29: 22). وتمَّ ذكر الخراف بمختلف مسمياتها بما في ذلك الكباش والحملان والغنم والضأن في الكتاب المقدس. وكانت الخراف تجمع ليلاً في حظائر، قد تكون كهفًا أو بقعة مسورة بقطع غير منتظمة من الحجارة، أو بسور من الأغصان والأشواك، ويُشبِّه الرب شعبه بأنهم " غَنَمَ مرعاه" (مزمور 79: 13)؛ والمؤمنون يُشبهون بالخروف في عدم الأذى، والوداعة والطاعة (الانقياد للراعي)، والضعف واحتياجهم للراعي وقبول التعليم والنفع للآخرين والخدمة. أمَّا عبارة " تُصْغي إِلى صَوتي " فتشير الى احدى علامات خراف المسيح، وهي أنها تسمع صوته كراعٍ لها، لأنها تعيش معه، وتميِّز صوته، وتُنفِّذ إرادته في التوبة والايمان والبذل والتبشير والشهادة. والأصغاء في تفسير البابا فرنسيس هو "لقاؤنا قلبا لقلب مع المعلم الإلهي، الراعي الصالح ". والاصغاء المطيع يقتضي إتّباع المسيح في المسلك والموقف والمبادرات. خراف المسيح هم الذين يسمعون صوت المسيح ويتبعونه. ويعلق العلامة كيرلس الإسكندري "ان هناك تناقض بين أولئك الذين يصغون إلى صوت الراعي الصالح وأولئك الذين يغلقون آذانهم على دعوته. فعلامة خراف المسيح هي استعدادهم للإصغاء والطاعة، اما علامة أولئك الذين ليسوا هم خاصته فهي العصيان"(مقتطف من التعليق على إنجيل يوحنا 1: 7). وكيف يمكننا أن ننمو في الاصغاء إلى صوت راعينا يسوع المسيح؟ إذا طلبنا سيفتح آذاننا لسماعه فيتحدث إلى قلوبنا وعقولنا كما تنبا اشعيا النبي " يُنَبِّهُ أُذُني صَباحاً فصَباحاً لِأَسمعَ كتِلْميذ. السَّيِّدُ الرَّبُّ فَتَحَ أُذُني فلمِ أَعصِ ولا رَجَعتُ إِلى الوَراء" (أشعيا 50: 4-5). أمَّا عبارة "أَعرِفُها" فتشير الى الاتحاد بشعبه اذ “يَدعو خِرافَه كُلَّ واحدٍ مِنها بِاسمِه ويُخرِجُها، فإِذا أَخرَجَ خِرافَه جَميعاً سارَ قُدَّامَها وهي تَتبَعُه لأَنَّها تَعرِفُ صَوتَه" (يو10: 3-4). انه يعلم حاجاتها وتجاربها واحزانها وخطاياها وجودة مقاصدها. فتكتشف محبته ولا تريد أن تتركه فتتبعه. انها معرفة متبادلة بين يسوع وخرافه، وكما يقول بولس الرسول "إِنَّ الرَّبَّ يَعرِفُ الَّذينَ لَه "(2 طيموتاوس 2: 19). والمعرفة تؤدي الى محبة متبادلة تجد ينبوعها في المحبة التي تربط الآب والابن؛ ويعلق القدّيس البابا غريغوريوس الكبير "أَعرِفُ خِرافي، أي أحبّها، وخِرافي تَعرِفُني". وكأنّه يقول بكلّ وُضوح: "مَن يحبّني يَتبعُني!"، لأنّ مَن لا يُحبّ الحقيقة لم يعرفها بعد" (العظة 14 حول الإنجيل المقدّس). أمَّا عبارة "تَتبَعُني" فتشير الى دعوة يسوع الى المؤمنين التي تؤدي إلى أسلوب حياة جديد، وهي اتباعه عن حب وثقة وخبرة. وذلك بخروجنا من متاهة الدروب الخاطئة، والابتعاد عن التصرفات الأنانية، لنسير على الدروب الجديدة، دروب الأخوّة وعطاء الذات على مثال الراعي الصالح. والراعي الصالح يقود الخراف إلى المرعى، لا تساق سوقًا بل يتقدمها الراعي وهي تتبعه كما يصفه يوحنا الإنجيلي " فإِذا أَخرَجَ خِرافَه جَميعاً سارَ قُدَّامَها وهي تَتبَعُه لأَنَّها تَعرِفُ صَوتَه " (يوحنا 10: 4). يسوع الراعي يمشي قدام الخراف، وهكذا يدلُّها على الطريق، ويقودها الى المراعي الخصبة كما ورد في المزامير " في مَراعٍ نَضيرةٍ يُريحُني. مِياهَ الرَّاحةِ يورِدُ في ويُنعِشُ نَفْسي " (مزمور 23: 2). والجدير بالملاحظة أن عادة ما يسير الراعي في فلسطين وراء قطيعه، وفي الأماكن الخطرة يسير أمام قطيعه كدليل. وهو يدعو كل خروف باسمه، إنها تخصّ الراعي وتسمع نداءه. هي تصغي لصوته. وهكذا من يصغون الى صوت الراعي فينالون حياة ابدية، ومن لا يتجابون معه، لأنهم لم يكونوا يوما من خاصته. وبكلمة موجزة، يقوم موقف التلاميذ على أمرين هما الإصغاء والاتباع. وكلما أصغى الإنسان، كلما ازداد اتباعه لله. وأمَّا موقف الراعي فيقوم بمعرفة المؤمن وهبته الحياة الأبدية، إذ يأخذ مكان خرافه والّذي مات من أجلها لتستطيع أن تحيا إلى الأبد، يتقدّمها وهي "تتبع الحمل أينما ذهب" (رؤ14: 4). فالعلاقة بين الراعي وخرافه هي المحبة والثقة والإتباع.

28 وأَنا أَهَبُ لَها الحَياةَ الأَبديَّة فلا تَهلِكُ أَبداً ولا يَختَطِفُها أَحَدٌ مِن يَدي

تشير عبارة "الحَياةَ الأَبديَّة" الى حياة من الصداقة مع الله تبدأ على الأرض وتدوم الى الابد. وهبة الحياة الابدية تضمن المغفرة والمصالحة والسعادة في الدنيا وفي الآخرة مع المجد. وهبة الحياة علامة على لاهوت المسيح ونعمته. ويقدِّم السيد المسيح الحياة الأبدية هنا كهبة لمن يؤمن به؛ والايمان يرتبط بالحياة الأبدية؛ كيف؟ يوضِّح ذلك البابا غريغوريوس الكبير "يدخل المؤمن في باب الايمان(يسوع)، ويخرج من الايمان الى الرؤية، ومن الرؤية الى المشاهدة، فيجد المرعى في الوليمة الأبدية ". أمَّا عبارة "فلا تَهلِكُ أَبداً" في الأصل اليوناني ἀπόλωνται (معناها " يهلك " او " يخرب " ) فتشير الى المصير المرعب لدمارٍ أبدي، لكن الراعي يدفع َ عن نفوس المؤمنين به كل خطر، ولا سيما خطر الموت الثاني، أي الهلاك الابدي (رؤيا 2: 11)؛ انه يصونهم من الاخطار الداخلية كشهوات الجسد وفساد القلب ومن الاخطار الخارجية وهي تجارب الشيطان والعالم. وهكذا تعيش النفوس آمنة مطمئنة بدون فساد او هلاك؛ وذلك ما يؤكده بولس الرسول " وإِنِّي على يَقينٍ مِن أَنَّ ذاكَ الَّذي بَدَأَ فيكم عَمَلاً صالِحًا سيَسيرُ في إِتمامِه إِلى يَوم المسيحِ يسوع " (فيلبي 1: 6)؛ فالمسيح لن يترك المؤمنين به في حالة وقوعهم ظلال الى ان يسقطوا في هاوية الهلاك. فالخلاص من الهلاك لا يُقدر بثمن. أمَّا عبارة " يَختَطِفُها" فتشير إلى جذب شيء وأخذه بسرعة واختلاسه. فالخاطف هو من يأخذ شيئاً ليس له قسراً وبسرعة بدافع من الطمع والجشع والظلم، مثلما يخطف الأسد الفريسة (حزقيال 22: 25) أو يخطف الذئب الخراف (يوحنا 10: 12)؛ وتدل هنا على سلوكٍ عنيفٍ ضد الانسان، ليس من يقدر أن يحمينا منها سوى يد الله القديرة التي تحفظنا فيها. والخطف قد يكون في الخفاء كما يفعل السارق او في العلنية كما يفعل اللص المغتصب؛ ولا خوف على نفس المؤمن التي هي في يد المسيح. وأمَّا عبارة "ولا يَختَطِفُها أَحَدٌ مِن يَدي" فتشير الى تعبير بطريقة مختلفة عن بذل المسيح لذاته من أجلنا، أي أنه لن يسمح للشر، والألم، والموت أن يمنعونا من أن نكون مع الله، بين يدي الله، أن نحقق ذاتنا، ودعوتنا. اما تلك الخراف فيقول عنها الرسول بولس " إِنَّ الرَّبَّ يَعرِفُ الَّذينَ لَه" (2 طيموتاوس 2: 19)، " الَّذينَ سَبَقَ أَن قَضى لَهم بِذلك دَعاهم أَيضاً، والَّذينَ دَعاهُم بَرَّرَهم أَيضاً والَّذينَ بَرَّرَهم مَجَّدَهُم أَيضاً" (رومة 8: 30). ليس أحد من هذه الخراف يمسك بها الذئب، أو يسرقها سارق، أو يذبحها لص. فان قوة الراعي الصالح، التي لا تضاهيها قوة، هي قادرة ان تحمي الخراف وتحفظها، كما يقول صاحب المزامير "دَعا بائِسٌ والرَّبُّ سَمِعَه ومِن جَميعِ مَضايِقهِ خَلَّصَه. يُعَسكِرُ مَلاكُ الرَّبً حَولَ مُتَّقيه ويُنَجيهم" (مزمور 34: 6-7)؛ لهذا تقدر الخراف ان تتق به كل الثقة. فلا خوف على المؤمنين من أي قوة أرضية. قطيع السيد المسيح هو هبة يتسلمها الابن من يد الآب، ويبقى محفوظًا في يد الابن؛ يعلن يسوع عن الأمان الذي يتمتع به المؤمن، إذ هو محفوظ في يده. ويعلق البابا فرنسيس "حياتنا هي بأمان تام بين يدي يسوع والآب". لكن ربما يقول قائل " أعلم أن الشيطان لا يستطيع أن يخطفني، والإنسان يعجز عن القيام بهذا العمل، ولكن أنا قد أُهلك نفسي" إذا تهلك أليس كذلك؟ يحاول الشيطان بطُرق عديدة أن ينتزع منا الحياة الأبديّة ويهلكنا. لكن الشرير لن يفلح أبدًا ما لم نفتح له بأنفسنا أبواب نفوسنا، متبعين أفكاره المغرية المهلكة. حياتنا هي بأمان تام بين يدي يسوع والآب”

29 إِنَّ أَبي الَّذي وَهَبَها لي أَعظمُ مِن كُلِّ مَوجود. ما مِن أَحَدٍ يستطيعُ أَن يَختَطِفَ مِن يَدِ الآبِ شَيئاً

تشير عبارة "إِنَّ أَبي الَّذي وَهَبَها لي أَعظمُ مِن كُلِّ مَوجود " الى الآب الذي هو المصدر النهائي للسلطان الذي عليه يؤسس ضمانة وأمن أبنائه؛ وهذه النفوس انتقلت من يد الله الخالق الى إلى يد الفادي ليُخلصها. أمَّا عبارة "ما مِن أَحَدٍ يستطيعُ أَن يَختَطِفَ مِن يَدِ الآبِ شَيئاً" فهي مقتبسة من اشعيا النبي " مُنذ اليَومَ أَنا هو ولا مُنقِذَ مِن يَدي أَفعَلُ ومَن يَرُدّ"(اشعيا 43: 13)؛ وهي تشير الى الآب الكلي القدرة الذي هو المسؤول الأخير عن الخراف. وهو حريص على كلّ من يتقرّب منه؛ ويعلق القديس أمبروسيوس "الخراف التي تسمع صوت المسيح لن يقدر أحد أن يخطفها من الآب أو من الابن أو من الروح القدس". وكان يسوع أول من اختبر هذه العلاقة مع الآب، فقد سلّم حياته له وأصغى إليه، كذلك لا يجوز للخراف ان تخاف مهما كانت الاضطهادات قاسية، فحياتها بيد الله فهي لا تهلك بل تصبح حياة أبدية. وبكلمة أخرى، دخل التلاميذ مع المسيح في اتحاد وثيق لا تستطيع أية إرادة في العالم أن تفصلهم عنه، لأنه يعطيهم حياة أبدية ولن يهلكوا إلى الأبد (يوحنا 10: 28). أمَّا عبارة " يَدِ الآبِ " فتشير الى القوة، فإن قوة الآب والابن واحدة. ويربط يسوع بين عمله وعمل الآب ليظهر الوحدة بينهما. ويعلق القديس يوحنا الذهبي الفم "يده ويد أبيه واحدة في القدرة، ومن جوهر واحد نفسه"؛ وفي الواقع، ورد ذكر كلمة "يد" مرتين في هذا النص الإنجيلي: يد يسوع (يوحنا 10: 28) ويد الآب (يوحنا 10: 29). خراف السيد المسيح هي هبة يتسلمها الابن من يد الآب، وتبقى محفوظًة في يد الابن كما في يد الآب، أي محفوظة بالروح القدس الذي هو روح المسيح وروح الآب أيضًا. ومن هذا المنطلق يحمي يسوع بيديه ويصون الأمانة من غير أن يخسر ما وضعه الآب في يديه.

30 أَنا والآبُ واحِد

عبارة "أَنا والآبُ واحِد" في الأصل اليوناني ἐγὼ καὶ ὁ πατὴρ ἕν ἐσμεν (معناها انا والأب نكون واحد) تشير الى "مساواة يسوع الابن مع الآب في اللاهوت" كما يؤكد القديس أوغسطينوس. إن الآب والابن طبيعة الهية واحدة، أي أن عمل الفداء والرعاية والحفظ وإعطاء الحياة الأبدية متكامل بينه وبين الآب، الآب يريد والابن يُنفذ ويأتي بالمفديين للآب. هم رعية الابن، والآب يحفظهم، هي قوة واحدة لله مشيئة وعملًا. فالآب يحفظ والمسيح يحفظ، نحن في يد المسيح كما في يد الآب، وهذا تعبير عن وحدة القوة الإلهية، إنها وحدة حب وعمل كما هي وحدة جوهر. وهنا يبين يوحنا الإنجيلي وحدة الألوهية من ناحية، ووحدة الجوهر من الناحية الأخرى؛ أمَّا عبارة "واحد" باليونانية (ἕν) فتشير الى طبيعة واحدة، جوهر واحد وحيث لا يوجد انفصال في السلطان وفي الطبيعة. ولهذا فالابن ليس إلهًا آخر" جَميعُ ما هو لِلآب فهُو لي "(يوحنا 16: 15)، وبعد ذلك يضيف يسوع "أنَّ الآبَ فيَّ وأَنيِّ في الآب " (يوحنا 14: 38)، وذلك لكي يوضِّح وحده الألوهية من ناحية، ووحدة الجوهر من الناحية الأخرى. ويعلق القديس أمبروسيوس "إنها وحدة حب وعمل، ولهذا فهي وحدة فريدة لا يمكن لخليقة ما أن تبلغها، وإنما هي المثل الأعلى للوحدة التي يشتهيها من يلتصق بالله، ويتحد معه". الاب والابن هما واحد، ولكن ليس مثل الشيء الواحد الذي ينقسم إلى جزئين، كما أنهما ليسا مثل الواحد الذي يسمى باسمين، فمرة يُدعى الآب، ومرة أخرى يُدعى هو نفسه ابنه الذاتي. لكن هما اثنان، لأن الآب هو الآب، ولا يكون ابنًا، والابن هو ابن ولا يكون أبًا. لكن الطبيعة هي واحدة، لأن المولود متشابه لوالده، لأنه صورته، وكل ما هو للآب هو للابن (يوحنا 16: 15). كلاهما واحد في الذات، وواحد في خصوصية الطبيعة وفي وحدة الألوهية. فإن تساوي الأعمال وكونها هي بذاتها، يقدم برهانًا على سلطانه غير المختلف. ويوحي هذه القول بوحدة من المحبة المتبادلة التي هي نتيجة الاتحاد الذي يجمع بين الآب والابن كما أعلن يسوع في صلاته الكهنوتية " لِيَكونوا واحِداً كما نَحنُ واحِد" (يوحنا 17: 11 و22). ولأن يسوع يشارك الآب في قدرته بلا حد (يوحنا 5: 17-19)، فبإمكانه أن يحمي خاصته حماية تامة (يوحنا 5: 17-19). وهذه العبارة "َأنا والآبُ واحِد") تدحض مذهب السبيليون ومذهب الآرسيين. واعتبر العلامة اوغسطينوس ان الفعل اليوناني ἐσμεν. (نكون) يدحض ويفنّد مذهب سبَليوس Sabelius من القرن الثالث القائل ان التثليث كناية عن ثلاثة تجليات مختلفة لإله واحد منفرد الاقنوم أي ان الالفاظ آب وابن وروح قدس ليست أقانيم متميّزة بل أسماء مظاهر اقنوم واحد سُمّي الآب، لأنه خالق، وسُمّي الابن، لأنه الفادي، وسُمّي الروح القدس لأنه المعزِّي والمقدِّس. واما لفظة ἕν (واحد) صيغة للجماد فهي تدحض وتفنّد مذهب أريوس القائل ان الاب هو الآصل، وان الابن والروح القدس مخلوقان لهما المقام الأول بين الخلائق وطبيعتهما تشبهان طبيعته الإلهية. وأمَّا اليهود فقد فسّروا هذه الكلمات "أنا والآبُ واحِد" كادعاء المسيح بالسلطان المطلق، لذا أرادوا ان يرجموه (يوحنا 10: 31) كمجذِّف بدون أي محاكمة. ولم يستطع اليهود أن ينكروا الأعمال، لكنهم لم يحتملوا كلماته، حاسبين أنه قد تجاسر وساوى نفسه بالله، كما جاء في تصريح اليهود للمسيح "لا نَرجُمُكَ لِلعَمَلِ الحَسَن، بل لِلتَّجْديف، لأَنَّكَ، وأَنتَ إنْسان، تَجعَلُ نَفْسَكَ الله" (يوحنا 10: 33). لكن القديس يوحنا الانجيلي يؤكد أن ذبيحة المسيح هي موضوع حب الآب لنا، وأنها ثمرة الحب المتبادل بين الآب والابن. فالحب الإلهي هو سمة الثالوث القدوس وليس خاصًا بأقنوم دون آخر. يمكننا أحيانًا أن نقول: نحن في الله والله فينا، لأن الله يحتوينا والله فينا لأننا صرنا هيكل الله لكن هل يمكننا القول: "نحن والآب واحد"؟ انها امتياز الرب اذي هو مساواة للآب.

ثانياً: تطبيقات النص الإنجيلي

انطلاقا من هذه الملاحظات الوجيزة حول وقائع النص الإنجيلي (يوحنا 10: 27-30)، يمكن ان نستنتج انه يتمحور حول خطاب سيدنا يسوع المسيح كراعٍ صالحٍ في عيد تجديد الهيكل. وعبّر هذا الخطاب عن العلاقة والمعرفة والثقة المتبادلة بين الراعي وخرافه. ومن هنا نبحث في نقطتين: مكان الخطاب ومناسبته، وموضوع الخطاب.

1) مكان الخطاب ومناسبته

في فصل الشتاء كان يسوع يتمشّى في هيكل اورشليم تحت رواق سليمان في عيد تجديد او تكريس الهيكل. إذ كان اليهود في أواخر كانون الأول يحيون ذكرى إعادة بناء الهيكل وتدشينه الجديد الذي جاء على أثر انتصار يهوذا المكابي على انطيوخس ابيفانوس الرابع ملك الدولة السلوقية سنة 167 ق. م. (1ملوك 4: 36-59) الذي دنّس الهيكل، إذ الزم اليهود بالعبادة الوثنية، ومنعهم من تطبيق الشرعة اليهودية من ختان الأطفال وحفظ السبت.

ويسمًى عيد تجديد الهيكل ايضا حانوكا (חֲנֻכָּה) أي “تدشين"، ويشير هذا الاسم إلى تدشين الهيكل من جديد بعد ترميمه على يد الحشمونيين إثر نجاح ثورتهم ضد السلوقيين (1 المكابيين 4: 51-57). وقد ورد عيد "التدشين " أيضا في كتاب "تاريخ اليهود" للمؤرخ اليهودي الروماني يوسيفوس فلافيوس، الفصل 12). ولا يُحتفل بهذا العيد في أورشليم وحدها كعيد الفصح (פסח) والمظال סוכות (عيد العرش)، وعيد الأسابيعשבועות، وإنما يحتفل به أيضا في كل مكان.

ويُعرف هذا العيد أيضا ب "عيد الأنوار" (חג האורים) لكثرة استعمال الانارة. يستمر عيد الأنوار ثمانية أيام وتُوقد في مساء كل يوم من أيامه شموع بأعداد متزايدة كل يوم في شمعدان مُعدٍ خصوصاً لذلك الغرض. ويتم إضاءة شمعة واحدة في اليوم الأول، ثم شمعة ثانية في مساء اليوم الثاني وهكذا حتى تكتمل إضاءة الشموع الثمانية. ويضيف التلمود إليها شرحا لعدد أيام العيد، حيث يقول إن أيام العيد الثمانية تشير إلى معجزة حدثت للحشمونيين عند تدشين الهيكل. إذ لم يبق في الهيكل ما يكفي من الزيت الصالح لإيقاد الشمعدان المقدس، وبرغم ذلك فإنه أنار الهيكل 8 أيام بالكمية القليلة من الزيت الباقي حتى تمَّ تحضير الزيت الجديد.

وفيما كان اليهود يحتفلون بعيد تقديس الهيكل وتكريسه (يوحنا 10: 22)، أعلن يسوع المسيح لهم أنه هو الذي كرسه الآب وأرسله إلى العالم راعيا صالحا، جاء إلى بيته وبيت أبيه، أي الهيكل، ليخدم كل نفس تطلبه.

2) موضوع الخطاب

أمَّا خطاب يسوع فيتناول ملامح الراعي الصالح مبيّنا العلاقة والمعرفة والثقة المتبادلة بين الراعي وخرافه المؤمنين.

ا) العلاقة بين الراعي وخرافه

العلاقة بين الراعي وخرافه مألوفة في الشرق القديم، إذ ترقى الى عهد البداوي عند الشعب العبراني (التكوين 13: 2-5). ويذهب الراعي إلى الحظيرة في الصباح ويدعو خرافه التي تعرف صوته وتتبعه. أمَّا الصوت الغريب فلا تعرفه (يوحنا 10: 2-5) ويقودها إلى المرعى ويقضي معها هناك النهار كله، وفي بعض الأحيان الليل أيضًا (التكوين 31: 4) ويحرسها من الوحوش، واللصوص (1 صموئيل 17: 34). ويرد الضال (لوقا 15: 4) ويعني بصفة خاصة بالصغار والضعفاء منها؛ فيقوي الضعيفة، ويداوي المريضة، ويجبر المكسورة ويرد الشاردة ويبحث عن الضالة (حزقيال 34: 4). ويحمل الراعي عادة عصا طويلة لقيادة الغنم وجمْعها معًا والدفاع عنها وتأديب العُصاة منها (مزمور 23: 4).

والأرض في فلسطين أرض تلال ومناطق وعرة بها وحوش لذلك تحتاج ليقظة من الراعي في النهار والليل، وهم دائمًا في نوبات حراسة، " رُعاةٌ يَبيتونَ في البَرِّيَّة، يَتناوَبونَ السَّهَرَ في اللَّيلِ على رَعِيَّتِهم. " (لوقا 2: 8). ولأن الماء قليل في فلسطين فالرعاة يأخذون خرافهم للماء. فالخروف يخاف من المياه الجارية لئلا يبتل ويثقل صوفه فيغرق. لذلك يشرب من المياه الراكدة. فيأتي الراعي ويضع حجرًا كبيرًا في طريق المياه الجارية فتهدأ سرعتها فتشرب الخراف، وبهذا تسمى المياه، مياه الراحة. والراعي له عصا يطرد بها الوحوش والذئاب وله عكاز (عصا طويلة مثنية في نهايتها حتى لا يؤلم الخروف) يرد بها الخروف لطريقه إذا ضل وهذا العكاز يستعمله الراعي في أن يمرر خرافه من تحتها لتدخل الحظيرة مساءً فيعرف عددها وبذلك لا يضيع خروف، وإن ضل خروف، يذهب وراءه ليرد هذا الخروف الضال (متى 18: 12 -14).

وصورة الراعي واحدة من أغنى تعابير العهد بين الله والشعب القديم "لرَّبُّ راعِيَّ فما مِن شيَءٍ يُعوِزني" (مزمور 23: 1)، "فإِنَّه هو إِلهُنا ونحنُ شَعبُ مَرْعاه وغَنَمُ يَدِه" (مزمور95: 7). ارتبط الله بشعبه، كما يرتبط الراعي بقطيعه. والشعب القديم هو قطيع الله. ومن أجل هذه الرعاية صار يطلق على الملوك والبطاركة والأساقفة لقب راعي، بل أطلق الاسم على الله، فهو راعي إسرائيل. "الرب راعيَّ فلا يعوزني شيء" ومن (مزمور 23: 1) فالله هو المسئول عن حياتي وحمايتي وكل احتياجاتي؟ هذا المثل الأعلى لصورة الراعي يتحقق في المسيح، فنسب يسوع الى نفسه صورة الراعي (يوحنا 10: 1-18) الذي يبحت عن الخروف الضال (متى 18: 12) ويتفقد شعبه لأنهم " كَغَنَمٍ لا راعيَ لها" (متى 9: 36)

ونستنتج مما سبق أنَّ استعارة صورة الراعي تعبّر بشكل رائع عن ناحيتين من السلطة: قائد ورفيق. إن الراعي هو في الوقت نفسه قائد ورفيق؛ يتولّى أمر القطيع (إرميا 23: 3)، ويجمعه (ميخا 4: 6)، ويعيده إلى مرتعه (إرميا 50: 19)، وأخيراً يحفظه (إرميا 31: 10). انه رجل قويّ، قادرٌ على أن يدافع عن قطيعه ضد الحيوانات الضارية (1 صموئيل 17: 34-37). ومن ناحية أخرى، يعامل نعاجه برقة، فيعرف وجوهها (أمثال 27: 23)، ويتكيّف وفق حالها (تكوين 33: 13-14)، ويحملها على ذراعيه (اشعيا 40: 11) ويعزّ الواحدة والأخرى "كابنته" (2 صموئيل 12: 3).

استخدم الله صورة الراعي لوصف علاقة العهد به ورعايته لشعبه المختار الذي استدعاه باسمه (مزمور 80: 1 و100: 3). دعا الله داود، الذي رعى قطيع أبيه في شبابه، ليكون الملك الممسوح والراعي لشعبه في العهد القديم (حزقيال 37:24). وأطلق يسوع، مسيح الله الممسوح والملك، المولود من نسل داود، أطلق على نفسه اسم الراعي الصالح لرعاية الشعب الذي عهد إليه أبوه السماوي رعايته (يوحنا 10: 29).

أمَّا كلمة صالح في أصلها اللغوي اليوناني καλός,، تعني جميل، طيب، حسن، جيد. وبالتالي فهي تدل على الصلاح مع الجمال. فالراعي الصالح له شخصية جميلة النفس مُحبَّبة عند خرافه. هو يُحب خرافه محبة شديدة ويبذل نفسه عنها، وخرافه تعرفه وتحبه. فإن الراعي الصالح يعبِّر عن الصلاح الجذاب للرعية. فمع صلاح رعايته تتمتع الرعية بجاذبية شخصه، أو انجذابهم إليه.

وأمَّا إعلان يسوع نفسه "انا هو الراعي" فليس لها معنى تفسيري وإعلاني فقط، انما ترتبط بعبارة "انا هو" التي استخدمها الله في العهد القديم لكي يكشف نفسه للشعب بانه هو إله ومخلصه، وانه دائم الحضور والعمل (خروج 3: 14). ولهذه العبارة معنى الوعد والالتزام أيضا. فالمسيح يلتزم تجاه خرافه، وتجاه الآب الذي عهد إليه بهذه الخراف (يوحنا 29: 29)، وهو لن يخون عهده، ولن يتنكر لرسالته. بل اعتبر يسوع نفسه مرسلاً إلى الخراف الضالة من آل إسرائيل (متى 15: 24)، ويجمع حوله " القطيع الصغير"، أي التلاميذ (لوقا 12: 32)، والنعاج المُشتَّتة التي تأتي على السواء من حظيرة إسرائيل ومن الأمم (يوحنا 10: 16). فإن القطيع الواحد الذي جمعه يسوع هكذا يظلّ موحّداً إلى الأبد، لأن محّبة الآب القدير هي التي تحفظه وتكفل له الحياة الأبدية (يوحنا 10: 27-30).

وأخيراً، فإنَ يسوع هو الراعي المثالي، لأنه يبذل نفسه عن الخراف (10: 15 و17-18). وببذل نفسه باختياره (يوحنا 10: 18). فإن يسوع يخرج الخراف "في مرعى صالح يرعاها" (يوحنا 10: 11). فحينئذ تعرف الربّ (يوحنا 10: 15) الذي يخلصها (يوحنا 10: 9). المسيح وحده هو المخلص، السيد، معطي ذاته كما جاء في كلامه " فقَد أَتَيتُ لِتَكونَ الحَياةُ لِلنَّاس وتَفيضَ فيهِم " (يوحنا 10: 10). من ثمَّ، تشير صورة الراعي والخراف إلى العلاقة الوثيقة التي يريد يسوع أن يقيمها مع كل واحد منا. هو مرشدنا، ومعلمنا، وصديقنا، ومثالنا وقبل كل شيء مخلِّصنا كما صرّح " وأَنا أَهَبُ لَها الحَياةَ الأَبديَّة فلا تَهلِكُ أَبداً ولا يَختَطِفُها أَحَدٌ مِن يَدي" (يوحنا 10: 28). صار الراعي حَمَلاً، وسمح بأن يُصبح ذبيحة ليأخذ على عاتقه خطيئة العالم ويرفعها. بهذا الشكل منحنا الحياة، كما صرّح يسوع "أَمَّا أَنا فقَد أَتَيتُ لِتَكونَ الحَياةُ لِلنَّاس وتَفيضَ فيهِم" (يوحنا 10، 10).

يسوع هو "الراعي الواحد" المنتظر (حزقيال 34: 23)، كما يعلن يسوع نفسه "أَنا الرَّاعي الصَّالِح والرَّاعي الصَّالِحُ يَبذِلُ نَفْسَه في سَبيلِ الخِراف" (يوحنا 10: 11). لذا سلطته مؤسسة على البذل والمحبة والحياة؛ فقد اتى يسوع "لِتَكونَ الحَياةُ لِلنَّاس وتَفيضَ فيهِم." (يوحنا 10: 10). والحياة في انجيل يوحنا هي مختصر كل الخيرات، ولكي يوفر هذه الخيرات لخرافه، لا يتردد الراعي الصالح عن التضحية بحياته “والرَّاعي الصَّالِحُ يَبذِلُ نَفْسَه في سَبيلِ الخِراف" (يوحنا 10: 12) يسوع يبذل نفسه حتى الموت ليحيا تلاميذه (يوحنا 11: 50-52). إنه الراعي الصالح يريد الخير لخرافه، "أَنا أَرْعى خِرافي وأَنا أُربِضُها، يَقولُ السَّيِّدُ الرَّبّ، فأَبحَث عنِ الضالَّةِ وأَرُدُّ الشارِدَةَ وأَجبُرُ المَكْسورَةَ وأُقَوِّي. الضَّعيفَةَ وأُهلِكُ السَّمينَةَ والقَوِّية، وأَرْعاها بِعَدْل" (حزقيال 34: 15-16) المسيح هو ذبيحة الحب يموت عن قطيعه. وفي العصور المسيحية الأولى كانت الراعي الصالح المثل الاكمل للمخلص يسوع المسيح، ولذلك نجده منقوشا على لقبور في الدياميس.

ان مسؤولية الرعاية على خطى الراعي الصالح هي مسؤولية مشتركة يحملها كلُّ واحدٍ بحسب المهمة الموكلة إليه وفي المكان المخصص له، كما جاء في قول عمر بن الخطاب "كُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ فَالْإِمَامُ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ وَالرَّجُلُ فِي أَهْلِهِ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ وَالْمَرْأَةُ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا رَاعِيَةٌ وَهِيَ مَسْئُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا وَالْخَادِمُ فِي مَالِ سَيِّدِهِ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ". فلا يتنصل أحدٌ من القيام بنصيبه من خدمة مجتمعه. وتفترض هذه الرعاية المحبة والتضحية والبذل والعطاء حتى بالحياة.

ب) المعرفة بين الراعي وخرافه

المعرفة في مفهوم الكتاب المقدس تفيد علاقة وجودية في اختبار الحياة أكثر منها في إطار علمي نظري؛ وبهذا المعنى نعرف الألم (اشعيا 53: 3)، والخطيئة (حكمة 3: 13)، والحرب (قضا ة 3: 1)، والسلام (اشعيا 59: 8)، والخير والشر (التكوين 2: 9)؛ وأما معرفة شخص ما فتعني الدخول في علاقات شخصية معه، التي تؤدي الى التضامن والالفة. فالمعرفة تعني الحضور الحميم بين شخصين، كما انها تعني الاستقبال والثقة المتبادلين، والتشارك في القلب والأفكار.

والمسيح لا يتردد في معرفته لخرافه " وأَنا أَعرِفُها وهي تَتبَعُني “. إنه يعرف خاصته، إذ يتطلع إليهم بعيني الحب والاهتمام الرعوي، يعرفهم فيبذل ذاته بكل سرور من أجلهم. وكما يقول القديس يوحنا: " أَحَبَّنا قَبلَ أَن نُحِبَّه" (1 يوحنا 4: 19). وكما يؤكد ذلك بولس الرسول " أَمَّا الآن، وقَد عَرَفتُمُ الله، بل عَرَفَكمُ الله" (غلاطية 4: 9). ويُشبِّه معرفته أي ارتباطه بخرافه، بارتباطه بأبيه “أَعرِفُ خِرافي وخِرافي تَعرِفُني كَما أَنَّ أَبي يَعرِفُني وأَنا أَعرِفُ أَبي " (يوحنا 10: 15). فهذه المعرفة او الاتحاد يعني حضور الواحد في الآخر حضوراً روحيا "أَنَّ الآبَ فيَّ وأَنيِّ في الآب" (يوحنا 10: 38) هذه هي علاقة المسيح بتلاميذه.

ويقدم لنا انجيل يوحنا المعرفة الفريدة المتبادلة بين الآب والابن، علامة وحدة الفكر والإرادة ووحدة العمل معًا مع وحدة الجوهر الإلهي، كمثال للمعرفة بينه وبيننا كخاصته المحبوبة لديه التي تجد أبديتها في قبول مشيئته وقوته والعمل به ومعه!

ويحُدِّد يوحنا الانجيلي مراحل هذا المعرفة. فينبغي على التلاميذ يدعون الآب ان يُعلّمهم، كي يجذبهم نحو يسوع (يوحنا 6: 44-45). فيسوع يعرفهم، وهم يعرفونه (يوحنا 10: 14)، ويسوع بدوره يقودهم نحو الآب (يوحنا (14: 6). ومع ذلك فإن كل ما يقوله يسوع ويصنعه سيظل بالنسبة إليهم لغزاً (يوحنا 16: 25)، حتى يرتفع على عود الصليب. (يوحنا 8: 28)، وهو وحده ينال للتلاميذ هبة الروح (يوحنا 7: 39). ويكشف هذا الروح لهم كل ما ترمي أليه كلمات يسوع وأعماله (يوحنا 14: 26)، ويقودهم إلى معرفة الحق كله (يوحنا 16: 13).

على هذا النحو يعرف التلاميذ يسوع، وبيسوع يعرفون الآب (14: 7 و20). ولذلك تقوم علاقة جديدة مع الله "إنَّ ابنَ اللهِ أَتى وأَنَّه أَعْطانا بَصيرةً لِنَعرِفَ بِها الحَقّ. نَحنُ في الحَقِّ " (1 يوحنا 5: 20). إن الحياة" الأبدية تقوم على الحَياةُ الأَبدِيَّة " والحَياةُ الأَبدِيَّة هي أَن يَعرِفوكَ أَنت الإِلهَ الحَقَّ وحدَكَ ويَعرِفوا الَّذي أَرسَلتَه يَسوعَ المَسيح " (يوحنا 17: 3)، وهي معرفة مباشرة، "فلَيسَ بِكم حاجَةٌ إِلى مَن يُعَلِّمُكم" (1 يوحنا 2: 27). وهذه المعرفة تتضمن قدرة على التمييز (1 يوحنا 2: 3 5).

على أن معرفة الله هذه، إذا ما أخذت بكل معناها الواسع، فتستحق أن تسمّى " الاشتراك " ذاكَ الَّذي رَأَيناه وسَمِعناه، نُبَشِّرُكم بِه أَنتم أَيضًا لِتَكونَ لَكَم أَيضًا مُشاركَةٌ معَنا ومُشاركتُنا هي مُشاركةٌ لِلآب ولاَبنِه يسوعَ المسيح (1 يوحنا 1: 3)، لأنها مشاركة في نفس الحياة الواحدة (يوحنا 14: 19-20)، ووحدة كاملة في حقيقة المحبة (يوحنا 17: 26). وهنا نتساءل هل هناك معرفة متبادلة بين الراعي والرعية، هل هناك تفاهم أو لغة مشتركة ام "فالراعي في واد، والرعية في واد"،.

ب) الثقة المتبادلة بين الراعي وخرافه

بناء على المعرفة المتبادلة بين الراعي وخرافه ينتج رباط وثيق بينهما كما يؤكده يسوع:" أَنا الرَّاعي الصَّالح أَعرِفُ خِرافي وخِرافي تَعرِفُني" (يوحنا 10: 15). والمعرفة تعني الثقة والشعور بالارتباط المتبادل في الرضى والمحبة. ويقيم يسوع على المعرفة" المتبادلة بين الراعي وخرافه (يوحنّا 10: 3-4) حياةً جديدة مبنيةً على المحبة المتبادلة التي توحِّد بين الآب والابن، كما أعلن يسوع " إِنَّكم في ذلك اليَومِ تَعرِفونَ أَنِّي في أَبي وأَنَّكم فِيَّ وأَنِّي فِيكُم"(14: 20).

وكشف الراعي الصالح عن قوة في حماية الخراف والحفاظ عليها بقوله "لا يَختَطِفُها أَحَدٌ مِن يَدي" (يوحنا 10: 28)؛ لهذا تقدر الخراف ان تتق به كل الثقة. فلا خوف على المؤمنين من أي قوة أرضية. ويَعد الرب لأتقيائه بأنه " مِنَ الظّلمِ والعُنفِ يَفتَدي نُفوسَهم ودَمُهم في عَينَيه ثَمين" (مزمور 72: 14). لذا يقول الراعي الصالح " إِنَّ خِرافي تُصْغي إِلى صَوتي وأَنا أَعرِفُها وهي تَتبَعُني (يوحنا 10: 27) إنها تخصّ الراعي وتسمع نداءه. وعليه فإنهم ينالون حياة ابدية. كما وعدهم يسوع "وأَنا أَهَبُ لَها الحَياةَ الأَبديَّة فلا تَهلِكُ أَبداً ولا يَختَطِفُها أَحَدٌ مِن يَدي"(يوحنا 10: 28).

قطيع السيد المسيح هو هبة تسلمها الابن من يد الآب، ويبقى محفوظًا في يد الابن؛ ويؤكد الراعي الصالح ضمان المؤمنين ضماناً أبدياً " أنا أَهَبُ لَها الحَياةَ الأَبديَّة فلا تَهلِكُ أَبداً ولا يَختَطِفُها أَحَدٌ مِن يَدي. إِنَّ أَبي الَّذي وَهَبَها لي أَعظمُ مِن كُلِّ مَوجود. ما مِن أَحَدٍ يستطيعُ أَن يَختَطِفَ مِن يَدِ الآبِ شَيئاً أَنا والآبُ واحِد" (يوحنا 10: 27 28-30).

ج) الاصغاء

يقدم السيد المسيح علامات مميزة لخرافه، فهي تسمع صوته كراعٍ لها، وتعرف صوت حبه واهتمامه، وتتبعه "إِنَّ خِرافي تُصْغي إِلى صَوتي وأَنا أَعرِفُها وهي تَتبَعُني" (يوحنا 10: 27). انها تطيعه، وتؤمن (يوحنا 3: 21-36) وتتلمذ للراعي الصالح (يوحنا 6: 45) وترفقه وتصحبه كيفما سار (رؤيا 7: 17)، وتسير في نوره وعلى خطاه (يوحنا 8: 12)، لان صوته لا يخدع، وكلمته هي كلمة الابن الذي جعل الآب كل شيء في يده (يوحنا 10: 29)، وتتأهل أن تكون موضع معرفته. وكما يقول الرسول: " إِنَّ الرَّبَّ يَعرِفُ الَّذينَ لَه" (2 طيموتاوس 2: 19). يعرف يسوع تلاميذه مثلما يعرف الله شعبه.

ما من أحد بإمكانه أن يقول إنه يتبع يسوع، إن لم يكن يصغي إلى صوته. وهذا "لإصغاء" ليس مجرد أمر سطحي، لكنه يُلزم، لدرجة أنه يسمح بمعرفة متبادلة حقيقية، يولد منها إتّباع سخيّ، يُعبّر عنه في الكلمات "وهي تَتبَعُني" (يوحنا 10: 27). والإصغاء لا يعتمد على الأذان، بل إصغاء للقلب!

ولا يكون الناس للمسيح خرافا إلا بمقدار ما يصغون اليه، ويؤمنون به راعيا ويتبعونه ويتمتعون معه بحياته. وهو يهبها الحياة الأبدية. وهي تميّز صوته من بين الأصوات كلها. تميّز الخراف بين صوت الراعي من صوت السارق الذي يريد الضرر والذبح " كالسَّارِقُ الذي لا يأتي إِلاَّ لِيَسرِقَ ويَذبَحَ ويُهلِك"، (يوحنا 10: 10) الذي يتنبأ عنهم ارميا النبي قوله " وَيلٌ لِلرُّعاةِ الَّذينَ يُبيدونَ ويُشَتِّتونَ غَنَمَ رَعِيَّتي، يَقولُ الرَّبّ " (ارميا 23: 1).
وتميّز الخراف أيضا صوت الراعي من صوت الغريب الذي لا يهمّه أمر الخراف، والقطيع يعرف صاحبه فيلتصق به، وأمَّا صوت الغرباء فيهرب القطيع منهم. وكما قيل: عَرَفَ اكورُ مالِكَه " (اشعيا 1: 3).

وأخيرا تميّز صوت الراعي من صوت الاجير الذي يشتغل لقاء اجرة ويوازي بين اهتمامه بالخراف والاجرة التي تعطى له. فهو يُفضِّل الأجرة على الخدمة وعلى محبته لرعيته (يوحنا 10: 12). فهو يرعى الخراف لأجل نفسه ويأخذ أجرة، او يقبض راتب فسي آخر الشهر، ويطلب دومًا ما هو لسلامه غير مبالٍ بالخراف وغير مستعد أن يموت لأجلها. ولو ظهر خطر مفاجئ كظهور ذئب يهرب بحياته. فالأجير يرعى نفسه لا الغنم" كما جاء في تنبؤات حزقيال (حزقيال 34: 4). الاجير يترك في لحظات الخطر ويهرب لينج بنفسه. ويصف بولس الرسول الاجير ذاك الذي يطلب ما هو لنفسه لا ما هو ليسوع المسيح" (فيلبي 2: 21). أمَّا الراعي الصالح فيعمل مجانا كما امر الرب " َخَذتُم مَجَّاناً فَمَجَّاناً أَعطوا" (متى 10: 8)، ويطلب ما هو للخراف غير مبالٍ بما هو لنفسه كما جاء في تعليم بولس الرسول "لا يَسْعَيَنَّ أَحَدٌ إِلى مَنفَعَتِه، بل إِلى مَنفَعَةِ غَيرِه" (1 قورنتس 10: 24). ويضحّي بنفسه لإنقاذ خرافه، وذلك لان الخراف خاصته. انه يجعل نفسه منها، وكل ما يصيبها يصيبه. وظهر الفارق واضحًا بين الراعي المهتم بخرافه وبين الأجراء؛ أي بين السيد المسيح الذي يشتاق إلى خلاص البشرية والفريسيين الذين يهتمون بكرامتهم الذاتية وسلطانهم ومكاسبهم كما جاء في رواية شفاء الاعمى (يوحنا 9: 1-4). فالمسيح قد تبنّنا وتضامن معنا الى هذا الحد. ويعلق القديس أوغسطينوس " إن وجدنا هذه الشخصيات الثلاث: الراعي، والاجير، واللص، نجد من يليق بنا أن نحبهم، ومن يجب علينا أن نحتملهم، ومن يلزمنا الحذر منهم. فالراعي يُحب، والأجير يُحتمل، واللص يُحذر منه ".

لا خلاف حول يسوع "راعي الخراف العظيم". ولكن أحيانًا المشكلة في "رعاة" الشعب إذ يتأرجح بعضنا أحيانًا بين الراعي والأجير والذئب! أراد يسوع أن يجعل رسله رعاة بعده ونوابا عنه مع معرفته لنوائب ستحصل بسبب "هشاشة الطبيعة البشرية".

ويُنهي يسوع خطبته بإظهار ولاء الى ألاب المصدر الأول لعمل الخلاص " وهذا الأَمرُ تَلَقَّيتُه مِن أَبي " (يوحنا 10: 19). وعليه فان مجد يسوع الراعي الصالح يقوم بإظهار الآب للناس، وبواسطته يبرز حب الاب للبشر.

الخلاصة

يقدم لنا إنجيل اليوم (يوحنا 10، 27-30) بعض العبارات التي تلفّظ بها يسوع خلال عيد تكريس الهيكل في أورشليم، والذي كان يُحتفل به في نهاية كانون الأول. ويقدّم يسوع ذاته كالراعي الصالح ويقول: “إِنَّ خِرافي تُصغي إِلى صَوتي وأَنا أَعرِفُها وهي تَتبَعُني، وأَنا أَهَبُ لَها الحَياةَ الأَبديَّة فلا تَهلِكُ أَبدًا ولا يَختَطِفُها أَحَدٌ مِن يَدي” (الآيتان 27-28). تساعدنا هذه الكلمات لنفهم أنه ما من أحد بإمكانه أن يقول إنه يتبع يسوع، إن لم يكن يصغي إلى صوته وإقامة علاقة حميمة معه. فيسوع يتكلم إلينا، ويعرفنا، ويعرف أمنياتنا ورجائنا، وأيضا فشلنا وخيبة أملنا ويعتني راعينا يسوع المسيح بكل واحد منا، ويبحث عن كل واحد منا، ويحب كل واحد منا. ما نحن عليه، بحسناتنا وعيوبنا، ويهب كل واحد. ويحرسنا، ويقودنا بمحبة، لعبور الدروب الصعبة والخطرة في مسيرة حياتنا، ويهبنا أخيرا الحياة الأبدية ويعلّق القديس يوحنا الذهبي الفم بقوله " عندما يحضرنا إلى الآب يدعو نفسه "باباً"، وعندما يرعانا يدعو نفسه "راعيًا". فلكيلا تظنوا أن عمله الوحيد أن يحضرنا إلى الآب لذلك دعا نفسه راعيًا". الكنيسة في العالم أشبه بمرعى، حيث تضم في داخلها الخراف المشتتة في العالم (يوحنا 11: 25)، ليتحدوا معه كقطيعٍ مقدسٍ يرعاه الراعي القدوس بمحبته وإرشاده وقيادته.

دعاء

فقد وضعت يا رب حياتك من أجل خرافك (يوحنا 15: 13). انت في داخلنا ونحن في الخارج عن نفوسنا، انت معنا، ونحن لسنا مع ذواتنا، انت رجاؤنا، أيها الحب الذي يشتعل دوما ولا ينطفئ.

قصة الراعي الصالح

بينما كان أحد الرجال يتنزه على سفح جبل، تناهت إلى أسماعه، أنغام عذبة، فسار نحو مصدر هذه الأنغام، فرأى راعياً جالساً في ظل شجرة كبيرة، يعزفُ على الناي والغنم حوله يلتهم العشب الأخضر بهدوء. فحيا الرجل الراعي وسأله عن حال القطيع، فبدأ الراعي يُحدّثُ زائره عن الخراف وخصال كل واحد منها، فتعجب الرجلُ من الكلام ولم يصدق أنَّ الراعي يعرفُ خرافهُ، وأن خرافهُ تعرفهُ، وأنه يدعو كل واحد منها باسمه. نهض الراعي من مكانهِ ونادى اسماً، فأتى اليه خروف، وبقي باقي القطيع في مكانه، ونادى أسماً ثانيا، فأتاه خروف آخر، وبقي القطيع في مكانه، ونادى اسماً ثالثاً ورابعاً حتى حضرت الخرافُ اليهِ واحداً واحداً، فدهش الرجل مما رأى، وسأل الراعي كيف يميّزُ الخراف وهي مُتشابهة، فابتسم الراعي وقال: " هذا أمرٌ في غايةِ السهولة، ففي هذا الخروف قطعة صوف مقطوعة، وفي ذلك نقطة سوداء، وفي هذه النعجة جرحٌ، وتلك مقطوعةُ الأذن..."، فسأله الرجل: أليس في القطيع خروفٌ كاملٌ؟ فابتسم الراعي وقال: إن الخراف الكاملة لا تحتاجُ إليّ. أعطى الراعي لكل خروف ذو عاهة اسماً وأحبه دون ان يجرح مشاعره، اما نحن فكم مرة نادينا شخصا ذو عاهة بعاهته وجرحنا مشاعره إما بالتسمية او حتى بطريقة نظرتنا اليه؟

علق عن طريق الفيس بوك علق عن طريق الموقع

التعليقات

أرسل تعليقا

لن يظهر للقراء