ارسالية يسوع التبشيرية الثانية وتوصياته

  • strict warning: Declaration of views_handler_field::query() should be compatible with views_handler::query($group_by = false) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/handlers/views_handler_field.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of content_handler_field::element_type() should be compatible with views_handler_field::element_type($none_supported = false, $default_empty = false, $inline = false) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/cck/includes/views/handlers/content_handler_field.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_handler_sort::options_validate() should be compatible with views_handler::options_validate($form, &$form_state) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/handlers/views_handler_sort.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_handler_sort::options_submit() should be compatible with views_handler::options_submit($form, &$form_state) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/handlers/views_handler_sort.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_handler_sort::query() should be compatible with views_handler::query($group_by = false) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/handlers/views_handler_sort.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_handler_filter::options_validate() should be compatible with views_handler::options_validate($form, &$form_state) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/handlers/views_handler_filter.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_handler_filter::query() should be compatible with views_handler::query($group_by = false) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/handlers/views_handler_filter.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_plugin_query::options_submit() should be compatible with views_plugin::options_submit($form, &$form_state) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/plugins/views_plugin_query.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_plugin_style_default::options() should be compatible with views_object::options() in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/plugins/views_plugin_style_default.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_plugin_row::options_validate() should be compatible with views_plugin::options_validate(&$form, &$form_state) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/plugins/views_plugin_row.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_handler_field_user::init() should be compatible with views_handler_field::init(&$view, $options) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/modules/user/views_handler_field_user.inc on line 0.

ارسالية يسوع التبشيرية الثانية وتوصياته

الأب د. لويس حزبون
2019/07/06

بعد الإرساليَّة الأولى الخاصة بالاثني عشر رسولا الموجّه لتبشير اليهود (لوقا 9: 1-6)، يتناول إنجيل اليوم يتناول الإرساليَّة الثانية الخاصة بالتلاميذ الاثنين والسبعين الموجَّه لتبشير الأمم (لوقا 10: 1-17)، حيث ينفرد لوقا بذكر هذه الإرسالية، لأنه أراد أن يُعلن أن يسوع هو مسيح العالم كله، وليس مسيح اليهود فقط. فرسالة الانجيل ليست مقصورة على اليهود، انما هي مفتوحة للأمم الوثنية أيضا، وهي صورة مسبقة للمرسلين في العالم اجمع. ومن هنا تكمن أهمية البحث في وقائع النص الإنجيلي وتطبيقاته.

اولا: وقائع النص الإنجيلي (لوقا 10: 1-20)

1 وبَعدَ ذلِكَ، أَقامَ الرَّبُّ اثنَينِ وسبعينَ تِلميذاً آخَرين، وأَرسَلَهمُ اثنَينِ اثنَينِ يتَقَدَّمونَه إِلى كُلِّ مَدينَةٍ أَو مَكانٍ أَوشَكَ هو أَن يَذهَبَ إِلَيه

تشير عبارة "بَعدَ ذلِكَ" الى بعد ترْكِ يسوع الجليل نهائيًا وبعد الارسالية الأولى للرسل الاثني عشر (لوقا 9: 1- 50)؛ أمَّا عبارة "أَقامَ الرَّبُّ" باليونانية ἀναδείκνυμι (معناها عيَن) فتشير الى الرب يسوع الذي يدعو للخدمة كما يؤكده صاحب الرسالة للعبرانيين "وما مِن أَحَدٍ يَتَوَلَّى بِنَفْسِه هذا المَقام، بل مَن دَعاهُ اللهُ" (عبرانيين 5: 4)؛ اما عبارة "اثنَينِ وسبعينَ" فتشير الى عدد لائحة شعوب الأرض كلّها والتي ورد ذكرها في سفر التكوين. وهناك مخطوطات، تذكر " سبعين " بحسب النص العبري، وهناك مخطوطات كالسبعينية تذكر اثنَينِ وسبعينَ. لا شك أن القرائتين تدلان على عدد الأمم الوثنية. ويتبع لوقا النص اليونانية، لكنه يريد هنا أن يرسم صورة مسبقة رمزية لتلك الارسالية. وبهذا تشير الإرسالية للكرازة وسط الأمم. ويقابل سبعين تلميذا سبعين شيخًا الذين اِختارهم موسى (عدد 11: 16-25) أو سبعين نخلة في إيليم الجديدة (خروج 15: 27) او سبعين عضوًا في المجمع اليهودي الأعلى السنهدريم. واما لوقا الإنجيلي فاقتبس النص اليوناني الذي يضيف إسميين للدلالة على أن شعوب الأرض المؤلفة من إثنين وسبعين شعباً. وما يهمّنا نحن في هذا النّص، ليس الاختلاف بين مخطوطات الكتاب المقدّس، انما معنى العدد، وهو ان الرب اختار هؤلاء التلاميذ ليمثلوا شعوب الأرض كلّها، ويحملوا بشرى الخلاص الى الكون بأسره دون تمييز بين يهوديّ أو يونانيّ (وثني)علماً ان الارسالية الى الوثنيين لم تبدأ إلا بعد الفصح والعنصرة كما جاء في وصايا يسوع الأخيرة "تُعلَنُ بِاسمِه التَّوبَةُ وغُفرانُ الخَطايا لِجَميعِ الأُمَم، اِبتِداءً مِن أُورَشَليم" (لوقا 24: 47). لكن لوقا الإنجيلي أراد أن يرسم صورة مسبقة رمزية لإرسالية لشعوب الارض. أمَّا عبارة "اثنَينِ اثنَينِ " فتشير الى اثنين اثنين ليشددا بعضهم البعض ويسند أحدهما الآخر (مرقس 7:6) كما سبق وأرسل يسوع رسله (لوقا 9: 1-6) وهذا ما ستفعله الكنيسة الأولى (اعمال الرسل 13: 2). إذ كما جاء قول صاحب الحكمة " إِثْنانِ خَيرٌ مِن واحِد لأَنَّ لَهما خَيرَ جَزاءً عن تَعَبِهما. إِذا سَقَطَ أحَدُهما أَنهَضَه صاحِبُه والوَيلُ لِمَن هو وَحدَه فسَقَط إذ لَيسَ هُناكَ آخر يُنهِضُه" (جامعة 4: 9-10) ). ويُعلق القديس اوغسطينوس" إن رقم 2 يشير إلى الحب لله والناس، وكأن إرساليَّته لم تكن كرازة كلام ووعظ فحسب بل كرازة حب وشركة مع الله والناس"؛ أمَّا عبارة يتَقَدَّمونَه" في اليونانية πρὸ προσώπου (معناها امام وجهه) فتشير الى هؤلاء التلاميذ الممهِّدين الطريق أمام المسيح ولكي يعملوا أمامه، فيكونوا تحت رعايته فيما هم يرعون الآخرين، فيصبحوا مثل يوحنّا المعمدان، صوتاً نبويّاً؛ وتفيد العبارة أيضا معنىً مقدسا لقدوم الرب يسوع المسيح؛ أمَّا عبارة "إِلى كُلِّ مَدينَةٍ" فتشير الى الرسالة الانجيلية غير محصورة في شعب معيَّن أو أُمَّة خاصة بل هي مفتوحة لجميع الشعوب. أمَّا عبارة " أَوشَكَ هو أَن يَذهَبَ إِلَيه" فتشير الى التلاميذ الذين عليهم ان يسبقوا يسوع نفسه ليعدِّوا الناس لسماع السيد المسيح وقبوله، يسوع المسيح الذي هو مسيح العالم كله. إن رسالة يسوع غير مقصورة على الاثني عشر، إنما هي صورة مسبقة للرسالة لدى الوثنيين.

2 وقالَ لَهم: الحَصادُ كثيرٌ ولكِنَّ العَمَلَةَ قَليلون، فاسأَلوا رَبَّ الحَصَاد أَن يُرسِلَ عَمَلَةً إِلى حَصادِه

تشير عبارة "الحَصادُ" الى استعارة مألوفة لدينونة الله الأخيرة (متى 3: 12) كما وصف أنبياء العهد القديم "الحِصادَ قد بَلغَ وهَلُمُّوا دوسوا فإِنًّ المَعصَرَةَ مَلأَى والدِّنانَ فائِضَة لِأَنَّ شَرَّهم قد كَثُر"(يوئيل 4: 13)، واشعيا (41: 15) وارميا (51: 33). يرتبط الحصاد بيوم الدينونة وبمجيء الرّب وسط شعبه (أشعيا 63، 1-6)، وجعل يوحنا المعمدان من الحصاد "عمل "الأقوى "أَنا أُعَمِّدُكم بِالماء، ولكِن يأتي مَن هُو أَقوى مِنِّي" (لوقا 3: 16-17)، ويُعلق القديس يوحنا الذهبي الفم" لا أرسلكم لتقوموا بالزّرع بل بالحصاد... ومن قوله هذا، يتبيَّن لنا أن الرب أعطاهم الثقة وأظهر لهم أنّ العمل الأهم قد تمّ بالفعل (العظة 32 حول إنجيل القدّيس متى). أمَّا عبارة " فاسأَلوا رَبَّ الحَصَاد " فتشير أنّ اختيار المدعوين يأتي بالصلاة أولا لان الرب نفسه هو الذي يُبذر، وهو أيضًا الذي يحصد، فبدونه يحسبون كلا شيء... إذ يقول: " بِمَعزِلٍ عَنِّي لا تَستَطيعونَ أَن تَعمَلوا شيئاً" (يوحنا 15: 5). أكَّد يسوع للتلاميذ أن الكرازة هي من صميم عمله هو. فهو الذي عيَّنهم، وهو الذي يسندهم بإرسال فعله يعملون معه لحساب حصاده" كما يُعلق القديس اوغسطينوس" الرب نفسه هو الذي يبذر، إذ كان (ساكنا) في الرسل، وهو أيضًا الذي يحصد، فبدونه يحسبون كلا شيء... إذ يقول: "بدوني لا تقدرون أن تفعلوا شيئًا" (يوحنا 15: 5). ويُشرك يسوع تلاميذه بالصلاة ورسالة التبشير في الحصاد (الدينونة) (متى 9: 37). فالصلاة ضرورية ليرسل الرب عملة الى حصاده. والدينونة تطبق هنا على زمن يسوع. لان ملكوت الله قد أتى (متى 3: 2) عن طريق الخدمة الرسولية التي قام بها يسوع وتلاميذه (متى 10: 15). هل نصلي لكي يرسل الرب عددًا كافيًا لعمل الرسالة؟

3 اِذهَبوا! فهاءنَذا أُرسِلُكم كَالحُملانِ بَينَ الذِّئاب

تشير عبارة "فهاءنَذا أُرسِلُكم " الى يسوع الذي هو المُرسِل، لذا هو المسئول عن المُرسَلين والمحامي عنهم والعامل فيهم الذي يحوِّل الذئاب لهم حملان كما يقول القديس أوغسطينوس "إن الذئاب تلتهم الحملان فتتحوَّل الذئاب إلى حملان". إنها ليست إرساليَّة يسوع افتراس رُسله، وإنما لتحويل الذئاب إلى حملان، خلال وداعة حملانه أي رسله، كما جاء في وعظ القديس يوحنا الذهبي الفم" أنه فوق كل شيء يعرف طبيعة الأشياء: أن الشراسة لا تُطفأ بالشراسة وإنما باللطف". فمرقس الرسول جاء الى مصر كحمل وديع ذبحوه لكن قوة الله التي كانت تعمل معه نشرت المسيحية في مصر. أمَّا عبارة "كَالحُملانِ بَينَ الذِّئاب" فتشير الى نبوءة يسوع بالاضطهادات التي يواجها التلاميذ المُرسَلين، وفقًا لشهادة بطرس " فقَد تأَلَّمَ المسيحُ أَيضًا مِن أَجلِكم وترَكَ لَكم مِثالاً لِتقتَفوا آثارَه. شُتِمَ ولَم يَرُدَّ على الشَّتيمَةِ بِمِثلِها. تأَلَّمَ ولم يُهَدِّدْ أَحَدًا، بل أَسلَمَ أَمْرَه إِلى مَن يَحكُمُ بِالعَدْل" (1بطرس 2: 21-23). فمصير التلاميذ هو مصير يسوع. وحيث ان إعلان الملكوت يعارض معارضة جذرية مصالح العظماء في العالم فان الاضطهادات تحلُّ بالمؤمنين الذين يشهدون للرب. المطلوب من المُرسلين ان يكونوا ودعاء كالحملان تجاه شراسة وعنف الذئاب، فيحوّلوا الذئاب الى حملان. ويُعلق القدّيس أمبروسيوس (نحو 340 -379)، أسقف ميلانو بقوله: "حين أرسل الرّب يسوع تلاميذه إلى الحصادِ فانه لا يخشى على قطيعِه من الذئاب؛ أُرسِل أولئك التلاميذ لا ليكونوا فريسةً، بل لينشروا النعمةَ أينما حلّوا. إن عناية الراعي الصالح تقي الحملانَ من اعتداءاتِ الذئاب". إنّه يرسلهم لتتمّ نبوءة اشعيا: "الذئبُ والحملُ يرعيان معًا (اشعيا 65: 25).

4 لا تَحمِلوا كِيسَ دَراهِم ولا مِزوَداً ولا حِذاءً ولا تُسَلِّموا في الطَّريقِ على أَحد

تشير عبارة "لا تَحمِلوا " الى تخلِّي التلاميذ عن كل ما يُعيق مسيرتهم، أمَّا عبارة " كِيسَ دَراهِم" فتشير الى التجرد من المال. فالكرازة ليست بحاجة الى المال؛ ويُعلق القديس أوغسطينوس " ماذا يعني" لا تحملوا كيسًا؟ "أي لا تكونوا حكماء بذواتكم بل اقبلوا الروح القدس، فيكون فيكم ينبوعًا لا كيسًا، منه تُنفقون على الآخرين دون أن ينضب، وهكذا أيضًا بالنسبة للمزود". كان الرسول بطرس أول من نفَّذ وصيَّة الرب موضحًا أن وصيَّة الرب لم تُعط باطلًا، فعندما طلب منه الفقير صدقة، قال: "ليس لي فضَّة أو ذهب" (أعمال 3: 6)؛ وأمَّا عبارة " مِزوَداً" فتشير الى وعاء من جلد ونحوه يوضع فيه الزاد. ليس الكرازة بحاجة الى طعام يُتَّخَذُ للسفر، لآن العامل مستحق طعامه (1 قورنتس 9: 14). فالمُرسل مرتبط بضيافة من يستقبله. والمقصود هنا أن الله هو الذي يُدبِّر كل احتياجاتهم، فيعتمدوا عليه وليس على الماديات. وقد سبق وقال يسوع " لا يُهِمَّكُم لِلْعَيشِ ما تَأكُلون ولا لِلجَسَدِ ما تَلبَسونَ" (متى 6: 25)؛ أمَّا عبارة " حِذاءً" فتشير الى علامة السلطة والقدرة على إتخاذ القرار دون إذن أحد، فالعبد لا يلبس حذاء، وبالحذاء كان الملك يطأ رأس عدّوه حين ينتصر عليه. واما القديس اوغسطينوس فيعلق"نستخدم الأحذية من جلد الحيوانات الميِّتة فتغطِّي أقدامنا. لهذا يأمرنا أن نجحد الأعمال الميِّتة. هذا هو ما أوُصى به الرب لموسى "اخلع حذاءك من رجليْك، لأن الموضع الذي أنت واقف عليه أرض مقدَّسة" (خروج 3: 5). وأمَّا عبارة "لا تُسَلِّموا في الطَّريقِ على أَحد" فتشير الى عدم ضياع الوقت بالسلامات والتحيات المُطوَّلة والمجاملات الكثيرة بلا هدف روحي، والرب يُحذِّر من إضاعة الوقت الثمين، لان ارساليتهم عاجلة ومُلحةَّ كما ورد في العهد القديم على لسان اليشاع الذي أرسل خادمه جيحزَي" ليقيم ابن الشونمية من الموت بقوله له "أشدُدْ حَقوَيكَ وخُذْ عَصايَ في يَدِكَ وآمْضِ، وإِن لَقيتَ أحَدًا فلا تُسَلِّمْ علَيه. وإِن سَلَّمَ علَيكَ أَحَدٌ، فلا تُجِبْه"(2 ملوك 4: 29). لم يكن ثمة مجال لإضاعة الوقت ويُعلِّق القديس أمبروسيوس على هذه التوصيَّة بأن "السيِّد لم يمنعنا من تحيَّة السلام، إنما من تقديمها في الطريق، بمعنى ألا تكون معطَّلة للعمل، وذلك كما أمر اليشاع النبي خادمه (2 ملوك 4: 29) لكي يُسرع ويتمِّم الأمر". السلام عادة جميلة، لكن إتمام الأعمال الإلهيَّة أجمل، وهي تستلزم عدم تأخيرها. فالمطلوب من المُرسلين ان يحفظوا قلوبهم وفكرهم منحصرين في الله. فملكوت السماوات قد اقترب، وإتمامه ملقى على عاتقهم. فلا مجال لتضييع الوقت لأن هذا هو الوقت المناسب وساعة الخلاص.

5 وأَيَّ بَيتٍ دَخَلتُم، فقولوا أَوَّلاً: السَّلامُ على هذا البَيت

تشير عبارة " أيَّ بَيتٍ " الى سلوك التلاميذ في البيت؛ في حين في الآيات 8-11 تشير الى سلوك التلاميذ في المدينة. أمَّا عبارة " السَّلامُ " فتشير الى السلام المألوف في العهد القديم "قولوا لَه: كُلُّ سَنَةٍ وأَنتَ سالِم، وبَيتُكَ كلُّ ما لَكَ سالِم" (1صموئيل 25: 6)، وهو تمنّي الازدهار والعافية والهناء والبركة والخير كما يُقال في العبرية (שָׁלוֹם) وفي العربية (السلام عليكم)؛ والمقصود هنا ليس ذلك السلام الرخيص والخالي من المتطلبات، الذي وعد به الأنبياء الكذَّابون كما قال ميخا النبي "هكذا قالَ الرَّبُّ على الأَنبِياء الَّذينَ يُضِلُّونَ شَعْبي ويَعَضُّونَ بِأَسنانِهم ويُنادونَ بِالسَّلام " (ميخا 3: 5) انما يقصد به "سلام" المسيح الذي يحمله الانجيل" كما جاء في نشيد الكاهن زكريا أبو يوحنا المعمدان " فقَد ظَهَرَ لِلمُقِيمينَ في الظُّلمَةِ وَظِلالِ الـمَوت لِيُسَدِّدَ خُطانا لِسَبيلِ السَّلام" (لوقا 1: 79). فالمُرسل او الرسول يعطي من عند الله سلاماً يُملأ القلب، وهذا السلام فعَّال لمن يتلقاه بإيمان.

6 فإن كانَ فيهِ ابنُ سَلام، فسَلامُكُم يَحِلُّ بِه، وإِلاَّ عادَ إِلَيكُم

تشير عبارة " ابنُ سَلام " الى من يتقبل سلام الله الذي يُحمل اليه ويتجاوب معه وينتمي الى مُلكِه، لان الرسول حين يلقي السلام فهو يعطي من عند الله سلاماً يملأ القلب فعلاً. وأمَّا عبارة "إِلاَّ عادَ إِلَيكُم " فتشير الى المُرسلين الذين لن يفقدوا سلامهم بسبب الذين رفضوهم ورفضوا سلامهم لان بركة السلام تعود للرسول الذي قالها، ويمتلئ هو سلاماً.

7 أَقيموا في ذلكَ البَيتِ تأَكُلونَ وتَشرَبونَ مِمَّا عِندَهم، لِأَنَّ العامِلَ يَستَحِقُّ أُجرَتَه، ولا تَنتَقلوا مِن بَيتٍ إِلى بَيت

تشير عبارة " العامِلَ يَستَحِقُّ أُجرَتَه " الى حق المعلم -الرابي في العيش من عطايا تلاميذه. وجعل بولس الرسول هذا الحق قانونا لخدمته التبشيرية، مع انه تخلّى عن الاستفادة منه لنفسه (1 قورنتس 9: 14-18)؛ وقد وردت عبارة "إِنَّ العامِلَ يَستَحِقُّ أُجرتَه " في نص رسالته الى تلميذه طيموتاوس (1 طيموتاوس 5: 18) مما يدلّ على أنَّ إنجيل لوقا نشر قبل كتابة بولس رسالته تلميذه طيموتاوس. أمَّا عبارة " ولا تَنتَقلوا مِن بَيتٍ إِلى بَيت" فتشير الى التلاميذ المُرسلين الذين يقيمون في البيت الذي يضيفهم فهم يصبحون أعضاء في ذات الأسرة لذلك يتوجب عليهم ان لا يسعوا وراء طعام أفضل إنما يركزوا على خدمة الرسولية.

8 وأَيَّةَ مَدينَةٍ دَخَلتُم وقَبِلوكم، فَكُلُوا مِمَّا يُقَدَّمُ لَكم

تشير عبارة "أَيَّةَ مَدينَةٍ دَخَلتُم" الى الوصيَّة بالكرازة غير محصورة في شعب معيَّن أو أُمَّة خاصة. امَّا عبارة "فَكُلُوا مِمَّا يُقَدَّمُ لَكم" فتشير الى عدم بحث المُرسلين عن ضيافة مريحة، ووراء طعام أفضل، بل عليهم ان يتفرّغوا للرسالة تفرّغا تاماً، بعكس الكتبة والفريسيين في ذلك الحين الذين كانوا يقضون جُلَّ وقتهم في الولائم لتكريمهم. وتعني ايضا أن المرسلين لا يستنكفون من الطعام الذي يقدِّمه الأمميُّون ولا يخشون من التنجُّس حسب ما جاء في الشريعة الموسويَّة، فإنه ليس وقت للأطعمة المحلَّلة والمُحرَّمة، إنما لسحب النفوس من الهلاك الأبدي.

9 واشفْوا المَرْضى فيها وقولوا لِلنَّاس: قَدِ اقتَرَبَ مِنكُم مَلَكوتُ الله

تشير عبارة "أشفْوا المَرْضى" الى إعطاء المسيح لتلاميذه السلطة على مقدرة شفاء المرضى لتأكيد بشارتهم؛ أمَّا عبارة " مَلَكوتُ الله" فتشير الى معاني متعددة وقد تكررت هذه العبارة 35 مرة في إنجيل لوقا؛ ومن معانيها، مُلك الله الابدي، او حضور الملكوت في شخص يسوع، او اقتراب الملكوت في شكل روحي، وهذا الملكوت هو موضوع كرازة يسوع (لوقا 8: 1) وتلاميذه (لوقا 9: 2-60). وهذا الملكوت هو واقع حاضر ورجاء مقبل. حاضر منذ الآن في شخص المسيح الذي بشّر بمجيء هذا الملكوت فيصل الى الكنيسة، وبالكنيسة الى العالم. وليس الملكوت "مكان" ندخل اليه، بل حالة نعيشها. أمَّا عبارة " اقتراب " فتشير الى انه قد أصبح قريباً وحاضراً في شخص يسوع وتعليمه وأعماله. وهذه هي المرة الأولى التي يذكر فيها لوقا الإنجيلي " اقتراب " ملكوت الله. وان مجي الملكوت يقتضي توبة الانسان، كما جاء في كرازة يوحنا المعمدان في البرية "توبوا، فقد اقتَربَ مَلكوتُ السَّموات" (متى 3: 2). فان اقتراب مَلَكوتُ الله هو قلب رسالة يسوع الإنجيلية.

10 وأَيَّةَ مَدينَةٍ دَخَلتُم ولَم يَقبَلوكم فاخرُجوا إِلى ساحاتِها وقولوا: 11حتَّى الغُبارُ العالِقُ بِأَقدامِنا مِن مَدينَتِكم نَنفُضُه لَكم. ولكِنِ اعلَموا بِأَنَّ مَلكوتَ اللهِ قدِ اقتَرَب

تشير عبارة "إ فاخرُجوا إِلى ساحاتِها" إلى إعلان لكل الناس. اما عبارة " الغُبارُ " فتشير الى الذرات الصغيرة والدقيقة جداً من بقايا الأوساخ والتراب، التي يتناقلها الهواء وتعلق بالأرجل والأجسام الصلبة. وفيما يلي معنى للغبار في الكتاب المقدس " الغُبارُ العالِقُ بِأَقدامِنا مِن مَدينَتِكم نَنفُضُه لَكم " دعوة المسيح نفسه لتلاميذه إلى الخروج من أي بيت أو مدينة ترفضهم، ولا تزال هذه العادة تحمل المظهر ذاته في بلاد الشرق إلى اليوم. ويفعل ذلك من يخرج من بيت ما فاشلاً في تحقيق مشروع له. وبالتالي نفض الغبار لا للنظافة بل كعلامة لترك كل شيء قد يعلق بالإنسان بعد أن يترك مكاناً ما إلى مكان آخر، سواء أكان المكان بيتاً أم بلدة أم بلاداً. فكان اليهودي ينفض غبار حذائه بعد أن يغادر بلداً وثنياً حتى يتخلص من باقي آثار الوثنية. امَّا عبارة " نَنفُضُه لَكم" فتشير الى قطع العلاقات مع هذه المدينة التي لم تكن أهلا لتقبل الانجيل، وهذا ما فعله بولس وبرنابا امام اليهود في انطاكيا بسيديه الذين رفضوهما "فنَفَضا علَيهِم غُبارَ أَقدامِهما وذَهَبا إِلى أَيقونِية" (اعمال الرسل (13: 51).

12 أَقولُ لَكم: إِنَّ سَدومَ سَيَكونُ مصيرُها في ذلكَ اليَومِ أَخفَّ وَطأَةً مِن مَصيرِ تِلكَ المَدينَة

تشير عبارة "سَدومَ" الى إحدى مدن السهل الخمسة التي احرقتها النار التي نزلت من السماء بسبب خطيئة أهلها (التكوين 19: 24-28)، وقد صارت خطيئة سدوم مضرب الامثال (متى 10: 15)؛ وتقع سدوم تحت الماء اليوم في جنوب البحر الميت؛ أمَّا عبارة " أَخفَّ وَطأَةً مِن مَصيرِ تِلكَ المَدينَة" فتشير الى سدوم التي ستكون اقل خطورة وشدة من كورزين وبيت صيدا. وتعتبر هذه الآية رثاء نبوياً يوجّهه يسوع الى كل مدينة لا تقبل بلاغ رسالة الانجيل الطاهر، وهذا الرثاء يستهدف مدن شاطئ بحيرة طبرية الشمالي ويلومها على رفضها ليسوع المسيح، إذ رفضت الانفتاح على الملكوت الإيمان به (لوقا 10: 20-30).

13 الوَيلُ لكِ يا كُورَزِين! الوَيلُ لكِ يا بَيتَ صَيدا! فلَو جَرى في صورَ وصَيدا ما جَرى فيكُما مِنَ المُعجِزات، لَأَظهَرتا التَّوبَةَ مِن زَمَنٍ بَعيد، فلَبِستا المُسوحَ وقَعَدتا على الرَّماد

تشير عبارة " الوَيلُ لكِ " لا الى لعنةٍ ولا الى حكمٍ لا رجوع َعنه، بل الى رثاء بمعنى (ما أتعسكِ!) والى تأسف وتهديد وبالتالي الى نداءً ودعوة الى التوبة (لوقا 6: 24)؛ أمَّا عبارة "كُورَزِين! " فتشير الى مدينة كرازة ( أو كرازية ) شمالي تل حوم ويُحدد اوسابيوس مؤرخ الكنيسة (265-340م) موقعها علـــــى بعد 3كم من كفرناحوم (متى 11: 21) وذكرت مع بيت صيداء وكفرناحوم ( متى 11: 21 ). مثلهما شاهدت مرات عديدة معجزات السيد المسيح العظيمة وسمعت مواعظه الجليلة ولكنها مثلهما أيضاً لم تستفد من امتيازاتها العظيمة هذه فاستحقت معهما قصاصاً من الويلات المتتابعة كما أنذر السيد المسيح. وهناك خرب ومن جملتها مجمع بعض حجارته المنحوتة من البازلت وأيضاً بقايا جدران وعواميد وطريق مبلطة تؤدي إلى الطريق الواقع بين أورشليم ودمشق. وذكرت هذه المدينة ثلاث مرات في التلمود. أمَّا عبارة " بَيتَ صَيدا" فتشير الى مدينة واقعة عند مصب نهر الأردن في شمال بحيرة طبرية. وقد أعاد بناءها هيرودس فيلبّس فسمّاها يوليا في بدء العصر المسيحي (متى 11: 21)؛ أمَّا عبارة "لَبِستا المُسوحَ وقَعَدتا على الرَّماد " فتشير الى الاعتراف بالخطيئة والعودة الى التوبة (متى 11: 21)؛ اعترف يسوع ان كرازته وعجائبه لم تُرجع هذه المدن الى التوبة، والسبب في ذلك تمسكم بالعالم وشهواته كما يعلنه يسوع المسيح " ما مِن خادِمٍ يَستَطيعُ أَن يَعمَلَ لِسَيِّدَيْن، لِأَنَّه إِمَّا أَن يُبغِضَ أَحَدَهُما ويُحِبَّ الآخَر، وإِمَّا أَن يَلَزمَ أَحَدَهما ويَزدَرِيَ الآخَر. فأَنتُم لا تَستَطيعونَ أَن تَعمَلوا لِله ولِلمال " (لوقا 16: 13).

14 ولكِنَّ صورَ وصَيدا سَيَكونُ مصيرُهما يومَ الدَّينونةِ أَخفَّ وَطأَةً مِن مصيرِكما

تشير عبارة " صورَ وصَيدا " الى مدينتين وثنيتين في فينيقية على الساحل بين جبال لبنان والبحر المتوسط. (التكوين 1: 15)؛ وصور اسم سامي معناه "صخر" وصيد (او صيدون) اسم سامي معناه "مكان صيد السمك" وهي من أقدم مدن العالم. وقد مرَّ الرب يسوع على شواطئ صور وصيدا لكن لم يدخلهما (متى 15: 21-28) وقد اتصل به قوم من تلك المنطقة (مرقس 3: 8)، كما اتى الى الجليل قوم من صيدا ليسمعوا بشارة يسوع ويشهدوا عجائبه (لوقا 6: 17). ويعلن يسوع هنا ان مسؤولية تلك المدن الوثنية كانت اقل من مسئولية المدن الواقعة حول بحيرة طبرية، لأنها كانت دوما تسمع بشارته وترى عجائبه (لوقا 10: 13-14)، في حين لو شهدت صورَ وصَيدا عجائب يسوع وسمعت كلامه لأصبحت توبتهما أفضل من توبة مدن البحيرة.

15 وأَنتِ يا كَفَرناحوم، أَتُراكِ تُرفَعينَ إِلى السَّماء؟ سَيُهبَطُ بِكِ إلى مَثْوى الأَمْوات

تشير عبارة "كَفَرناحوم" الى المدينة الواقعة على الشاطئ الشمالي الغربي لبحيرة طبرية (متى 4: 13) وكانت مركزا للجباية ( مرقس 2: 1) ومركزا عسكريا رومانيا ( ( لوقا 7: 1-10) وقد اتخذها يسوع مركزاً لتبشيره، ودُعيت "مدينته" (متى 9: 1)، واجترح فيها عجائب عديدة (لوقا 4: 23): شفى فيها غلام قائد المائة ( لوقا 1-10) وحماة بطرس المحمومة ( متى 8: 14-17) ورَجُلٌ فيه رُوحُ شَيطانٍ نَجِس ( لوقا 4: 31-37) والمقعد المفلوج الذي كان يحمله أربعة (مرقس 2: 1-13) وابن خادم الملك ( يوحنا 4: 46-54) وغيرهم كثيرين مرضى بأمراض مختلفة ( متى 8: 16)؛ وكان سمعان يسكنها ويعمل فيها. وهي أكثر المدن الوارد ذكرها في الإنجيل، تكرر ذكرها (16) مرة.

16 مَن سَمِعَ إِلَيكُم سَمِعَ إِليَّ. ومَن أَعرَضَ عَنكم أَعرَضَ عَنِّي، ومَن أَعرَضَ عَنِّي أعرَضَ عَنِ الَّذي أَرسَلَني

تشير عبارة " مَن سَمِعَ إِلَيكُم سَمِعَ إِليَّ" الى عظمة عمل المُرسلين الذين يشاركون في رسالة يسوع، لقد أعطاهم الربّ السّلطة على التبشير بالإنجيل. ومن خلالهم، يتعرف الناس إلى يسوع المسيح الذي هو الرأس، والمُرسلين هم الأعضاء. وأمَّا عبارة "مَن أَعرَضَ عَنكم أَعرَضَ عَنِّي" فتشير الى رفض المُرسلين باسم يسوع. فهناك علاقة حميمة بين يسوع وتلاميذه. ويُعلق القديس أوغسطينوس "جاء المسيح في أشخاص تلاميذه، فيتكلَّم معنا بواسطتهم. أنه حاضر فيهم. بواسطة كنيسته يأتي، وبواسطتها يتحدَّث مع الأمم. في هذا نشير إلى الكلمات التي نطق بها: " مَن قَبِلَكم قَبِلَني أَنا" (متى 10: 40)، ويقول الرسول بولس: أَنَّ المسيحَ يَتَكلَّمُ بِلِساني (2 قورنتس 13: 3) ".

17 ورَجَعَ التَّلامِذَةُ الاثنانِ والسَّبعونَ وقالوا فَرِحين: يا ربّ، حتَّى الشَّياطينُ تَخضَعُ لَنا بِاسمِكَ

تشير عبارة "فَرِحين" الى السعادة لكتابة أسمائهم في ملكوت السماوات التي هي إشارة إلى الحياة الفاضلة في الرب، أمَّا عبارة " الشَّياطينُ تَخضَعُ لَنا بِاسمِكَ " فتشير الى إخراج الشيَّاطين التي هي موهبة من الرب يمكن أن يتمتَّع بها إنسان منحرف فيهلك. ألم يتمتع يهوذا الإسخريوطي بهذه المواهب ثم هلك كما يعلق القديس انطونيوس.

18 فقالَ لَهم: كُنتُ أَرى الشَّيطانَ يَسقُطُ مِنَ السَّماءِ كالبَرْق

تشيرعبارة " الشَّيطانَ " الى إابليس، عدو الله والانسان (متى 13: 39). وأمَّا عبارة " كُنتُ أَرى " باليونانية Ἐθεώρουν فتشير الى صيغة الماضي لأن هذا سيتم حتمًا. فسقوط الشيطان يعني سقوطه من مركز السيادة والقوة على الإنسان وهي رؤية تشمل ما بعد الصليب. اما عبارة "كُنتُ أَرى الشَّيطانَ يَسقُطُ مِنَ السَّماءِ كالبَرْق" فتشير الى عبارة مجازية تصف انتصار التلاميذ على الشيطان بطردهم إياه ونجاحهم في حربهم على الشر. اما عبارة " كالبَرْق" فتشير الى إبليس الذي كان كان مخلوقًا نورانيًا، أضاء لحظة من الزمان، وبخطيته فقَدَ نوره واستحال ظلامًا، فهو كان نورًا لفترة وجيزة ثم صار ظلامًا. والبرق لا ثبات له فهو ينير للحظة ثم يأتي ظلام وهكذا إبليس. أمَّا المسيح فيقال عنه أنه نوره كالشمس (رؤية 16:1) أي نوره ثابت وهكذا عطاياه.

19 وها قَد أولَيتُكم سُلطاناً تَدوسونَ بِه الحَيَّاتِ والعَقارِب وكُلَّ قُوَّةٍ لِلعَدُوّ، ولَن يَضُرَّكُم شَيء

تشير عبارة " الحَيَّاتِ " الى مكر وخداع وسُم مميت رمز للشيطان. إذ إنَّ الحية أحيل جميع حيوانات البرية التي عملها الرب الإله (تكوين 1:3). ويؤكد بولس الرسول هذا القول" ولكِنِّي أَخشَى علَيكُم أَن يَكونَ مَثَلُكُم مَثَلَ حَوَّاءَ الَّتي أَغوَتْها الحَيَّةُ بِحيلَتِها، فتَفسُدَ بَصائِرُكُم وتَتَحَوَّلَ عَن صَفائِها لَدى المَسيح" (2 قورنتس 3:11)؛ وأمَّا عبارة "العَقارِب " فتشير الى شر مستتر مع سرعة اختفاء. فالحيات والعقارب رمز للشيطان وقوى الشر التي يدوسها التلاميذ. وتذكرنا هذه العبارة بما قاله الله للحية "وأَجعَلُ عَداوةً بَينَكِ وبَينَ المَرأَة وبَينَ نَسْلِكِ ونَسْلِها فهُوَ يَسحَق رأسَكِ وأَنتِ تُصيبينَ عَقِبَه"(التكوين 3: 15).

20 ولكِن لا تَفرَحوا بِأَنَّ الأَرواحَ تَخضَعُ لَكُم، بلِ افرَحوا بِأَنَّ أَسماءَكُم مَكْتوبَةٌ في السَّموات

تشير عبارة "لا تَفرَحوا بِأَنَّ الأَرواحَ تَخضَعُ لَكُم" الى الخلاص الذي هو أكثر أهمية من خضوع الشياطين للتلاميذ. لا نفرح بالمواهب، بل بالتمتع بثمار الروح القدس. فالموهبة لا تُبرِّر صاحبها إن لم يتب ويحيا مع الله. أمَّا عبارة "مَكْتوبَةٌ في السَّموات " فتشير الى استعارة تقليدية بان أسماء المختارين مكتوبة في كتب السماء كما ورد فـــــــي سفر الرؤية “فالغالِبُ سيَلبَسُ هكذا ثِيابًا بيضًا، ولن أَمحُوَ اسمَه مِن سِفْرِ الحَياة" (رؤيا 3: 5). أنه علامة على اقتراب الملكوت. إن فرح التلميذ الحقيقي هو فرح من يعرف أن حياته - وحياة كل شخص تبلّغ الخبر السار- اي اسمه مكتوب في السماوات أي أنه في يدي الله وحمايته .

ثانياً: تطبيقات النص الانجيلي (لوقا 10: 1-17)

انطلاقا من هذه الملاحظات الوجيزة حول وقائع النص الإنجيلي (لوقا 10: 1-17) نستنتج انه يتمحور حول الارسالية والتوصيات الرب يسوع المسيح.

1) الارسالية (البِعثة)

ورد موضوع الارسالية للتبشير في العهد القديم والعهد الجديد. أمَّا في العهد القديم فارتبطت الارسالية في الأنبياء، وأمَّا في العهد الجديد فارتبطت في المسيح والرسل والمُرسلين.

ا) ارسالية الأنبياء في العهد القديم

تفرض الإرسالية الإلهية وجود نداء او دعوة من قبل الله. فالله يدعو والأنسان يستجيب. وظهرت هذه الإرسالية في دعوة الله للأنبياء الذين يتقدّمهم موسى "مِن يَومَ خَرَجَ آباؤُكم مِن أَرضِ مِصرَ إِلى هذا اليَوم، ما زِلتُ أُرسِلُ إِلَيكُم جَميعَ عبيدِيَ الأَنبِياءِ بِلا مَلَل (إرميا 7: 25). فالإرسال هو محور كلّ دعوة نبوية " كما حدث مع إرميا النبي "فإنَّكَ لِكلِّ ما أُرسِلُكَ لَه تَذهَب وكُلَّ ما آمُرُكَ بِه تَقول"(إرميا 1: 7).

وعلى هذه الدعوة، يُجيب كلّ الأنبياء منهم بحسب تكوينه الخاص: نرى اشعيا يقدّم نفسه "هاءنذا، فأرسلني" (إشعيا 6: 8)، بينما يثير إرميا الاعتراضات "آهِ ايُّها السَّيِّد الرَّبّ هاءنَذا لا أَعرِفُ أَن آتكم لِأَنِّي وَلَد" (إرميا 1: 6)، أمَّا موسى فيطلب علامات تثُبت إرساليته "فقالَ موسى لله: ((مَن أَنا حَتَّى أَذهَبَ إِلى فِرعَون وأُخرِجَ بني إِسرائيلَ من مِصر؟)) قال: ((أَنا أَكونُ معَكَ، وهذه علامةٌ لكَ على أَنِّي أَنا أَرسَلتُكَ: إِذا أَخرَجتَ الشَّعبَ مِن مِصر، تَعبُدونَ اللهَ على هذا الجَبَل " (خروج 3: 11-13)، إلاّ أن جميع الأنبياء في نهاية الأمر يُبدون الطاعة باستثناء حالة يونان الخاصة "فقامَ يونانُ لِيَهرُبَ إِلى تَرْشيشَ مِن وَجهِ الرَّبّ، " (يونان 1: 3) فهو يرفض إرساليته العالمية الشاملة، مستنكراً إمكانية الخلاص للأمم. فالأنبياء هم مرسلون لحثّ القلوب على التوبة والإنذار بالعقوبات، أو التبشير بالمواعيد: فيرتبط دورهم ارتباطاً وثيقاً بكلمة الله، التي هم مكلّفون بإعلانها للناس. فتاريخ الخلاص مرتبط ويتحقق بفضل كل هذه الإرساليات.

ب) ارسالية يسوع المسيح

بعد ظهور يوحنا المعمدان، آخر الأنبياء وأعظمهم، (متى 11: 9-14)، تقدم يسوع المسيح، إلى الناس، باعتباره المُرسل من الله او الرسول بكل معنى الكلمة، ذاك الذي تحدث عنه اشعيا “روحُ السَّيِّدِ الرَّبِّ عَليَّ لِأَنَّ الرَّبَّ مسحني وأَرسَلَني لِأُبشِّرَ الفقراء وأَجبُرَ مُنكَسِري القُلوب وأُنادِيَ بِإِفْراجٍ عنَ المَسبِيِّين وبتَخلِيَةٍ لِلمَأسورين” (اشعيا 61: 1-2). أرسل الله أخيراً ابنه كما ورد في انجيل مرقس "فبَقِيَ عِندَه واحِدٌ وهو ابنُه الحَبيب. فأَرسَلَه إِلَيهم آخِرَ الأَمرِ"(مرقس 12: 2-8). ارسله الآب " ليبشّر بالإنجيل" (مرقس 1: 38)، وليكمل الشريعة والأنبياء (متى 5: 17)، وليلقي ناراً على الأرض (لوقا 12: 49)، لا ليحمل سلاماً بل سيفاً (متى 10: 34/)، لا ليدعو الأبرار، بل الخاطئين (مرقس 2: 17)، وليبحث عن الهالك فيخلّصه (لوقا 19: 10)، وليخدم ويفدي بنفسه جماعة كثيرة (مرقس 10: 45). لذلك فإن من يقبله أو ينبذه، إنما يقبل أو ينبذ ذلك الذي أرسله (لوقا 10: 16). ولذلك فإن موضوع الإيمان الذي يطلبه يسوع من الناس هو أنّه مرسل من الآب (يوحنا 11: 42). وهذا ما يتضمن في الوقت نفسه الإيمان بالابن على أنه المُرسل (يوحنا 6: 29) والإيمان بالآب على أنه أرسله (يوحنا 5: 24).

ولم يتردد بولس الرسول تأكيد هذه الحقيقة بان الله أرسل ابنه في ملء الزمن ليفتدينا ويمنحنا التبني كما جاء في تعليمه الى أهل غلاطية "فلَمَّا تَمَّ الزَّمان، أَرسَلَ اللهُ ابنَه مَولودًا لامرَأَةٍ، مَولودًا في حُكْمِ الشَّريعةْ لِيَفتَدِيَ الَّذينَ هم في حُكْمِ الشَّريعة، فنَحْظى بِالتَّبَنِّي" (غلاطية 4: 4-5). إن الله أرسل ابنه إلى العالم مُخلصاً وكفارة عن خطايانا، حتى نحيا به: ذلك هو الدليل الأسمى لمحبته لنا "ما ظَهَرَت بِه مَحبَّةُ اللهِ بَينَنا هو أَنَّ اللهَ أَرسَلَ ابنَه الوَحيدَ إِلى العالَم لِنَحْيا بِه" (1 يوحنا 4: 9). ويصبح يسوع هكذا المُرسَل الحقيقي بالمعنى الأكمل (يوحنا 9: 7)، ورسول اعتراف إيماننا كما يعلن صاحب الرسالة للعبرانيين "تَأَمَّلوا رَسولَ شَهادَتِنا وعَظيمَ كَهَنَتِها يَسوع (عبرانيين 3: 1).

ج) ارسالية التلاميذ

ليست بشرى الانجيل مجرد فكرة بل حدثا يحتاج إلى بيت - أو بلد - يدخله المرسل ليبثَّ فيه حياة الانجيل التي جاء بها يسوع المسيح. وإرسالية التلاميد ترتبط ارتباطا وثيقا بإرسالية يسوع: "كما أرسلني الآب، أرسلكم أنا أيضاً" (20: 21). فالتلميذ هو الشخص الّذي اختار السيّد المسيح ويتبعه. حياة التلميذ هي مشاركة في رسالة يسوع نفسها لنشر انجيل ملكوت السماوات، إنجيل الخلاص. ونشر هذا الخلاص ليس أمرا اختياريا، بل ملزِما، لانه إن لم تنتشر الرسالة المسيحية فكيف يخلص الناس؟ ولذلك فإن إرسالية يسوعلا بدَّ ان تستمر أولا عن طريق رسله الاثني عشر، ثانيا عن طريق التلاميذ الاثنين والسبعين، وثالثا عن طريق الكنيسة. لهذا السبب بالذات يحمل التلاميذ لقب المُرسَلين او الرسل. وفي أثناء حياته يرسلهم يسوع ليتقدمونه (راجع لوقا 10: 1) وليعلنوا ملكوت الله ويشفوا المرضى (لوقا 9: 1-2)، وهذا هو موضوع إرساليته الشخصية. فهم العملة الذين يرسلهم ربّ الحصاد إلى حصاده (متى 9: 38).

وقد أرسل يسوع المسيح تلاميذه الى كل مكان، لأنّه أراد أن يُدرّبهم ليس فقط على الجهاد الذي سيقومون به في اليهودية بل من أجل الشدائد التي سيلقونها في كلّ الأرض. لذلك ينبغي ألاّ ينخدع المُرسلون بخصوص المصير الذي ينتظرهم: "ما كانَ الخادِمُ أَعظِمَ مِن سَيِّدهِ ولا كانَ الرَّسولُ أَعظَمَ مِن مُرسِلِه" (يوحنا 13: 16)، وكما عامل العالم السيد المسيح، هكذا سيعامل تلاميذه (متى 10: 24-25).

وعند ظهور المسيح للرسل بعد القيامة يرسلهم "كالخِرافِ بَينَ الذِّئاب" (متى 10: 16). إنه يعلم أن "الجيل الفاسد" سوف يضطهد من يرسلهم ويُسلمهم إلى الموت "مِنْ أَجْلِ ذلك هاءَنَذا أُرسِلُ إِلَيْكُم أَنبِياءَ وحُكَماءَ وكَتَبَة، فَبَعضَهم تَقتُلونَ وتصلِبون، وبَعضَهم في مَجامِعِكم تَجلِدون ومن مَدينَةٍ إِلى مَدينَةٍ تُطارِدون" (متى 23: 34).

فهم يذهبون إذاً ليبشروا بالإنجيل (مرقس 16: 15)، وليتلمذوا جميع الأمم (متى 28: 19)، وليقدّموا شهادتهم في كل مكان (أعمال 1: 8). وبذلك تبلّغ إرسالية الابن فعلاً إلى جميع الناس، بفضل إرسالية رسله وكنيسته.

والمعاملة التي يعاملون بها المرسلون سوف تعود على يسوع المسيح نفسه، وبالتالي على الآب: "مَن سَمِعَ إِلَيكُم سَمِعَ إِليَّ. ومَـــن أَعرَضَ عَنكم أَعرَضَ عَنِّي، ومَن أَعــــرَضَ عَنِّي أعرَضَ عَنِ الَّذي أَرسَلَني" (لوقا 10: 16)، "ومَن قَبِلَ الَّذي أُرسِلُه قَبِلَني أَنا، ومَن قَبِلَني قبِلَ الَّذي أَرسَلَني" (يوحنا 13: 20).

ولم يعتمد المرسلون والمبشّرون بالإنجيل على قواهم البشرية وحدها للقيام بهذه المهمة الإرسالية، وإنما يؤدّون مهمتهم بقوة الروح القدس. وقد أوضح يسوع دور الروح القدس بقوله " المُؤَيِّد، الرُّوحَ القُدُس الَّذي يُرسِلُه الآبُ بِاسمي هو يُعَلِّمُكم جَميعَ الأشياء ويُذَكِّرُكُم جَميعَ ما قُلتُه لَكم "(يوحنا 14: 26). واعطاهم نفس التوصيات والتعليمات التي أعطاها الى الاثني عشر (لوقا 10: 3-12).

2) توصيات يسوع في الإرسالية (البعثة التبشيرية)

أرسل يسوع الاثني عشر في الارسالية الأولى الى منطقة الشمال لقلة العملة وكثرة الحصاد (متى 9: 1-7)؛ وأمَّا في الارسالية الثانية فانه أرسل اعداداً مضاعفة من تلاميذه الى المنطقة الجنوبية التي كان مزمعا ان يجتاز فيها (لوقا 10: 1-2).وقبل ارسال تلاميذه للتبشير في حقل الرب اعطى يسوع تلاميذه بعض التوصيات. وهذه التوصيات ليست توصيات عقائدية تتطرق الى مضمون الايمان الذي ينبغي تعليمه، بل الى ارشادات عملية، لان رسالة يسوع هي اولاً حدث خلاصي. فالمرسلون يُبشرون بملكوت الله أولاً بأسلوب حياتهم، لذا ارسلهم إثنين إثنين، وكما قال القديس أوغسطينوس" إن رقم (2) يشير إلى الحب لله والناس، وكأن إرساليَّته لم تكن كرازة كلام ووعظ فحسب، بل كرازة حب وشركة مع الله والناس". ولذلك لم تقم إرسالية يسوع لتلاميذ، على أية مخططات او أية استراتيجيات، بل على أسلوب إنجيلي يتحوي التوصيات التالية:

التوصية الاولى: الصلاة

توصية يسوع الاولى لتلاميذه هي الصلاة الى الارسالية " فاسأَلوا رَبَّ الحَصَاد أَن يُرسِلَ عَمَلَةً إِلى حَصادِه" (لوقا 10: 2). إنّ اختيار المرسلين المدعوين يأتي بالصلاة، لان الرب نفسه هو الذي يُبذر، وهو أيضًا الذي يحصد، فبدونه يحسبون كلا شيء... إذ يقول: " بِمَعزِلٍ عَنِّي لا تَستَطيعونَ أَن تَعمَلوا شيئاً" (يوحنا 15: 5) ويُشرك يسوع تلاميذه بالصلاة ورسالة التبشير في الحصاد (متى 9: 37). فالصلاة ضرورية ليرسل الرب عملة الى حصاده. أكَّد يسوع للتلاميذ أن الكرازة هي من صميم عمله هو. فهو الذي عيَّنهم، وهو الذي يسندهم بإرسال فَعَلة يعملون معه لحساب حصاده "كما يعلق القديس اوغسطينوس "الرب نفسه هو الذي يبذر، إذ كان (ساكنا) في الرسل، وهو أيضًا الذي يحصد، فبدونه يحسبون كلا شيء". الانسان يبذر والله ينمي كما اعلن بولس الرسول " أًنا غَرَستُ وأَبُلُّسُ سَقى، ولكِنَّ اللهَ هو الَّذي أَنْمى" (1 قورنتس 3: 6). فبالإضافة إلى ذلك يحتاج المرسلون للصلاة. إن كلمة الله تُعلن أيضًا بالصلاة. ويعلق البابا فرنسيس "بدون الصلاة يمكنك أن تقدّم محاضرة جيّدة أو تعليمًا جميلاً ولكن لن يكون كلمة الله. إن كلمة الله تخرج فقط من القلب المصلّي"، وبالتالي فكلمة الله تُعلَن بالصلاة: صلاة من يعلنها! وأمَّا فيما يتعلق في نقص عدد العملة المرسلين، فلا بدَّ من التغلب عليها من خلال الاعتماد على الصلاة ايضا، لان الدعوة الرسولية هي نعمة مجانية من الله. وقد عبَّر القديس بولس عن ذلك بقوله "وبِنِعمَةِ اللهِ ما أَنا علَيه" (1 قورنتس 15: 10). لذا لا نستغرب من قول المسيح لتلاميذه: ((الحَصادُ كثيرٌ ولكِنَّ العَمَلَةَ قَليلون، فاسأَلوا رَبَّ الحَصَاد أَن يُرسِلَ عَمَلَةً إِلى حَصادِه" (لوقا 10: 2).

التوصية الثانية: اللاعنف

أرسل يسوع تلاميذه " كَالحُملانِ بَينَ الذِّئاب" (لوقا 10: 3)؛ الحمل هو واحد من القطيع ويعيش مع القطيع ويخضع لراعي القطيع. فإن كان حَمَل الله أقامنا حِملان ذلك لنحمل سماته فينا، في حين الذئاب هم وحوش كاسرة، لا تعرف الرحمة واللين، وتفرض نفسها على غيرها بالمكر والدَّهاء وتختطف من تجد، وتبتلع من تختطف. وبذلك يشهد المرسلون ان قوتهم ليست نابعة منهم، ولا يريدون إكراه الناس على دخول الملكوت، بل يحثّونهم على الانضمام الطوعي للملكوت. ويُعلق القديس أوغسطينوس" إن الذئاب تلتهم الحملان فتتحوَّل الذئاب إلى حملان" إنها ليست إرساليَّة لافتراس رُسله، وإنما لتحويل الذئاب إلى حملان من خلال وداعة حملانه أي رسله". ومن هذا المنطلق فإن المرسل الحقيقي هو الذي يعرف بأنّه ضعيف وأنّه لا يمكنه الدفاع عن نفسه لوحده بين الذئاب، فيعلق القديس يوحنا فم الذهب " إن لم تذهب كحمل بين الذئاب، بل كذئب بين الذئاب فالرب لن يحميك وينبغي عليك أن تدافع عن نفسك". لذلك يوصي يسوع تلاميذه ببذل حياتهم بوداعة الحمل، لأنهم سيتغلبون على الشر بسلوكهم الوديع في البساطة، والطهارة الأفكار والثقة بالله، وليس بالقوة أو التسلط أو او العنف او بقدراتهم الشخصية بل بشهادة المحبة الوديعة ببذل الذات. ويقول المثل الهندوسي: "سيحلّ السلام في قلوبنا عندما تحل قوة الحب مكان محبة القوة". وهذا ما حدث بالفعل أثناء كرازة الرسل الذين احتملوا اضطهادات عنيفة، فغيّروا كثيرا من القلوب القاسية، كما جذب الشهداء من كانوا يُعذِّبونهم إلى الإيمان. ويُعلق القديس يوحنا الذهبي الفم " أن الشراسة لا تُطفأ بالشراسة وإنما باللطف". وهكذا تتم هذه الكلمة: " الذِّئبُ والحَمَلُ يَرعَيانِ معاً" (اشعيا 65: 25). ألم يتحول شاول الطرسوسى إلى بولس الرسول الحمل كما يؤكده هو نفسه “إِنَّنا مِن أَجْلِلكَ نُعاني المَوتَ طَوالَ النَّهار ونُعَدُّ غَنَمًا لِلذَّبْح " (رومة 36:8) بعد أن كان ذئباً كما يعترف قائلا "أَمَّا في الحَمِيَّة فأَنا مُضطَهِدُ الكَنيسة" (فيلبي 6:3)؛ وأمَّا القدّيس أمبروسيوس (نحو 340 -379)، أسقف ميلانو فيعلق على توصية الرب بقوله "حين أرسل الرّب يسوع تلاميذه إلى الحصادِ ...فانه لا يخشى على قطيعِه من الذئاب؛ أُرسِل أولئك التلاميذ لا ليكونوا فريسةً، بل لينشروا النعمةَ أينما حلّوا. إن عناية الراعي الصالح تقي الحملانَ من اعتداءاتِ الذئاب. إنّه يرسلهم لتتمّ نبوءة اشعيا: "الذئبُ والحملُ يرعيان معًا (اشعيا 65: 25). إنّ ما أوصى به الربُّ المتواضع حقّقهُ تلاميذُه بعيشِ التواضع لأنّه أرسلهُم لغرسِ بذورِ الإيمان من خلال التعليمِ لا من خلال الإكراه؛ ولا من خلال استغلال قوّة سلطتهم، بل من خلال ممارسة التواضع. وقد أوضح بولس الرسول هذا الموقف بقوله " ولِذلِك فإِنِّي راضٍ بِحالاتِ الضُّعفِ والإِهاناتِ والشَّدائِدِ والاِضطِهاداتِ والمَضايِقِ في سَبيلِ المسيح، لأَنِّي عِندَما أَكونُ ضَعيفًا أَكونُ قَوِيًّا" (2 قورنتس 12: 10). فقد أَظهِر التلاميذ وداعة الحملان رغم أنهم ذاهبون إلى ذئاب، ليس فقط ذاهبون إلى الذئاب بل أيضاً يعيشون وسطهم. وفي هذا الصدد قال الى بولس الرسول "حَسبُكَ نِعمَتي، فإِنَّ القُدرَةَ تَبلُغُ الكَمالَ في الضُّعف " (2 قورنتس 12: 9).

التوصية الثالثة: الفقر

توصية الرب الثالثة لتلاميذه المُرسلين تنص " لا تَحمِلوا كِيسَ دَراهِم ولا مِزوَداً ولا حِذاءً (لوقا 10: 4). يطلب يسوع من تلاميذه التمسك بالفقر وذلك بان لا ياخذوا اية إحتياطات لازمة، لأن نجاح الارسالية لا يعتمد على الوسائل والأدوات، بل على شهادة حياة وديعة تعلن عن إله أصبح فقيراً ومتضامناً. فيتوجب على المرسلين ان يعيشوا الفقر فلا يعتمدوا على القدرات والموارد البشرية والضامنات الدنيوية، ولا يثقوا في الوسائل بل يثقوا فقط بالذي يرسلهم. لأنّ العناية الإلهيّة تأتي إلى معونتهم في كلّ حين. وهكذا ينطلق التلاميذ فقراء كي يستطيعوا أن يضعوا ثقتهم فيمن أرسلهم، وفي أولئك الذين سيُرحبون بهم. إن حُب الآخرين لا يقتصر على إعطائهم شيئاً، بل الاعتماد عليهم أيضاً. وتركيز يسوع على الفقر الفعلي ينبغي ألاّ يُنسينا القيمة الروحية الكامنة فيه، فهو علامة ووسيلة للتجرد الداخلي والاستعداد لخدمة لرب ونشر ملكوته. هذا الفقر المادي أمر حسن، عندما تلهمه الرغبة في الاقتداء بيسوع والسخاء نحو اخوتنا. ويتيح تقبل هبة الله بمزيد من الحرية، والتكريس بقدر أكمل لخدمة ونشر ملكوته (لوقا 32:12-34).
ومن هذا المنطلق فإن المرسلين ليسوا الأشخاص الذين يملكون ويعرفون كل شيء ويعتقدون أن لديهم كل ما يحتاج إليه الآخرون بل هم فقراء ينطلقون بتواضع لأنهم لا يستطيعون لقاء بعضهم البعض إلا إذا أقروا باحتياجهم وفقرهم. وعليه سيسمحون لأنفسهم بأن يقبلوا كلمة الله أولاً من خلال الناس الذين يلتقون بهم. ويقوم مبدأ الفقر وهدفه على المشاركة في سرَ " جُودَ رَبِّنا يسوعَ المسيح: فقَدِ افتَقَرَ لأَجْلِكُم وهو الغَنِيُّ لِتَغتَنوا بِفَقْرِه"(2 قورنتس 9:8). والفقر الفعلي هو الطريق الأمثل للوصول للفقر الروحي الذي يقوم على الانفتاح على هبة الله، في إيمان ملؤه الثقة والتواضع والصبر. فالرب يسوع يوصي تلاميذه المرسلين بالاستسلام بكلّيتهم له كي يُتمِّموا رسالة الانجيل. وقد كان الرسول بطرس أول من نفَّذ وصيَّة الرب موضحًا أن وصيَّة الرب لم تُعط باطلًا، فعندما طلب منه الفقير صدقة عند باب الهيكل في اورشليم، قال: " لا فِضَّةَ عِندي ولا ذَهَب" (اعمال الرسل 3: 6).

التوصية الرابعة: السلام

يطلب يسوع من المرسلين ان يبلغوا للناس سلامه. "وأَيَّ بَيتٍ دَخَلتُم، فقولوا أَوَّلاً: السَّلامُ على هذا البَيت" (لوقا 10: 5). إنّ السلام هبة من الرب ينبغي تقديمها للآخرين ومشاركتهم فيها. والسلام هنا ليس هو التحيّة، بل هو جوهر إنجيل المسيح، إنه سلام القائم من بين الأموات الذي تغلب على الموت، وأتمّ المصالحة بين الله والإنسان، وحرّر البشر من الموت. إنه السلام بين السماء والأرض، وبين الله والبشر والسلام من أجل القريب والبعيد. والسلام هنا ليس السلام المبني على المساومة أو على الخوف، الّذي يدعو إليه البشر، بل هو سلام المسيح الربّ المبني على الحق والعدل. السلام هو الرسالة الأساسيّة التي يحملها الرسول الى البيت الّذي يدخل اليه، الى الأشخاص الّذين يلتقي بهم، الى كلّ كائن يحتاج الى سلام القلب. ويُعلق القديس يوحنا الذهبي الفم (345-407) بقوله "إنّ الربّ يسوع يريدنا أن نكون رسلاً للسلام، وأن تكون خطانا الأولى في أيّ بيت مكرّسة ببركة السلام". التلاميذ مدعوون لمنحه، ولكنه إن رُفض، فلن يخسر التلميذ سلامه بل سيعود إليه". ومن هذا المنطلق، فان مهمّة الرسول هي تبديل واقع القلب البشريّ، ودعوته هي زرع السلام في البيوت التي يزورها، ونزع القلق والخوف من قلوبهم واستبدالها بالفرح الحقيقيّ، بفرح بشرى الإنجيل التي تعطي السلام الداخليّ. وهذا السلام لا يمكنه أن يكون مفروضاً، فالسلام الّذي يهبه المسيح يجب أن يُقبل بحرّية وبرغبة، ولا يمكنه أن يبقى من طرف واحد. ويُعلق القديس يوحنا الذهبي الفم على توصية يسوع القائل "وأَيَّ بَيتٍ دَخَلتُم، فقولوا أَوَّلاً: السَّلامُ على هذا البَيت" كأنّه قال لهم: توجّهوا إلى الجميع، كبارًا وصغارًا، لكن بركتكم لن تحلّ على مَن هم ليسوا أهلاً. وأضاف: "فإن كانَ فيهِ ابنُ سَلام، فسَلامُكُم يَحِلُّ بِه، وإلاَّ عادَ إِلَيكُم"، أي: تُطلقون عبارات السلام لكنّكم تطلقونها للسلام بحدّ ذاته، وأنا أعطيها لمَن أراه خير أهل لها. وإن لم يكن أحد بأهل لها، لن تكونوا مخطئين والنعمة التي تحملها كلماتكم لن تذهب سدىً، بل على العكس تعود إليكم، كما وعدهم يسوع قائلا "وإلاَّ عادَ إِلَيكُم". ونستنتج مم سبق ان سلام المسيح لا يتساكن وشرّ العالم؛ فلا يمكن لسلام المسيح المُحرّر أن يحلّ في قلب مملوء حقداً ورغبة بالانتقام، او يرفض الصفح والدخول في علاقة مسالمة مع الآخر. لا يمكن أن يكون في قلب واحد، في بيت واحد، سلام المسيح وعنف الإنسان وقسوته. سلام الرّب يحلّ على "إبن السلام"، أي على الشخص الّذي يقبل إرادة الله في حياته، الشخص المُستعد لأنّ يكون على صورة المسيح "أمير السلام"، الذي يقابل العنف بالسلام، والشرّ بالخير، والأنانيّة بالعطاء. سلام الرّب لا يمكن أن يحلّ إلاّ في قلب من هو مستعدّ لإعلان قيم الإنجيل وأن كانت كلفة هذا الإعلان الشتم وهزء الآخرين به. ولكي يحلّ سلام الرّب في قلب الإنسان، لا بدّ أن يقبل الإنسان أن يحوّل قلبه الى صورة قلب المسيح المطعون بالحربة وهو البريء الطاهر. قبول السلام يحوّلنا الى مسيحٍ آخر.

التوصية الخامسة: شفاء المرضى

يوصي يسوع تلاميذه المُرسلين بعمل الخير وإبعاد الشر والمؤاساة " اشفْوا المَرْضى فيها وقولوا لِلنَّاس: قَدِ اقتَرَبَ مِنكُم مَلَكوتُ الله. (لوقا 10: 9). يرى يسوع في المرض شراً يعانيه البشر، كنتيجة للخطيئة، ودليلاً على تسلّط الشيطان عليهم (لوقا 13: 16). فالمرض هو رمز للحالة التي يوجد فيه الانسان الخاطئ. ولم ينتظر يسوع المسيح مجيء المرضى إليه بل ذهب هو بنفسه إليهم، حاملاً إليهم في الوقت نفسه خيرين أساسيين: البشرى السّارة بالملكوت والشّفاء من كل أمراضهم. وشفاء المرضى يعني انتصار يسوع على الشيطان وإقامة ملكوت الله في الحياة الدنيا. لذا أشرك يسوع رسله وتلاميذه في سلطان شفاء المرضى (متى 10: 1) وذلك لتأييد بشارتهم بالإنجيل (مرقس 16: 17-18). ويُعلق القديس يوحنا الذهبي الفم" لقد أعطى الرّب يسوع لتلاميذه القدرة على شفاء الأجساد، في انتظار أن تعهد لهم المهمة الأكثر أهمّية وهي شفاء النفوس" ( العظة 32 حول إنجيل القدّيس متى). ويذكر سفر اعمال الرسل في مواقف متعددة معجزات الشفاء التي تظهر قوة اسم يسوع وحقيقة قيامته منها: شفاء بطرس الرسول للمقعد عند باب الهيكل في اورشليم (اعمال الرسل 3: 1-3)، وشفاء الشماس فيلبس لمجموعة من الممسوسين والمقعدين والكسحان في السامرة (اعمال الرسل 8: 7)، وشفاء بطرس الرسول للمُعقد أيناس في اللد (اعمال الرسل 9: 32-34)، وشفاء بولس الرسول لكسيح مقعد في لسترة في تركيا حاليا (اعمال الرسل 14: 8-10)، وشفاء بولس الرسول لابي حاكم جزيرة مالطة الذي كان مصاب بالحمّى والدوسنطاريا (اعمال الرسل 28: 8-9). ويُعلق أغناطيوس الانطاكي على توصية المرسلين لشفاء المرضى بقوله " إن خدمة المرضى هي خدمة يسوع نفسه في أعضائه المتألمة وسوف يقول يوم الدينونة: ومَريضاً فعُدتُموني" (متى 25: 36)". فالمرض هو صورة المسيح يسوع وعلامته الظاهرة.

التوصية الأخيرة: عدم اصدار حكم

يوصي يسوع تلاميذه المُرسلين بعدم اصدار حكم. التلاميذ هم غير مخوَّلين لإصدار الحكم على أحد. انما الله هو سيد العالم وله وحده الحكم. "وأَيَّةَ مَدينَةٍ دَخَلتُم ولَم يَقبَلوكم فاخرُجوا إِلى ساحاتِها وقولوا: حتَّى الغُبارُ العالِقُ بِأَقدامِنا مِن مَدينَتِكم نَنفُضُه لَكم. ولكِنِ اعلَموا بِأَنَّ مَلكوتَ اللهِ قدِ اقتَرَب. (لوقا 10-11). في حالة الرفض، يحثُ يسوع التلاميذ على التزام الهدوء، لجعل هذا السلام "يعود إليهم"، دون أي اضطراب. ويُعلق يوحنا الذهبي الفم بقوله "تطلقون عبارات السلام لكنّكم تطلقونها للسلام بحدّ ذاته، وأنا أعطيها لمَن أراه خير أهل لها. وإن لم يكن أحد بأهل لها، لن تكونوا مخطئين والنعمة التي تحملها كلماتكم لن تذهب سُدىً، بل على العكس تعود إليكم، لذلك قال: "وإلاَّ عادَ إِلَيكُم". في الواقع، إنّ السلام الذي ينطق به لسان المبشّر يستقرّ على البيت إذا وجد بعض الأشخاص المهيّئين للحياة والذين يتبعون بطاعة التعاليم السماويّة التي أعطيت لهم. لكن إن كان أحدٌ لا يريد سماعها، لن يبقى المبشّر بدون ثمر، والسلام الذي تمنّاه سيرجع له مع الثواب الذي يعطيه إيّاه الربّ مقابل عمله. " فاحترام حريّة الآخرين، ورفضهم لنا، جزء من تحقيق الملكوت. ونستنتج مما سبق ان طرق المسيح لا تملك معها أي شيء من ‏العالم. لكن الضمان الوحيد للتلاميذه في ارساليتهم هو شخص يسوع ‏فقط وسلامه. ‏

خلاصة

ينفرد إنجيل القديس لوقا بذكر مرتين عن إرسالية التلاميذ. الإرسالية الأوله خاصة الاثني عشر وهي مقصورة على الشعب اليهودي (لوقا 9: 1- 6). اما الإرسالية الثانية خاصة بإثنين وسبعين تلميذا وهي موجّهه إلى الجميع، حتى الشعوب الوثنية (لوقا 10: 1-20). فإن ربَّنا يسوع المسيح يرسل لليهود كما للأمم طالبًا صداقتهم بلا تمييز.

وترتكز مهمة هؤلاء الاثنثن والسبعين الى تهيئة البشر لقرب مجيء ملكوت الله، فاوصاهم بالصلاة إلى رب الحصاد كي يُرسل فعلة لحصاده، موضحًا لهم كيفية حسن التصرف في الطريق، وطلب اليهم حين دخولهم البيوت، نقل سلامه الى أهل ذاك البيت، وقبول ضيافتهم، ودعاهم كي يدخلوا المدن الراغبة في تقبل البشرى السعيدة، وأيضا إلى دخول تلك المنازل الرافضة للبشارة، وكل ذلك قبل أن يصدر حكم الله القاسي على سكان المدينة الرافضين للبشرى، واكّد لهم على أن سلطتهم هي سلطة مستمدة من الله ذاته.

ويوكل الرب إلى تلاميذه عملاً كبيراً جدّا للتبشير، في الوقت الذي يقلُّ فيها العملة، وفي هذا الموضوع لا بد من التوقف عند كلمة البابا الراحل خادم الله يوحنا بولس الثاني، أثناء استقباله أساقفة التشاد حين قال لهم: "أدعوكم مع مؤمنيكم إلى رفع الصلاة، كي يُرسل الله عملة صالحين إلى كرمه، عملة لا يتَّكلون على المال" ولا يطمئنون إلى الزاد ولا ينتعلون حذاء خوفًا على صحتهم ولا يتوقفون في الطرقات للسلام والكلام وإضاعة الوقت".

وكل المسيحي بصفته نال سر العماد هو رسول في خدمة سر البشارة، في كل مكان، وعليه أن يمهد السبيل لدخول الرب وحلوله في كل منزل، وقرية، ومدينة، وبلد، وقارة. فالرسالة ليست حكرا على الرسل وخلفائهم الاساقفة والكهنة والشمامسة، إنها واجب كل مُعمَّد في الكنيسة. كلّنا نشكّل جزءاً من فريق الرسالة هذا، كلّ مُعمّد يحمل في طبيعة معموديّته دعوة الرّب له للانطلاق، للمشاركة في الحصاد وإعلان إنجيل الرّب. وانجيل اليوم يدعونا نحن اليوم ان نقوم على إعلان حبّ الرّب لكلّ إنسان، مهما كان لونه وأصله ومعتقده؛ وإعلان إنجيل السلام والعدل والرحمة.

دعاء

ايها الآب السماوي، يا من تعمدنا باسم ابنك يسوع المسيح، وأصبحنا تلاميذه ارسلنا الى العالم لكي نعلن إنجيل السلام والحبّ والخلاص بروح الصلاة والفقر والتجرد فنبذل حياتنا بوداعة الحمل لكي نحوَّل الذئاب الى حملان ونحمل السلام والمصالحة للناس ونهتم بالمرضى ومؤاساتهم فتصبح حياتنا بأكملها مكّرسة لمجد الله وخلاص النفوس. آمين.

علق عن طريق الفيس بوك علق عن طريق الموقع

التعليقات

أرسل تعليقا

لن يظهر للقراء